أفغانستان تطوي صفحة كرزاي.. والوحدة الوطنية عنوان المرحلة المقبلة

نقل السلطة بصورة سلمية تم بوساطة أميركية أدت إلى التوقيع على اتفاق سياسي بين أشرف غني وعبد الله عبد الله

أشرف غني خلال حملته الانتخابية الرئاسية في 22 مارس الماضي (نيويورك تايمز) و أفغانية تدلي بصوتها في الانتخابات الرئاسية في مزار شريف يوم 5 ابريل (نيسان) الماضي (رويترز)
أشرف غني خلال حملته الانتخابية الرئاسية في 22 مارس الماضي (نيويورك تايمز) و أفغانية تدلي بصوتها في الانتخابات الرئاسية في مزار شريف يوم 5 ابريل (نيسان) الماضي (رويترز)
TT

أفغانستان تطوي صفحة كرزاي.. والوحدة الوطنية عنوان المرحلة المقبلة

أشرف غني خلال حملته الانتخابية الرئاسية في 22 مارس الماضي (نيويورك تايمز) و أفغانية تدلي بصوتها في الانتخابات الرئاسية في مزار شريف يوم 5 ابريل (نيسان) الماضي (رويترز)
أشرف غني خلال حملته الانتخابية الرئاسية في 22 مارس الماضي (نيويورك تايمز) و أفغانية تدلي بصوتها في الانتخابات الرئاسية في مزار شريف يوم 5 ابريل (نيسان) الماضي (رويترز)

مثل الرئيس الأفغاني الأسبق حميد كرزاي عنوانا لمرحلة سياسية وأمنية عاشتها أفغانستان عقب الإطاحة بنظام حركة طالبان المتشددة نهاية عام 2001، وذلك في هجوم شنه التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) في واشنطن ونيويورك، وامتدت فترة قيادة كرزاي لأفغانستان الجديدة إلى نهاية عام 2014، حتى سلم السلطة سلميا لرئيس جديد للبلد هو محمد أشرف غني، الذي فاز بجولة الإعادة في انتخابات رئاسية مثيرة للجدل شابها كثير من التلاعب والتزوير.
عملية نقل السلطة بصورة سلمية تمت بعد وساطة أميركية أدت إلى التوقيع على اتفاق سياسي بين مرشحي الرئاسة، أشرف غني وعبد الله عبد الله، أدى إلى تقسيم السلطة بين الفريقين مناصفة وإحداث منصب سياسي جديد وهو رئاسة السلطة التنفيذية، حيث أحرز عبد الله عبد الله هذا المنصب مقابل قبول نتائج الانتخابات ومباركة أشرف غني رئيسا جديدا للبلاد التي مزقتها الحرب ولا تزال التوترات الأمنية مستمرة في غالبية مناطقها بالجنوب والشرق، حيث تقطن الغالبية الباشتونية التي تنحدر منها حركة طالبان.
كرزاي، الرئيس الأفغاني السابق، وهو ينتمي إلى قبيلة باشتونية تعد كبرى القبائل في أفغانستان، تربع على كرسي الرئاسة لمدة ثلاثة عشر عاما، وقد شهدت الساحة الأفغانية في عهده تطورات ومفاجآت على كل الأصعدة السياسية والأمنية وحتى الاجتماعية. وقد استطاع كرزاي لم شمل الأفرقاء الأفغان والعرقيات المتناحرة تحت راية وعلم أفغاني موحد، ونجح كذلك في تشكيل حكومات ومؤسسات الدولة بمشاركة جميع العرقيات والأطياف الساكنة في أفغانستان والتي كانت تقاتل منذ أكثر من ثلاثة عقود. كما تمكن كرزاي، وهو خريج الجامعات الهندية في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، من بسط سيطرة حكومته على معظم الأراضي الأفغانية بفضل الوجود العسكري الغربي والأميركي في البلاد، التي بلغ عديد القوات الدولية فيها حينها نحو 150000 جندي استقروا في البلاد بهدف ملاحقة فلول «القاعدة» ومقاتلي طالبان.
وقد لعب الرئيس الأفغاني السابق كرزاي دورا مهما في عودة أفغانستان إلى الساحة الدولية والإقليمية من خلال مساعيه الدبلوماسية عبر عقد مؤتمرات دولية للمانحين حول الأزمة الأفغانية، ومساعدتها في بناء مؤسساتها الحيوية كالجيش والشرطة، وتحسين ظروف حياة المواطن الأفغاني التي تضررت وانهارت بسبب استمرار الحرب في البلاد منذ الغزو السوفياتي السابق في ثمانينات القرن الماضي. الشعب الأفغاني، الذي أنهكته الحروب المتتالية وقمع حركة طالبان المتشددة، وجد في كرزاي شخصية منقذة لمشاكل البلاد، وموحدا لكل الإثنيات المتناحرة، وذلك في السنوات الخمس الأولى من حكمه عقب رحيل طالبان، لكن هذه النظرة سرعان ما بدأت تتغير لدى كثير من الأفغانيين خاصة في الشمال والوسط الأفغاني، حيث الغالبية غير الباشتونية من عرقيات الطاجيك والأوزبك والهزارة، حيث باتت هذه العرقيات ترى في كرزاي رجلا عنصريا يسعى إلى عودة حكم طالبان، وأنه لا يتخذ مواقف صارمة تجاه طالبان وهي التي تقوم بقتل الأفغان في عمليات انتحارية وتفجيرات تنفذها في غالبية المناطق تحصد الآلاف من المدنيين الأبرياء.
كما أن سلسلة عمليات اغتيال طالت قادة ما كان يعرف بتحالف الشمال السابق، المكون من غير الباشتون في عهد كرزاي، وعلى رأسها مقتل برهان الدين رباني زعيم «الجمعية الإسلامية» ورئيس «مجلس السلام الأفغاني» في هجوم شنه انتحاري داخل منزله بكابل، ومقتل قادة ميدانيين في التحالف المناهض لطالبان في عمليات غامضة أوجدت شرخا كبيرا من جديد بين العرقيات غير الباشتونية من جهة، والرئيس كرزاي من جهة أخرى، حيث اعتقد البعض أن الحكومة هي التي تقف وراء تصفية قادة مناوئين لطالبان، الأمر الذي خفض من شعبية كرزاي الذي كان يوما ما زعيما وطنيا بلا منازع.
لعبت الانتخابات الرئاسية لتولي منصب الرئاسة خلفا للرئيس السابق حميد كرزاي دورا كبيرا في إيجاد الشرخ بين الإثنيات العرقية في أفغانستان، وعقدت التحالفات الانتخابية على أساس طائفي وعرقي وجهوي، الأمر الذي أقلق الشارع الأفغاني من عودة الحروب الأهلية والصراعات العرقية في حال لم تقبل جهة ما نتائج الانتخابات. واتجهت أفغانستان نحو مسار مجهول عندما أعلن المرشح البارز أشرف غني تولي منصب الرئاسة، والذي تقدم في الجولة الأولى على عبد الله عبد الله الذي رفض قبول النتائج، متهما اللجان الانتخابية بالتلاعب في أوراق الناخبين، وهدد بتشكيل حكومة موازية في حال أعلنت اللجنة المستقلة للانتخابات النتائج النهائية دون التوصل إلى دراسة كل الطعون التي سجلت أثناء عملية الاقتراع للجولة الثانية.
وعلى أثر ذلك، تحركت الولايات المتحدة الأميركية عبر وزير خارجيتها جون كيري بعد أن أدركت خطورة الوضع السياسي في أفغانستان، خاصة أن القوات الأميركية كانت ستنسحب منها نهاية العام المنقضي منذ أيام، فقام الوزير الأميركي بجولات مكوكية إلى العاصمة كابل، حيث أجرى مباحثات مع المرشحين عبد الله عبد الله وأشرف غني، خلص من خلالها إلى اتفاق سياسي يقضي بإعادة فرز جميع أوراق الناخبين وقبول النتائج من كلا الطرفين، ومن ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية وإحداث منصب سياسي جديد خارج الدستور الأفغاني، وهو منصب رئيس السلطة التنفيذية، حيث جاء في الاتفاق أن الفائز في جولة الإعادة سيتولى منصب الرئاسة لمدة خمس سنوات مقبلة، أما الرجل الثاني فهو سيتولى منصب رئاسة السلطة التنفيذية، على أن يتم توزيع باقي الحقائب الوزارية بينهما بالتساوي ومناصفة خاصة الحقائب السيادية كالداخلية والدفاع والخارجية والمالية.
وتباينت آراء المراقبين والمحللين الأفغان، فالبعض رأى في الاتفاق قفزا على القانون والدستور، وأنه دفن العملية الديمقراطية الوليدة في البلاد، والبعض الآخر رأى بأن هذا الاتفاق أنقذ البلاد من التقسيم والتشرذم وعودة الحروب الأهلية على غرار تسعينات القرن الماضي، وأن حكومة الوحدة هي الخيار الوحيد لإنقاذ أفغانستان من الصراعات الجديدة.
يقول حبيب حكيمي، وهو محلل سياسي أفغاني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاتفاق السياسي الذي أدى أخيرا إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية من كلا الفريقين الانتخابيين جنب أفغانستان فتنة طائفية كادت تعصف بالبلاد وتقسمها عرقيا، خاصة بعد جولة الانتخابات الرئاسية لنقل السلطة من حميد كرزاي إلى خلفه، مشيرا إلى أن الطرفين مطلوب منهما الآن إنقاذ حكومة الوحدة والعمل معا لوضع نهاية للمأساة والمعاناة والتوصل إلى صيغة سياسية تنهي الحرب المستمرة في البلاد وتضع نهاية للتوترات الأمنية التي تعيشها أفغانستان.
غير أن البعض لا يتفاءل كثيرا في ما يتعلق بحكومة الوحدة الوطنية، ويعتبر التجربة فاشلة بسبب تباين الآراء بين قادة سياسيين حول ملفات أمنية وسياسية مهمة. يقول الخبير الاستراتيجي أمين الدين حامدي، لـ«الشرق الأوسط»، إن حكومة الوحدة محكومة بالفشل، لأنها جاءت برأسين إلى الحكم، كما أن الحقائب الوزارية سيتم تقسيمها بين الجانبين، وهو ما يعني أن الوزراء سيتنصلون من مسؤولياتهم، والخاسر الوحيد في هذا هو الشعب الأفغاني، على حد تعبير حامدي.

* ملفات عالقة
* تواجه أفغانستان ملفات سياسية وأمنية عالقة وهي تدخل عام 2015، العام الذي سيظهر مدة قدرة الأفغان على الاحتفاظ بما تحقق بمساعدة المجتمع الدولي من إنجازات خلال أربعة عشر عاما، عقب رحيل حكومة طالبان. الحكومة الأفغانية وحلفاؤها الغربيون أطلقوا على السنوات العشر المقبلة عقد الانتقال، بمعنى الانتقال السياسي والأمني بشكل كامل من المجتمع الدولي والقوات الدولية المنتشرة في أفغانستان إلى الحكومة الأفغانية التي تسعى إلى الوقوف على قدميها، لكنها تؤكد أنها ستظل بحاجة ماسة إلى المساعدات الدولية خلال السنوات العشر المقبلة حتى تكون قادرة على مواجهة الأخطار الأمنية والسياسية.

* انتقال الملف الأمني من القوات الدولية «إيساف» إلى القوات الأفغانية
* وفقا للجدول المعلن، انسحبت القوات الأجنبية المقاتلة من أفغانستان مع نهاية الشهر الماضي، معلنة بذلك وضع نهاية لأطول حرب أميركية وأطلسية في تاريخها، غير أن الولايات المتحدة الأميركية أبقت نحو عشرة آلاف عسكري أميركي في تسع قواعد عسكرية موزعة في عدد من الأقاليم الأفغانية حتى عام 2024، بهدف مواصلة دعم وتدريب القوات الأمنية الأفغانية وتجهيزها بالسلاح والعتاد في مواجهة خطر طالبان والجماعات المسلحة الأخرى. كما أعلن الحلف الأطلسي إبقاء زهاء ثلاثة آلاف جندي بذات الهدف في أفغانستان ما بعد انسحاب القوات المقاتلة، وهو ما يعني بالنسبة للأفغان مواصلة الدعم الدولي لمؤسساتهم الأمنية والدفاعية. وكانت كابل وواشنطن قد وقعتا على اتفاقية أمنية تسمح بإنشاء قواعد عسكرية شبه دائمة للقوات الأميركية في أفغانستان، وكذلك فعل حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي لاقى معارضة عنيفة من قبل طالبان التي هددت بمواصلة حربها حتى خروج آخر جندي أجنبي من البلاد.

* ملف المصالحة مع طالبان
* تقول حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت جديدا من الفرقاء السياسيين إنها عازمة على فتح قنوات التواصل والحوار مع حركة طالبان والحزب الإسلامي لإنهاء الصراع المسلح. وفي هذا الصدد، أجرى الرئيس الأفغاني الجديد أشرف غني زيارات استهلها بالمملكة العربية السعودية، فور توليه منصب الرئاسة، لمطالبة المملكة بلعب دور في إنجاح الحوار والمصالحة مع طالبان. كما أجرى مباحثات مع المسؤولين الباكستانيين في إسلام آباد. وتشير التقارير إلى أن الجانبين الأفغاني والباكستاني توصلا إلى اتفاق يقضي بإعادة الثقة بين البلدين اللذين كانا اتهما بعضهما بعضا بإيواء المسلحين ودعمهم على جانبي الحدود لإنهاء الحرب في البلدين عبر التعاون الأمني والاستخباراتي بينهما. وتقول التقارير غير المؤكدة إن الجانب الأفغاني أعرب عن استعداه لإشراك حركة طالبان في الحكم عبر منحها وزارات في حكومة الوحدة في حال رضخت إلى التفاوض مع الحكومة الأفغانية الجديدة، غير أن موقف طالبان من المفاوضات لم يتغير حتى الآن، وهو أنه لا تفاوض قبل خروج جميع القوات الأجنبية من البلاد. ملف المصالحة من الملفات المعقدة بالنسبة لحكومة الوحدة الوطنية في كابل، وذلك نظرا لتعقيدات الأزمة وفقدان الإرادة وعدم وجود عنوان واحد للمعارضة المسلحة التي تقاتل الحكومة الأفغانية منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما.

* الملف الاقتصادي
* تعاني الحكومة الأفغانية الجديدة من نقص حاد في الميزانية، وذلك بسبب تقلص المساعدات الدولية لها بعد انسحاب القوات الدولية منها، وخروج معظم المؤسسات الدولية بسبب تصاعد هجمات طالبان على الرعايا الأجانب. ومن المتوقع أن تواجه أفغانستان أزمة مالية إن لم يتم تقديم مساعدات سخية لها خلال السنوات الخمس المقبلة. كما أن عمليات الفساد في مؤسسات الحكومة تمثل أزمة أخرى وخطرا آخر يهدد كيان الدولة الأفغانية. وتقول آخر تقارير مؤسسات النزاهة الدولية إن أفغانستان تحتل المرتبة الرابعة ضمن الدول الأكثر فسادا في العالم.
إضافة إلى ذلك، فإن المساعدات الدولية التي تدفقت إلى أفغانستان خلال السنوات الماضية أهدرت ولم تلعب دورا في تحسين ظروف وحياة المواطن الأفغاني البسيط الذي لا يزال يرزح تحت وطأة معاناة معيشية خانقة من جهة، والتوترات الأمنية من جهة ثانية.



ما مصداقية رهان رئيسة وزراء اليابان على أميركا لمواجهة الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ما مصداقية رهان رئيسة وزراء اليابان على أميركا لمواجهة الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

برزت في الفترة الأخيرة رؤيتان متنافستان حول كيفية تعامل حلفاء الولايات المتحدة وشركائها مع النظام العالمي المتغير. ففي الدورة الأخيرة للمنتدى الاقتصادي العالمي بمنتجع دافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي، تحدث رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، عن شرخ في السياسة العالمية، ودعا القوى المتوسطة إلى العمل معاً لإيجاد بدائل للاعتماد على الولايات المتحدة. ووصف كارني الصين بأنها ثقل موازن فعال للنفوذ الأميركي.

في المقابل، تصر رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، على أن الصين، وليست الولايات المتحدة، هي التهديد الأكثر خطورة الذي تواجهه الدول. وقد منحها الفوز الساحق في الانتخابات المبكرة التي جرت في فبراير (شباط) الماضي تفويضاً لرسم استراتيجية لليابان، وربما لحلفاء آخرين للولايات المتحدة، تقوم على تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة رغم عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات واشنطن.

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في كلمة أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو... 9 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وحظي خطاب كارني بتصفيق حار وإشادة من المعلقين والقادة في جميع أنحاء أوروبا، وحتى في أستراليا، وحقق مكاسب كبيرة داخل كندا. قد تكون رؤية رئيس الوزراء جذابة لحلفاء الولايات المتحدة الذين سئموا غطرسة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لكنها لا تشكل استراتيجية شاملة قابلة للتطبيق أو مستدامة بالنسبة للقوى المتوسطة الأخرى في العالم، بحسب تحليل مايكل جيه. غرين، الرئيس التنفيذي لمركز الدراسات الأميركية في جامعة سيدني، المنشور في مجلة «فورين أفيرز».

فدول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، المهددة بنفوذ بكين، تدرك جيداً أنه لا بديل حقيقياً عن القوة الأميركية. ومن المرجح وصول الدول الأوروبية إلى استنتاج مماثل رغم الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن.

يقول غرين إنه إذا أرادت الدول المتوسطة أن يكون لها مكان على مائدة صنع القرار الدولي، بدلاً من أن تكون «وليمة» للقوى الكبرى كما يريد كارني، ففرص نجاح نهج تاكايتشي أكبر، في عالم لا تزال فيه الاضطرابات التي تسببها بكين أكثر زعزعة للاستقرار الدولي من الاضطرابات التي يسببها ترمب.

في الوقت نفسه فإن نتيجة الانتخابات العامة الأخيرة في اليابان ترجح بقاء تاكايتشي، عازفة الطبول في فرقة موسيقى الهيفي ميتال وراكبة الدراجات النارية، في منصب رئيسة الوزراء لفترة طويلة، على خلاف التصورات الشائعة قبل شهور. لذا فإن رؤيتها للسياسة الخارجية ترسي المسار الأكثر واقعية للدول المسؤولة في مواجهة نظام عالمي مهتز.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان... 29 يونيو 2019 (رويترز)

استراتيجية تاكايتشي

وتنطلق استراتيجية تاكايتشي من رؤية رئيس الوزراء الياباني الراحل، شينزو آبي، التي تبلورت خلال السنوات الفاصلة بين فترتيه كرئيس للحكومة، حين أدى التوغل الصيني في الجزر والمياه التي تسيطر عليها اليابان في بحر الصين الشرقي إلى إذلال اليابان. لاحقاً، بعد عودته إلى منصبه، أجرت حكومة آبي سلسلة من المناورات الحربية استعداداً لإطلاق أول استراتيجية أمنية وطنية معلنة للبلاد. وكشفت هذه المناورات أن اليابان، بمفردها، ستعجز عن التصدي للجيش الصيني في أي مواجهة عسكرية كبرى ببحر الصين الشرقي. والأسوأ من ذلك، خلص فريق آبي إلى أن الولايات المتحدة ستجد صعوبة متزايدة في التصدي لطموحات الصين الإقليمية من دون مزيد من الدعم من اليابان وحلفائها الآخرين.

حتى ذلك الحين، كانت استراتيجية اليابان تقوم على ترك الشؤون الجيوسياسية للولايات المتحدة، لكي تتمكن طوكيو من التركيز على النمو الاقتصادي وتحسين العلاقات الدبلوماسية مع الشركاء حول العالم. واعتبرت جميع الحكومات اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية أن بند التعايش السلمي في الدستور الياباني، الذي يتنازل عن حق البلاد في شن الحرب لحل النزاعات الدولية، مبرر مثالي للبقاء بعيدة عن حروب الولايات المتحدة وصراعاتها المسلحة، منذ الحرب الكورية في مطلع خمسينيات القرن العشرين وحتى حربها الحالية مع إيران.

لكن آبي اعتبر هذا البند عبئاً على بلاده في مواجهة صعود الصين العسكري والاقتصادي، حيث لم يعد بإمكان القادة اليابانيين التنصل من المسؤولية، بينما تقود الولايات المتحدة زمام الأمور؛ فالأرخبيل الياباني، في نهاية المطاف، سيصبح في مقدمة مسارح أي صراع مستقبلي. وبدلاً من تجنب التورط في الحروب الأميركية، باتت اليابان بحاجة إلى دعم جهود الردع التي تقودها واشنطن في آسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال لقاء على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» لدى وجودها على ساحل اليابان في أكتوبر الماضي (أ.ب)

ولم يتوقع الكثيرون أن تكون تاكايتشي هي حاملة لواء هذه الرؤية الجيوسياسية، رغم أنها كانت حليفة مخلصة لآبي، لأنها لم تكن من بين السياسيين الذين رشحهم في البداية للقيادة المستقبلية.

عندما تولت منصب رئيسة الوزراء في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بعد استقالة شيجيرو إيشيبا، الأكثر اعتدالاً، واجهت تاكايتشي صعوبات مبكرة، بعد تصريحها في مجلس النواب الياباني في نوفمبر (تشرين الثاني) عن أن أي هجوم صيني على تايوان أو فرض حصار عليها سيشكل تهديداً لبقاء اليابان. وأثار هذا التصريح غضب بكين، التي فرضت مقاطعة اقتصادية ودبلوماسية شديدة على اليابان. وكما كان متوقعاً، انشق حزب «كوميتو»، الشريك السلمي لـ«الحزب الليبرالي الديمقراطي»، وانضم إلى المعارضة على أمل إزاحة تاكايتشي من السلطة وتشكيل ائتلاف حكومي جديد مع أحزاب أخرى من اليسار السياسي. صمدت تاكايتشي في موقفها، وأعجب الشعب بعزيمتها. وعندما دعت إلى انتخابات مبكرة في فبراير كافأ الناخبون اليابانيون حزب تاكايتشي، «الحزب الليبرالي الديمقراطي»، بأغلبية ساحقة في البرلمان.

ومن المنتظر إعلان تاكايتشي استراتيجيتها الخاصة للأمن القومي في وقت لاحق من هذا العام. ومن المرجح وصول الإنفاق الدفاعي لليابان إلى هدف عام 2027 البالغ 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي 58 مليار دولار، قبل الموعد المحدد. ستستخدم اليابان ضوابط التصدير وزيادة الاستثمار في سلاسل إمداد المعادن الحيوية والبحث والتطوير لتعزيز تفوقها التكنولوجي على الصين. كما ستواصل تعزيز التعاون الدفاعي وتوقيع اتفاقيات إنتاج عسكري مع شركاء رئيسيين، إذ تعمل اليابان بالفعل على تطوير طائرات مقاتلة جديدة مع بريطانيا وإيطاليا، وتصدير سفن حربية يابانية إلى أستراليا.

وتهدف تاكايتشي إلى استعادة توازن القوى الإيجابي في المنطقة، من خلال علاقة أمنية أقوى مع الولايات المتحدة. وهي تعمل مع واشنطن على إنشاء مقر قيادة مشترك جديد في اليابان، وتسريع التخطيط الثنائي لمواجهة أي غزو صيني محتمل لتايوان، وزيادة الاستثمارات اليابانية في المعادن الحيوية وتطوير الطاقة في الولايات المتحدة. كما تعمل اليابان على توسيع إنتاج الصواريخ المشترك، وصيانة السفن والطائرات البحرية الأميركية في اليابان، والتعاون مع الولايات المتحدة في مجال تعزيز مرونة سلاسل التوريد.

ومن المرجح أن تحذو تاكايتشي حذو آبي في المحافل الدولية، مثل قمة مجموعة السبع، وتدفع نحو التضامن بين الديمقراطيات الرائدة، بدلاً من «تقليل المخاطر» بالسعي إلى مزيد من النأي عن الولايات المتحدة كما اقترح كارني في خطابه بدافوس.

لكن، بالرغم من الدعم الكبير لليابان من جانب الرأي العام وأعضاء الكونغرس في الولايات المتحدة، فإن تجارب التاريخ تقول إن الرؤساء الأميركيين يمكن أن تكون لهم مواقف مخيبة للآمال بالنسبة لطوكيو.

في الوقت نفسه يمكن أن تسهم حالة عدم اليقين في وضع استراتيجية جادة.

وتمتلك تاكايتشي حالياً الاستراتيجية الأكثر جدية، وهي استراتيجية تقوم على تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة بدلاً من التكهن بعالم ما بعد الهيمنة الأميركية. فالشراكة مع واشنطن لا تعني الرضوخ لاحتياجاتها، بل استخدام النفوذ بفعالية لضمان أن يخدم التحالف مصالح اليابان.

عندما تولت تاكايتشي وزارة الأمن الاقتصادي من عام 2022 إلى عام 2024، كانت استراتيجية اليابان تتمحور حول اكتساب مكانة لا غنى عنها بفضل تقنياتها واستثماراتها وقدراتها العسكرية. وبصفتها رئيسة للوزراء اليوم، تدرك تاكايتشي أهمية اليابان في جهود الولايات المتحدة لردع التوغل العسكري الصيني والحصول على المعادن الحيوية، كما يدرك ذلك مستشارون كبار للرئيس ترمب.

معنى ذلك أن استراتيجية ترتكز على التعاون مع الولايات المتحدة ستتيح لليابان فرصاً أكبر للاستفادة من قوة الولايات المتحدة لمواجهة التحديات التي تواجهها في غرب المحيط الهادئ، حتى في ظل حالة عدم اليقين التي تكتنف الوضع في واشنطن.


باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

TT

باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)
موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)

قال متحدث باسم حكومة حركة «طالبان» في أفغانستان، اليوم الثلاثاء، إن ما لا يقل عن 400 شخص لقوا حتفهم، وأصيب 250 آخرون في ضربة جوية شنتها باكستان على مستشفى لإعادة تأهيل مدمني المخدرات في كابل، في تصعيد حاد للصراع بين البلدين الجارين. ورفضت باكستان هذا الاتهام، ووصفته بأنه كاذب، ومضلل، وقالت إنها «استهدفت بدقة منشآت عسكرية، وبنية تحتية تدعم الإرهابيين» مساء أمس.

وقال وزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارر: «تشير الانفجارات الثانوية التي شوهدت بعد الغارات بوضوح إلى وجود مستودعات ذخيرة كبيرة».

وجاءت الغارة الجوية بعد ساعات من إعلان الصين أنها لا تزال مستعدة لمواصلة الجهود الرامية إلى تخفيف التوتر بين البلدين الواقعين جنوب آسيا، وحثت كلا الطرفين على تجنب توسيع نطاق الحرب، والعودة إلى طاولة المفاوضات.

عناصر أمن من «طالبان» يتفقدون موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)

والصراع الذي اندلع الشهر الماضي هو الأسوأ على الإطلاق بين الجارتين اللتين تشتركان في حدود بطول 2600 كيلومتر. وكان الصراع قد خمد وسط محاولات من دول صديقة، منها الصين، للتوسط، وإنهاء القتال قبل أن يشتعل مجدداً، وهذه المرة قبل أيام قليلة من عيد الفطر.

ويأتي هذا التصعيد وسط حالة من عدم الاستقرار الأوسع نطاقاً في المنطقة، إذ أغرقت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران ورد طهران الشرق الأوسط في أزمة.

وفي الموقع، بدا مبنى مكون من طابق واحد وقد تفحم بالكامل وظهرت عليه آثار النيران. وفي مناطق أخرى، تحولت مبانٍ عدة إلى أكوام من الخشب والمعدن، بينما لم يبقَ سوى عدد قليل من الأسرة المرتبة سليمة بعض الشيء، وكانت البطانيات والمتعلقات الشخصية وأغطية الأسرة متناثرة.

وقال شهود إنهم سمعوا انفجار ثلاث قنابل في الوقت الذي كان فيه الناس في المستشفى يؤدون صلاة العشاء، وأصابت اثنتان منها غرفاً، ومناطق للمرضى.

وقال أحمد (50 عاماً)، الذي قال إنه كان يتلقى العلاج في المستشفى ولم يذكر سوى اسمه الأول: «اشتعلت النيران في المكان بأكمله. كان الأمر أشبه بيوم القيامة... احترق أصدقائي ولم نتمكن من إنقاذهم جميعاً».

جرحى جراء غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (رويترز)

وأظهرت لقطات من وسائل الإعلام المحلية التقطت خلال الليل ألسنة اللهب وهي تلتهم مبنى من طابق واحد، بينما كان الدخان الكثيف يتصاعد من قسم آخر من المجمع نفسه، وكان العمال ينقلون الجثث على نقالات.

وقال سائق سيارة الإسعاف الحاج فهيم لـ«رويترز»: «عندما وصلت (الليلة الماضية) رأيت أن كل شيء يحترق، والناس يحترقون... وفي الصباح الباكر اتصلوا بي مرة أخرى وطلبوا مني العودة، لأن هناك جثثاً لا تزال تحت الأنقاض».

وقال حمد الله فيترات، نائب المتحدث باسم «طالبان»، إن الغارة الجوية وقعت الساعة 16:30 بتوقيت غرينتش أمس، واستهدفت مستشفى أوميد الحكومي، الذي قال إنه مركز لإعادة تأهيل مدمني المخدرات بسعة ألفي سرير.

وأضاف: «تم تدمير أجزاء كبيرة من المستشفى، وهناك مخاوف من وقوع إصابات جسيمة... وللأسف، بلغ عدد القتلى حتى الآن 400 شخص، وإصابة ما يصل إلى 250 آخرين».

ولم تتمكن «رويترز» بعد من التحقق من عدد الضحايا. وزعم كلا الطرفين طوال فترة النزاع أنهما ألحقا أضراراً جسيمة بالطرف الآخر، لكن لم يكن من الممكن إجراء تحقيق مستقل.

ووصف المتحدث باسم رئيس الوزراء الباكستاني الإشارة الأفغانية إلى استهداف متعاطي المخدرات بأنها «أكاذيب مستمرة»، وقال إن «عمليات مكافحة الإرهاب» الباكستانية ستستمر طالما استلزم الأمر للقضاء على «الإرهابيين وبنيتهم التحتية».


أفغانستان: مقتل 400 وإصابة 250 في غارة باكستانية على مستشفى

رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان: مقتل 400 وإصابة 250 في غارة باكستانية على مستشفى

رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)

قال ​نائب المتحدث باسم حكومة «طالبان» في أفغانستان، اليوم الثلاثاء ‌إن ‌ما ​لا ‌يقل ⁠عن ​400 شخص لقوا ⁠حتفهم وأصيب 250 آخرون في غارة ⁠جوية شنتها ‌باكستان ‌على ​مستشفى لإعادة ‌تأهيل ‌مدمني المخدرات في العاصمة كابول.

ورفضت باكستان ‌هذا الاتهام ووصفته بأنه ⁠كاذب ومضلل، ⁠وقالت إنها «استهدفت بدقة منشآت عسكرية وبنية تحتية تدعم الإرهابيين»، ​مساء ​أمس الاثنين، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

يأتي ذلك في ظل النزاع بين باكستان وأفغانستان، إذ شنّت إسلام آباد عدة ضربات على كابول خلال الأسابيع الأخيرة.

وسُمعت عدة انفجارات مصدرها منطقتا شهرنو ووزير أكبر خان في وسط العاصمة الأفغانية. وشاهد صحافي من «وكالة الصحافة الفرنسية» أماً مذعورة تغادر أحد المباني، وهي تنادي ابنها للعودة إلى المنزل بعد الانفجار العنيف.

واتهمت الحكومة الأفغانية باكستان بقصف كابل مستهدفة «مركزاً لعلاج الإدمان»، ما أدى إلى مقتل العديد من المدنيين. وقال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد عبر منصة «إكس»: «انتهك النظام الباكستاني مجدداً المجال الجوي الأفغاني، مستهدفاً مركزاً لعلاج الإدمان في كابل، ما أسفر عن مقتل وإصابة العديد من المدنيين، معظمهم من مدمني المخدرات الذين يخضعون للعلاج».

وتخوض الدولتان نزاعاً منذ أشهر، سببه اتهام إسلام آباد جارتها بإيواء مقاتلين من حركة «طالبان باكستان» التي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات دامية على الأراضي الباكستانية، وهو ما تنفيه السلطات الأفغانية.

وبعد تصعيد في أكتوبر (تشرين الأول) أسفر عن مقتل العشرات، هدأت حدة الاشتباكات لكنها لم تتوقف تماماً. إلا أنها تجددت بقوة في 26 فبراير (شباط) عقب غارات جوية باكستانية، وأعلنت إسلام آباد «حرباً مفتوحة» في 27 فبراير.