«جوائز نوبل» 2020... صناعة العلم قبل تطبيقه

«جوائز نوبل» 2020... صناعة العلم قبل تطبيقه

كرمت اكتشاف نظرية «الثقب الأسود» وآلية «المقص الجيني» و«فيروس سي»
الاثنين - 24 صفر 1442 هـ - 12 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [ 15294]

بينما يريد العالم إنجازات مبهرة وسريعة لكل شيء، وخاصة التهديدات الهائلة مثل فيروس «كورونا» والاحتباس الحراري، تذكرنا جوائز نوبل في الطب والفيزياء والكيمياء التي أعلنت الأسبوع الماضي أنه في العلم، قد يؤتي كل من البطء والثبات، ثماره.

وتتجه الأنظار دوما إلى التطبيق الذي يخرج البحث العلمي من نطاق المختبر ليكون دواء أو لقاحا أو منتجا، غير أن اللجنة العلمية لجائزة نوبل تبحث دوما عن أصحاب الأبحاث التي صنعت العلم، قبل أن يتحول هذا العلم إلى تطبيق، وهذا ما يسمونه بـ«العلوم الأساسية»، والتي تظهر الآثار المترتبة عليها بعد سنوات أو عقود من الاكتشاف.

وفي الوقت الذي يظن فيه أصحاب هذه الاكتشافات أن إنجازهم طواه النسيان بعد أن توارى خلف التطبيقات التي أصبحت أهم فائدة بالنسبة للمجتمع، تأتي لجنة جائزة نوبل لتقول: لهم «نحن لم ننساكم».

وخلال الأسبوع الماضي قررت اللجنة العلمية لجائزة نوبل تكريم هؤلاء العمالقة في الطب والفيزياء والكيمياء، لأنه لولاهم ما توصل العالم إلى علاج لفيروس التهاب الكبد (سي)، وما تمكن العلماء في شهر أبريل (نيسان) 2019 من التقاط أول صورة للثقب الأسود، وما تمكن العالم من تطوير محاصيل تتحمل العفن والآفات والجفاف، وإجراء تجارب سريرية على علاجات جديدة للسرطان.

- قصة الثقب الأسود

كان الاحتفاء العالمي في أبريل العام الماضي بالتقاط أول صورة للثقب الأسود، ولم تمنح الجائزة لهؤلاء، لكنها منحت لمن اكتشفوا أن هناك شيئا اسمه ثقب أسود، وأن بالإمكان مراقبته وتحديد موقعه.

وأظهر الفائز الأول العالم البريطاني من جامعة أكسفورد (روجر بنروز)، والذي قررت اللجنة العلمية للجائزة منحه النصف الأول من الجائزة كاملا، الذي أشار إلى أن الثقوب السوداء نتاج مباشر للنظرية العامة للنسبية، بينما اكتشف الفائزان الآخران، اللذان ذهب لهما النصف الآخر، وهما العالم الألماني من معهد ماكس بلانك (راينهارد جينزل) والعالمة الأميركية من جامعة كاليفورنيا (أندريا غيز) أن جسماً ثقيلاً وغير مرئي يتحكم في مدارات النجوم في مركز مجرتنا، والثقب الأسود الهائل هو التفسير الوحيد المعروف حالياً.

واستخدم روجر بنروز أساليب رياضية بارعة في إثبات أن الثقوب السوداء هي نتيجة مباشرة لنظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين، ولم يكن أينشتاين نفسه يعتقد أن الثقوب السوداء موجودة بالفعل، تلك الوحوش ذات الوزن الثقيل للغاية التي تلتقط كل ما يدخل إليها، ولا شيء يستطيع الهروب، ولا حتى الضوء.

ولإثبات أن تشكل الثقب الأسود عملية مستقرة، احتاج بنروز إلى توسيع الأساليب المستخدمة لدراسة نظرية النسبية ومعالجة مشاكل النظرية بمفاهيم رياضية جديدة.

وفي يناير (كانون الثاني) 1965، بعد عشر سنوات من وفاة أينشتاين، أثبت روجر بنروز أن الثقوب السوداء يمكن حقا تكوينها ووصفها بالتفصيل.

وكانت مسألة وجود الثقوب السوداء التي شغلت العلماء لعقود طويلة عادت إلى الظهور في عام 1963 مع اكتشاف الكوازارات (أشباه النجوم)، وهي ألمع الأجسام في الكون.

وكان السؤال الذي شغل العلماء حينها، هو من أين يأتي هذا الإشعاع المذهل القادم الكوارزار رغم حجمه المحدود؟ وكانت الإجابة أن هناك طريقة واحدة فقط للحصول على هذا القدر من الطاقة ضمن الحجم المحدود للكوارزار، وهي من سقوط المادة في ثقب أسود هائل.

وفي خريف 1964 أثناء نزهة لـ«روجر بنروز» مع زميل له في لندن، توقفا عن الحديث للحظة لعبور شارع جانبي، وظهرت حينها فكرة في ذهنه، سماها الأسطح المحاصرة، هي المفتاح الذي كان يبحث عنه دون وعي، وهي أداة رياضية ضرورية لوصف الثقب الأسود.

وتقوم فكرته على أن السطح المحاصر يجبر جميع الأشعة على الإشارة نحو المركز، بغض النظر عما إذا كان السطح منحنياً للخارج أو للداخل، وباستخدام الأسطح المحاصرة، تمكن من إثبات أن الثقب الأسود يخفي دائماً التفرد، وهو الحد الذي ينتهي فيه الزمان والمكان، وأن كثافته لا حصر لها.

وأضاف الباحثان الآخران «راينهارد جينزيل» و«أندريا غيز» دليلا آخر على وجود الثقب الأسود، حيث ركزا منذ أوائل التسعينات على منطقة تسمى (القوس A*) في مركز مجرة درب التبانة، وتم تعيين مدارات ألمع النجوم الأقرب إلى منتصف المجرة بدقة متزايدة.

وتتفق قياسات هاتين المجموعتين، مع العثور على جسم ثقيل للغاية وغير مرئي يسحب خليط النجوم، مما يجعلهم يندفعون بسرعة مذهلة، وكان الثقب الأسود الهائل هو التفسير الوحيد لهذه الظاهرة.

- تحرير الجينوم

وطبقت نتائج جائزة نوبل في الكيمياء نفس النهج وهو تكريم صناع العلم، فلم تذهب الجائزة للتطبيقات المتعددة التي أحدثتها تقنية تحرير الجينوم، المعروفة باسم (كريسبر- كاس 9)، لكنها ذهبت لمبتكري تلك التقنية، وهما العالمتان الفرنسية (إيمانويل شاربنتييه) والأميركية (جينيفر دودنا).

ويمكن للباحثين باستخدام أداة المقص الجيني (كريسبر- كاس 9) تغيير الحمض النووي للحيوانات والنباتات والكائنات الدقيقة بدقة عالية للغاية، وكان لهذه التكنولوجيا تأثير ثوري على علوم الحياة، وتساهم في علاجات جديدة للسرطان وقد تجعل حلم علاج الأمراض الوراثية يتحقق.

يقول كلاس جوستافسون، رئيس لجنة نوبل: «هناك قوة هائلة في هذه الأداة الجينية، والتي تؤثر علينا جميعاً، فهي لم تُحدث ثورة في العلوم الأساسية فحسب، بل أدت أيضاً إلى محاصيل مبتكرة وستؤدي إلى علاجات طبية جديدة رائدة».

وكان اكتشاف هذه المقصات الجينية غير متوقع، فخلال دراسات إيمانويل شاربينتييه حول بكتيريا تسمى (عقدية مقيحة) Streptococcus pyogenes))، وهي واحدة من البكتيريا التي تسبب أكبر ضرر للبشرية، اكتشفت جزيئا غير معروف سابقاً وهو (tracrRNA).

أظهر عملها أن (tracrRNA) هو جزء من جهاز المناعة القديم للبكتيريا الذي تستخدمه البكتيريا لحماية نفسها عن طريق شطر الحمض النووي الفيروسي.

ونشرت شاربينتييه اكتشافها عام 2011 وفي العام نفسه، بدأت تعاوناً مع جينيفر دودنا، عالمة الكيمياء الحيوية ذات الخبرة والمعرفة الواسعة بالحمض النووي الريبي، ونجحا معاً في إعادة إنشاء المقص الجيني للبكتيريا في أنبوب اختبار وتبسيط المكونات الجزيئية للمقص حتى يسهل استخدامه. وفي تجربة قام الاثنان بعد ذلك بإعادة برمجة المقص الجيني، حيث أثبتا أنه يمكن قطع أي جزيء من الحمض النووي.

ومنذ أن اكتشف الاثنان المقص الجيني عام 2012 انفجر استخدامه، وساهمت هذه الأداة في العديد من الاكتشافات المهمة في البحث الأساسي، وتمكن باحثو النبات من تطوير محاصيل تتحمل العفن والآفات والجفاف.

وفي الطب، تجري تجارب سريرية على علاجات جديدة للسرطان، وحلم القدرة على علاج الأمراض الموروثة على وشك أن يتحقق، فقد نقلت هذه المقصات الوراثية علوم الحياة إلى حقبة جديدة، تحقق أكبر فائدة للبشرية.

- عمالقة الطب وفيروس «سي»

وبينما حققت أكثر من دولة مؤخرا إنجازا في مجال الصحة باستخدام العلاجات الحديثة لفيروس (سي)، فإن اللبنة الأساسية في هذا الإنجاز كانت اكتشاف وجود الفيروس نفسه، ولولا حدوث ذلك، لظل قاتلا صامتا يحصد أرواح الملايين، لذلك ارتأت اللجنة العلمية لجائزة نوبل تكريم العلماء «هارفي جيه ألتر» و«مايكل هوتون» و«تشارلز إم رايس»، وهم أصحاب اكتشافات أساسية أدت إلى التعرف على فيروس التهاب الكبد الوبائي (سي).

تبدأ قصة هذا الاكتشاف في أربعينات القرن الماضي، حيث أصبح من الواضح أن هناك نوعين رئيسيين من التهاب الكبد المعدي، الأول، المسمى التهاب الكبد (إيه)، وينتقل عن طريق الماء أو الطعام الملوث، وعادة ما يكون له تأثير ضئيل على المدى الطويل على المريض. والثاني ينتقل عن طريق الدم وسوائل الجسم ويمثل تهديداً أكثر خطورة، لأنه يمكن أن يؤدي إلى حالة مزمنة، مع تطور تليف الكبد وسرطان الكبد.

ومفتاح التدخل الناجح ضد الأمراض المعدية هو تحديد العامل المسبب، وفي الستينات، حدد (باروخ بلومبرغ)، أن أحد أشكال التهاب الكبد المنقول بالدم سببه فيروس أصبح يُعرف باسم فيروس التهاب الكبد (بي)، وأدى هذا الاكتشاف إلى تطوير اختبارات تشخيصية ولقاح فعال، وحصل بلومبرغ على جائزة نوبل في الطب عام 1976.

في ذلك الوقت، كان (هارفي ج. ألتر)، في المعاهد الوطنية الأميركية للصحة يدرس حدوث التهاب الكبد في المرضى الذين تم نقل الدم إليهم. ورغم أن اختبارات الدم لفيروس التهاب الكبد (بي) المكتشف حديثاً قللت من عدد حالات التهاب الكبد المرتبط بنقل الدم، أظهر ألتر وزملاؤه بشكل مقلق أنه لا يزال هناك عدد كبير من الحالات ليس لها علاقة بفيروس (بي) أو (إيه).

وأظهر ألتر وزملاؤه أن الدم من مرضى التهاب الكبد يمكن أن ينقل المرض إلى الشمبانزي، المضيف الوحيد المعرض للإصابة إلى جانب البشر، وأظهرت الدراسات اللاحقة أيضاً أن العامل المعدي غير المعروف له خصائص الفيروس.

حددت التحقيقات المنهجية التي أجراها ألتر بهذه الطريقة شكلاً جديداً ومتميزاً من التهاب الكبد الفيروسي المزمن، أصبح المرض الغامض معروفاً باسم التهاب الكبد «غير النوع (إيه)، غير النوع (بي)». وأصبح تحديد الفيروس الجديد أولوية قصوى الآن، لكنه استعصى لأكثر من عقد من الزمان.

وجاء هنا دور (مايكل هوتون)، الفائز الثاني بالجائزة، الذي يعمل في شركة الأدوية (تشيرون)، حيث قام بالعمل الشاق اللازم لعزل التسلسل الجيني للفيروس.

وابتكر هوتون وزملاؤه مجموعة من شظايا الحمض النووي من الأحماض النووية الموجودة في دم الشمبانزي المصاب، وجاءت غالبية هذه الشظايا من جينوم الشمبانزي نفسه، لكن الباحثين توقعوا أن بعضها مشتق من الفيروس المجهول.

وعلى افتراض أن الأجسام المضادة ضد الفيروس ستكون موجودة في الدم المأخوذ من مرضى التهاب الكبد، استخدم الباحثون أمصال المريض لتحديد شظايا الحمض النووي الفيروسي المستنسخة التي تشفر البروتينات الفيروسية. وبعد بحث شامل، تم العثور على نسخة إيجابية واحدة، وأظهر المزيد من العمل أن هذا الاستنساخ مشتق من فيروس (آر إن إيه) جديد، وكان اسمه فيروس التهاب الكبد (سي).

كان اكتشاف الفيروس حاسما، لكن كان هناك جزء مفقود من اللغز، وهو هل يمكن للفيروس وحده أن يسبب التهاب الكبد؟

وهنا جاء دور الفائز الثالث (تشارلز إم رايس)، الباحث في جامعة واشنطن في سانت لويس، حيث عمل جنباً إلى جنب مع مجموعات أخرى تعمل مع فيروسات الحمض النووي الريبي، واكتشف منطقة في نهاية جينوم فيروس التهاب الكبد الوبائي (سي) اشتبه في أنها قد تكون مهمة لتكاثر الفيروس، ومن خلال الهندسة الوراثية، أنتج رايس نوعاً مختلفاً من الحمض النووي الريبي لفيروس التهاب الكبد الوبائي سي شمل المنطقة المحددة من الجينوم الفيروسي، وعندما تم حقن هذا الحمض النووي الريبي في كبد الشمبانزي، تم اكتشاف فيروس في الدم ولوحظت تغيرات مرضية تشبه تلك التي شوهدت في البشر المصابين بالمرض المزمن، كان هذا هو الدليل النهائي على أن فيروس التهاب الكبد الوبائي (سي) وحده يمكن أن يتسبب في حالات التهاب الكبد غير المبررة بواسطة نقل الدم.


سويسرا جائزة نوبل

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة