هل ننتظر 300 سنة أخرى لكي نتحرر من الكابوس الظلامي؟

فولتير
فولتير
TT

هل ننتظر 300 سنة أخرى لكي نتحرر من الكابوس الظلامي؟

فولتير
فولتير

لا يزال معظم المثقفين العرب يرفضون حتى الآن الاعتراف بأن الإسلام الأصولي يعيش أكبر أزمة في تاريخه حالياً. أقصد بذلك الأزمة مع الحداثة، أو مع روح الأزمنة الحديثة إذا شئتم. قلت الإسلام الأصولي، ولم أقل الإسلام الأنواري أو التنويري، وشتان ما بينهما. لا يزالون يكابرون ويرفضون الحقيقة الساطعة كوجه الشمس. وهم في ذلك لا يختلفون في شيء عن رجال الدين الغارقين كلياً أو جزئياً في غياهب العصور الوسطى. لقد استمعت إلى تصريحات هؤلاء وأولئك بعد الأحداث الفرنسية الأخيرة، ولم أجد فرقاً يذكر بين المثقفين المدنيين واللاهوتيين الدينيين، اللهم إلا مع استثناءات قليلة. بل وصل الأمر ببعض المثقفين العرب الحداثيين، أو المزعومين كذلك، إلى حد اعتبار كل هذه الأحداث الفرنسية بمثابة مؤامرة! بمعنى أن فرنسا هي التي دفعت أحدهم سراً لذبح المعلم المحترم صموئيل باتي؛ فرنسا هي التي ذبحت نفسها بنفسها لغاية في نفس يعقوب. ما هي هذه الغاية؟ التشهير بالإسلام وتشويه سمعته. لكأن الإسلام الأصولي بحاجة إلى تشويه إضافي بعد كل ما حصل منذ 11 سبتمبر (أيلول)! لاحظوا مدى الضلال الفكري. عيب. بلاد بأسرها تنهض جريحة عن بكرة أبيها وهي تصرخ وتتوجع، ومع ذلك يتهمونها وينالون منها، بدلاً من أن يتعاطفوا معها، ومع الضحية الذي فصلت رأسه عن جسده. ولكن هذا ما فعلوه عندما كانت الطليعة المقاتلة لـ«الإخوان» المسلمين ترتكب المذابح والجرائم والاغتيالات بحق المثقفين في المشرق العربي. على طول الخط، كانوا يبحثون عن أعذار لجماعات الإخوان، ولو بأي شكل. نقول ذلك رغم أن هذه الجماعات كانت تعلن صراحة على المكشوف، وبالحرف المكتوب: يا أخي، نحن الذين فعلنا ذلك! نحن الذين قتلنا فلاناً الفلاني لأنه زنديق كافر. نقطة على السطر. في الواقع، إن الجماعات الجهادية أشرف منهم وأصدق لأنها تقول الحقيقة من دون مواربة. الشيء ذاته يحصل الآن في فرنسا: فهذا المجرم الشيشاني الذي ذبح الأستاذ الفرنسي لا يقول شيئاً آخر عندما يتهم ماكرون بأنه «زعيم الكفار». وبالتالي، فهو لم يرتكب أي جريمة، وإنما نفذ حكم الله (تعالى) في شخص كافر من أتباعه. هل أنتم ضد قتل الكفار وتطهير الأرض من رجسهم؟ ألا تريدون التقرب إلى الله (تعالى) ونيل مرضاته؟ المنطق ذاته، والآيديولوجيا ذاتها، والمعجم الفقهي اللاهوتي القديم ذاته، وبالطبع الشعارات الطائفية البغيضة ذاتها. ومع ذلك، يظل هؤلاء المثقفون أو أشباه المثقفين مصرين على القول إنه لا يوجد شيء اسمه ظلامية دينية أو فكر أصولي تكفيري في العالم العربي! بل ويغضون الطرف عن فظائع هذه الجماعات الترويعية لكيلا أقول الإرهابية. وفي الوقت ذاته، يزعمون أنهم يناضلون من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان! هنا بالضبط يكمن مقتل الربيع العربي.
كنت قد دعوت منذ سنوات كثيرة إلى تدشين كلية جديدة في كل الجامعات العربية، تحت عنوان: كلية علم الأصوليات المقارنة. وذلك لمواجهة كليات الشريعة والمعاهد الدينية التقليدية على أرضيتها الخاصة بالذات. وكنت أقصد بذلك ما يلي: لمواجهة المرحلة التي نعيشها، لا يمكن تفكيك الأصولية الإسلامية التكفيرية المهيمنة حالياً إلا بعد أن نعرف كيف تمت عملية تفكيك الأصولية المسيحية في الغرب، فهي أيضاً كانت تكفيرية. أقصد التفكيك بالمعنى الفلسفي العميق للكلمة. وذلك لأن المسألة الدينية خطيرة، ولا ينبغي الاستهانة بها على الإطلاق. كل أبحاثي ومؤلفاتي على مدار ثلاثين سنة متواصلة كانت تدور حول هذه النقطة. كانت شغلي الشاغل ليل نهار، قياماً وقعوداً. ولذلك، فأنا آخر المتفاجئين بما يحصل حالياً في فرنسا أو غير فرنسا. هل نعلم بأن الأصولية المسيحية في نسختها الكاثوليكية خصوصاً ظلت تكابر وتعاند حركة التاريخ لمدة ثلاثمائة سنة متواصلة حتى استسلمت أخيراً لمنطق الحداثة والعصر؟ فكم ستقاوم الأصولية الإسلامية التي تهيمن ليس فقط على عقلية رجال الدين، وإنما أيضاً على عقلية قسم كبير من المثقفين العرب؟ هل يمكن أن ننتظر ثلاثمائة سنة أخرى لكي نتحرر من هذا الكابوس اللاهوتي الظلامي؟
لقد ظلت الأصولية المسيحية ترفض نظرية كوبرنيكوس لمدة مائتي سنة حتى بعد انتشارها وترسخها. وظلت ترفض تطبيق المنهجية التاريخية - النقدية على النصوص المقدسة، من توراة وأناجيل، لمدة ثلاثمائة سنة أيضاً. فهل سنقاوم نحن ثلاثة قرون قبل أن نخضع لمنطق الحداثة، ونطبق المنهجية ذاتها على تراثنا؟ هذا هو السؤال المركزي المطروح علينا اليوم. مهما حاولنا تحاشيه، فسوف يظل أمامنا ينتظرنا أو يترصدنا على قارعة الطريق. تحرير العقل العربي كله يعتمد على حل هذه المسألة الحساسة الحاسمة. وذلك لأن العالم العربي، ومن ورائه العالم الإسلامي ككل، سوف يواجه في السنوات المقبلة أكبر تحد في تاريخه. وهذا التحدي سوف يكون لأول مرة داخلياً، وليس خارجياً. لقد آن الأوان لمعاركة العدو الداخلي الرابض في أعماقنا: أقصد ذاتنا التراثية الداعشية العميقة. فما بعد الجهاد الأصغر إلا الجهاد الأكبر! وهذا أصعب شيء في الواقع لأن المعركة مع الذات هي أخطر أنواع المعارك وأشدها ضراوة. ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني أن الآيديولوجيا العربية القديمة ماتت، أيها السادة، أو على وشك الاحتضار. وعلى أنقاضها سوف يظهر فكرٌ آخر جديد.
لقد انتظرت أوروبا مدة ثلاثمائة سنة حتى اعتذرت الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية عام 1965 عن أخطائها، وهذا شرف لها. ولذلك حظيت باحترام العالم أجمع، وأصبح بابا روما يحظى بالاستقبال الحار في مختلف دول العالم. أخيراً، تصالحت الكنيسة المسيحية مع الحداثة، فمتى سيتصالح الإسلام؟ هذا هو السؤال. هذا هو سؤال الأسئلة الذي يؤرق العالم كله حالياً. لقد اعتذرت الكنيسة عما فعلته بغاليليو عندما حاكمته وأرعبته عام 1633 بالضبط، واعتذرت عن مواقفها المتخلفة المعادية للعلم الحديث والاختراعات الجديدة، واعتذرت أيضاً عن محاكم التفتيش والتكفير، والمجازر الطائفية ضد الأقلية البروتستانتية، خاصة مجزرة سانت بارتيليمي الشهيرة عام 1572. وحتماً، شعرت بخطئها لأنها كرست قائمة شرعية لاهوتية خاصة بالكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين المسيحيين، وكان على رأس الممنوعات والمحظورات كتب ديكارت وسبينوزا وكانط وعشرات العباقرة الآخرين. وحتماً، شعرت لاحقاً بالخجل من نفسها إذ منعت كل هذه الروائع، وحرمت قراءتها.
والسؤال الذي يطرحه المثقفون الفرنسيون على أنفسهم بعد هذه الحادثة المروعة هو التالي: نحن قضينا على ظلاميتنا الدينية، فلماذا ابتلانا الله بظلامية أخرى ليست من ديننا ولا مذهبنا؟ وهل سنخوض المعركة معها لمدة ثلاثمائة سنة مقبلة أيضاً؟ وأين هو فولتير الجديد؟ هل سينهض من قبره لكي يخوض المعركة مرة أخرى ضد التعصب والمتعصبين كما فعل قبل قرنين ونصف؟ ومعلوم أنه دافع عن عائلة كالاس البروتستانتية المضطهدة من قبل الأغلبية الكاثوليكية المهيمنة التي كان ينتمي إليها هو شخصياً. فهل تعرفون مثقفاً عربياً واحداً يقف مثل هذا الموقف ضد طائفته أو مذهبه؟ ما عدا العفيف الأخضر أو خالد المنتصر لا أعرف أحداً! أرجو أن أكون مخطئاً.
ثم يتساءلون: كيف أتيح لهذه الظلامية الدينية والتوتاليتارية أن تعشعش في بلداننا، بين ظهرانينا، دون أن نشعر؟ كيف أمكن أن تجد لها موطن قدم في بلاد فولتير والأنوار؟ هذا هو السؤال الذي يكاد يجنن المثقفين الفرنسيين حالياً، ويخرجهم عن طورهم. قرأت عشرات المقالات والتعليقات حول الموضوع خلال الأيام القليلة الماضية؛ إنهم يقولون ما معناه: هل يستحق أستاذ تاريخ وجغرافيا مسالم لطيف أن يلقى هذا المصير؟ نقول ذلك، خاصة أن اللطافة وصلت به إلى حد الطلب من التلاميذ الذين قد تصدمهم أفكاره أو صوره أن يخرجوا من الصف إذا شاءوا. فقد كان يعطي درساً عن حرية التفكير والتعبير، وإلى أي مدى يمكن أن تصل أو لا تصل. وهذا يعني أن الرجل مهذب فعلاً، ويتفهم حساسية الآخرين ومواقفهم، ولولا ذلك لما أذن لبعض الطلاب بالخروج من الصف، وعدم سماع درسه. ومع ذلك، فقد ذُبح بكل وحشية من الوريد إلى الوريد. وهذه العملية غير المسبوقة روعت فرنسا. ولهذا السبب هبت عن بكرة أبيها هبة رجل واحد. فقد وجدوا أنهم عادوا إلى عصور مظلمة قديمة كانوا قد نسوها تماماً. كانوا يعتقدون أنهم قد تجاوزوها إلى الأبد، فإذا بها تقف أمامهم مجدداً. هكذا، عادوا إلى عصر محاكم التفتيش السوداء، ولكن على يد دين آخر غير دينهم هذه المرة. ومعلوم أن محاكم التفتيش في القرون الوسطى كانت تحرق الهراطقة أو الزنادقة المسيحيين لكي تنظف الأرض من رجسهم ودنسهم.
أخيراً، الشيء الذي أريد قوله للمثقفين الفرنسيين هو التالي: ينبغي أن يعلموا أن مسافة التفاوت التاريخي بيننا وبينهم تبلغ ثلاثمائة سنة فيما يخص الشؤون الدينية. ولكن بما أنهم يعيشون في مجتمع حداثي مُعلمن بالكامل، فإنهم يعتقدون أن جميع الناس والبلدان هكذا. وهذا خطأ ما بعده خطأ. فالحساسية الدينية عندنا لا تزال حساسية قروسطية قابلة للالتهاب والاشتعال في أي لحظة. وذلك لأن العالم العربي، والإسلامي عموماً، لم تتح له الفرصة حتى الآن لكي يهضم الثورات العلمية والدينية والفلسفية التي هضمتها الشعوب الأوروبية على مدار أربعة قرون متواصلة، منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر حتى اليوم. وبالتالي، فالحق على التفاوت التاريخي أو الفجوة التاريخية الهائلة التي تفصل بيننا وبينهم. ولا يمكن ردم هذه الفجوة التاريخية في المدى المنظور. ولكننا سائرون على طريق التقدم والاستنارة لا محالة. كلمة أخرى وأخيرة: ينبغي تحسين الأوضاع المعيشية للجاليات المهاجرة في الضواحي الفقيرة المهمشة، وإلا فسوف تظل لقمة سائغة للتطرف والمتطرفين. هذا شيء أساسي جداً. وهذا ما وعد به الرئيس ماكرون شخصياً.


مقالات ذات صلة

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

كتب من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن.

شرف الدين ماجدولين
كتب اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون «الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في...

عامر درويش (بغداد)
ثقافة وفنون «المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء
TT

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن وتبدلت عتباتها. لذا تعيش بعض الأحياء بتحولاتها، وكأنما هي أنوية مدن تحيا في أعطاف مدينة «أم». وحين تتبدل تقاسيم المدن أو تشيخ، وعندما يطرأ عليها غرباء، أو يمر بها غزاة عابرون، تفقد الكثير من معالمها ومفرداتها وسمات أهلها، تطفو تدريجياً على السطح كتل وامتدادات شائهة، وأحياناً تتحول إلى هياكل، لكنها تتشبث بتسمياتها وبألقابها وما يتعارف الناس به عليها. وحتى حين تسلب عناوينها الأولى، ولو لحين من الدهر، فإنها لا تلبث أن تستعيدها، في مقاطع أغنيات وأبيات شعر وصور أفلام قديمة، وفي ملامح أبطال يقتنصون تفاصيلها في فصول روايات خالدة.

من داخل حي «مونمارتر» (Montmartre)، حيث تمترس ثوار كمونة باريس، وطالب إميل زولا في «الأسبوع الدامي» بهدمه على رؤوس «المتمردين السفلة»، نشأت إحدى أكثر المعالم العمرانية احتضاناً للأساطير الباريسية، ذلك ما دعا الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو Olivier Renault المختص في إعداد تصانيف عن الأحياء التاريخية لعاصمة الأنوار إلى إصدار كتاب بعنوان «مونمارتر: أمكنة الأساطير» (Montmartre: Les lieux de légende) (منشورات باريغرام، باريس، 2026)، لتأريخ محال ودور وأزقة وساحات وبارات ومطاعم ومراسم، سكنت مجازات الشعر والرواية ومشاهد المسرح والسينما ولوحات كبار الانطباعيين ممن صنعوا عنفوان الفن الحديث والمعاصر.

يتقدم الكتاب لقارئه بتواضع مخاتل، دونما ادعاءات معرفية كبرى، قصاراه سرد حكاية فضاء أليف وخالب للأذهان، فبدا مزيجاً من «سيرة الفضاء» و«المونوغرافيا الفنية» و«الدليل التاريخي المصور»، إلا أنه يفلح في تقديم قصة نشأة حي كان عبارة عن قرية تقع خارج حدود باريس الإدارية، تميزت بتلتها المطلة على المدينة، ومزارع الكروم، والطواحين، وبيوت العمال والمزارعين البسطاء. قبل أن تعيد مخططات «البارون هوسمان»، قائد ثورة التحديث العمراني في باريس، على عهد نابليون الثالث، إلحاق هضبة «مونمارتر» الواقعة في الحزام الهامشي، الآهل بالشطار والخارجين عن القانون، بباريس، لتصبح الدائرة الثامنة عشرة. وموطن المواقع التي صنعت قسطاً غير يسير من أسطورة باريس: «فيلا الفنون، وشارع هيجيسيب مورو، وشارع ليبيك، أمام محترف فان غوخ، ومحل كورتلين في شارع أورشامب، ومحترف براك في شارع سيمون ديرور. إننا لا نعرف دائماً أننا نمر أمام عناوين رسم فيها، أو كتب، أو غنى، أو أحبّ فيها كل من: بيكاسو، وبونار، وباسكين، وكاركو، وموديغلياني، وبروان، وماكس غاكوب، ومارسيل إيميه، وريفيردي، وسيلين» (ص 12).

وعبر فصلين كبيرين يحمل أولهما عنوان «جادة كليشي وروافده»، والثاني وسم «هضبة مونمارتر»، يقوم الكتاب باستنطاق الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها، من كُتَّاب ورسامين، وأناس عاشوا في الظل أيضاً: من مثل تجار الأصباغ الذين يصبح أحدهم فجأةً صاحب رواق فني، أو أصحاب المطاعم والحانات ممن يمحو بعضهم بكرم ديون عباقرة تضوروا جوعاً زمناً ما. وسرعان ما تتجلى مباحث الفصلين وفقراتهما المؤثثة باللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية لأبنية وشخصيات وشوارع وحدائق من أزمنة شتى، حيزاً لاستحضار أسماء رمزية، قادت الكاتب تدريجياً إلى الحديث عن الحركات التي انتسبوا إليها، من الانطباعية، وجماعة الأنبياء، إلى التكعيبية والسوريالية والمستقبلية... علامات فارقة في تاريخ الفن وتاريخ باريس على حد سواء.

الشيء الأكيد أن سيرة «مونمارتر»، كما سعى لنسج معالمها أوليفيي رونو، تقصدت تجميع التراث المجازي والحسي للحيز المديني المؤلف بين السحر والقسوة، والوقوف عند عتبات تكون الأسطوريات الحية، من المفردات إلى الوصفات الحياتية، ومن الأطباق والروائح إلى الجدران المحيطة بمواطن السهر: «لم يكن الأمر مجرد أسطورة؛ فمن فان غوخ إلى أوتريلو، كان هذا الحي حقاً، وأكثر من أي حي آخر، معقل البوهيمية. وعلى هذه المرتفعات، التقى جيلان أو ثلاثة من الفنانين والكتاب الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً. وفي هذه الكوكبة اللامعة، يرى البعض اليوم أن أعمالهم كانت لتدر عليهم الملايين، غير أن بداياتهم - وأحياناً نهاياتهم - كانت صعبة في الغالب، تغرق في العوز أو الفقر المدقع. وإذا كان ديغا أو بونار لم يعرفا الجوع قط، فإن آخرين، مثل ماكس غاكوب أو ريفيردي أو فان دونغن، قد ذاقوا مرارته حقاً في هذا الحي» (ص 13).

يستنطق الكتاب الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها من كُتَّاب ورسامين وأناس عاشوا في الظل أيضاً

إنها المنطلقات التي مكّنت مونمارتر، كما تؤكد محاور الكتاب، من أن ينتزع لقباً لا يخلو من حس غرائبي، هو «عاصمة باريس». الذي يحيل على ما اكتنزه المحيط العمراني من ملاذ حسي وذهني، حيث كان صخب المقاهي والملاهي الليلية يتصادى مع الاختراق التشكيلّي والموسيقي والمسرحي والشعري. بالقدر ذاته التي كان الحي فيه أيضاً ذاكرة كبرى للألم، أرخت لعذابات المرض والجوع والإدمان لعشرات الأسماء الشهيرة التي صنعت مجده، كانت إيجارات البيوت فيه منخفضة، واستطاع الفنانون المفلسون تحمل تكلفة محترف مختصر، في «باتو لافوار» مثلاً، أو في شارع «كورتو»، وتمكن الكتاب، ممن لا يملكون قوت يومهم، من العثور على غرف علوية ضيقة، أو زوايا صغيرة في الأفنية الخلفية للمنازل. وكان الحي أيضاً موطن النبيذ الرخيص، والطعام الذي قد يدفع حسابه الآخرون، وكان أصحاب المطاعم، من مثل «الأرنب» أو «الشاليه» يمنحون الفنانين من ذوي العوز المزمن (وهم الغالبية) وجبات مؤجلة الدفع دوماً.

تدريجياً يتحول الكتاب إلى شبه سيرة لحي في مواجهة بقية باريس، وفي مقابل حي بذاته هو «مونبارناس» فقد كان مونمارتر موطن الخلق والشطح التخييلي، في مواجهة العقلانية والسطوع البراغماتي لأحياء النخبة الأخرى، وظل كذلك حتى الحرب العالمية الأولى. وحين فرض «مونبارناس» نفسه مركزاً جديداً للإبداع التشكيلي والشعري والمسرحي والروائي... هجر الشعراء والفنانون تلّة مونمارتر تدريجياً، ولم يسلك الطريق المعاكس سوى قلة من السرياليين الذين كان معظمهم يمقتون الياقات البيضاء.

ليس من شك أن للمدن صلات رمزية بتحولات أسمائها، ليس فقط في ذاكرة الناس، وما تتوسله من تآويل حقيقية أو ملفقة، وإنما أساساً في لغة الأدب والفن، ومهما تعددت التحويرات والاختزالات لتلك الأسماء فإنها تبقى متصلة بالأصل الأوحد، الذي يعنيها في البدء والمنتهى. باريس هي جماع تفاصيل كبرى تمتد من «موبرناس» إلى «سان ميشيل» ومن «الحي اللاتيني» إلى «بير لاشيز»، ومن «الشانزيليزي» إلى «مونمارتر»...، وقد تتلاشى المدن وتبقى تسمياتها المعجونة بالنكهات والألوان والحرارة والماء والرقصات وطعم الكلام، في صدى الداخل العميق؛ إذ هي جزء من صناعة القدر الشقي أو السعيد الذي نسائله يومياً، لأجل ذلك فإن هذا النوع من السير بحق هو فن تحويل المجال إلى رواية، هو تشكيل نوعي لفتنة الذات الداخلية بمحيطها كما يدركها صاحبها، وكما يتمثلها زمنياً. ولن يستطيع السارد أن يترجم تفاصيل تكون الهوية الذاتية وتناميها المتشابك دونما إعادة تركيب وتوليف وتصرف في ملامح المدن التي استوعبت نزقها وتقلباتها، وبغير ما قيمة مضافة تجسر المسافة بين الذات ومنبتها. هكذا تروي سير الأحياء لعنات مسترسلة وبركات ضائعة، قد تقول ما كان، أو ما راود أحلام ساكنتها وصانعي فتنتها، وقد تُكتب مواساة للذات عن فقدان مراتع الطفولة واليفاعة، أو تطهراً من أحاسيس مرزئة تجاه أحداث التبست بأحياء عتيقة، وقد تستحضر كمجرد سعي لتمثّل الماضي، وإعادة رسم الأبواب والشرفات والمباني والوجوه بالأبيض والأسود.


اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً
TT

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور بين مستويات نفسية وفانتازية وجسدية معقدة تخص بطله «سلامة»، الذي تبدو أزمته الشخصية بوابة لكثير من التساؤلات حول الوحدة، والغرابة، والتسليم، وحدود الجسد والهوية، بل حدود ما يمكن للعقل نفسه أن يصدقه أو يحتمله.

تُحيل الرواية الصادرة عن دار «المحروسة» بالقاهرة، لبنية العالمين الاجتماعي والداخلي لـ«سلامة»، بوصفهما وجهين للاغتراب نفسه، فالعزلة النفسية التي يعيشها البطل الأربعيني الأعزب، الموظف في بنك حكومي، تجد طريقها إلى أسلوب حياته الصارم، بما في ذلك كراهيته للإجازات، وتجنبه المواصلات العامة، ونفوره من المقاهي والاختلاط بصوره كافة، ضمن محاولاته الدائمة للسيطرة على عالمه المحيط الذي يشعر داخله بالتهديد والارتباك، لتصبح حياته «يوماً وحيداً مُتكرراً منذ سنوات».

في المقابل، يسلط السرد الضوء على مدى استغراق «سلامة» في أحلام يقظته، وتأثره الكامل بشاشة «التلفزيون»؛ يستقي منها المعرفة والبهجة، حتى تصوراته الانهزامية عن الحب: «لم يرَ «سلامة» رجلاً فقيراً أسود يحب ويتزوج على شاشة التلفزيون»، وهي مرجعية يكشف السرد عن أن «سلامة» يتبناها بصورة لا واعية ضمن تسليمه الكامل بمرجعية «الشاشة»، على نحوٍ تُلخصّه العبارة الدالة: «كان يولّي وجهه للتلفزيون، وظهره إلى العالم».

أرضية نفسية

من هذا العالم المُشبّع بالخيالات البديلة، يبدأ السرد في زحزحة الواقع نفسه، فلا يندفع عبد النبي نحو «الغرائبي» قبل أن يهيئ له أرضيته النفسية، عبر شخصية اعتادت العيش بين الواقع وظلاله المتخيلة، وهكذا يفتح الباب أمام ظهور كائن غامض يُطلق عليه السرد اسم «شيء»، يُراقب «سلامة» ويحدِّثه ويناديه باسمه من داخل جسده، رغم تركيبته النافرة أصلاً من الآخر الغريب.

وتنهض هذه المفارقة على خلق مستويات متداخلة من الدهشة، إذ يمهد السرد تدريجياً لصوت أو «شيء» يسمعه «سلامة» من داخله، قبل أن يفجّر مفاجأة استشعاره لحالات تشبه «غثيان» الحمل، ليضع القارئ بدوره داخل منطقة ملتبسة تتداخل فيها حدود النفسي والبيولوجي، والواقعي والمتخيَّل: «استعاد رعبه كاملاً إزاء هذا الصوت الداخلي الأخرس الذي يُخبره بأن روحاً حيّة تسكن بداخله الآن، روحاً أخرى غير تلك التي خرج بها من بطن أمه».

غير أن الرواية لا تتعامل مع هذا الـ«شيء» بوصفه مفارقة غرائبية أو حدثاً فانتازياً، بقدر ما تجعله أداة لتفكيك الحدود المستقرة بين النفسي والبيولوجي والهُوية الجسدية، وبين ما ينتمي إلى الداخل وما يُفترض أنه يأتي من الخارج، بحيث يتحوّل الالتباس نفسه إلى أحد المحركات الأساسية للرواية.

خيال تعويضي

يُعزز عبد النبي من تأثير التاريخ الشخصي والعائلي لبطله «سلامة»، عبر استدعاء ذكرياته الممتدة مع التنمر عليه بوصفه «محدود القدرات العقلية»، وصولاً إلى دلالة اسمه نفسه، المستمد من أحد أبطال السيرة الهلالية، ليكشف السرد عن تعلّق والده الراحل بمِخيال تلك السيرة القائم على البطولة والفروسية، إلى الحد الذي يدفعه إلى إطلاق أسماء أبطالها على أبنائه كنوع من التقمص الوجداني والدرامي لعالمها والتيمّن ببطولاتها.

يبدو ثمة خيط خفي يربط الأب بابنه؛ فكلاهما يلجأ، بطريقته، إلى مِخيال بديل يعوّض تهميشه في الواقع، ولا يتوقف هذا الميل إلى تجاوز الواقع عند السيرة الشعبية أو أحلام اليقظة، بل يمتد إلى علاقة «سلامة» بالصورة الفوتوغرافية نفسها، بوصفها مساحة قابلة لإعادة التخييل، مما يكشف عن مهارات «سلامة» الاستثنائية في تسييل الحدود بين الواقع والصورة والذكرى، ليُعيد معايشة لحظات لم يعد الواقع قادراً على استعادتها.

بعد ظهور «شيء»، بما يفرضه من فانتازيا ومفارقات هزلية، ومساءلة الجسد نفسه، ومع تصاعد حضوره كشخصية تُقاسم «سلامة» البطولة، لا يعود السؤال متعلقاً بوجوده من عدمه، بقدر ما يصبح متعلقاً بطبيعة هذا الوجود نفسه؛ هل هو امتداد لوعي «سلامة» أم كيان مستقل عنه؟ لا سيما أن السرد لا يتوقف عند تقديمه بوصفه مجرد عرَض غرائبي، بل يدفع السرد باستمرار لمنح «شيء» ملامح شخصية روائية مُحكمة.

علاقة جنينية

كما يستثمر عبد النبي الآصرة البيولوجية بين الأم وجنينها في بناء عدد من المشاهد الهزلية والغرائبية التي تمنح «شيء» حضوراً متزايداً داخل الرواية، فالكائن لا يكتفي بمشاركة «سلامة» جسده، بل يبدو متأثراً بما يتناوله من طعام أو ما يستنشقه من دخان، كأن السرد يعيد تخيّل «العلاقة الجنينية» بكل ما تنطوي عليه من اعتماد وتشارك حسّي، وهي مشاهد تسهم في ترسيخ «شيء» بوصفه وجوداً حياً يتفاعل مع العالم. فلا يتعامل الكاتب معه بوصفه ظلاً لشخصية البطل، بل يعمل تدريجياً على منحه وجوده الخاص؛ فهو يمتلك مساراً للنمو، ووعياً يتسع بمرور الوقت، وقدرة على الحوار والتعليق وإبداء الرأي، بل تكوين علاقة خاصة بالعالم، وكما تشير الرواية إلى تطوره الجسدي عبر إحالات مرتبطة بعمر الجنين، فإنها تمنحه في الوقت نفسه معرفة وخبرة لا تتناسبان مع حداثة وجوده البيولوجي، بما يجعله يتجاوز موقع «المخلوق» أو «التابع» ليقترب من موقع الشريك السردي الكامل.

ويتمثل أحد أبرز تحديات السرد في بناء سياق لغوي يتجاوز ثنائية «المونولوغ» و«الديالوغ» معاً، ليؤسس علاقة لغوية ثالثة بين «سلامة» و«شيء» الذي يسكنه، يُطلِق عليها السرد أحياناً «التخاطر»، فيما تبدو أقرب إلى منطقة ذهنية مشتركة تتسع بتطوّر العلاقة بين الطرفين، وتكتسب تدريجياً ذاكرتها وقاموسها الخاص، كأن الرواية تجعل اللغة نفسها جزءاً من فعل الخلق، بحيث يتشكّل الكائن ولغته وعلاقته بالعالم بالتوازي، إلى أن يصبح «شيء» قطباً موازياً لـ«سلامة» داخل البنية السردية، فيتبادلان الحديث البدائي بدايةً من «صباح الخير» وصولاً إلى أسئلة وجودية معقدة مثل: «هل أنت سعيد يا سلامة».

تعزيزاً لهذا الحضور المُتنامي، يبدو «شيء» مطَّلعاً على أدق تفاصيل «سلامة» الداخلية؛ أحلامه، وهواجسه، وتطلعاته المكبوتة تجاه الأنثى والجنس، كما يمتلك معرفة تتجاوز خبرته المباشرة بالعالم، بما يمنحه حضوراً يتجاوز مجرد الكائن البيولوجي أو الصوت النفسي، ليقترب أحياناً من كيان ماورائي قادر على قراءة الداخل الإنساني.

يضاعف السرد من اتساع «شيء» ككيان روائي عبر الجمع بين الطابع الماورائي لحضوره، والإيحاء بقدرات عقلية ومعرفية تتجاوز شروط وجوده البيولوجي، ففي أحد المشاهد يُحدّث «شيء» صاحبه «سلامة» عن أنواع نادرة من الفراشات، في مفارقة لافتة بين «العقل المحدود» الذي ظلّ «سلامة» يُوصم به طوال حياته، ووعي يبدو أكثر اتساعاً وتعقيداً للكائن الذي يتخلّق من داخله.


وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»
TT

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس، مختتماً بها ‏رباعيته الأندلسية بعد أعماله «صقر قريش» بجزأيه، و«مواعيد ‌‏قرطبة»، و«خريف إشبيلية»، التي أنجز ثلاثة منها للشاشة ‏الصغيرة، مع المخرج السوري الراحل حاتم علي.

وتتناول الرواية الفصل الأخير من الوجود العربي الإسلامي في ‏الأندلس، من خلال استعادة السنوات الأخيرة من حكم بني ‏نصر ‏في غرناطة، وصولاً إلى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين، ‏في لحظة تاريخية أنهت ثمانية قرون من الحضور ‏العربي في ‏شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويفتتح الكاتب روايته بمقطع يحمل مرارة المنفى وأفول السلطة، ‏يقول فيه على لسان بطله: «مواطئ أقدام العامة خيرٌ من ‏مجلس ‏السلطان»، في إشارة إلى التحول القاسي من سلطان كان يحكم ‏غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين.

ويعيد وليد سيف في الرواية تقديم شخصية محمد بن علي بن سعد ‏النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، بعيداً عن ‏الصورة ‏التقليدية التي اختزلته في رمز للهزيمة وضياع الأندلس، فالرواية ‏لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل ‏نتيجة ‏تراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي.

ومن خلال صوت أبي عبد الله نفسه، يناقش الكاتب مفهوم ‏المسؤولية التاريخية، ويعيد مساءلة الروايات الشائعة التي علقت ‌‏بذاكرة سقوط غرناطة، ومنها المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة ‏الحرة: «ابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال»، ‏إذ ‏ينفي بطل الرواية صحتها، مقدماً والدته بوصفها شخصية ‏سياسية ساندته في صراعاته ومحنته.

وتمنح الرواية شخصية أبي عبد الله بعداً إنسانياً مأساوياً، إذ ‏يظهر فيها وريثاً للهزائم لا للأمجاد، مطارداً بثقل الماضي ‌‏وبأصداء الثورات والانقسامات التي عصفت بالأندلس منذ ‏بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف.

تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخل البيت الحاكم في ‏غرناطة، بين الآباء والأبناء والإخوة والأعمام، في مقابل ‌‏حضور قصص الحب والتضحية والنهايات التراجيدية التي تمنح ‏النص بعده الإنساني، يقدم من خلالها الكاتب مدينة غرناطة ‌‏عالماً كاملاً يتداعى سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.

كما تحضر المرأة بوصفها عنصراً محورياً في البناء الدرامي، ‏وفي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الحرة، إلى جانب ثريا ‌‏القشتالية، ومريمة زوجة أبي عبد الله، والملكة إيزابيلا التي ‏يقدمها العمل بوصفها صاحبة مشروع، هدفه توحيد إسبانيا تحت ‌‏سلطتها وطرد العرب واليهود منها. وفي مقابل ضَعْف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة ‏للمقاومة الشعبية التي يمثلها موسى الغساني وعلي العطار ‌‏وحامد الثغري، بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط ‏والدفاع عن غرناطة في مواجهة واقع سياسي متصدع. ويبرز في الرواية أيضاً سؤال الحضارة والتحولات التاريخية، ‏إذ يستعيد الكاتب صورة الأندلس بوصفها منارة للعلم والثقافة، ‌‏في وقت كانت فيه الوفود الأوروبية تفد إلى قرطبة للتعلم، قبل ‏أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب مع تراجع العرب ‌‏وانقسامهم.

رواية «غرناطة.. آخر الأيام» صدرت عن «الأهلية للنشر والتوزيع» في الأردن، وتقع في 565 ‌‏صفحة من القطع المتوسط.