هل ننتظر 300 سنة أخرى لكي نتحرر من الكابوس الظلامي؟

هل ننتظر 300 سنة أخرى لكي نتحرر من الكابوس الظلامي؟

الخميس - 6 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 22 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [ 15304]

لا يزال معظم المثقفين العرب يرفضون حتى الآن الاعتراف بأن الإسلام الأصولي يعيش أكبر أزمة في تاريخه حالياً. أقصد بذلك الأزمة مع الحداثة، أو مع روح الأزمنة الحديثة إذا شئتم. قلت الإسلام الأصولي، ولم أقل الإسلام الأنواري أو التنويري، وشتان ما بينهما. لا يزالون يكابرون ويرفضون الحقيقة الساطعة كوجه الشمس. وهم في ذلك لا يختلفون في شيء عن رجال الدين الغارقين كلياً أو جزئياً في غياهب العصور الوسطى. لقد استمعت إلى تصريحات هؤلاء وأولئك بعد الأحداث الفرنسية الأخيرة، ولم أجد فرقاً يذكر بين المثقفين المدنيين واللاهوتيين الدينيين، اللهم إلا مع استثناءات قليلة. بل وصل الأمر ببعض المثقفين العرب الحداثيين، أو المزعومين كذلك، إلى حد اعتبار كل هذه الأحداث الفرنسية بمثابة مؤامرة! بمعنى أن فرنسا هي التي دفعت أحدهم سراً لذبح المعلم المحترم صموئيل باتي؛ فرنسا هي التي ذبحت نفسها بنفسها لغاية في نفس يعقوب. ما هي هذه الغاية؟ التشهير بالإسلام وتشويه سمعته. لكأن الإسلام الأصولي بحاجة إلى تشويه إضافي بعد كل ما حصل منذ 11 سبتمبر (أيلول)! لاحظوا مدى الضلال الفكري. عيب. بلاد بأسرها تنهض جريحة عن بكرة أبيها وهي تصرخ وتتوجع، ومع ذلك يتهمونها وينالون منها، بدلاً من أن يتعاطفوا معها، ومع الضحية الذي فصلت رأسه عن جسده. ولكن هذا ما فعلوه عندما كانت الطليعة المقاتلة لـ«الإخوان» المسلمين ترتكب المذابح والجرائم والاغتيالات بحق المثقفين في المشرق العربي. على طول الخط، كانوا يبحثون عن أعذار لجماعات الإخوان، ولو بأي شكل. نقول ذلك رغم أن هذه الجماعات كانت تعلن صراحة على المكشوف، وبالحرف المكتوب: يا أخي، نحن الذين فعلنا ذلك! نحن الذين قتلنا فلاناً الفلاني لأنه زنديق كافر. نقطة على السطر. في الواقع، إن الجماعات الجهادية أشرف منهم وأصدق لأنها تقول الحقيقة من دون مواربة. الشيء ذاته يحصل الآن في فرنسا: فهذا المجرم الشيشاني الذي ذبح الأستاذ الفرنسي لا يقول شيئاً آخر عندما يتهم ماكرون بأنه «زعيم الكفار». وبالتالي، فهو لم يرتكب أي جريمة، وإنما نفذ حكم الله (تعالى) في شخص كافر من أتباعه. هل أنتم ضد قتل الكفار وتطهير الأرض من رجسهم؟ ألا تريدون التقرب إلى الله (تعالى) ونيل مرضاته؟ المنطق ذاته، والآيديولوجيا ذاتها، والمعجم الفقهي اللاهوتي القديم ذاته، وبالطبع الشعارات الطائفية البغيضة ذاتها. ومع ذلك، يظل هؤلاء المثقفون أو أشباه المثقفين مصرين على القول إنه لا يوجد شيء اسمه ظلامية دينية أو فكر أصولي تكفيري في العالم العربي! بل ويغضون الطرف عن فظائع هذه الجماعات الترويعية لكيلا أقول الإرهابية. وفي الوقت ذاته، يزعمون أنهم يناضلون من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان! هنا بالضبط يكمن مقتل الربيع العربي.

كنت قد دعوت منذ سنوات كثيرة إلى تدشين كلية جديدة في كل الجامعات العربية، تحت عنوان: كلية علم الأصوليات المقارنة. وذلك لمواجهة كليات الشريعة والمعاهد الدينية التقليدية على أرضيتها الخاصة بالذات. وكنت أقصد بذلك ما يلي: لمواجهة المرحلة التي نعيشها، لا يمكن تفكيك الأصولية الإسلامية التكفيرية المهيمنة حالياً إلا بعد أن نعرف كيف تمت عملية تفكيك الأصولية المسيحية في الغرب، فهي أيضاً كانت تكفيرية. أقصد التفكيك بالمعنى الفلسفي العميق للكلمة. وذلك لأن المسألة الدينية خطيرة، ولا ينبغي الاستهانة بها على الإطلاق. كل أبحاثي ومؤلفاتي على مدار ثلاثين سنة متواصلة كانت تدور حول هذه النقطة. كانت شغلي الشاغل ليل نهار، قياماً وقعوداً. ولذلك، فأنا آخر المتفاجئين بما يحصل حالياً في فرنسا أو غير فرنسا. هل نعلم بأن الأصولية المسيحية في نسختها الكاثوليكية خصوصاً ظلت تكابر وتعاند حركة التاريخ لمدة ثلاثمائة سنة متواصلة حتى استسلمت أخيراً لمنطق الحداثة والعصر؟ فكم ستقاوم الأصولية الإسلامية التي تهيمن ليس فقط على عقلية رجال الدين، وإنما أيضاً على عقلية قسم كبير من المثقفين العرب؟ هل يمكن أن ننتظر ثلاثمائة سنة أخرى لكي نتحرر من هذا الكابوس اللاهوتي الظلامي؟

لقد ظلت الأصولية المسيحية ترفض نظرية كوبرنيكوس لمدة مائتي سنة حتى بعد انتشارها وترسخها. وظلت ترفض تطبيق المنهجية التاريخية - النقدية على النصوص المقدسة، من توراة وأناجيل، لمدة ثلاثمائة سنة أيضاً. فهل سنقاوم نحن ثلاثة قرون قبل أن نخضع لمنطق الحداثة، ونطبق المنهجية ذاتها على تراثنا؟ هذا هو السؤال المركزي المطروح علينا اليوم. مهما حاولنا تحاشيه، فسوف يظل أمامنا ينتظرنا أو يترصدنا على قارعة الطريق. تحرير العقل العربي كله يعتمد على حل هذه المسألة الحساسة الحاسمة. وذلك لأن العالم العربي، ومن ورائه العالم الإسلامي ككل، سوف يواجه في السنوات المقبلة أكبر تحد في تاريخه. وهذا التحدي سوف يكون لأول مرة داخلياً، وليس خارجياً. لقد آن الأوان لمعاركة العدو الداخلي الرابض في أعماقنا: أقصد ذاتنا التراثية الداعشية العميقة. فما بعد الجهاد الأصغر إلا الجهاد الأكبر! وهذا أصعب شيء في الواقع لأن المعركة مع الذات هي أخطر أنواع المعارك وأشدها ضراوة. ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني أن الآيديولوجيا العربية القديمة ماتت، أيها السادة، أو على وشك الاحتضار. وعلى أنقاضها سوف يظهر فكرٌ آخر جديد.

لقد انتظرت أوروبا مدة ثلاثمائة سنة حتى اعتذرت الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية عام 1965 عن أخطائها، وهذا شرف لها. ولذلك حظيت باحترام العالم أجمع، وأصبح بابا روما يحظى بالاستقبال الحار في مختلف دول العالم. أخيراً، تصالحت الكنيسة المسيحية مع الحداثة، فمتى سيتصالح الإسلام؟ هذا هو السؤال. هذا هو سؤال الأسئلة الذي يؤرق العالم كله حالياً. لقد اعتذرت الكنيسة عما فعلته بغاليليو عندما حاكمته وأرعبته عام 1633 بالضبط، واعتذرت عن مواقفها المتخلفة المعادية للعلم الحديث والاختراعات الجديدة، واعتذرت أيضاً عن محاكم التفتيش والتكفير، والمجازر الطائفية ضد الأقلية البروتستانتية، خاصة مجزرة سانت بارتيليمي الشهيرة عام 1572. وحتماً، شعرت بخطئها لأنها كرست قائمة شرعية لاهوتية خاصة بالكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين المسيحيين، وكان على رأس الممنوعات والمحظورات كتب ديكارت وسبينوزا وكانط وعشرات العباقرة الآخرين. وحتماً، شعرت لاحقاً بالخجل من نفسها إذ منعت كل هذه الروائع، وحرمت قراءتها.

والسؤال الذي يطرحه المثقفون الفرنسيون على أنفسهم بعد هذه الحادثة المروعة هو التالي: نحن قضينا على ظلاميتنا الدينية، فلماذا ابتلانا الله بظلامية أخرى ليست من ديننا ولا مذهبنا؟ وهل سنخوض المعركة معها لمدة ثلاثمائة سنة مقبلة أيضاً؟ وأين هو فولتير الجديد؟ هل سينهض من قبره لكي يخوض المعركة مرة أخرى ضد التعصب والمتعصبين كما فعل قبل قرنين ونصف؟ ومعلوم أنه دافع عن عائلة كالاس البروتستانتية المضطهدة من قبل الأغلبية الكاثوليكية المهيمنة التي كان ينتمي إليها هو شخصياً. فهل تعرفون مثقفاً عربياً واحداً يقف مثل هذا الموقف ضد طائفته أو مذهبه؟ ما عدا العفيف الأخضر أو خالد المنتصر لا أعرف أحداً! أرجو أن أكون مخطئاً.

ثم يتساءلون: كيف أتيح لهذه الظلامية الدينية والتوتاليتارية أن تعشعش في بلداننا، بين ظهرانينا، دون أن نشعر؟ كيف أمكن أن تجد لها موطن قدم في بلاد فولتير والأنوار؟ هذا هو السؤال الذي يكاد يجنن المثقفين الفرنسيين حالياً، ويخرجهم عن طورهم. قرأت عشرات المقالات والتعليقات حول الموضوع خلال الأيام القليلة الماضية؛ إنهم يقولون ما معناه: هل يستحق أستاذ تاريخ وجغرافيا مسالم لطيف أن يلقى هذا المصير؟ نقول ذلك، خاصة أن اللطافة وصلت به إلى حد الطلب من التلاميذ الذين قد تصدمهم أفكاره أو صوره أن يخرجوا من الصف إذا شاءوا. فقد كان يعطي درساً عن حرية التفكير والتعبير، وإلى أي مدى يمكن أن تصل أو لا تصل. وهذا يعني أن الرجل مهذب فعلاً، ويتفهم حساسية الآخرين ومواقفهم، ولولا ذلك لما أذن لبعض الطلاب بالخروج من الصف، وعدم سماع درسه. ومع ذلك، فقد ذُبح بكل وحشية من الوريد إلى الوريد. وهذه العملية غير المسبوقة روعت فرنسا. ولهذا السبب هبت عن بكرة أبيها هبة رجل واحد. فقد وجدوا أنهم عادوا إلى عصور مظلمة قديمة كانوا قد نسوها تماماً. كانوا يعتقدون أنهم قد تجاوزوها إلى الأبد، فإذا بها تقف أمامهم مجدداً. هكذا، عادوا إلى عصر محاكم التفتيش السوداء، ولكن على يد دين آخر غير دينهم هذه المرة. ومعلوم أن محاكم التفتيش في القرون الوسطى كانت تحرق الهراطقة أو الزنادقة المسيحيين لكي تنظف الأرض من رجسهم ودنسهم.

أخيراً، الشيء الذي أريد قوله للمثقفين الفرنسيين هو التالي: ينبغي أن يعلموا أن مسافة التفاوت التاريخي بيننا وبينهم تبلغ ثلاثمائة سنة فيما يخص الشؤون الدينية. ولكن بما أنهم يعيشون في مجتمع حداثي مُعلمن بالكامل، فإنهم يعتقدون أن جميع الناس والبلدان هكذا. وهذا خطأ ما بعده خطأ. فالحساسية الدينية عندنا لا تزال حساسية قروسطية قابلة للالتهاب والاشتعال في أي لحظة. وذلك لأن العالم العربي، والإسلامي عموماً، لم تتح له الفرصة حتى الآن لكي يهضم الثورات العلمية والدينية والفلسفية التي هضمتها الشعوب الأوروبية على مدار أربعة قرون متواصلة، منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر حتى اليوم. وبالتالي، فالحق على التفاوت التاريخي أو الفجوة التاريخية الهائلة التي تفصل بيننا وبينهم. ولا يمكن ردم هذه الفجوة التاريخية في المدى المنظور. ولكننا سائرون على طريق التقدم والاستنارة لا محالة. كلمة أخرى وأخيرة: ينبغي تحسين الأوضاع المعيشية للجاليات المهاجرة في الضواحي الفقيرة المهمشة، وإلا فسوف تظل لقمة سائغة للتطرف والمتطرفين. هذا شيء أساسي جداً. وهذا ما وعد به الرئيس ماكرون شخصياً.


كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة