أوروبا تحت وطأة «القفزة الثالثة» للفيروس

إيطاليا تسجل أسرع معدلات الإصابات

مواطنون يرتدون كمامات بسوق بمدينة بادوفا في إيطاليا التي تكاد تصبح من جديد بؤرة وباء «كورونا» في أوروبا (إ.ب.أ)
مواطنون يرتدون كمامات بسوق بمدينة بادوفا في إيطاليا التي تكاد تصبح من جديد بؤرة وباء «كورونا» في أوروبا (إ.ب.أ)
TT

أوروبا تحت وطأة «القفزة الثالثة» للفيروس

مواطنون يرتدون كمامات بسوق بمدينة بادوفا في إيطاليا التي تكاد تصبح من جديد بؤرة وباء «كورونا» في أوروبا (إ.ب.أ)
مواطنون يرتدون كمامات بسوق بمدينة بادوفا في إيطاليا التي تكاد تصبح من جديد بؤرة وباء «كورونا» في أوروبا (إ.ب.أ)

منذ بدأ معظم البلدان الأوروبية تحطّم أرقامها القياسية في عدد الإصابات اليومية الجديدة بـ«كوفيد19»، لم يعد خبراء منظمة الصحة العالمية يتحدثون عن «الموجة الثانية» للوباء بقدر ما يتحدثون عن «القفزة الثالثة» للفيروس الذي ظهر للمرة الأولى أواخر العام الماضي في جنوب شرقي آسيا لينتقل منها إلى أوروبا ثم إلى أميركا، والآن مجدداً إلى القارة الأوروبية التي باتت قاب قوسين من العودة مرة أخرى لتكون البؤرة الرئيسية لانتشار الفيروس في العالم.
وفي حين تفيد آخر البيانات بأن عدد الإصابات الجديدة في أوروبا قد ازداد بنسبة 34 في المائة خلال الأسبوع الماضي وحده، مقابل زيادة لم تتجاوز 6 في المائة في القارة الأميركية خلال الفترة نفسها، حذّر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس من «الاحتمالات العالية بأن يتسارع سريان الفيروس في النصف الغربي من الكرة الأرضية مع اقتراب فصل الشتاء». ودعا الدول إلى اتخاذ كل التدابير اللازمة بأسرع وقت ووضع كل الإمكانات لتعزيز المنظومات الصحية التي يتوقّع خبراء المنظمة أن تزداد عليها الضغوط في الأسابيع المقبلة.

ويستند الخبراء في حديثهم عن «القفزة الثالثة» إلى البيانات التالية: من بين البلدان العشرة الأولى التي تسجّل أعلى عدد من الإصابات بـ«كوفيد19» في العالم توجد حالياً 6 بلدان أميركية؛ هي: الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين وكولومبيا والبيرو والمكسيك، فيما توجد بينها 3 دول أوروبية هي إسبانيا وروسيا وفرنسا. لكن من البلدان العشرة التي سجّلت أكبر عدد من الإصابات الجديدة خلال الأيام السبعة الأخيرة، يتبيّن أن بينها 5 دول أوروبية؛ هي: فرنسا وروسيا وإيطاليا وتشيكيا وهولندا، ثم بولندا في المرتبة الثانية عشرة. يضاف إلى ذلك أن مجموع الإصابات الحالية في القارة الأميركية يزيد على 18 مليوناً، منها 7 ملايين في الولايات المتحدة و5 في البرازيل، فيما يبلغ إجمالي الإصابات في أوروبا 8 ملايين؛ منها 1.2 مليون إصابة في روسيا وحدها. لكن أرقام الأسبوع الماضي توضح أن عدد الإصابات الجديدة في أوروبا قد زاد على 700 ألف ويكاد يوازي عدد الإصابات في القارة الأميركية الذي بلغ 800 ألف خلال الفترة نفسها.
ويثير هذا المسار التصاعدي السريع للوباء في أوروبا قلقاً كبيراً في منظمة الصحة العالمية التي قال مديرها الإقليمي لأوروبا هنري كلوغ: «نحن أمام ارتفاع متسارع في الإصابات اليومية وفي أعداد الوفيات، وما زلنا على بعد شهرين من بداية فصل الشتاء الذي يشهد عادة ارتفاعاً كبيراً في الضغط على المؤسسات الصحية نتيجة انتشار الفيروسات الموسمية».
وفي حين أفادت منظمة الصحة بأن «كوفيد19» أصبح في المرتبة الخامسة بين الأمراض المسببة للوفاة في أوروبا، قال ناطق باسم «المركز الأوروبي لمكافحة الأوبئة» إنه لا توجد حتى الآن قرائن علميّة كافية حول هذا التسارع الأخير لانتشار الوباء في أوروبا، وأن ثمة اعتقاداً سائداً بأن الطقس البارد هو أحد هذه الأسباب.
وكان «المركز الأوروبي» قد أشار في بيانه الدوري الأخير، أمس الأربعاء، إلى أن «النسبة الأعلى من سريان الفيروس هي في المنازل وداخل الأماكن المغلقة التي لا تستوفي شروط الوقاية، وإذا حافظنا على مسافة التباعد وكثّفنا الفحوصات وعزل الإصابات وتتبعها وتدابير الحجر وغسل الأيدي واستخدام الكمامات، فسنتمكّن من كسر سلسلة السريان في الأسابيع المقبلة».
وجاء في بيان «المركز» أن ما يمكن استخلاصه من الارتفاع الأخير في معدلات سريان الوباء في أوروبا هو أن تدابير الوقاية والاحتواء المتبعة حتى الآن لم تثمر النتائج المنشودة، إما لأنها لم تطبَّق كما ينبغي، وإما لأنها غير كافية، وأن التقيّد الصحيح بهذه التدابير وتشديد الرقابة على اللقاءات الاجتماعية في الأماكن العامة والخاصة من شأنه أن يخفّض عدد الوفيات بمقدار 281 ألف حالة من الآن حتى مطلع فبراير (شباط) من العام المقبل في البلدان الـ53 الأعضاء في المركز. وكانت دراسة أجرتها جامعة «كالابريا» في الجنوب الإيطالي من مارس (آذار) إلى مايو (أيار) الماضيين قد بيّنت أن التباعد الاجتماعي واستخدام الكمامات من شأنه أن يخفّض نسبة سريان الفيروس بنسبة 1000 في المائة.
وليس أدلّ على الفورة الوبائية التي تشهدها أوروبا منذ أيام سوى الوضع الذي تعيشه إيطاليا التي انتقلت، في أقل من 3 أسابيع، من الدولة القدوة في العالم من حيث احتواء الوباء الذي كانت بؤرته الرئيسية في المرحلة الأولى وكانت تسجّل أدنى معدلات الانتشار في أوروبا حتى أيام خلت، لتصبح اليوم في الصف الأول بين الدول الأوروبية التي تسجّل أسرع معدلات السريان.
وبعد أن قررت الحكومة مساء الاثنين الماضي تفويض صلاحيات إدارة الأزمة إلى السلطات الإقليمية محتفظة بحق فرض أي تدابير تتجاوز تلك التي تعتمدها الأقاليم عند الاقتضاء، أعلن حاكم إقليم لومبارديّا الشمالي حظر التجول من الحادية عشرة ليلاً إلى الخامسة صباحاً، تلاه إعلان مماثل من حاكم إقليم كامبانيا الذي تشهد عاصمته نابولي ارتفاعاً سريعاً في الإصابات الجديدة منذ أيام.
وفي حين أعلنت أقاليم ليغوريا وبييمونتي وفينيتو التي يتفشّى فيها الوباء بسرعة منذ أيام عن خطوات مماثلة في الأيام المقبلة، دعا رئيس الجمهورية الإيطالي سرجيو ماتّاريلّا مواطنيه إلى التحلّي بروح المسؤولية العالية للحفاظ على الإنجازات التي تحققت في الأشهر الأخيرة بفضل كثير من التضحيات، فيما دعا وزير الصحة روبرتو سبيرانزا المواطنين إلى البقاء في منازلهم وعدم مغادرتها إلا لأغراض أساسية.
وعاد إقليم لومبارديّا الذي كان بؤرة الوباء الرئيسية في العالم خلال الموجة الأولى ليتصدّر عدّاد الإصابات الجديدة في إيطاليا، مع ارتفاع متواصل في عدد الوفيّات والحالات التي تقتضي علاجاً في المستشفى. وكانت مدينة ميلانو عاصمة الإقليم قد سجّلت 1123 إصابة جديدة في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة.
وكان حاكم إقليم كامبانيا قد أعلن يوم الاثنين الماضي إغلاق المدارس أمام الارتفاع السريع في الإصابات، وأثار قراره احتجاجات غاضبة في صفوف الأهالي وانتقادات من وزيرة التربية، لكنه عاد أمس وقرر استئناف التدريس في صفوف المرحلة الابتدائية. وفي إقليم ليغوريا قررت السلطات قصر التعليم في المرحلة الثانوية على الدروس الافتراضية، وإلغاء «الدروس الخطرة» مثل الرياضة البدنية ودروس الموسيقى التي تستخدم فيها آلات النفخ.
وقرر إقليم بييمونتي منع التجمعات على كامل الأراضي بشكل قاطع ومنع التجوّل في 4 «أحياء حمراء» داخل مدينة جنوا الساحلية.
وأعلنت وزارة الداخلية تكليف القوات المسلّحة السهر على تطبيق حزمة التدابير الأخيرة التي أعلنتها الحكومة المركزية والسلطات الإقليمية لاستخدام الكمامات الواقية في الشوارع ومنع التجمعات والأنشطة الرياضية غير الاحترافية.
ورغم إصرار رئيس الحكومة الإيطالي على عدم الإقفال التام واتخاذ ما يلزم من تدابير لتحاشيه، يكاد يجمع الخبراء الإيطاليون على أنه لا بد من معجزة لتحاشي الإغلاق التام في الأسابيع القليلة المقبلة. وكان جوزيبي كونتي قد أعلن أن اللقاح سيكون جاهزاً قبل نهاية العام الحالي، لكن الخبير الوبائي المعروف آندريا كريزانتي استبعد ذلك وقال إن اللقاحات لن تكون جاهزة قبل بداية الربيع المقبل.
ومع التوقعات بأن تعلن الحكومة في الأيام القليلة المقبلة حزمة جديدة من تدابير الإقفال الجزئي الصارمة، قال مستشار وزير الصحة وعضو المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، والتر ريتشاردي، إن «الوضع الوبائي في ميلانو ونابولي وروما قد خرج عن السيطرة، ولم تعد تنفع معه إلا التدابير الحاسمة».


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended