الخباز... صانع قطع السعادة اليومية

صدق من قال: «الخبز أب والماء أم»

TT

الخباز... صانع قطع السعادة اليومية

ثمة خبازون في العالم يعيدون تعريف الخبز من جديد ويهبون عمرهم حتى تدب الحياة في المكونات داخل الأفران، المسألة تتعدى امتزاج الطحين والماء والملح، فما كذب من قال «الخبز أب والماء أم».
وأنت تشتري ربطة خبزٍ طازج في الصباح الباكر لتتناول فطورك هلا تساءلت من المسؤول عن قطع السعادة اليومية تلك؛ حسناً الجواب هو: عاشقٌ لصنعته؛ مجتهد في التعامل معها بروح بيكاسو - فنان عالمي - يُضحّي بحياة طبيعية بتبدّل ليله إلى نهار، إنسان صبور يمنح كل مرحلة في هذه العملية البديعة حقها من دون أن يتجاوز أي تفصيل صغير؛ يفعل كثيرا حتى يضحك وجهنا لمجرد رؤية رغيف خرج لتوّه من فرن ملتهب.
ولا يبالغ الخباز الفلسطيني يوسف أبو طاعة بقوله إنه ما إن يبدأ بشم الروائح الزكية المنبعثة من الخبز حتى يشعر أن الفرن يقدم له الشكر بدعاءٍ حنون «الله يعطيك العافية».
- لولا الحب
بين مخبزه في مدينة رام الله الذي بات يوصف بجنة الخبز وشركة الطعام التي يملكها في مدينة القدس، يستغل يوسف وقت فراغه المستقطع أثناء مشواره؛ ليحدّث «الشرق الأوسط» قائلاً: «مهنتنا من أشد المهن صعوبة وعلى من يفكر في الانتساب إليها أن يدرك سلفاً ما الذي سيكابده، أولاً عليه أن يعلم أن وقت الخباز ليس ملكه على الإطلاق، عمله لا ينتهي في موعد محدد كبقية الوظائف، يتحتّم علينا الارتباط بالزبائن، لا سيما إن كان المخبز يبيع بنظام الجملة ويوزع على المطاعم والفنادق، الخبز روح البشرية فلا غنى عنه في أي وقت، في الأيام العادية وفي المناسبات والأعياد وفي أوقات المنخفضات والعواصف الثلجية».
عبير روائحه لا ترحم أحداً والخبازون يفهمون لغتها أكثر من غيرهم، لعل التشبيه بليغ في عبارة «رائحة الخبز الجيد تشبه صوت الماء المتدفق برفق مثيراً البراءة والبهجة». يستطرد يوسف في حديثه بالقول: «عند الناس هي رائحة خبز جميلة إلا أنها بالنسبة لنا نتاج سهر طويل بينما الناس يغطّون في نوم عميق، عندما نخبِز في الصباح ويخرج الكائن الفاتن فإن لدينا تعبيرا مجازيا (الخبز فرحان وبغنّي)، نعم يا سادة! الخبز حين نخرجه من الفرن يُحدث صوت طقطقة، يمكث أولاً تحت درجة حرارة عالية جداً ثم يخرج إلى هواء بارد وبالتالي يشكلّ تغيير الحرارة قشرة لطيفة على الخبز في بعض الأنواع، وفي جميعها عموماً يصدر عنه صوت وكأنه يشدو مكافئاً صاحبه الذي ما قصرّ في تدليله».
يضع «الخباز العاشق» في إطار جذاب محاولا تقريب الصورة: «إن تأكلي الخبز وتستمتعي به (حاف) ولا تتوقفي؛ كل لقمة منه أشهى من التي قبلها؛ تنهيه ثم تتمني لو أنه تبّقت لقمة أخيرة؛ حينها فاعلمي أن وراءه خبازا عاشقا».
ويصف حياة الخباز بالصعبة، يختارها فقط إنسان شُغف حباً، موضحاً: «عملنا عريق يعكس ثقافة وتاريخا؛ فالخبز رمز لحضارة الشعوب؛ عملنا كله حب، ومن دون الحب يستحيل تحمله، إن لم يتدفق من أعماق المرء فلن يستمر أكثر من أربعة أشهر، أما إن ملأت الصنعة كيانه فسيتخطى قسوة التحديات بسهولة». عن عمل الليل وما يترتب عليه يخبرني الآتي: «الناس تتناول فطورها في الساعة السابعة صباحاً من كل يوم فيما الخبز يكون جاهزاً لاستقبال تحية المارة، مما يتطلب البدء بالعمل من الثانية عشرة ليلاً كأقصى حد؛ خلق الله الليل للنوم؛ ماذا عسانا أن نفعل! نوم النهار لا يعوّض الراحة؛ ومن جهة أخرى نظام العمل يعدم حياتنا الاجتماعية».
«الفرنسي» مرادفٌ للصبر
قبل عام ونصف قرر أن يكون مَلك نفسه بافتتاحه مخبزا يتيح له العمل بأسلوبه الخاص وبالنكهة التي يريدها، لقد أبى أن يظل محكوماً بتعليمات ورؤية الذين يعمل عندهم، أخذ يتعلم من طهاة فرنسيين وإيطاليين والتحق بالعديد من الدورات المكثفة داخل وخارج البلاد، إلى أن نضجت كثير من الأفكار في مخيلته ما لبث أن أطلق لها العنان ليقدم خبزاً جديراً بمعنى «زين» الاسم الذي اختاره لمخبزه.
ينوّع يوسف بين النكهات المحلية والأوروبية والفطائر والغموسات البيتية التي تنكّه الخبز متفنناً بالحشوات والأجبان في معجناتٍ تِسع بما فيها البيتزا التي تخرج من فرن طابونٍ إيطالي يدوي الصنع، ويشجع على حس الفضول واختبار الأفكار والتجارب حتى وإن حالفها الفشل... «ما المانع من أن نخرّب حتى نتعلم وأن نشاكس بالأسئلة» يتساءل متابعاً حديثه: «العالم يتقدم ولا بد أن يدخل الخبز في منظومة التطور كسائر شؤون الحياة؛ نعم مهنتنا لها أصول قديمة وعلينا الالتزام بقوانينها الرئيسية، لكن في المقابل هناك جوانب أؤيد التغيير فيها».
تفاصيل عدة يمكن اللعب بها؛ بحسب تعبيره؛ ذكر منها؛ طعم الخبز بإدخال فواكه أو نكهة مالحة أو حلوة أو خضراوات، ومما يمنح رائحة منعشة ونكهة لا تقاوم بحسب يوسف؛ إضافة إكليل الجبل والأعشاب، وفي المقابل توجد أنواع من الخبز لا يحبذ إضافة أي منكهات عليها كي تحتفظ بكلاسيكيتها.
وتغيير نوع الطحين أيضاً يجعل الناتج مختلفا، وصبغ الخبز يضفي المرح على الأطفال في أعياد الميلاد وكذلك الحال في عيد الفصح المجيد يُلّون كما البيض، أي أن الخباز يعمل بمبدأ الطهاة «العين تأكل أولاً»؛ والإبداع يصل إلى رسم الخطوط بما يعرف بـ«الشفرات» لتبدو كشجرة أو سَبلة.
وفي السياق نفسه يلوم على المخابز الشرقية التي تراوح مكانها، حيث يقتصر أصحابها على خبز الكماج والشراك والطابون فيما يبدو مستفَزاً من الخبز الذي يحتوي على كثير من السكر، ومع ذلك يلتمس لهم بعض العذر بالقول: «ربما لم يتوقفوا عن التعلم ولكن أذواق الناس لا تتقبل التغيير، وبلا شك أن الربح هدفٌ مشروع لكل المخابز التجارية، لكن لماذا لا نسير عكس التيار ونعرض على الناس خياراتٍ أخرى بعيداً عن الدارج؛ لنبني ثقافة مفادها أن الخبز مشاعر وحضارة ولا يمكن حصره في نوعٍ واحد، بل إنه يمكن تحضير أنواع جديدة من الصفر كما فعلت أنا».
تعريف الخبز عند يوسف أبو طاعة «فنٌ في الأداء وإتقان في التحضير والتوزين واللمسة، والفن يتجلى في منتج يسارع الزبون إلى التقاط صورته قبل أن يأكله وإذا ما أكله فلا ينسى طعمه»، مضيفاً: «نسمع عن أناس قضوا سنوات طويلة في المخابز والتزموا بالدقة في الوصفات لكنهم لم يطبقوها بـ(نفس)؛ ببساطة لم يُغرموا بالخبز».
«ماذا يعني لك الباجيت الفرنسي؟» لم أتوقع أن يفتح السؤال شهيته لأن ينظِم الشِعر فيقول «تربطني بالباجيت قصة عشق، إنه واحدٌ من أكثر الأشياء التي أحبها في الدنيا، ولا أتركه عادة للموظفين، أنا فقط المسؤول عن تحضيره، الباجيت بقشرته المثالية وطعمه الريفي هو خبزي الخرافي؛ حتى الضربات على سطحه من يراها يظن أنها مرسومة».
يرى الرجل أن سر النجاح في الخبز الفرنسي القروي كثير من الانتظار والصبر؛ هذا النوع له قوانينه ولا يجوز الاجتهاد فيه تبعاً لقوله؛ طوله 50 سم بلا زيادة أو نقصان، ووزنه 350 غراما قبل الخبز ويتم أمره بخمس ضربات، وللمرة الثانية يكرر «أغني للباجيت ويغنيلي».
وتضيء إشارته باللون الأحمر ليحذر خبازاً مزاجه ليس على ما يرام «ممنوعٌ عليك أن تقترب من الخبز» يقولها بنبرة حازمة، فمن دون مزاج يمكن للإنسان أن يفعل أي شيء إلاّ هو، لأن الناتج لن يكون مُرضياً، ناصحاً «لا تستخفّوا بحضور القلب أثناء إعداد الخبز وخاصة الباجيت».
- للقمح قداسة
يولي الخباز الجيد اهتماماً فائقاً بتفاصيل متناهية الصغر فالتجاوز عن أي منها يُوقع في خطأ فادح من شأنه إفساد كل شيء، أثَرنا هذه النقطة معه ليشرح وجهة نظره: «أهم ما في الخبز الدقة وجودة المكونات التي تمنح طعماً يمنح الابتسامة، إنها عملية تسلسلية وتفاعلات بالغة الدقة بين الماء والطحين والخميرة والملح؛ فكلٌ منها له توقيت محدد لدخوله إلى (العَجنة)، لأن الإخلال بشرط وضع المكونات بالترتيب الصحيح يودي غالباً بالعجينة إلى القمامة، وكما نعلم الحرارة والتخمير والبكتيريا علم قائمٌ ذاته، وكل يجب أن يأخذ وقته في التخمير والحرارة».
إذن القفز على القواعد يخلف خسارة في الوقت والمكونات، بحسب تأكيد الخباز الفلسطيني؛ «الدقة مطلوبة في الملح والدهون مثل الزبدة والزيت، فهذه مكونات لا تقبل إضافتها في الوقت الخطأ؛ نتحدث عن فاصل دقائق معدودة وبموجبه يتقرر مصير الخبز، والخبز الأوروبي على وجه الخصوص دقيق لأبعد حد في حرارة الخَبز وطريقته ونوع الفرن، فكل نوع خُبز له نوع طحين ونوع ملح ودهون أيضاً».
والصعوبة الحقيقية وفقاً لرأيه تكمن في أن كل مراحل الخُبز من لحظة أن يكون الطحين جافاً إلى لحظة أن يؤكل في مجملها عمل يدوي معجون بالفن، مشيراً إلى أن الخبرة وحدها لا تكفي؛ يتوجب إنعاشها بالتعلم المستمر يرافقه دراسة متخصصة لفن المعجنات في سبيل الحصول على نتائج مثلى.
أما أجواء المزاح والضحك التي يعيشها يوسف مع فريقه لبضع دقائق إلى درجة أنهم يدبكون، كفيلة بمنحهم جرعة من الأدرينالين تُخفف من وطأة التعب، بَيدَ أن مَلمس الطحين ينسيهم همهم.
مخبزه يعمل وفق المعايير الأوروبية، ونظراً لأن المكونات المستخدمة غالية الثمن إذ يجلبها من (إسرائيل) أو من الخارج فإن أسعار البيع مرتفعة مما لا يناسب عامة الشعب، إلا أنه شيئاً فشيئاً بدأ يحقق النجاح، فمن جرب خبزه يعود لشرائه مجدداً ولو بين حين وآخر كما يقول؛ لا سيما أهالي الداخل المحتل الذين يأتون لتناول كرواسونه اللذيذ.
أخيراً؛ لا يستغرب يوسف من أن المجتمع العربي لا يأخذ مهنة الخباز على محمل الجد، معزياً السبب إلى أن الشرق الأوسط لم يزرع القمح يوماً، بخلاف أوروبا التي تزرعه منذ القدم وتصدّر للعالم أجود الأنواع منه؛ لذا فمن البدهي أن تنظر له كشيءٍ مقدس وأن يحظى الخباز لديها بالألقاب الفاخرة والدخل المجزي، يعترف ضاحكاً: «هنا إذا ما سألني أحد عن مهنتي أخبره أني أعمل في مخبز، أما للأجانب فأقول بملء الفم (أنا خباز)».


مقالات ذات صلة

بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

مذاقات بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

«الحمام المحشي» أحد أهم رموز المطبخ المصري التقليدي، فهو وجبة تستهوي مختلف فئات المصريين وضيوفهم من العرب والسائحين.

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات هل تفضل محشي الفلفل على الطريقة اللبنانية أم كما أحبته الأميرة ديانا؟

هل تفضل محشي الفلفل على الطريقة اللبنانية أم كما أحبته الأميرة ديانا؟

ليس كل طبق يصنّف على لائحة المحشي يشبه الآخر. فهذا الطبق على تنوّعه يعدّ من الأطباق الرئيسية التي تزيّن المائدة اللبنانية.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات العلا ضمن دليل «ميشلان» السعودية لعام 2026

العلا ضمن دليل «ميشلان» السعودية لعام 2026

تواصل العلا توسيع حضورها في قطاعي الضيافة والمطاعم، مع إدراج عشرة فنادق ومطاعم في نسخة 2026 من دليل «ميشلان» للمملكة العربية السعودية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات نهضة البيتزا في روما

نهضة البيتزا في روما

كانت مستطيلات بيتزا «أل تاليو» المعروضة خلف منصة التقديم في مطعم «فرومنتاريو» الصغير للغاية، في حي «سان جيوفاني» الصاخب بمدينة روما

أنيا بريمزن (روما)
مذاقات الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

قد تكفي قطرات قليلة من عصير الليمون، أو قدر من بشر البرتقال، أو شرائح من اليوسفي المحمص لتغيير ملامح ومذاق طبق كامل.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

حمام محشي على الطريقة المصرية (الشرق الأوسط)
حمام محشي على الطريقة المصرية (الشرق الأوسط)
TT

بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

حمام محشي على الطريقة المصرية (الشرق الأوسط)
حمام محشي على الطريقة المصرية (الشرق الأوسط)

«الحمام المحشي» أحد أهم رموز المطبخ المصري التقليدي، فهو وجبة تستهوي مختلف فئات المصريين وضيوفهم من العرب والسائحين، وذلك لما تمنحه من متعة تذوق نكهتها، ولحمه المستساغ، ما جعله ينال لقب «وجبة الملوك».

ويتطلب إعداد الحمام البلدي المحشي على الطريقة المصرية مهارة دقيقة، بداية من الإعداد والتحضير، ومروراً بمرحلة الحشو بالأرز بالتوابل أو «الفريك» المحمص، وصولاً إلى مرحلة التحمير في السمن البلدي، لتكتسب القشرة الخارجية قوامها الذهبي المقرمش.

وتزخر القاهرة والإسكندرية بقائمة طويلة من المطاعم التي صاغت تاريخ هذه الأكلة، إذ تضع «الحمام المحشي» على رأس قوائمها، ما جعلها قبلة محبي هذه الوجبة التقليدية.

البعض يفضل تناول الحمام في المنزل والبعض الآخر يأكله في المطعم (الشرق الأوسط)

ويعد مطعم «فرحات» (كبابجي الأزهر) من العناوين الشهيرة بتقديم أطباق الحمام المحشي المقرمشة من الخارج والطرية من الداخل، معتمداً على «نَفَس» وخبرة متوارثة على مدار أربعين عاماً، نجح خلالها في نقل المذاق المصري الأصيل إلى متذوقي الفخامة من مصر والخليج والعالم العربي، ومن خلال فروعه الأربعة بالقاهرة (الأزهر، مصر الجديدة، مدينة نصر، المهندسين)، يواصل رحلته حتى اليوم ملتزماً بأعلى معايير الجودة.

وتعد سلسلة مطاعم الدهان (الممتدة جذورها لعام 1890) واحدة من العلامات المسجلة في تقديم المأكولات المصرية التقليدية، وعلى رأسها أطباق الحمام المحشي، سواء الحمام المحشي بالأرز أو الفريك، وغالباً ما يُطلب ضمن «صينية اللمة» التي تجمع الحمام مع المشويات والمحاشي المصرية، كما يمكن تذوق برام الأرز المعمر بالحمام، كما لا تفوتك تجربة شوربة الحمام الشهيرة مع الشعرية المحمرة.

ومن بين الأسماء الشعبية الشهيرة، يأتي مطعم الجمهورية (أولاد شلبي)، بوسط القاهرة، الذي يقدم الحمام المحشي بكثير من الأرز المتبل بخلطة رائعة، مع قرمشة مثالية للقشرة الخارجية نتيجة التحمير، مع كثير من السلطات والليمون والمخللات، والشوربة الغنية التي تُقدم للزوار في أكواب زجاجية.

الحمام المحشي طبق يعشقه المصريون (الشرق الأوسط)

كما لمع اسم مطعم صبحي كابر، بمنطقة شبرا في القاهرة، خلال السنوات الماضية، كمحطة رئيسية لعشاق المطبخ المصري الأصيل، إذ يُقبل عليه الرواد يومياً لتجربة الأطباق الشعبية، ولا سيما الحمام المحشي بالأرز أو الفريك، الذي يقدم مشوياً أو مقلياً بعناية فائقة، ما يمنح متذوقه متعة التلذذ بالوجبة، التي تقدم مع الأرز الأبيض والبطاطس، إلى جانب الشوربة والمقبلات الشرقية.

وفي الإسكندرية، يعد «هرم الحمام» وجهة بارزة لمن يبحث عن دمج الأكلات الشرقية العريقة مع ابتكارات الطهي الحديثة، حيث يقدم الحمام المحشي بأشكال ووصفات متعددة، حيث الحمام المحشي بالأرز أو الفريك، مضافاً إليهما اللحم المفروم أو الجمبري، إلى جانب التحمير في الزبدة.

ومواكبة لسرعة إيقاع العصر، تظهر تجربة «حمامشي» كمطبخ رقمي يقدم خيار الحمام المحشي المبرد الجاهز للطهي دون عناء التجهيز الطويل، حيث يأتي المنتج محشياً، ومرفقاً بتوابل السلق الأساسية، ولا يتطلب الأمر سوى إضافة البصل والملح، تليها مرحلة السلق، ثم التحمير الخفيف. كما يوفر المطبخ خيار الحمام المسلوق الجاهز للتحمير مباشرة.

كذلك، يقدم المطبخ عبوات السفر الخاصة المبردة (آيس بوكس)، المصممة خصيصاً لنقل الحمام المحشي من مصر إلى أي بلد، كهدية تحمل روح وأصالة المطبخ المصري.

الحمام بالفريك أو الأرز من أشهر الاطباق المصرية (الشرق الأوسط)

الحمام المحشي في المنزل

في مقابل المطاعم المتخصصة، يرتبط تناول وجبة «الحمام المحشي» في الغالب بالمناسبات العائلية والتجمعات الخاصة، حيث تتنافس ربات المنازل في إعداده وتقديمه لضيوفهن، بما يظهر مواهبهن في الطهي.

الشيف المصرية ديجا موسى، صاحبة مدونة «مطبخ ديجا موسى»، تقدم من خلال «الشرق الأوسط» عدداً من النصائح والأسرار لإعداد الحمام المحشي، حيث تقول: «الحمام ليس مجرد وجبة عادية، بل هو طعام الملوك، لذا إذا أُعد بالطريقة الصحيحة، لفاق في متعته وسحر مذاقه أفخر الولائم، وللوصول إلى هذا المستوى الاستثنائي، هناك مجموعة من الأسرار واللمسات الفنية التي تصنع الفارق».

وتشير إلى أهمية نقع الحمام في محلول ملح وسكر وبصلة مع فصين من الحبهان لمدة ساعة قبل الحشو، ما يجعله طرياً وذا رائحة طيبة، مع تسوية الحشوة تسوية جزئية غير كاملة، لكي تستكمل نضجها داخل الحمام وتتشبع بنكهة المرق، ما يمنحها قواماً مشبعاً وغنياً بالمذاق، مع أهمية حشو الحمام بعناية وترك مساحة كافية لتمدد الأرز أو الفريك، لضمان عدم تفكك الحمام أثناء التسوية، لافتة إلى أهمية ترك الحمام لينضج على نار هادئة بعد مرحلة الغليان، ومنحه الوقت الكافي ليكتمل نضجه.

طريقة عمل الحمام المحشي

تقدم الشيف ديجا طريقة عمل الحمام المحشي بالأرز، كما يلي...

المكونات:

4 حمامات، ربع كيلو كبد وقوانص مقطعة صغيراً، 2 كوب أرز مغسول، 2 بصلة مفرومة، 2 ملعقة سمنة، ملح وفلفل أسود وبهارات مشكلة، 2 ورق لورا، 3 حبات حبهان، رشة قرفة.

التحضير:

ـ يُنقع الحمام في لتر ماء مع ملعقة ملح وملعقة سكر وبصلة مقطعة وحبهان لمدة ساعة.

ـ على النار، تُشوّح الكبد والقوانص مع بصلة مفرومة في السمنة، ثم يُضاف الأرز والملح والفلفل والبهارات وورقة لورا ورشة قرفة، ثم نصف كوب مرقة، ويُترك الخليط للتسوية نصف استواء.

ـ يتم حشو الحمام مع ترك مساحة صغيرة للأرز ليتمدد، مع غلق الفتحات بخيط أو عود خشب.

ـ يوضع الحمام في ماء مغلي مع بصل وحبهان وورق لورا حتى ينضج على نار هادئة.

ـ بعد السلق، يتم التحمير في طاسة مع سمن أو زبدة، أو يدخل الفرن حتى يأخذ لوناً ذهبياً مقرمشاً.

أما طريقة عمل الحمام المحشي بالفريك، فهي كما يلي...

المكونات:

2 حمامة، 1 كوب فريك (منقوع في مياه دافئة ساعة ومغسول)، 1 بصلة كبيرة مفرومة ناعماً، ملح وفلفل أسود، نصف ملعقة صغيرة قرفة، نصف ملعقة صغيرة بهارات حمام أو لحمة، 1 ملعقة كبيرة سمن أو زيت، 2 كوب شوربة أو مياه للسلق، 2 ورق لورا، حبهان، بصلة سليمة.

التحضير:

ـ تُشوّح البصلة المفرومة في ملعقة سمن حتى تكتسب اللون الذهبي.

ـ يضاف الفريك مع التقليب جيداً مع البصلة لمدة 5 دقائق.

ـ يضاف الملح والفلفل والبهارات والقرفة مع التقليب قليلاً، ثم تُرفع من النار وتُترك حتى تهدأ.

ـ يُحشى الحمام بالفريك (مع الحذر من الملء، حيث يزيد حجم الفريك مع السلق)، مع غلق الفتحات بخيط أو عود خشب.

ـ في إناء كبير، توضع مياه أو شوربة مع بصلة سليمة وورق اللورا والحبهان ورشة ملح، وتُترك حتى الغليان.

ـ يُنزل الحمام إلى الإناء ويُترك على نار هادئة نحو 45 إلى 60 دقيقة حتى ينضج.

ـ بعد التسوية، يتم التحمير أو يُدخل إلى الفرن.

ـ يقدم الحمام مع أرز بالشعرية والسلطة.


هل تفضل محشي الفلفل على الطريقة اللبنانية أم كما أحبته الأميرة ديانا؟

محشي الفلفل على الطريقة اللبنانية (إنستغرام)
محشي الفلفل على الطريقة اللبنانية (إنستغرام)
TT

هل تفضل محشي الفلفل على الطريقة اللبنانية أم كما أحبته الأميرة ديانا؟

محشي الفلفل على الطريقة اللبنانية (إنستغرام)
محشي الفلفل على الطريقة اللبنانية (إنستغرام)

ليس كل طبق يصنّف على لائحة المحشي يشبه الآخر. فهذا الطبق على تنوّعه يعدّ من الأطباق الرئيسية التي تزيّن المائدة اللبنانية. ومن محشي ورق العنب (الدوالي) إلى محشي الكوسى والملفوف تطول أصناف المحاشي التي يزخر بها المطبخ الشرق أوسطي عامة، واللبناني خاصة. ويشكّل طبق محشي الفلفل الحلو القاسم المشترك بين وصفات كثيرة تتوزع بين مطابخ العالم. فيحضر في المطبخ اللبناني كما في الشامي واليوناني والتركي. ويتحول الفلفل إلى طبق غني بالنكهات، تتداخل فيه اللحمة والأرز والتوابل. فيما يأخذ في بعض الوصفات الشامية منحى أكثر فخامة عند تقديمه إلى جانب اللبن. وفي المطبخ اليوناني يرتكز على الأرز والخضار والأعشاب. ويضاف إليه البقدونس في الخلطة التركية.

ويعدّ من الأطباق التي كانت مفضّلة عند اللايدي دي، كما كشف مؤخراً طاهيها السابق دارين ماك غرايدي. ويذكر أنها كانت تطلبه أكثر من مرة واحدة في الأسبوع.

طبق الاميرة ديانا المضل (موقع الشيف دارين ماك غريدي)

وصفة الليدي ديانا... محشي بطابع ملكي

الوصفة التي ارتبطت بها الليدي دي. تتضمن الفلفل، والبصل، والكوسى، والفطر، والطماطم، والأرز، والأعشاب، إلى جانب جبنة الموزاريلا والبارميزان.

وكانت الحشوة تُحضّر من الخضار المطهوة مع الأرز، ثم توضع داخل حبات الفلفل التي تكون قد خضعت لخبز أولي حتى تلين قليلاً. وبعد حشوها، تُغطى بالجبنة وتعود إلى الفرن حتى تذوب وتتحمر.

محشي الفلفل اللبناني... نكهة البيت

في النسخة اللبنانية، لا يمكن فصل المحشي عن فكرة «أكلة البيت». فالطبق يبدأ من حبة فلفل مفرغة من البذور، ثم تحشى بخليط الأرز واللحمة والتوابل. وتترك لتتداخل نكهاتها أثناء الطهي. والسرّ في هذا النوع من المحاشي ليس في كثرة المكونات بقدر ما هو في التوازن بينها. فالأرز يمتص عصارة اللحم والخضار، فيما تضيف التوابل لمسة شرقية واضحة، ويمنح الفلفل الحلو الطبق نكهة خاصة بعد طهيه.

وتختلف طريقة التحضير من بيت إلى آخر؛ فهناك من يضيف الطماطم أو صلصة البندورة، ومن يفضل الفلفل الأخضر، فيما يختار آخرون الفلفل الأحمر أو الأصفر بسبب حلاوته الواضحة. وقد تدخل المكسرات في بعض الوصفات، خصوصاً عندما يتحول الطبق إلى وجبة مناسبة للدعوات. ويمكن أن تدخل القرفة والبهار الحلو والفلفل الأسود في تركيبتها. وتظهر وصفات لبنانية للفلفل الحلو تجمع بين الأرز واللحم والطماطم والبقدونس، مع توابل تمنحه نكهة دافئة ومميزة.

لكن عندما يدخل اللبن إلى الصورة، يصبح الطبق أقرب إلى أطباق أخرى تحتل مكانة خاصة في المطبخ الشامي. واللبن هنا لا يؤدي دور الصلصة فحسب، بل يمنح الطبق طراوة وحموضة خفيفة تتوازن مع دسامة اللحم ونكهة التوابل.

وإذا كان المحشي اللبناني يحتفي بنكهات المطبخ الشرقي، فإن وصفة ديانا تذهب في اتجاه آخر. هنا تحل الموزاريلا والبارميزان مكان اللبن، وتدخل الكوسى والفطر والطماطم في قلب الحشوة، فيما يؤدي الريحان والأوريغانو دوراً أساسياً في إعطائها طابعاً مختلفاً.

المحشي يمكن تحضيره بعدة طرق (إنستغرام)

الفلفل المحشي على الطريقة اليونانية... نكهة المتوسط

وعلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط، يحتل الفلفل المحشي مكاناً محبوباً في المطبخ اليوناني، حيث يُعرف ضمن أطباق الخضار المحشوة التي تشكل جزءاً أساسياً من المائدة اليونانية، إلى جانب الطماطم المحشوة. وتقوم الوصفة التقليدية غالباً على حشو الفلفل بخليط من الأرز والطماطم والبصل والأعشاب الطازجة، ولا سيما البقدونس والنعناع، مع زيت الزيتون الذي يشكل عنصراً أساسياً في المطبخ اليوناني. ويشبه هذا الطبق بمكوناته الخاصة ما نجده في المطبخ التركي.

وتتميز النسخة اليونانية ببساطتها مقارنة بالمحشي اللبناني، إذ لا تكون اللحمة المفرومة هي العنصر الأساسي في الحشوة، بل يأتي الأرز والخضار والأعشاب في الواجهة. وتُرص حبات الفلفل في صينية إلى جانب الطماطم أو البطاطا أحياناً. ثم تُطهى في الفرن ببطء حتى تتشرب نكهات الخضار بعضها من بعض، ويتحول الأرز إلى حشوة طرية وغنية بالعصارة.

وفي بعض الوصفات اليونانية الحديثة، تدخل اللحمة المفرومة إلى الحشوة، لكن النسخة النباتية تبقى من أشهر الطرق، خصوصاً في فصل الصيف عندما تكون الطماطم والفلفل في ذروة موسمهما. وقد تُقدم إلى جانب الجبنة الفيتا والسلطة اليونانية، لتكتمل بذلك مائدة متوسطية تعتمد على الخضار وزيت الزيتون والأعشاب.

إنها 3 أطباق بهويات مختلفة، يحبّها الكبار والصغار، فأي خلطة منها تختار؛ محشي الفلفل اللبناني بنكهته الغنية، أم اليوناني بخفته المتوسطية، أم وصفة الليدي ديانا التي دخلت عالم المطبخ من باب القصر؟


العلا ضمن دليل «ميشلان» السعودية لعام 2026

هابيتاس العلا (الشرق الأوسط)
هابيتاس العلا (الشرق الأوسط)
TT

العلا ضمن دليل «ميشلان» السعودية لعام 2026

هابيتاس العلا (الشرق الأوسط)
هابيتاس العلا (الشرق الأوسط)

تواصل العلا توسيع حضورها في قطاعي الضيافة والمطاعم، مع إدراج عشرة فنادق ومطاعم في نسخة 2026 من دليل «ميشلان» للمملكة العربية السعودية. وشملت القائمة ثلاثة فنادق حصلت على «مفتاح ميشلان»، إلى جانب مطاعم حازت تصنيف «بيب غورماند» وأخرى اختيرت مجدداً ضمن الدليل، فيما سجَّل مطعم «ساموير» حضوره للمرة الأولى.

تاما في هابيتاس (الشرق الأوسط)

فحصل فندق «دار طنطورة ذا هاوس» على مفتاح ميشلان واحد، ويقع في بلدة العلا القديمة ضمن مجموعة من المنازل الطينية التاريخية التي خضعت للترميم، فيما حصل «شيدي الحِجر» على مفتاح ميشلان واحد أيضاً. ويقع الفندق داخل موقع الحِجر، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونيسكو، ويضم مباني تاريخية وأسواراً للحصن ومحطة سكة حديد العلا السابقة.

واحتفظ «بانيان تري العلا» بمفتاح ميشلان واحد لعام 2026. ويقع المنتجع في وادي عشار بين التكوينات الصخرية الرملية، ويعتمد في تصميمه على وحدات إقامة متناغمة مع البيئة المحيطة.

جونتوس في دار طنطورة (الشرق الأوسط)

وتضم قائمة الفنادق كذلك «أور هابيتاس العلا»، الذي يركز على تجارب العافية والإقامة في البيئة الصحراوية، و«كرافان من هابيتاس العلا»، الذي يقدم وحدات إقامة في الهواء الطلق مستوحاة من أجواء الرحلات والمغامرات الصحراوية.

وعلى مستوى المطاعم، أدرج دليل ميشلان «طوفريه» ضمن تصنيف «بيب غورماند»، وهو تصنيف يمنحه الدليل للمطاعم التي تقدم وجبات ذات جودة جيدة وبأسعار مناسبة نسبياً. ويقع المطعم في منزل تقليدي ببلدة العلا القديمة، ويقدم أطباقاً تعتمد على مكونات محلية، من بينها برتقال العلا والتمور المنتجة في واحة العلا.

إحدى الغرف في دار طنطورة (الشرق الأوسط)

كما احتفظ «خونتوس»، الواقع في فندق دار طنطورة ذا هاوس، بتصنيف «بيب غورماند». ويقدم المطعم أطباقاً مستوحاة من المطبخ السعودي التقليدي ضمن معالجة معاصرة.

وانضم «ساموير» إلى دليل «ميشلان» للمرة الأولى في عام 2026. ويقع المطعم في واحة العلا، ويقدم أطباقاً من مطابخ الشرق الأوسط بلمسات معاصرة، في موقع تحيط به بساتين النخيل.

إحدى غرف جونتوس (الشرق الأوسط)

وتشمل قائمة المطاعم المختارة مجدداً كلاً من «حرّة» في بانيان تري العلا، الذي يقدم أطباقاً مستوحاة من مطابخ عربية مختلفة، و«تاما» في «أور هابيتاس العلا»، الذي يعتمد على مكونات محلية وقوائم موسمية ونهج «من المزرعة إلى المائدة».

دار طنطورة في العلا (الشرق الأوسط)

وبذلك تضم قائمة دليل ميشلان السعودية لعام 2026 عشرة فنادق ومطاعم في العلا، تشمل الفنادق الحاصلة على مفاتيح ميشلان، والمطاعم المصنفة ضمن «بيب غورماند»، إضافة إلى مطاعم جرى اختيارها مجدداً ومطعمٍ انضم إلى الدليل للمرة الأولى.

ويأتي إدراج هذه المنشآت ضمن نسخة 2026 من دليل «ميشلان» في وقت تشهد فيه العلا توسعاً في قطاع الضيافة والمطاعم، بالتزامن مع تطوير وجهتها السياحية واستقبالها مزيداً من الفنادق والمطاعم التي تستهدف الزوار المحليين والدوليين.