أوكرانيا.. أزمة هوية كادت تطلق حربا كونية

بوتين خسر حليفه يانوكوفيتش وكسب القرم.. ويواجه عقوبات الغرب بخيارات محدودة

أوكرانيون يتظاهرون يتقدمون وسط الحرائق في كييف في 29 فبراير في أوج الانتفاضة التي أطاحت بنظام يانوكوفيتش (أ.ف.ب) و جانب من احتجاجات اوكرانيا في 19 فبراير الماضي في كييف ( نيويورك تايمز)
أوكرانيون يتظاهرون يتقدمون وسط الحرائق في كييف في 29 فبراير في أوج الانتفاضة التي أطاحت بنظام يانوكوفيتش (أ.ف.ب) و جانب من احتجاجات اوكرانيا في 19 فبراير الماضي في كييف ( نيويورك تايمز)
TT

أوكرانيا.. أزمة هوية كادت تطلق حربا كونية

أوكرانيون يتظاهرون يتقدمون وسط الحرائق في كييف في 29 فبراير في أوج الانتفاضة التي أطاحت بنظام يانوكوفيتش (أ.ف.ب) و جانب من احتجاجات اوكرانيا في 19 فبراير الماضي في كييف ( نيويورك تايمز)
أوكرانيون يتظاهرون يتقدمون وسط الحرائق في كييف في 29 فبراير في أوج الانتفاضة التي أطاحت بنظام يانوكوفيتش (أ.ف.ب) و جانب من احتجاجات اوكرانيا في 19 فبراير الماضي في كييف ( نيويورك تايمز)

فرضت الأزمة الأوكرانية، منذ اندلاعها في نهاية العام الماضي، واقعا تتباين أطيافه وتأثيراته على مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أوكرانيا نفسها وروسيا، بل وحتى في أوروبا.
وفجرت الأزمة الأوكرانية خلال عام 2014 أكبر أزمة عرفتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وكادت في بعض فصولها تتحول إلى «الأسوأ»، إذ حذر كثيرون من أن الأزمة قد تتطور إلى حرب عالمية إذا لم يجر احتواؤها. وكشفت الأزمة عن وجود أزمة هوية لدى أوكرانيا، إذ يريد سكان مناطقها الشرقية والجنوبية الارتباط أكثر بروسيا بينما يريد سكان العاصمة كييف والمناطق الغربية الارتباط بأوروبا. واندلعت الأزمة الأوكرانية في توقيت مواكب لأحداث «الربيع العربي» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لتعيد إلى الأذهان موجات «الثورات الملونة» التي اشتعلت في كثير من أرجاء الاتحاد السوفياتي السابق، في مطلع القرن الحالي بداية من «ثورة الزهور» في جورجيا، التي أعقبتها «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا في نهاية عام 2004. إلا أن الهزيمة التي لحقت بتلك الثورة والإطاحة برموزها، ومنهم فيكتور يوشينكو ويوليا تيموشينكو، لم تثنِ «أصحاب الفكرة» عن معاودة محاولاتهم.
وبينما يربط المحللون الأوكرانيون والغربيون جذور الأزمة برفض الرئيس المطاح به فيكتور يانوكوفيتش توقيع اتفاق شراكة مع أوروبا وتفضيله تقاربا مع موسكو، مما دفع بقطاعات واسعة من الشعب إلى الانتفاض ضده على غرار ما وقع في بلدان «الربيع العربي»، فإن الروس ظلوا يرددون أن القضية أبعد من ذلك، وأن الهدف من كل ما وقع كان ولا يزال «روسيا المترامية الأطراف المتعددة القوميات»، في إطار الحلم المؤجل منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، وهو ما تداركته موسكو، التي أعلنت أخيرا، وعلى لسان الكثيرين من أبرز شخصيات القيادة الروسية، ومنهم سيرغي إيفانوف رئيس ديوان الكرملين وميخائيل فرادكوف رئيس جهاز المخابرات الخارجية، عن وجود مخططات أميركية تستهدف إسقاط حكم الرئيس فلاديمير بوتين.
وأعلنت مصادر روسية نقلا عن مصادر أميركية أن الخطة السابقة تضمنت العمل من أجل تقسيم روسيا إلى 50 ولاية ومقاطعة، وأن دوائر الاستخبارات الغربية بذلت الكثير من أجل تنفيذ الخطة في مطلع تسعينات القرن الماضي، من خلال إذكاء الحركات الانفصالية في الشيشان وشمال القوقاز، وفيما وراء الأوروال وفي سيبيريا. وإذا كانت هذه الخطة فشلت رغم كل ما اعترى القيادة الروسية آنذاك من ضعف وهوان، فقد عادت الإدارة الأميركية الحالية، بحسب الرؤية الروسية، إلى هذه الخطة مع مطلع عام 2012 حين أدركت أن القادم إلى الكرملين هو فلاديمير بوتين لاستكمال ما بدأه خلال ولايتيه السابقتين، وما كشف عنه صراحة في خطابه الشهير في ميونيخ، في مؤتمر الأمن الأوروبي الذي عُقد في فبراير (شباط) 2007.
استغلت الدوائر الغربية محاولات الاتحاد الأوروبي طلب القيادة الأوكرانية حول تأجيل التوقيع على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في قمة فيلنيوس التي عقدت في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، لتبدأ في تنفيذ مخططها للإطاحة بالرئيس يانوكوفيتش، كمقدمة للتفرغ لتنفيذ الحلم المؤجل بشأن روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين. ولم يكن الرئيس يانوكوفيتش أعلن عن رفض بلاده لما يطرحه الاتحاد الأوروبي، بل طلب مجرد التأجيل نظرا لأن بلاده ليست مؤهلة بعد لتطبيق ما ينص عليه اتفاق الشراكة من إصلاحات في مجال التشريعات الانتخابية والمنظومة القضائية، وغير ذلك من الشروط التي وصفها بـ«المجحفة». وقالت مصادر أوروبية إن «التخلي عن هذه الشروط المبدئية سيؤدي إلى تجريد اتفاقية الشراكة ومنطقة التجارة الحرة من معناها»، مؤكدة أن «هذه الاتفاقية معنية ليس بالاقتصاد ورفاهية الشعب الأوكراني فحسب، بل وبالقيم الأوروبية المشتركة أيضا».
وعزت المصادر الغربية رفض أوكرانيا التوقيع على معاهدة الشراكة إلى ضغوط من روسيا.
ولذا كان من الطبيعي ألا تكتفي الإدارة الأميركية بكل ما قدمه الرئيس الأوكراني السابق يانوكوفيتش من تنازلات بموجب اتفاق 21 فبراير (شباط) الماضي وبضمانات من جانب وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبولندا، فضلا عن نزوله على إرادة المعارضة التي استجاب لكل طلباتها، حيث مضت إلى ما هو أبعد لتبارك خطة الإطاحة بيانوكوفيتش، وتشكيل ما وصفه أرسيني ياتسينيوك رئيس الحكومة الحالي بـ«حكومة المنتصرين». وما إن اندلعت المواجهات في كييف حتى راحت القوى القومية الأكثر تشددا تعيث في أرجاء الدولة الأوكرانية، ترفع راية الثأر من الماضي، وتصفية حساباتها مع «بقايا الإمبراطورية»، على حد تعبير قياداتها.
ومباشرة بعد اندلاع المواجهات في كييف وفرار الرئيس يانوكوفيتش إلى روسيا، أخذت الأزمة بعدا آخر، إذ تفجر الوضع في المناطق الواقعة في جنوب شرقي أوكرانيا، بما فيها شبه جزيرة القرم، حيث توجد غالبية من السكان الناطقين بالروسية والموالين لموسكو.
ومع تسارع الأحداث، نظم «استفتاء شعبي» في القرم بهدف التحاق شبه الجزيرة بروسيا، وهو ما تم بسرعة في مارس (آذار). ورغم «حسم» الأمر بسرعة وبطريقة سلمية في القرم، فإن مناطق حوض الدونباس، وخصوصا منطقتي لوغانسك ودونيتسك شهدت تمردا واسعا تحول إلى حرب حقيقية حصدت آلاف القتلى بين الجانبين.
وكان لافتا أن جاءت خطوة ضم القرم إلى روسيا بما يعني ضم 26 ألف كيلومتر مربعا إلى الأراضي الروسية، في توقيت مواكب لتسليم الأمم المتحدة لموسكو وثيقة تعترف بـ«تبعية بحر أوخوتسك في الشرق الأقصى إلى روسيا» المعروف بموارده الهائلة من الثروة السمكية ومصادر الطاقة.
ولقيت خطوة ضم الرقم استنكارا دوليا واسعا، خصوصا في العواصم الغربية. وتجسد ذلك الاستنكار في إبعاد روسيا من قمة مجموعة الـ8، ومحاولة عزلها دوليا. لكن الخطوة الأكبر كانت فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سلسلة عقوبات متناغمة استهدفت كثيرا من الشخصيات الروسية، ومنها المقربة من القيادة السياسية.
ومنذ فرض تلك العقوبات عليها، تحاول موسكو الرد بخيارات محدودة، حسبما يرى بعض المحللين في الغرب. وأجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اتصالات مع نظرائه، ومنهم الأميركي جون كيري، في محاولة لتأكيد عدم مشروعية المواقف الغربية من استفتاء القرم انطلاقا من مواقف مشابهة سبق للغرب أن تبناها، مثلما حدث في كوسوفو. وكشفت المصادر الروسية لاحقا عن تداركها لمغبة سرعة تدخل حلف الناتو وتحول القيادة الأوكرانية الجديدة إلى مطالبة روسيا بالجلاء عن قاعدة أسطولها في البحر الأسود عن شبه جزيرة القرم، وإفساح المجال أمام تحويلها لقاعدة للناتو لأول مرة في تاريخ المنطقة.
ورغم أن نهاية العام شهدت انفراجة ملحوظة تمثلت في إقرار هدنة بين الأطراف المتحاربة جنوب شرقي أوكرانيا، وبوادر قبول الجانبين المتصارعين بالحوار واستئناف المباحثات السياسية على مستوى مجموعة الاتصال في مينسك، فإن الوثيقة التي أقرها الكونغرس الأميركي تحت اسم «دعم الحرية في أوكرانيا»، وتلويح واشنطن باحتمالات فرض عقوبات جديدة ضد روسيا، أثارا الكثير من التوتر في علاقات القطبين الأعظمين، مما دفع الخارجية الروسية إلى إصدار بيانها الذي قالت فيه باحتمالات اتخاذ إجراءات جوابية، وهو ما لا بد أن ينعكس على الأوضاع في أوكرانيا والعلاقات الأوروبية الروسية.
وكان الرئيس بوتين أعلن صراحة أن واشنطن لو لم تجد أوكرانيا والقرم ذريعة لما اتخذته من إجراءات عدوانية ضد روسيا، لكانت بحثت عن مبرر آخر، لأنها لا تطيق «روسيا قوية مستقلة الإرادة»، مشيرا إلى الرغبة القديمة التي طالما راودت ولا تزال الولايات المتحدة لاحتواء روسيا، وهو ما سبق أن نجحت فيه واشنطن في تسعينات القرن الماضي، إبان عهد الرئيس الأسبق بوريس يلتسين، وما جاء بوتين لتصحيح ما ارتكبه من آثام وأخطاء، مؤكدا باستعادة القرم أنه يظل عند موقفه من ضرورة إعلاء معايير العالم المتعدد الأقطاب بعيدا عن هيمنة قوى بعينها.
ومع اقتراب نهاية العام، أقر البرلمان الأوكراني الذي باتت تهيمن عليه القوى الموالية للغرب خطوة كبيرة باتجاه الانضمام مستقبلا إلى حلف شمال الأطلسي، وأقرت التخلي عن وضعها كدولة غير منحازة، ولقيت الخطوة ردود فعل غاضبة من موسكو.



الاتحاد الأوروبي بمواجهة حائط مسدود في غرينلاند وترمب يمعن في الاستفزاز

صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال»
صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال»
TT

الاتحاد الأوروبي بمواجهة حائط مسدود في غرينلاند وترمب يمعن في الاستفزاز

صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال»
صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال»

لا يبدو أن التهديدات الأوروبية بالرد على هوسه بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند القطبية لها أي أثر على الرئيس الأميركي، الذي ينظر بكثير من الازدراء لما يمثله الاتحاد الأوروبي ولما يستطيع القيام به لعرقلة مشروعه التوسعي. ومجدداً، كتب الثلاثاء على شبكته «تروث سوشيال» أنه وافق على طلب مارك روته، أمين عام الحلف الأطلسي، لعقد اجتماع مع قادة الدول الأوروبية المعنية بملف غرينلاند في دافوس بمناسبة مجيئه الأربعاء للمنتجع السويسري ليلقي خطابه أمام المنتدى الاقتصادي العالمي.

وإذ وصف مكالمته الهاتفية مع روته بأنها «جيدة جداً» بخصوص غرينلاند، عاد ليؤكد ما حرفيته: «كما عبّرت للجميع، وبوضوح تام، فإن غرينلاند ضرورية للأمن القومي والعالمي. لا يمكن التراجع عن هذا الأمر، الجميع متفق على ذلك».

صورة نشرها ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهر العلم الأميركي على جزيرة غرينلاند

ومرة أخرى، يلجأ دونالد ترمب إلى حجة المحافظة على الأمن القومي لأميركا التي تتمتع بحضور عسكري في الجزيرة المذكورة وباتفاق موقع مع الدنمارك، صاحبة السيادة، يعود لعام 1954، ويتيح لواشنطن أن تفعل ما تريد أمنياً واستراتيجياً من غير الحاجة لضم الجزيرة. وأبدت السلطات الدنماركية الاستعداد الكامل للتعاون.

بيد أن ترمب يريد «صك ملكية» يمكنه من أن «يفعل ما يشاء»، وفق تصريحاته ويريحه «نفسياً». كذلك، يعيب ترمب على كوبنهاغن «ضعفها العسكري» وعجزها عن حماية غرينلاند من الأطماع الروسية والصينية. وفي أي حال، شكك في رسالة بعث بها لرئيس وزراء النرويج، الأحد، بشرعية ملكية وسيادة الدنمارك لها وضعف حجتها بأن «إحدى سفنها» رست هناك. أما ما يتناول رغبة سكان الجزيرة الذين يتمتعون بحكم ذاتي والذين تظاهروا ضد الخطط الأميركية، فإن ترمب لا يرى في ذلك صعوبة تمنعه من شراء غرينلاند. ورد على تساؤل بهذا المعنى لصحافي الاثنين في فلورديا بقوله: «لا أعتقد أنهم (سكان غرينلاند) سيقاومون كثيراً. يجب أن نحصل عليها (الجزيرة)».

قمم متنقلة

في حمأة تبادل التهديدات بالعقوبات بين الأوروبيين والجانب الأميركي، تتكثف المبادرات الدبلوماسية عالية المستوى. فأنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، دعا لقمة «طارئة» مساء الخميس القادم للنظر في التطورات وفي الإجراءات التي ينبغي على الاتحاد الأوروبي القيام بها رداً على ترمب، علماً بأن سفراء الدول الأعضاء في الاتحاد عقدوا اجتماعات تمهيدية الأحد والاثنين لدرس الوسائل الممكنة.

جنود دنماركيون أثناء تدريب على الرماية بموقع غير محدد في غرينلاند 18 يناير 2025 (أ.ف.ب)

اختيار كوستا ليوم الخميس ليس صدفة، بل جاء من باب الحرص على معرفة ما سينتج عن لقاء دافوس في حال حصوله، وعن اللقاءات التي ينوي عدد من القادة الأوروبيين (سواء الدول أو الاتحاد) عقدها مع الرئيس الأميركي. كذلك، فإن إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، الذي ترأس بلاده مجموعة السبع لهذا العام، بعث بـ«رسالة خاصة» إلى ترمب يعرض فيها تنظيم قمة لـ«مجموعة السبع» في باريس الخميس للنظر في ملف غرينلاند.

بيد أن ماكرون وسع الإطار واقترح على ترمب «دعوة الأوكرانيين والدنماركيين والسوريين والروس على هامش الاجتماع». وفي بادرة غير مسبوقة في تبادل الرسائل بين قادة الدول، لم يتردد ترمب في نشر صورة لها على منصته الخاصة. واللافت أنه في حمأة الخلافات بين ماكرون، الذي يرفع راية التصلب والوقوف بوجه أطماع ترمب الذي هدد ثماني دول أوروبية بفرض رسوم إضافية عليها بدءاً من أول الشهر القادم طالما تقاوم سعيه للاستحواذ على غرينلاند، توجه للأخير بما يلي: «صديقي، نحن متفقون تماماً بشأن سوريا. يمكننا أن نحقق أشياء عظيمة بشأن إيران. لا أفهم ما الذي تفعله بشأن غرينلاند». وأضاف: «يمكنني تنظيم اجتماع لمجموعة السبع بعد دافوس في باريس بعد ظهر يوم الخميس». ولمزيد من التودد، اقترح ماكرون أن يدعو ترمب لعشاء خاص في باريس قبل عودة الأخير إلى بلاده.

مظاهرة ضمت ما يقرب من ثلث سكان غرينلاند للاحتجاج على خطط ترمب للاستيلاء على الجزيرة في 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ورغم ما قيل عن هذه الاجتماعات المتتالية، فإن الرئيس الفرنسي نفى الثلاثاء عقد اجتماع لمجموعة السبع الخميس في باريس. وقال ماكرون لمراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» على هامش منتدى دافوس: «ليس هناك اجتماع مقرر. الرئاسة الفرنسية مستعدة لعقد اجتماع» مماثل.

هجوم على الرئيس الفرنسي

ماكرون الذي لا يتردد أبداً في التنديد بالسياسات «الترمبية» التي يرى فيها تجسيداً لـ«الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة» في العلاقات الدولية، يجد نفسه بمواجهة صعوبة إضافية مع نظيره الأميركي.

فالأخير لم يتردد في التهديد بفرض «رسوم جمركية بنسبة 200 في المائة» على صادرات فرنسا إلى الولايات المتحدة من الخمور والشمبانيا؛ عقاباً للرئيس الفرنسي الذي رفض الانضمام إلى «مجلس السلام» الذي يريد ترمب ترؤسه وإنشاءه على قياسه.

وقال ترمب، مساء الاثنين، متحدثاً لصحافيين عن رفض ماكرون: «حسناً، لا أحد يريده (ماكرون)، لأنه سيصبح قريباً من دون ولاية». وأضاف: «سأفرض رسوماً جمركية بنسبة 200 في المائة على نبيذه وشمبانياه. وسينضم إلى المجلس. لكنه غير مُلزَم بالانضمام». وردت مصادر الإليزيه سريعاً، واصفة تهديدات ترمب بـ«غير المقبولة» و«غير الفعالة» وغرضها «التأثير على السياسة الفرنسية الخارجية».

طائرة هيركوليس عسكرية تتأهب للهبوط في مطار نوك عاصمة غرينلاند في إطار المناورات العسكرية التي تجرى لتعزيز الدفاع عن الجزيرة والمنطقة القطبية (إ.ب.أ)

ويرى أكثر من مصدر في باريس أن الأوروبيين يجدون أنفسهم «حتى اليوم» أمام حائط مسدود عنوانه رفض ترمب التراجع مهما كان الثمن المترتب على تنفيذ خطته، بما فيها خطر تفكك الحلف الأطلسي. ولمزيد من الاستفزاز، لم يتردد ترمب عن نشر صور معدّلة إحداها تُظهره وهو يغرس العلم الأميركي إلى جانب لافتة كتب عليها: «غرينلاند، إقليم أميركي، تأسس عام 2026». كذلك نشر صورة أخرى تبينه في المكتب البيضاوي إلى جانب خريطة غرينلاند وكندا مغطاتين بالعلم الأميركي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمته الثلاثاء أمام المنتدى الاقتصادي في دافوس (أ.ب)

الخيارات الأوروبية

أعلنت قيادة دفاع الفضاء الجوي الأميركية الشمالية (نوراد) أن طائرات عسكرية ستصل إلى غرينلاند للمشاركة في «نشاطات مقررة منذ زمن طويل»، وذلك في ظل توتر بشأن سعي الرئيس دونالد ترمب للسيطرة على غرينلاند. وقالت القيادة الأميركية الكندية المشتركة: «تمّ تنسيق هذا النشاط مع مملكة الدنمارك، وتعمل كل القوات بموجب التصاريح الدبلوماسية اللازمة. تمّ إبلاغ حكومة غرينلاند كذلك بالنشاطات المقررة».

وإذا كان من نافل القول استبعاد الرد العسكري، فإن ما يتبقى لهم هو التمسك بمبادئ الأمم المتحدة، واحترام سيادة الدول على أراضيها، وإعلان الرفض المطلق للاعتراف بضم غرينلاند، وممارسة الضغوط الدبلوماسية والسياسية على إدارة ترمب. وبهذا الصدد، قال ماكرون ⁠الثلاثاء ‌إن حلف شمال الأطلسي أصبح الآن «⁠مؤسسة ‌ضعيفة» مع تطور أحداث غرينلاند.

بيد أن الأوروبيين يملكون سلاحاً قوياً يتمثل في شرط المحافظة على «وحدة الموقف»؛ فهم، من جهة، قادرون على الرد بفرض رسوم جمركية مناهضة لرسوم ترمب. ومن جهة ثانية، العمل مع البرلمان الأوروبي لرفض التصديق على اتفاقية التجارة التي وقعت مع واشنطن في شهر يونيو (حزيران) الماضي والتي اعتبرها الكثير من الأوروبيين بأنها مجحفة بحقهم.

وأخيراً، بإمكانهم تفعيل ما يسميه بعضهم «سلاح الردع الاقتصادي»؛ أي الاستعانة بآلية «مكافحة الإكراه» التي تتيح لهم منع بضائع أميركية من الوصول إلى أسواقهم، وإزاحة الشركات الأميركية من العقود العمومية، أو الاستثمار في قطاعات محددة... ومن شأن هذه الأدوات الإضرار بالاقتصاد الأميركي. إلا أنها، بالمقابل، ستفتح معركة تجارية حامية سيعاني منها الطرفان. وإزاء هذه السيناريوهات، ثمة رهانان أوروبيان: الأول، طبيعة القرار المفترض أن يصدر عن المحكمة العليا الفيدرالية الأميركية بشأن دستورية رسوم ترمب. والثاني، الانتخابات النصفية الأميركية التي عادة ما يخسرها الفريق الحاكم، ما سيكبل يدي ترمب؛ الأمر الذي يفسر استعجاله حالياً للنفاذ بخطته.

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (وسط) ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتسفلدت ووزير الدفاع الدنماركي رويلز لوند بولسن في بروكسل الاثنين (إ.ب.أ)

زيادة للاستثمارات في غرينلاند

طالبت رئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن، الثلاثاء، أوروبا بالرد إذا اندلعت حرب تجارية مع الولايات المتحدة نتيجة تهديدات ترمب. وقالت فريدريكسن أمام البرلمان الدنماركي: «نحن كـ(أوروبا)، إذا بدأ أي طرف حرباً تجارية ضدنا - وهو أمر لا أنصح به إطلاقاً - علينا بالطبع أن نرد. نحن مجبرون على ذلك». وأضافت: «لم نسع يوماً إلى أي نزاع».

بدورها؛ تعهدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، الثلاثاء، بزيادة كبيرة للاستثمارات الأوروبية في غرينلاند، والعمل مع الولايات المتحدة على «تعزيز الأمن في القطب الشمالي». وقالت فون دير لايين: «نعمل على زيادة ضخمة في الاستثمارات الأوروبية في غرينلاند»، وذلك في كلمة ألقتها من منبر المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، من دون أن تذكر أي أرقام. وأضافت: «سنعمل بشكل وثيق مع غرينلاند والدنمارك لتحديد كيف يمكننا تقديم مزيد من الدعم للاقتصاد المحلي والبنى التحتية».

وتابعت: «أفكر بشكل خاص في أننا ينبغي أن نخصص جزءاً من الزيادة في إنفاقنا الدفاعي لإنشاء قوة أوروبية لكاسحات الجليد، وغيرها من المعدات الأساسية لأمن القطب الشمالي». وشددت كذلك على رغبتها في العمل مع الولايات المتحدة «وجميع شركائنا» على «تعزيز الأمن في القطب الشمالي». وقالت إن «هذا يصب بوضوح في مصلحتنا المشتركة، وسنزيد استثماراتنا».

وفي كلمتها، وعدت فون دير لايين أيضاً بردّ «حازم» على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتكررة بشأن غرينلاند وزيادة التعريفات الجمركية. وقالت: «نحن نعتبر الشعب الأميركي، ليس حليفاً لنا فحسب، بل نعده صديقاً أيضاً. أما دفعنا إلى دوامة من التوتر، فلن يفيد إلا الخصوم، الذين نحن عازمون جميعاً على ردعهم».


انقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن برلمان أوكرانيا جراء ضربات روسية

العلم الأوكراني على قبة البرلمان في العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز - أرشيفية)
العلم الأوكراني على قبة البرلمان في العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز - أرشيفية)
TT

انقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن برلمان أوكرانيا جراء ضربات روسية

العلم الأوكراني على قبة البرلمان في العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز - أرشيفية)
العلم الأوكراني على قبة البرلمان في العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز - أرشيفية)

تسببت ضربات شنتها روسيا بعد منتصف الليل على منشآت الطاقة الأوكرانية في انقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن مبنى البرلمان في كييف، وفق ما أفاد به رئيسه، الثلاثاء.

وقال رسلان ستيفانتشوك عبر الشبكات الاجتماعية: «بعد هجوم جديد بالصواريخ والمسيّرات الروسية، انقطعت الكهرباء والمياه والتدفئة عن مدن أوكرانية. البرلمان الأوكراني حُرم بدوره من هذه الخدمات الحيوية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا تدعم تعليق اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تدعم تعليق اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

كشف وزير الخارجية الفرنسي ​جان نويل بارو، اليوم الثلاثاء، أن باريس تؤيد تعليق اتفاق التجارة المبرم بين الاتحاد الأوروبي ‌والولايات المتحدة، ‌الصيف الماضي، ‌مع ⁠اشتداد ​الخلاف ‌على مستقبل غرينلاند، وفقاً لوكالة «رويترز».

وهدَّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية أخرى على بعض الدول الأوروبية ⁠لحين السماح للولايات ‌المتحدة بالسيطرة على الجزيرة التابعة للدنمرك.

وقال بارو، أمام البرلمان: «التهديد بالرسوم الجمركية (يُستخدم) وسيلة ابتزاز للحصول على ​تنازلات غير مبرَّرة»، مضيفاً أن المفوضية الأوروبية ⁠لديها «أدوات قوية جداً» للرد على تهديد ترمب.

ويدرس البرلمان الأوروبي تعليق تنفيذ اتفاق التجارة احتجاجاً على تهديد ترمب بالسيطرة على غرينلاند.

أما فيما يرتبط بغزة، فقال وزير الخارجية الفرنسي: «ندعم تنفيذ خطة ترمب للسلام في غزة، لكننا لا ندعم إنشاء منظمة تحل محل الأمم المتحدة».

ويسعى ترمب إلى إنشاء «مجلس سلام» يخضع لإمرته للمساهمة في حلّ النزاعات حول العالم، فيما قد يفضي إلى تشكيل هيئة منافسة للأمم المتحدة، مع اشتراط دفع مليار دولار للحصول على مقعد دائم، وفق «ميثاق» اطّلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية».

كان البيت الأبيض قد أعلن أنه في إطار الخطة المدعومة من واشنطن لإنهاء الحرب في قطاع غزة، سيجري تشكيل «مجلس سلام» يرأسه دونالد ترمب. وكشفت دول عدة، منذ نهاية الأسبوع الماضي، أنها تلقت دعوة للمشاركة فيه، بينها فرنسا وألمانيا وكندا وروسيا والصين.