ماكرون: لن ينعم «الإسلامويون» بالطمأنينة في بلادنا

بعد مقتل المعلم بقطع رأسه... فرنسا في حالة {حرب على الإرهاب}

شرطيان وأكاليل من الورود خارج مدرسة كونفلان سانت هونورين (شمال باريس) أمس تكريماً لمدرس التاريخ المقتول (أ.ف.ب)
شرطيان وأكاليل من الورود خارج مدرسة كونفلان سانت هونورين (شمال باريس) أمس تكريماً لمدرس التاريخ المقتول (أ.ف.ب)
TT

ماكرون: لن ينعم «الإسلامويون» بالطمأنينة في بلادنا

شرطيان وأكاليل من الورود خارج مدرسة كونفلان سانت هونورين (شمال باريس) أمس تكريماً لمدرس التاريخ المقتول (أ.ف.ب)
شرطيان وأكاليل من الورود خارج مدرسة كونفلان سانت هونورين (شمال باريس) أمس تكريماً لمدرس التاريخ المقتول (أ.ف.ب)

تواصل الأجهزة الأمنية الفرنسية تحقيقاتها بشأن العملية الإرهابية التي نفذها شاب شيشاني الأصل، روسي الجنسية، يحظى بوضع لاجئ سياسي، ضد أستاذ مواد التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية في مدرسة تكميلية تقع في مدينة كونفلان سانت هونورين (شمال باريس). ورغم مرور 3 أيام على التحقيقات التي يجريها الأمنيون مع 11 شخصاً من عائلة الجاني البالغ من العمر 18 عاماً أو من أصدقائه ومعارفه، فإن ثمة مناطق من الظل ما زالت تحيط بهذه العملية التي ذبح فيها عبد الله أبوزيدفيتش أنزورف الأستاذ صامويل باتي، وفصل رأسه عن جسده، قريباً من المدرسة التي كان يدرس فيها.
ويريد المحققون أن يعرفوا ما إذا كان هذا الشاب قد نفذ جريمته بمفرده أم أنه فعل ذلك بدفع من آخرين، علماً بأن فرضية تحركه بفعل تواصل مع الخارج مستبعدة. ومن بين المعتقلين جده ووالده وشقيقه الأصغر و3 شبان شيشانيين كانوا على اتصال به. ومن بين الموقوفين والد تلميذة شكا من إبراز أستاذ التاريخ صوراً كاريكاتورية مسيئة للنبي سبق أن نشرتها مجلة «شارلي إيبدو» الساخرة عام 2015، وأعادت نشرها بداية سبتمبر (أيلول) الماضي، داخل الصف الرابع تكميلي في حصة التربية المدنية، وناشط أصولي رافقه إلى المدرسة للقاء مديرتها للشكوى من الأستاذ القتيل. كذلك، يريد المحققون معرفة وسيلة النقل التي استقلها الجاني للانتقال من مكان سكنه مع عائلته في مدينة أيفرو، الواقعة على بعد ستين كلم من كونفلان سانت هونورين، حاملاً سكينين، إحداهما يبلغ نصلها 30 سنتم، إضافة إلى مسدس يطلق خردقاً.
ويوماً بعد يوم، تتكشف عناصر جديدة تنير شخصية الجاني الذي قال أفراد عائلته إنه جنح إلى التشدد والراديكالية من فترة تتراوح بين 6 أشهر وسنة. والسؤال المطروح يتناول معرفة ما إذا كانت عائلة الجاني على علم بمشروعه الإرهابي الذي صدم فرنسا، وأثار الذعر والغضب في أوساط المعلمين والأساتذة والتلامذة، لأنها المرة الأولى التي يستهدف فيها القطاع التربوي بعمل إرهابي، حيث لم تعرف باريس مثله سابقاً؛ أي قطع رأس الضحية. وبيّن فحص الهاتف الخليوي للجاني أنه كتب تغريدة تبني العملية ظهراً، ثم أضاف إليها صورة رأس القتيل في الساعة الخامسة إلا ربعاً، أي بعد دقائق قليلة من تنفيذ عمليته، من حساب يعود إطلاقه إلى شهر يونيو (حزيران) من الصيف الماضي.
وتفيد أوساط المحققين أن 300 شخص كانوا يتابعون حسابه الذي كان يضمنه مقاطع قرآنية، وتعليقات تدل على راديكاليته، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لوضعه على لائحة الأشخاص الذين يشكلون تهديداً أمنياً على علاقة بالراديكالية الإسلاموية.
وأظهر التحقيق أن الجاني وصل ظهيرة يوم الجمعة الماضي إلى محيط المدرسة، وبقي في المكان طويلاً، وأنه قدم أموالاً لتلامذة ليساعدوه على التعرف إلى الأستاذ صامويل باتي الذي نحره وهو متوجه من المدرسة إلى منزله، وذلك على بعد 200 متر من المدرسة.
هذه العملية أحدثت صدمة كبرى لدى الرأي العام والحكومة والطبقة السياسية، خصوصاً أنها جاءت بعد 3 أسابيع من عملية إرهابية أخرى قام بها رجل باكستاني في الشارع الذي كانت تقع فيه مكاتب «شارلي إيبدو»، حيث أصاب بجروح بليغة رجلاً وامرأة، مستخدماً ساطور جزار. وأبلغ دليل على ذلك المسيرات الضخمة التي شهدتها باريس وكثير من المدن الرئيسية للتنديد بالعملية وبـ«الظلامية»، وللدفاع عن العلمانية وحرية الرأي والتعليم. لذا، كان على الحكومة أن توفر الرد المناسب، خصوصاً أنها متهمة بالتقصير أو العجز عن مواجهة التطرف الإسلاموي، ووضع حد للموجات الإرهابية التي قضت منذ عام 2015 على 259 شخصاً، وأوقعت مئات الجرحى.
ويصوب اليمين الكلاسيكي واليمين المتطرف على الرئيس ماكرون وحكومته، وهذا ما بينته الأيام الثلاثة الأخيرة، حيث بدا ملحاً أن تكشر الحكومة عن أنيابها، وألا تكتفي بالتصريحات. ومنذ مساء الجمعة، توالت الاجتماعات، وأهمها اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، برئاسة ماكرون، أول من أمس (الأحد) في قصر الإليزيه.
ونقلت أوساط الرئاسة عنه قوله في الاجتماع إن «الخوف سينتقل إلى المعسكر الآخر... لن ينعم الإسلاميون بالطمأنينة في بلادنا». وطالب الرئيس الفرنسي وزراء الداخلية والعدل والتربية بمقترحات عملية وردود فعل فورية على ما شهدته فرنسا. وفي نهاية الاجتماع الذي استمر ساعتين ونصف الساعة مع رئيس الوزراء جان كاستكس، و5 وزراء، والمدعي العام لمكافحة الإرهاب جان فرنسوا ريشار، أعلن ماكرون عن «خطة عمل» ضد «الكيانات والجمعيات أو الأشخاص المقربين من الدوائر المتطرفة» الذين ينشرون الدعوات للكراهية.
والرد العملي لم يتأخر، إذ قامت الشرطة الفرنسية بعمليات دهم وتوقيف ضد «عشرات الأفراد» المرتبطين بالتيار الإسلاموي. وأكد وزير الداخلية جيرار دارمانان أن «فتوى» صدرت بحق صامويل باتي لأنه عرض على تلامذته الرسوم الكاريكاتورية. وما يعنيه دارمانان أن هناك شخصين من بين الموقوفين قاما بحملة تنديد ضده، ما قد يكون دفع الجاني لارتكاب فعلته، وهما والد تلميذة من كونفلان سانت - أونورين، والناشط المتطرف عبد الحكيم الصفريوي.
وفي حين انطلقت هذه العمليات صباح أمس، وستتواصل في الأيام المقبلة، أعلن دارمانان أنها تستهدف «عشرات من الأفراد ليسوا بالضرورة على صلة بالتحقيق» بشأن جريمة القتل، لكنها تهدف إلى تمرير رسالة، مفادها: «لن ندع أعداء الجمهورية يرتاحون دقيقة واحدة». وبحسب مصادر وزارة الداخلية، فإن الأشخاص الذين تم استهدافهم معروفون لدى أجهزة الاستخبارات بسبب خطبهم المتطرفة، ورسائل الكراهية التي تبث على الشبكات الاجتماعية. وأضاف الوزير الفرنسي أنه سيعمد إلى إغلاق عشرات الجمعيات، وترحيل الإسلامويين، وأن أجهزة الدولة ستزور مقار 51 جمعية خلال الأسبوع، وأن كثيراً منها «سيتم حلها» بقرار من مجلس الوزراء.
وبصفته وزيراً للداخلية، وأنه يقدم نفسه على أنه صاحب القبضة القوية، فقد كان على دارمانان أن يبين عن التشدد المطلوب في محاربة «الانفصالية الإسلاموية» التي كرس لها الرئيس الفرنسي الشهر الماضي خطاباً، وعد خلاله بتقديم مشروع قانون إلى البرلمان مع نهاية العام الحالي. ووفق ما تسرب، فإن القانون المنتظر سيوفر القاعدة القانونية للقيام بإجراءات فاعلة ضد من يعدهم ماكرون حاملين لفكر انفصالي يدعو إلى تبني قيم غير قيم الجمهورية، وممارسات منفصلة عن طريقة عيش الفرنسيين.
وإضافة إلى ما تقدم، فقد أفاد وزير الداخلية بأنه تم فتح أكثر من 80 تحقيقاً بشأن الكراهية عبر الإنترنت، استهدفت «كل من عبر عن أسفه، وقال بطريقة أو بأخرى إن المدرس كان مسؤولاً عما حصل له»، مؤكداً حدوث توقيفات. وذكر دارمانان أيضاً منظمة «بركة سيتي» (مدينة البركة) غير الحكومية التي أسسها مسلمون ذوو نزعة سلفية. ووُضع رئيسها إدريس يمو، الخميس، تحت المراقبة القانونية.
ومن جانبها، تنشط وزيرة المواطنة مارلين شيابا في مجال محاربة ما تسميه «الإسلاموية السيبرانية»، وقد عقدت عدة اجتماعات، أمس، مع قادة الأجهزة الأمنية والدرك للنظر في الإجراءات الواجب اعتمادها لمحاربة التطرف على شبكات التواصل الاجتماعي. كما التقت المسؤولين عنها لتطلب منهم حذف كل محتوى ينم عن بث الكراهية والتطرف.
وأخيراً، فإن وزير العدل أريك دوبون - موريتي استعدى بشكل طارئ المدعين العامين للتداول معهم، ومن أجل دفعهم للعمل والتنسيق مع الأجهزة الأمنية. وبات واضحاً اليوم أن فرنسا ولجت مرحلة جديدة، وما سبق إعدام المدرس وقطع رأسه لن يشبه ما بعده، والحكومة ضالعة في عدة جبهات سياسية وأمنية واجتماعية، فيما وباء «كوفيد-19» مستمر في التفشي على نطاق واسع، والإجراءات المتخذة لاحتوائه تحد من حركة المواطنين، وتضرب الاقتصاد في الصميم.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.