أين تقف الهند من محادثات السلام الأفغانية؟

حضرت المفاوضات كطرف «صامت»... لكنها غير متحفظة على «طالبان»

عبد الله عبد الله أطلع القيادة الهندية على مستجدات المحادثات مع «طالبان» وتفاصيل زيارته الأخيرة إلى باكستان (أ.ب)
عبد الله عبد الله أطلع القيادة الهندية على مستجدات المحادثات مع «طالبان» وتفاصيل زيارته الأخيرة إلى باكستان (أ.ب)
TT

أين تقف الهند من محادثات السلام الأفغانية؟

عبد الله عبد الله أطلع القيادة الهندية على مستجدات المحادثات مع «طالبان» وتفاصيل زيارته الأخيرة إلى باكستان (أ.ب)
عبد الله عبد الله أطلع القيادة الهندية على مستجدات المحادثات مع «طالبان» وتفاصيل زيارته الأخيرة إلى باكستان (أ.ب)

مع اتفاق المفاوضين الممثلين لكل من حركة «طالبان» والحكومة الأفغانية لدفع محادثات السلام الأفغانية بين الطرفين، رغم استمرار وجود اختلافات جوهرية بينهما، تشهد كل من باكستان والهند الكثير من النشاط الجيوسياسي.
وكان أشرف غني، الرئيس الأفغاني، قد وصل إلى الدوحة مطلع الأسبوع الماضي برفقة وفد رفيع المستوى؛ والتقى الرئيس بزلماي خليل زاد، المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان، وكذلك الجنرال أوستن سكوت ميلر، قائد حلف شمال الأطلسي في أفغانستان؛ لكن غني لم يتحدث مباشرة مع حركة «طالبان».
على الجانب الآخر، زار عبد الله عبد الله، رئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية، دلهي، وقد أطلع القيادة الهندية على مستجدات المحادثات مع «طالبان» وتفاصيل زيارته الأخيرة إلى باكستان. والتقى السبت بناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، وسوبراهمانيام جايشانكار، وزير الخارجية الهندي، وأجيت دوفال، مستشار الأمن القومي في البلاد.
وقالت مصادر وزارة الخارجية الهندية، إن عبد الله طلب من دلهي الاستمرار في تقديم دعمها الدؤوب للسلام في أفغانستان، موضحاً أن حركة «طالبان» قد لا تكون حتى هذه اللحظة مفضلة لبعض القوى في المنطقة، إلا أن هناك حاجة إلى التعامل معها.
وأكد مودي على دعم دلهي المفاوضات من أجل الوصول إلى سلام دائم وشامل في أفغانستان. وأضافت مصادر الخارجية الهندية، أن رسالة عبد الله لدلهي هي أن تأخذ الهند مواقع خلفية في الفترة الحالية وإفساح المجال لأن تسلط الأضواء على الدور الباكستاني.
وقال المعلق جيوتي مالهوترا «تريد كابل من الهند الاستمرار في التعامل كطرف قوي صامت مثلما كانت طوال السنوات الماضية، وعدم إثارة اضطرابات في المشهد، خاصة في ظل عودة باكستان لتمثل خطراً بالنسبة إليها؛ ومواصلة تقديم مساعدات في مشروعات مثل بناء السدود والمدارس، مع الحفاظ على هدوئها على المدى القريب على الأقل. ولا يحتاج عبد الله إلى قول ذلك صراحة إلى مودي؛ فهو يفهم الأمر جيداً، كما أنه لا يحتاج إلى إخباره بأن العلاقة بين كابل ودلهي سوف تظل علاقة خاصة حتى لو كان ذلك وراء الستار».
وكان عبد الله قد زار إسلام آباد خلال الأسبوع الماضي قبل زيارته إلى الهند لمقابلة الجنرال قمر جاويد باجوا، رئيس أركان الجيش الباكستاني، وعمران خان، رئيس الوزراء، وغيرهم في ظل أجواء تصالحية مع إسلام آباد. الجدير بالذكر، أن عبد الله كان من أشد منتقدي باكستان؛ فلطالما اتهمها بدعم حركة «طالبان»، وتأجيج الحرب التي امتدت لـ19 عاماً في بلاده.
وسبقت زيارة عبد الله، زيارة زلماي خليل زاد إلى نيودلهي. وتعد هذه الزيارة هي الخامسة له منذ يناير (كانون الثاني) 2019. وقد خاض مناقشات مع وزير الخارجية الهندي، ومستشار الأمن القومي الهندي، بشأن محادثات السلام الأخيرة مع «طالبان» في الدوحة. وكان دور الهند منذ بداية عملية السلام الأفغانية هامشياً، حيث امتنعت عن الانخراط في أي محادثات مباشرة مع حركة «طالبان». مع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى تحول استراتيجية الهند الخاصة بالتعامل مع حركة «طالبان»، حيث تواجد جايشانكار، وزير الشؤون الخارجية الهندي، خلال الجلسة الافتتاحية للمحادثات الأفغانية في الدوحة في سبتمبر (أيلول) الماضي. وقال جايشنكار، إن عملية السلام ينبغي أن تكون أفغانية بشكل خالص، مؤكداً على ضرورة احترام «السيادة الوطنية لأفغانستان ووحدة أراضيها». ودعا كل من عبد الله وخليل زاد الهند إلى إقامة حوار سياسي مع «طالبان»، وتم تعزيز تلك الدعوة بإشارة من «طالبان» تعبر عن رغبتها في إقامة علاقة مثمرة مع الهند.

هل تمثل الهند عقبة في طريق السلام الأفغاني؟

يقول جايانت براساد، دبلوماسي متقاعد عمل سفيراً للهند لدى أفغانستان «تمثل مشاركة وزير الخارجية الهندي في الجلسة الافتتاحية للمفاوضات الأفغانية تعبيراً واضحاً عن الموقف الهندي تجاه حركة (طالبان). ولا يعني ذلك تقارب الهند مع حركة (طالبان)، بل يشير إلى أنه ليس لديها أي تحفظات بشأن التعامل مع حركة (طالبان) في حال كان ذلك هو موقف الحكومة الأفغانية. وقد أزالت الهند بحضورها المحادثات الغموض الذي كان يحيط بسياستها في السابق. الهند مستعدة للتعامل مع أي طرف يلتزم بإرساء وتحقيق السلام والاستقرار في أفغانستان. وقد مثلت دعوة الهند للمشاركة في المحادثات اعترافاً بأن للهند مصالح كبيرة في أفغانستان».
وذكر هارش بانت، مدير الأبحاث في مؤسسة «أوبسيرفر ريسرش فاونديشين»، «رغم عدم وجود قناة تواصل مباشرة بين الهند وحركة (طالبان)، تشير تأكيدات نيودلهي على أولولياتها في أفغانستان إلى أن علاقتها مع حركة (طالبان) تتحول وتتطور بعيداً عن المعارضة الصريحة لها خلال حقبة التسعينات. وعلى الجانب الآخر، من غير المرجح أن تكون حركة (طالبان) شريكاً قوياً للهند، لكنها ترسل إشارات تفيد بأنها هي الأخرى غير معترضة على التعاون مع الهند»، فمنذ بضعة أشهر نفت حركة «طالبان» وكذّبت تقارير إعلامية تشير إلى تعاونها مع جماعات مسلحة ناشطة في إقليم كشمير، مصرحة بأنها لا تسعى إلى التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة أخرى. «يمثل ذلك تقارباً من نيودلهي ويمنح الدولة فرصة لتأمين مقعد لها على طاولة المفاوضات رفيعة المستوى»، بحسب المحلل بانت. كما قامت «طالبان» أخيراً بإطلاق سراح سبعة مواطنين هنود كانت قد اعتقلتهم الحركة عام 2018.
ويدعو الكثيرون في كل من الهند وأفغانستان إلى الانخراط في حوار مباشر مع «طالبان»، حيث صرح حميد كرزاي، الرئيس الأفغاني السابق، في لقاءات إعلامية مؤخراً بأنه على الهند التحاور بشكل مباشر مع «طالبان». وقال «تعد الهند صديقاً تاريخياً لأفغانستان. ويحق لها التواصل مع الأطراف السياسية الأفغانية كافة، والانفتاح على كل الآراء والجماعات السياسية في البلاد. لهذا السبب سيكون اتصال الهند بـ(طالبان) لصالحها؛ كذلك سيكون من المهم للغاية بالنسبة للهند الانخراط في عملية السلام ودعمها. لذا؛ يعد تواجد الهند أمراً ضرورياً ومرحباً به».

لماذا تحتاج الهند إلى التواصل مع «طالبان»؟

لقد كانت الهند متشككة مؤخراً حيال العرض المفاجئ بالشراكة مع حركة «طالبان» في أفغانستان، الذي قدمه قلب الدين حكمتيار، الزعيم السياسي للمسلحين. وأوضح فيناي كاورا، الأستاذ في شؤون الشرطة والأمن والعدالة الجنائية بجامعة سردار باتيل، قائلاً «إنه أمر يثير قلق الهند؛ لأن حكمتيار شارك الشهر الماضي في ندوة عبر الإنترنت عن كشمير، وحذر خلالها الهند بقوله إن عليها (تعلم الدرس من التمرد المسلح الأفغاني). كذلك تحدث حكمتيار مؤخراً عن الموقف المشترك للصين وباكستان تجاه أفغانستان، مشيراً إلى دعمهما لعملية السلام واعتبارها ضرورية لتحقيق مصالحهما الإقليمية، خاصة إذا أسفرت عن تراجع الوجود الهندي في أفغانستان». وأضاف كاورا قائلاً «سوف يعزز ذلك سلطة ونفوذ الصين وباكستان في كابل. وسوف تبذل باكستان قصارى جهدها من أجل ضمان تراجع الوجود والنفوذ الهندي في أفغانستان في ظل نظام تسيطر عليه حركة (طالبان)، وسوف تقدِم الصين على دعم مثل هذا المشروع».
وذكر راجا موهان، محلل الشؤون الاستراتيجية، مؤخراً «ربما يكون للصين دور كبير ومهم في أفغانستان في المستقبل، وذلك بالاشتراك مع باكستان، وسوف يمثل هذا مبعث قلق للهند». سيمثل استمرار الهند في تفادي الانجذاب نحو القوى المحركة للسياسة الأفغانية مخاطرة بالنسبة لها.
كذلك صرح راكيش سود، الدبلوماسي المخضرم والمبعوث السابق إلى أفغانستان، لموقع «ذا برينت» الإخباري قائلاً «يتواصل العالم بأسره مع حركة (طالبان)، وإذا لم نفعل ذلك، فكيف سيتسنى لنا الانخراط في الحوار الأفغاني - الأفغاني»؟



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.