وزير التجارة السوداني: خطة لمعالجة خلل الميزان التجاري... ومصالح شخصية وراء عدم جودة صادراتنا

مدني عباس مدني قال لـ «الشرق الأوسط» إن التحقيق في إرجاع صادرات الماشية على وشك الاكتمال

وزير التجارة والصناعة السوداني مدني عباس مدني
وزير التجارة والصناعة السوداني مدني عباس مدني
TT

وزير التجارة السوداني: خطة لمعالجة خلل الميزان التجاري... ومصالح شخصية وراء عدم جودة صادراتنا

وزير التجارة والصناعة السوداني مدني عباس مدني
وزير التجارة والصناعة السوداني مدني عباس مدني

قال وزير التجارة والصناعة السوداني، مدني عباس مدني، إن وزارته وضعت تصوراً متكاملاً لمعاجلة الخلل في الميزان التجاري، لخلق توازن بين الصادرات والواردات، و«نعمل بشكل علمي، وأعددنا دراسات لزيادة القيمة المضافة للصادرات وزيادة حجمها».
وأشار مدني في حواره مع «الشرق الأوسط»، إلى أن الصادرات السودانية تعاني من مشكلة الاهتمام بالجودة، لأن هنالك مجموعات مسيطرة تريد تحقيق مصالح شخصية بغض النظر عن تأثير ذلك على اقتصاد البلاد، مؤكداً أن وزارته ستستمر في تشديد مطابقة جودة المواصفات.
واعترف بأن الصادرات السودانية تعاني «إشكال الجودة»، ولمعالجته قال: «أوضحنا للمصدرين أننا سنتشدد خلال موسم الصادر الجديد كثيراً في موضوع المواصفات»، ويجب أن تكون هناك قيمة مضافة في الجودة حتى لا نفقد الأسواق وليس أسواق اللحوم والماشية، وسنتشدد في الموسم الصادر المقبل بضوابط صارمة في الجودة.
وأعلن مدني عن اتفاقية مع جنوب السودان، أخرتها ظروف جائحة كورونا وإعادة تشكيل حكومة الجنوب، توقيعها، وينتظر أن يتم توقيعها نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الجاري أو بداية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وقال: «سوق جنوب السودان أهم الأسواق للمنتجات السودانية»، وأعلن بدء تفاوض مع دولتي تشاد وإثيوبيا، ومحيط السودان للمنتجات السودانية.
وأوضح الوزير الذي يواجه عاصفة انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن ضعف الجودة يقلل من قيمة الصادرات السودانية، ويفقدها الأسواق العالمية، مشيراً إلى أن اللجنة المختصة بإرجاع صادر الماشية خلال الفترة الماضية شارفت على الانتهاء من التحقيق.
وبشأن إعادة شحنات من صادر الماشية، قال إن هذه قضايا بدأنا ننتبه لها، ولا تخص صادر الماشية وحده بل كل الصادرات، فالصادرات السودانية تواجه مشكلة «الاهتمام بالجودة»، الناتج عن هيمنة المجموعات المسيطرة التي كانت تصدر أي شيء وبأي شكل لتحقيق مصالح شخصية، بغض النظر عن تأثيرها على اقتصاد وسمعة البلاد.
وكشف مدني عن تكوين لجنة تحقيق برئاسة وكيلة وزارة العدل لقضية إعادة ماشية الصادر شارفت على إكمال تحقيقها، وسيتم وضعها في الاعتبار في المجالات الأخرى، وقال: «نحن بحاجة لسلسلة تبدأ من الإنتاج حتى التصدير»، وتابع: «التفاصيل الفنية غير متعلقة بنا، وتتصل بنسب التلقيح. البعض يراها عالية والبعض يرى أن تكون أقل».
وفيما يتعلق بالمواصفات أوضح أن هناك مواصفة سودانية، لكن لا يتم الالتزام الصارم بها بل يتم التلاعب فيها، لأن جزءا كبيرا من عقود الصادر كانت وهمية، تخرج عن مكان قريب من الوزارة، تختلف فيها القيمة المكتوبة عن قيمة التصدير،

السلع الرديئة المستوردة
ورداً على السلع الرديئة التي يتم استيرادها للسودان، قال مدني: «نعم يتم استيراد سلع كثيرة، لكن لا يمكن وصفها بالزبالة»، وتابع: «لدينا سلع محلية بديلة، 26 في المائة منها مواد غذائية لها بدائل محلية»، أضاف: «تم إنتاج الموسم الماضي قمحا يمكن أن يسد حاجة البلاد لسبعة أشهر، فلو تمت إدارته بما يحفز المزارعين وتسهيل الإجراءات، لحللنا مشكلة الخبز... ببداية الموسم الجديد نتوقع تضاعف إنتاج القمح، وسنعمل على استيراد السكر الخام، لفائدة مصانع السكر لتقوم بتكريره وزيادة كفاءتها، لبلوغ الاكتفاء الذاتي من السلعة». وأوضح مدني أن وزارته تمنح عقودا للصادر للحاصلين على سجل تصدير، وتتابع عملية التوثيق من إعادة حصائل الصادر، وتراجع السلع الواردة عدا السلع الاستراتيجية التي لا تحتاج إذناً، وأرجع الأزمات في الخبز والمحروقات، لعدم امتلاك الدولة للأرصدة الكافية، لأن الموارد الموجودة كانت تخص أفرادا... وأسهم استشراء فيروس كورونا والسيول والفيضانات في تقليل الإيرادات، وقال: «60 في المائة من الإيرادات الحكومية تأتي من الضرائب والجمارك. وهذه السنة لم يكن بمقدور الدولة التشدد فيها بسبب الضعف الذي أصاب النشاط الاقتصادي الناجم عن كورونا ثم كارثة الفيضانات».

رزق اليوم باليوم
وزير التجارة والصناعة السوداني قال إن الحكومة تعمل على توفير السلع والمواد البترولية والقمح، لأطول فترة ممكنة، وإن الوزارة تدرس الخيارات المتاحة للعطاءات المتوسطة والطويلة، للخروج من معالجة الأزمات على طريقة «رزق اليوم باليوم».
أضاف عباس أن «محاسيب النظام البائد أفرغوا وزارة الصناعة والتجارة من محتواها وأدوارها، ما أضعف الجهاز الحكومي، وأن مجموعة المحاسيب تعمل لصالحها ولا تعيد الصادر». كانت الوزارة مجرد سوق لـ«الوراقة» - باعة الوثائق التجارية خارج الوزارة - وتابع: «لم نأت لمجرد أن نكون وزراء، بل لتحقيق أهداف الثورة، وإتاحة المنافسة الحرة للجميع».
وأوضح أنه يملك رؤية واضحة لا تتيح أي استثناءات أو تجاوزات، وتابع: «لم نحقق كل ما نطمح له، ولو تم تحقيقه لكنا نسير في طريق نهايته تفكيك البنية الاحتكارية والمافيات الاقتصادية»، وعبر الإصلاح القانوني وصياغة قوانين تضبط التجارة الداخلية والخارجية، وحوسبة عملها. وبحسب الوزير، أدت سياسات التدقيق إلى تراجع عقود الصادر بنسبة 100 في المائة، وإعادة مبالغ مقدرة من عائد الصادرات للبنك المركزي، وأضاف: «دونا بلاغات عديدة بتهريب حصائل الصادر، وراجعنا الالتزام الضريبي في الصادر»، وتابع: «نريد مصدرين وموردين حقيقيين لوقف النهب من جسد الاقتصاد، والعمل على تدميره».
وقال مدني إن الفترة الماضية شهدت ضعفاً في الإيرادات الحكومية مع زيادة المصرفات، ما ضغط على وفرة السلع الأساسية، وتابع: «نتجه لتوفير هذه السلع لفترات أطول، لا سيما المواد البترولية والقمح، وتدرس وزارة المالية خيارات عطاءات متوسطة وطويلة الأمد»، و«نعمل للخروج من حالة رزق اليوم باليوم».
ويُنتقد مدني على وعود قدمها للناس لا تنفذ، فقال: «ليست هناك وعود، بل وعد واحد، بتوفير الخبز، وقلنا للناس طبيعة الالتزام الذي قدمناه لم تراع تعقيد ملف الخبز واعتذرنا عنه، وما يدور بشأنه الهدف منه حصر عمل الوزارة في الخبز وحده». وقال: «نعمل الآن على إصلاح قانوني يتيح للدولة التدخل في الأسعار، وقانون إصلاح المسار القانوني على منضدة مجلس الوزراء»، واستطرد: «لن نتحرك بالحماس والانفعال، فليست لنا سلطة على البقالات والمتاجر، كما شرعنا في إنشاء جهاز لحماية المستهلك، وأعدنا مباحث التموين، ونعمل على بناء الأجهزة الرقابية وتشريع القوانين لإحداث إصلاحات مؤسسية». و أوضح وزير التجارة والصناعة أن وزارته تبذل جهودا كبيرة، بدأتها بـ«المسح الصناعي»، وتوقع اكتماله قبل نهاية العامل الجاري، وأن آخر مسح صناعي تم 2003 ولذلك لا يعتمد عليه، وأضاف: «شرعنا في إنشاء مجمعين للصناعات الصغيرة أحدهما للأسماك في ولاية النيل، وللألبان في شمال كردفان، وإعادة تشغيل مصنع ألبان بابنوسة، وتأهيل مجمع الحرفيين».
ووعد مدني بتأسيس مركز للاستشارات الصناعية ومعهد للسياسات الصناعية، وقال: «الصناعة عمل يأخذ وقتا، ورأينا أن نبدأ من الطريق الصحيح، باعتماد سياسات تقوم على الصناعة الصغيرة والمتوسطة». أضاف أن المصنوعات السودانية جيدة، بيد أنها تواجه أحياناً مشاكل التغليف والتقديم، لارتباطها بتكلفة الإنتاج العالية، و«لمواجهة الوضع، تمت صياغة أول قانون للصناعة في تاريخ البلاد، أجيز في مجلس الوزراء، وينتظر الإجازة في الاجتماع المشترك».
وفيما يخص احتجاجات المغتربين على وقف استيراد السيارات، أوضح مدني أن القرار اتخذ وفقاً لرؤية فنية إثر تجاوز الاستيراد خلال 15 شهرا 200 ألف سيارة، التي تعادل خطة استيراد السيارات لعشر سنوات، وقال: «منذ البداية حرصنا على ألا يمس القرار حق المغترب في استيراد سيارته، لكن صيغة القرار الإعلامية أخرجته مشوشاً، فُهم على أن المغتربين ملزمون باستيراد موديل السنة». وقال إن للمغتربين الحق في استيراد سياراتهم، وتحددت بسيارات عمرها خمس سنوات وما دون، و«الشيء الوحيد الذي وضعنا له ضوابط، اشترطنا على المغترب عدم بيع سيارته إلا بعد سنة».

وبشأن مطالبات باستقالته، قال: «نستقيل حين نشعر أننا غير قادرين على الفعل، وحتى الآن نرى أننا نسير في مسار صحيح، مسار قطوفة ليست دانية لتظهر سريعاً، فيضعنا تحت الضغط المستمر، ومع ذلك نراه جزءا من الضريبة التي نتوقعها».



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.