هدنة في العراق على جبهة الصواريخ... وخلافات حول الانتخابات والإصلاحات

مع الجدل حول جدوى «الورقة البيضاء» للإصلاح الاقتصادي وتوقيتها

هدنة في العراق على جبهة الصواريخ... وخلافات حول الانتخابات والإصلاحات
TT

هدنة في العراق على جبهة الصواريخ... وخلافات حول الانتخابات والإصلاحات

هدنة في العراق على جبهة الصواريخ... وخلافات حول الانتخابات والإصلاحات

فجأة توقفت صواريخ «الكاتيوشا» التي كانت تتساقط على محيط السفارة الأميركية بـ«المنطقة الخضراء» في قلب العاصمة العراقية بغداد بعد إعلان الفصائل المسلحة هدنة مشروطة. ومعها توقفت المساعي الخاصة التي تبذلها الحكومة العراقية مع واشنطن بشأن قرارها المبدئي غلق السفارة في بغداد حتى إشعار آخر. هذا الإشعار الآخر مرهون أولاً بنتائج الانتخابات الأميركية في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وثانياً بمدى ما يمكن أن تحرزه الحكومة العراقية من تقدم على صعيد جدولة الانسحاب الأميركي من العراق.
الهدنة دخلت بالفعل حيز التنفيذ عقب إعلان بعد إعلان «كتائب حزب الله» في العراق موافقة فصائل المقاومة كافة على «هدنة» نتيجة تهديد الولايات المتحدة بإغلاق مقر السفارة الأميركية في بغداد. وبعد بيان عما يسمّى «تنسيقيات الفصائل المسلحة» الذي أشار إلى هدنة مشروطة، أعلنت «كتائب حزب الله» عن تبنيها هذه الهدنة.

في تصريحات نقلتها وكالة «رويترز»، قال محمد محيي، الناطق الرسمي باسم «كتائب حزب الله» في العراق، إن «فصائل المقاومة المسلحة وافقت على تعليق الهجمات الصاروخية على القوات الأميركية بشرط أن تقدم الحكومة العراقية جدولاً زمنياً لانسحاب القوات الأجنبية بما فيها الأميركية». وأوضح محيي، أن «الفصائل قدمت وقفاً مشروطاً لإطلاق النار»، مؤكداً أن «الاتفاق يشمل جميع فصائل المقاومة (المناهضة للولايات المتحدة)، بما في ذلك أولئك الذين كانوا يستهدفون القوات الأميركية». وفي حين لم يشر المتحدث باسم «الكتائب» إلى العمليات التي تتعرض لها أرتال التحالف الدولي، وهل هي مشمولة بالاتفاق أم لا، أشار إلى أن «التهديدات الأميركية بإغلاق السفارة جعلت الأمور معقدة جداً في العراق واستدعت تهدئة التوترات».
تأتي هذه الهدنة بعد أيام من وقوع آخر صاروخ «كاتيوشا» على منطقة سكنية في منطقة الجادرية، وبالذات خلف فندق «بابل» المواجهة للسفارة الأميركية في الضفة الثانية من نهر دجلة، بينما لم يطلق أي صاروخ منذ نحو أسبوعين على محيط السفارة الأميركية بشكل مباشر، في أعقاب التهديد الأميركي بغلق السفارة الذي كان نقله وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو إلى الرئيس العراقي برهم صالح.
- هدنة سياسية
الهدنة التي أعلنتها الفصائل المسلحة أعادت، على ما يبدو، تنظيم العلاقة بين بغداد والتحالف الدولي، بما في ذلك التكتيك الخاص بمحاربة الإرهاب أو حماية البعثات الأجنبية.
اللواء تحسين الخفاجي، الناطق الرسمي باسم قيادة العمليات المشتركة، كان أعلن أخيراً أن «هنالك تغييراً في الخطط الأمنية لملاحقة المجاميع الإرهابية». وأضاف في بيان صحافي، أن «التحالف الدولي ملتزم بالانسحاب وفق جدولٍ زمني، ولديه التزامات تجاهنا بالتدريب ومكافحة الإرهاب». وأوضح الخفاجي، أن «قيادة العمليات عملت على تغيير عمليات تكتيكها للقطعات وانتقالها وتحركاتها، فضلاً عن تكثيف الجهد الاستخباري، لملاحقة المجاميع الإرهابية، وحماية البعثات الدبلوماسية». وشدد على «عدم السماح لأن يكون العراق بمفرده، بمعزل عن دول العالم، ولن يكون ساحة للتصفيات، أو ساحة للاعتداء على البعثات». ثم أشار إلى أن «هناك جدولاً زمنياً للتحالف الدولي يلزمهم بتسليم الكثير من المواقع، وهذا ما حصل. إذ سلمت الكثير من الأماكن والمعسكرات، فضلاً عن انسحاب الكثير من الخبراء والمقاتلين قبل المدة المقررة، بسبب جائحة (كوفيد – 19)».
حول ما إذا كانت جدولة الانسحاب من قبل التحالف الدولي تتوقف على طبيعة الهدنة التي أعلنتها الفصائل المسلحة، أكد اللواء الركن المتقاعد عماد علو، المستشار في المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب، لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذه المسألة التي تتعلق بجدولة انسحاب التحالف الدولي جاءت بعد البيان الذي أصدرته اللجنة التنسيقية للمقاومة الإسلامية. وهي لجنة تمثل الفصائل التي ادعت مسؤوليتها عن القصف على السفارة الأميركية والبعثات الأجنبية والمنطقة الخضراء، والذي هددت بموجبه باستمرار عمليات القصف في حال عدم وجود جدية في عملية الانسحاب عبر جدول زمني متفق عليه مع الحكومة العراقية».
وأضاف اللواء الركن علو، أن «هناك على ما يبدو هدنة في ضوء جهد سياسي بذل خلال الفترة الماضية، من قبل بعثة الأمم المتحدة في العراق وعدد من السياسيين، في التحرك على الأطراف ذات العلاقة، سواء كان السفراء الأجانب أم رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي (أبو فدك)، فضلاً عن زيارة مرتقبة لممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت إلى طهران».
- مصلحة استراتيجية
ورداً على سؤال بشأن استمرار التنسيق بين العراق والتحالف الدولي، يقول اللواء الركن علو، إن «من المصلحة الاستراتيجية استمرار هذا التنسيق في هذه المرحلة والمستقبل المنظور، سواءً كان على المستوى السياسي والعسكري والأمني من أجل مواجهة التحديات التي لا يزال يمثلها الإرهاب... بالإضافة إلى حاجة القوات المسلحة العراقية إلى التسليح والتجهيز، لا سيما أن القوات العراقية تحولت إلى العقيدة العسكرية الغربية بعدما كان تسليحها يستند إلى العقيدة الشرقية».
أما الدكتور حسين علاوي، أستاذ الأمن الوطني، فيقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاستهداف مستمر؛ لأن هنالك تحولات كبيرة تجري في جسد انتقال الدولة من النشوء إلى الاستقرار، وأن تكون حكومة تكميلية تلتزم بالمنهاج الوزاري وتعمل على خلق مناخ التعافي من جائحة (كوفيد – 19) وانهيار الاقتصاد نتيجة انخفاض أسعار النفط والتفهم الكبير للشارع العراقي لنهج الحكومة وحجم المشاكل، بالإضافة إلى رؤية الإسناد العميقة لبرنامج الانتقال نحو الدولة المستقرة المدنية».
وتابع أن «الدعم الذي حظي به الكاظمي من قبل المرجعية الدينية العليا في إدارة الدولة والسير في برنامج الحكومة، لن يروق للجماعات المسلحة الخاصة والقوى السياسية التي تراقب انتقال السلطة للمجتمع، حيث يكون المواطن العراقي فاعلاً في المعادلة السياسية بعد تغييب طويل».
وأوضح علاوي، أن «انتقال العراق نحو الدولة لن يعطي المجال للتشويش والفوضى التي نزف العراق نتيجتها شباباً وفرصاً اقتصادية كبيرة»، مبيناً أن «الكاظمي يسير بخطى جيدة. والدليل على ذلك عمليات التحرر الإداري في الاختيار، رغم أن القوى السياسية اتهمت الحكومة بشتى الاتهامات، بحيث جعلت الشارع يستغرب ما تقوم به هذه القوى، حيث إنها تحول دون استكمال كيان الحكومة الإداري والوظيفي في الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة التي كانت تدار بالوكالة». ثم أشار إلى «أننا نحتاج الآن إلى حوار سياسي معمق للسلاح خارج الدولة؛ لأنه سلاح قد خرج حتى عن قواعد العمل الذي يهدف إليه، سواء بمزاحمة عمل حكومة الكاظمي أو التأثير في قناعات الدول الصديقة للعراق للخروج منه... وهي تعمل وفقاً لاتفاقيات حكومية أبرمتها الحكومات السابقة وتعمل حكومة الكاظمي على تنظيمها في ضوء السيادة العراقية والمصالح الوطنية العليا». وأكد أنه «من دون حوار عراقي - عراقي لن تنتهي عمليات استهداف المنطقة الخضراء أو المواقع السيادية والقواعد العسكرية العراقية؛ لأن فيها رسائل سياسية مرتبطة بالصراع الأميركي - الإيراني الذي يسعى الكاظمي إلى إبعاد العراق عنه، لا سيما، بعد جدولة الوجود الاستشاري الأميركي خلال مباحثات الحوار الاستراتيجي الأول والثاني هذا العام مع الولايات المتحدة ضمن اتفاقية الإطار الاستراتيجي».
- حروب المفتوحة
وحقاً، بعد نحو خمسة أشهر على تسلمه مقاليد منصبه رئيساً للوزراء يجد مصطفى الكاظمي نفسه دائماً في مواجهة مفتوحة مع الكثير من القوى والكتل السياسية التي تريد منه تنفيذ ما وعد به من برنامج حكومي وإصلاحات شريطة ألا يتحرش بها.
الوعود التي حظي بها لدعمه من قبل القوى المتنفذة بدأت تتبخر شيئاً فشيئاً، لا سيما على صعيد الملفات الكبرى مثل حصر السلاح بيد الدولة أو مكافحة الفساد. فعلى صعيد مواجهة السلاح الموصوف بالمنفلت بالعراق، خاض الكاظمي معركة مبكرة بعد فترة قصيرة من توليه منصبه، لكنها لم تكن متكافئة بسبب عدم وقوف القوى التي كان يراهن عليها في تطبيق القانون معه. وبينما بدا أنه أجل معركته مع جماعات السلاح المنفلت، بمن في ذلك الفصائل المسلحة، فإن التطورات اللاحقة نقلت معركة السلاح، بصورة مباشرة، بين الفصائل المسلحة من جهة والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى. إذ هددت الأخيرة بغلق سفارتها في بغداد في حال لم تتمكن الحكومة العراقية من حماية البعثات الدبلوماسية.
قبل اندلاع هذه المعركة المفتوحة، التي انتهت إلى هدنة مشروطة، فإن الكاظمي قام بزيارتين لكل من إيران والولايات المتحدة بدا أنه في حاجة إليهما في مواجهة الرافضين النفوذ الإيراني من جهة، والمؤيدين النفوذ الأميركي وبالعكس. وأهم ما في الزيارتين أنه حظي بدعم من كل من طهران وواشنطن، وهو ما قد يكون انعكس لاحقاً على الهدنة بين واشنطن والفصائل. وهي هدنة صبّت في مصلحة الكاظمي، وخصوصاً، أن إيران - طبقاً لكل المعلومات والاستنتاجات - كانت قد دخلت على خط إقناع تلك الفصائل بالكف عن استهداف السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد.
وبين مساعي الكاظمي لتطويق أزمة السلاح خارج إطار الدولة، والمضي في المباحثات مع واشنطن لجهة جدولة انسحاب القوات الأميركية من العراق، فإنه يسعى إلى حسم أهم فقرة في برنامجه الحكومي... ألا وهي الانتخابات المبكرة. ومع نجاح الكاظمي في نقل معركة الانتخابات إلى داخل القوى السياسية، التي لا تزال عاجزة عن حسم القانون الانتخابي، فإنه فتح معركة أخرى مع القوى نفسها، وهي محاربة الفساد والبدء بإجراءات عملية على هذا الصعيد هي الأولى من نوعها بعد عام 2003.
- ورقة بيضاء على قماشة سوداء
مع أن معركة الانتخابات ما زالت مستمرة بشأن الدوائر المتعددة والتصويت الفردي، ومع استمرار معركة الفساد - حيث يقبع خلف القضبان عدد كبير من المسؤولين، وينتظر صدور قوائم أخرى - قدم الكاظمي ما أسماه «الورقة البيضاء للإصلاح الاقتصادي» في البلاد.
خلال الأشهر الماضية عانت الحكومة العراقية أزمة حادة على صعيد العجز عن دفع مرتبات الموظفين في العراق البالغ عددهم أكثر من 6 ملايين موظف ومتقاعد. وكان السبب المعلن انخفاض أسعار النفط، واعتماد العراق على النفط مورداً رئيسياً من موارد الدخل القومي. ومع أن هذا الخلل لا تتحمله حكومة الكاظمي، بل يعود إلى سنوات ما بعد عام 2003، حيث تتحمله كل الحكومات الماضية التي تشكلت بعد سقوط نظام صدام حسين، فإن الكاظمي قدم ورقة إصلاحية فاجأت الطبقة السياسية العراقية. وحقاً تباينت آراء هذه الطبقة من الورقة التي أسماها وزير المالية العراقي علي عبد الأمير علاوي «الورقة البيضاء»... التي بدت أنها تواجه قماشة سوداء من المشاكل والأزمات والمُناكفات.
«ورقة» الكاظمي تضمنت إصلاحات، بعضها جوهرية للواقع الاقتصادي للبلاد في ظل تفشي الفساد في كل مرافق الدولة ومؤسساتها. وهو ما أدى إلى ارتفاع أصوات هنا وهناك بشأن مدى إمكانية تحقيق مثل هذه الإصلاحات في غضون سنة ونصف السنة من عمر الحكومة، أو مدى صلاحيتها في التنفيذ بينما هي حكومة انتقالية مهمتها محصورة بالإعداد للانتخابات وإعادة هيبة الدولة. لكن واقع الحال يشير إلى أن الطبقة السياسية، التي بات همّها الوحيد المحافظة على مكاسبها وأوزانها السياسية والانتخابية، هي التي تعرقل حتى الآن قانون الانتخابات تحت مبررات شتى. وهي نفسها التي تضع العراقيل أمام الحكومة بهدف منع إعادة هيبة الدولة.
الكاظمي أثناء حديثه عن ورقته الإصلاحية أكد أن حكومته تواجه «ضغوطاً وعراقيل»، واعتبر «الورقة البيضاء بداية الإصلاح الاقتصادي». وفي هذا السياق، يقول عضو البرلمان عبد الله الخربيط، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المطلوب عمله من قبل الكاظمي كثير جداً في حال أراد تحقيق الإصلاح الحقيقي في البلاد. والبداية يجب أن تكون في الشركات العامة التي يجب أن تصفى تماماً؛ لأن مصانعها الـ400 كلها فاشلة، والشركات العامة كلها خسرانة. والرابح منها يربح بابتزاز الناس أو باستخدام الإعفاءات التي تتمتع بها الشركات الحكومية التي لا تدفع ضرائب... بينما تأخذ هي ضريبة من المواطن فتعد نفسها رابحة، في حين أن الأمر ليس كذلك».
وأضاف الخربيط، أن «الأهم بالنسبة للكاظمي هو التخلص من الهيكل الإداري الفاشل. إذ ينبغي تحطيمه أولاً لكي يتحقق الإصلاح المطلوب». ثم استطرد مبيناً، أن «تغيير الهيكل لا الأشخاص هو ما يجب عمله». وأشار إلى أن «الدستور العراقي ينص على أن العراق يعتمد اقتصاد السوق؛ بينما العقلية التي تتحكم هي العقلية الاشتراكية التي أثبتت فشلها».
بين هذا وذاك، لا يلوح في الأفق على الأقل في المدى المنظور أن الطبقة السياسية العراقية الحالية قادرة على أن تنتقل بالعراق إلى مرحلة جديدة بسبب عمق مشاكلها وأزماتها والخلافات البينية بين أطرافها. أضف إلى ذلك الصراع المحتدم بينها وبين الشارع، لا سيما، مع انتظار - بعد نحو عشرة أيام - تجدد المظاهرات الجماهيرية الكبرى بعد مرور سنة على اندلاعها في الخامس والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019. وبسبب عجز الطبقة السياسية عن حسم ملف الانتخابات الذي تراهن عليه الجماهير المنتفضة، فإن باب المفاجآت سيظل مفتوحاً على كل الاحتمالات، بما فيها بدء مواجهة قد تكون واسعة النطاق بين جماعة الحراك الشعبي وبين بعض القوى والأحزاب السياسية في البلاد.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.