الانفاق السخي لأندية الدوري الإنجليزي الممتاز يتنافى مع إعلانها عن قرب إفلاسها

الصفقات الباهظة التي عقدها «الكبار» تتجاهل الأزمة المالية التي تلوح في الأفق

كاي هافرتز (72 مليون جنيه إسترليني)... أغلى صفقات تشيلسي (أ.ب)
كاي هافرتز (72 مليون جنيه إسترليني)... أغلى صفقات تشيلسي (أ.ب)
TT

الانفاق السخي لأندية الدوري الإنجليزي الممتاز يتنافى مع إعلانها عن قرب إفلاسها

كاي هافرتز (72 مليون جنيه إسترليني)... أغلى صفقات تشيلسي (أ.ب)
كاي هافرتز (72 مليون جنيه إسترليني)... أغلى صفقات تشيلسي (أ.ب)

أنفقت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز 1.45 مليار جنيه إسترليني على التعاقد مع لاعبين جدد، معظمهم من الخارج، في فترة الانتقالات الصيفية لهذا العام، أقل بنسبة 11 في المائة فقط مما أنفقته خلال فترة الانتقالات الصيفية للعام الماضي، عندما لم يكن من الممكن تخيل هذه الحياة البائسة في ظل تفشي فيروس كورونا.
وكان تشيلسي، بقيادة مالكه رومان أبراموفيتش، هو الأكثر إنفاقا، حيث بلغ صافي ما أنفقه على التعاقدات الجديدة 152 مليون جنيه إسترليني، بعدما تم رفع الإيقاف الذي كان مفروضا عليه من الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا، والذي كان يمنعه من عقد صفقات جديدة. وأنفق مانشستر سيتي 105 ملايين جنيه إسترليني على التعاقد مع مدافعين اثنين، هما روبين دياش وناثان أكي. وأنفق آرسنال 45 مليون جنيه إسترليني للتعاقد مع نجم خط الوسط الغاني توماس بارتي من أتلتيكو مدريد، في حين دفع ليفربول لوولفرهامبتون واندررز 41 مليون جنيه إسترليني للحصول على خدمات ديوغو جوتا، وتمتد القائمة لتشمل 28 عملية شراء بتكلفة إجمالية بلغت 20 مليون جنيه إسترليني أو أكثر.
وعلاوة على ذلك، سيتم دفع الملايين غير المعروفة، والتي لن يتم الإعلان عنها أبدا، لوكلاء اللاعبين لأنهم يلعبون دور «الوساطة» - وهو المصطلح الرسمي في كرة القدم الآن، بعد الاعتراف بأن هؤلاء الوكلاء يعملون لصالح الأندية واللاعبين في نفس الوقت؛ وربما يأتي وكيل الأعمال البرتغالي خورخي مينديز في مقدمة وكلاء اللاعبين من حيث الحصول على المبالغ المالية الطائلة في سوق انتقالات اللاعبين خلال الصيف الجاري.
ولا داعي للقول إن كل هذه الأموال قد تم إنفاقها في ظل أزمة صحية قاتمة، وما ترتب عليها من ضغوط هائلة على الحياة الطبيعية والنشاط الاجتماعي، وانخفاض لعائدات الأندية من تذاكر حضور المباريات. ورغم إنفاق الملايين على التعاقد مع لاعبين جدد، فإن كل الحديث داخل أروقة أندية كرة القدم الآن يدور عن الصعوبات والمشاكل المالية! ومن المؤكد أن الأندية التي تلعب في الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز تعاني بشكل أسوأ بكثير، في ظل حرمانها من الدعم الذي كان يقدم لها وانخفاض عائدات البث التلفزيوني. ورغم أن الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري الدرجة الأولى قد تمكنا من إنهاء موسم 2019 - 2020، فإن دوري الدرجة الثانية ودوري الدرجة الثالثة وجميع الدوريات الأدنى منهما لم تستكمل الموسم الماضي وتم إلغاؤه بسبب تفشي فيروس كورونا.
وأكد رئيس رابطة الأندية الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز، بيك باري، منذ عدة أشهر على أن هذه الأندية بحاجة إلى خطة إنقاذ بقيمة 250 مليون جنيه إسترليني لتعويض الخسائر الهائلة التي تكبدتها خلال الموسم الماضي والموسم الحالي. لكن أندية الدوري الإنجليزي الممتاز أنفقت بشكل سخي على التعاقد مع لاعبين جدد من البلدان الأوروبية الأخرى، بدون أن تضع أي اعتبار للأزمة الطاحنة التي تعصف بالأندية.
ومن السهل للغاية أن تدرك أن أغلى خمس صفقات أبرمتها أندية الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم كانت كفيلة بأن تغطي كل العجز المالي الذي تعاني منه جميع الأندية الـ72 في الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز: كاي هافرتز 72 مليون جنيه إسترليني، ودياش 64.3 مليون جنيه إسترليني، وبن تشيلويل 50 مليون جنيه إسترليني، وتيمو فيرنر 47.5 مليون جنيه إسترليني، وبارتي 45 مليون جنيه إسترليني. ورغم كل هذا الإنفاق السخي، وحقيقة أن صفقة البث التلفزيوني لموسم 2019 - 2020 لا تزال الأعلى في كرة القدم العالمية بقيمة 8.65 مليار جنيه إسترليني، لا تخفي أندية الدوري الإنجليزي الممتاز أنها تعاني من أزمة مالية كبيرة، وتضغط على الحكومة من أجل السماح بعودة الجماهير للملاعب لتعويض جزء من هذه الخسائر.
وتظهر الأرقام هذه الحقيقة بوضوح، حيث أعاد الدوري الإنجليزي الممتاز 300 مليون جنيه إسترليني لشركات البث التلفزيوني على الصعيدين الوطني والدولي بسبب الاضطرابات التي شهدها الموسم الماضي، ومن المحتمل أن يكون هناك المزيد من الخصومات لشركات البث التلفزيوني هذا الموسم. ومن المتوقع أن تصل خسائر أندية الدوري الإنجليزي الممتاز إلى 700 مليون جنيه إسترليني إذا لم يسمح للمشجعين بالعودة للملاعب طوال الموسم. وعلاوة على ذلك، انهارت صفقة البث التلفزيوني القياسية في الصين، وتم خسارة 175 مليون جنيه إسترليني هذا الموسم واستبدالها بـ10 ملايين جنيه إسترليني فقط في هيئة رسوم تدفع مقدما للاشتراك في مشاهدة المباريات!
ورغم كل ذلك، أنفقت الأندية 1.2 مليار جنيه إسترليني، بصافٍ يبلغ 880 مليون جنيه إسترليني، على اللاعبين ورواتبهم، في أحدث حلقة مجنونة منذ انفصال أندية الدرجة الأولى عن باقي الدوريات وتكوينها للدوري الإنجليزي الممتاز بشكله الجديد في عام 1992. لكن رد فعل أندية الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز كان مفاجئا واتسم بالصمت. ومن المعروف أن باري، الذي كان أول رئيس تنفيذي للدوري الإنجليزي الممتاز وأحد مهندسي انطلاق الدوري الإنجليزي الممتاز بشكله الجديد، يفكر بعقلية تجارية في المقام الأول، لذلك فهو يدرك أن الأندية ستواصل شراء اللاعبين.
وبالتالي، فإن الحل أعمق بكثير من مجرد توجيه أصابع الاتهام إلى الأندية بسبب إنفاقها بسخاء في فترة الانتقالات الأخيرة؛ لأن الأندية لم تتوقف عن الإنفاق بهذا الشكل منذ 28 عامًا. إن الدعوة إلى إنقاذ الأندية المشاركة في الدوريات الأقل من الدوري الإنجليزي الممتاز قد أدت إلى طرح بعض الأسئلة الكئيبة حول ما إذا كانت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز مطالبة من الأساس بتقديم الدعم لهذه الأندية أم لا، لكن هذه الحجج السخيفة تتناسى تاريخ اللعبة ونسيجها القوي والحقيقة الواضحة بأن هرم كرة القدم في إنجلترا متصل ببعضه البعض بشكل قوي، وبالتالي يجب تقليل الفجوات والانقسامات بين الدوريات وبعضها البعض، وليس تعميقها.
وبالنسبة لأولئك الذين يرون أن الأندية الكبيرة ليس لديها مصلحة في تقديم الدعم للأندية التي تشارك في الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز، هناك بعض المفاجآت التي يجب أن يدركوها، فقد اقترح إد وودوارد، نائب الرئيس التنفيذي لمانشستر يونايتد، أن يقترض الدوري الإنجليزي مليار جنيه إسترليني، بالنظر إلى أسعار الفائدة التي لا تذكر تاريخياً، على أن يتم تقديم 300 مليون جنيه إسترليني منها للدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز، وقد حظيت هذه الفكرة ببعض الدعم، لكن الدوري الإنجليزي الممتاز لم يتخذ خطوات ملموسة للمضي قدما في هذه الخطة. إن كرة القدم الإنجليزية تحتاج إلى التعاون والعمل الجماعي مرة أخرى، ويمكن أن يحدث ذلك بشكل أساسي عن طريق إدخال الدوريات الأدنى في صفقات البث التلفزيوني في المستقبل. وإذا كان ذلك ممكنًا، فسيتعين على الأندية الكبرى أن تدعمه. وإذا لم تتخذ مثل هذه الخطوات الآن، فمتى؟


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.