الجمهوريون يخشون «مجزرة انتخابية» وقلقون من تراجع دعم النساء لترمب

ترمب يصفق خلال تجمع انتخابي في مسكيغون بولاية ميشيغان مساء السبت (أ.ف.ب)
ترمب يصفق خلال تجمع انتخابي في مسكيغون بولاية ميشيغان مساء السبت (أ.ف.ب)
TT

الجمهوريون يخشون «مجزرة انتخابية» وقلقون من تراجع دعم النساء لترمب

ترمب يصفق خلال تجمع انتخابي في مسكيغون بولاية ميشيغان مساء السبت (أ.ف.ب)
ترمب يصفق خلال تجمع انتخابي في مسكيغون بولاية ميشيغان مساء السبت (أ.ف.ب)

عكست تصريحات عدد من قادة الحزب الجمهوري التي حذروا فيها من احتمال تعرض الجمهوريين إلى «مجزرة» انتخابية، عمق المخاوف من احتمال خسارتهم، ليس فقط انتخابات الرئاسة الأميركية، بل انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب وبعض حكام الولايات، في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
ولم يسبق أن قام مسؤولون بالتعبير عن قلقهم بهذا الشكل، قبل أسبوعين على موعد الانتخابات، فيما الإحصاءات تشير إلى أن التصويت المبكر الذي تشهده الولايات تتزايد وتيرته، خصوصاً على الجانب الديمقراطي، بنسبة لم تشهدها الانتخابات الأميركية في تاريخها كله.
فقد حذر السيناتور الجمهوري النافذ عن ولاية تكساس، تيد كروز، من «مذبحة بحق الجمهوريين» بمقاييس فضيحة «ووترغيت» التي أدت ليس فقط إلى تنحي الرئيس ريتشارد نيكسون، بل أيضاً إلى عدم قدرة نائبه جيرالد فورد الذي أكمل مدة الرئاسة، لكنه عجز عن الفوز في الانتخابات أمام جيمي كارتر، وخسارة الجمهوريين مجلسي الشيوخ والنواب عام 1976.
وحذر أيضا ًالسيناتور الجمهوري عن ولاية نيبراسكا، بن ساس، مواطني ولايته من أن الجمهوريين قد يواجهون «مذبحة في مجلس الشيوخ» بسبب إخفاق الرئيس دونالد ترمب في الاستجابة لوباء «كورونا»، وإحداث «شرخ بين واشنطن وحلفائها في العالم».
وجاءت تصريحات كروز وساس كذلك غداة انتقادات وجهها السيناتور الجمهوري ميت رومني للرئيس ترمب، على خلفية رفضه توجيه نقد لحركة «كيوأنون»، وهي مجموعة متهمة بنشر معلومات كاذبة على وسائل التواصل الاجتماع عن مرض «كوفيد-19»، وعن حركة «حياة السود مهمة». وقال رومني، في بيان نشره على «تويتر»، إن «عدم استعداد الرئيس للتنديد بنظرية مؤامرة سخيفة خطيرة يتواصل في وتيرة مثيرة للقلق».
ورغم عدم رده على رومني، فإن ترمب رد سريعاً على تصريحات بن ساس، وانتقد في تغريدة على «تويتر» ما سماه «أساليبه البغيضة الغبية».
ورغم حالة «الاطمئنان النسبي» التي يعبر عنها الديمقراطيون، فإن التشكيك بصحة استطلاعات الرأي التي تعطي مرشحهم تقدماً واضحاً تحول إلى قاسم مشترك مع عدد كبير من الأميركيين بعد المفاجأة التي حققها ترمب عام 2016 على منافسته هيلاري كلينتون.
وفي ظل عدم قدرتهم على التنبؤ بتصرفات ترمب وتصريحاته، وتخوفهم من «مفاجأة أكتوبرية»، يتريث الديمقراطيون، ويحرصون على عدم المبالغة بالشعور باحتمال الفوز. وأصدر المرشح الديمقراطي جو بايدن الذي يتقدم في كل استطلاعات الرأي على ترمب بياناً دعا فيه الأميركيين إلى الإقبال على التصويت، وعدم الاكتفاء بأرقام الاستطلاعات.
ومع جمع الديمقراطيين تبرعات قياسية، وتفوقهم على الجمهوريين في الإنفاق على الدعايات على وسائل الإعلام المتنوعة، يراهن الجمهوريون على تمكن ترمب من خفض تراجعه أمام بايدن، في المناظرة الأخيرة التي ستجري بينهما الخميس المقبل.
ويقوم فريق عمل ضخم بالاستعداد لتزويد الرئيس بكل التوجيهات والمعلومات اللازمة لتمكينه من الرد على منافسه، على أمل تغيير الصورة التي ظهر بها في المناظرة الأولى، ولتعويض الإخفاق في عدد المشاهدين الذين تابعوا ظهوره يوم الخميس الماضي في حواره المفتوح مع الجمهور على محطة «إن بي سي»، مقابل الذين شاهدوا بايدن في الليلة نفسها على محطة «إيه بي سي». كما يراهن الجمهوريون على جلسة التصويت الذي سيجري الخميس المقبل في مجلس الشيوخ لتثبيت القاضية إيمي كوني باريت في المحكمة العليا التي دعا إليها كبير الجمهوريين السيناتور ميتش ماكونيل، وما يمكن أن يحدثه من تأثير إيجابي على مزاج الناخبين المتشددين والمستقلين ذوي الأفكار المحافظة.
يذكر أن الآلاف شاركوا السبت أيضاً في مظاهرات في العاصمة واشنطن وبعض المدن الكبرى احتجاجاً على القاضية باريت، غير أن بعض الاستراتيجيين الجمهوريين يحذرون من أن ترمب يعاني من نقص استراتيجي في حشد تأييد قاعدة مهمة رئيسية من الناخبين، هم النساء. وفي استطلاع أخير مشترك بين صحيفة «وول ستريت جورنال» ومحطة «إن بي سي»، ظهر أن النساء يفضلن بايدن بنسبة 60 في المائة، مقابل 34 في المائة لترمب، في حين بلغت نسبة تفضيل ترمب بين الرجال 50 في المائة، مقابل 45 في المائة لبايدن.
وهذا الفارق الكبير في فجوة التفضيل بين الجنسين قرع جرس إنذار إضافي بين الجمهوريين الذين حذروا من احتمال عدم قدرتهم على تغيير هذا الواقع خلال الأسبوعين المتبقين على الحملة الانتخابية. ويرى بعضهم أن سبب تراجع ترمب لدى النساء قد يعود إما لما عدوه الفوضى التي وسمت رئاسته الأولى، وإما لميله لإطلاق الإهانات الشخصية الفظة التي كان لها تأثير سلبي تراكمي.
لكن هناك دائماً إمكانية حقيقية لفوز ترمب، سواء جاء ذلك على خلفية حصول فضيحة أو مفاجأة يمكن أن تغير رأي الناخبين، أو بسبب الإقبال الضعيف على التصويت، خصوصاً لدى الديمقراطيين، رغم الأرقام القياسية التي يحققها التصويت المبكر، أو عبر استمالة السود أو العمل على الحد من إقبالهم على التصويت.
لكن إذا بقيت استطلاعات الرأي كما هي الآن تقريباً، وفاز ترمب بغض النظر عنها، فقد يفجر ذلك قنبلة كبيرة، وستطرح أسئلة ليس فقط عن صدقية مراكز البحث والاستطلاع، بل وعن نزاهة عملية التصويت نفسها.
ويقول أنصار ترمب إن كثيراً من استطلاعات الرأي العامة إما كانت غامضة بشأن منهجيتها أو تعاني من أخطاء في تحديد العينات. فالخطأ في تحديد نسبة الجامعيين من الأميين أو العمال أو المزارعين سيقود إلى نتائج مختلفة. ورغم أن هذا الادعاء يعتمد على اعتبار أن هوامش الخطأ في تلك الاستطلاعات واسعة جداً، وهو ما ينفيه القائمون بها، فإن هامش التقدم الذي يحققه بايدن يجعل نسبة الخطأ أقل تأثيراً على النتيجة، بل أعطى موقع «538» المشهور بتقديم نتائج علمية إحصائية عن الانتخابات بايدن تقدماً بنسبة 87 في المائة بدءاً من مساء أول من أمس (السبت).



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...