روسيا تستعد لـ«كل السيناريوهات» مع تصاعد وتيرة انتشار الوباء

توقعات متشائمة بانتظار «موجة أكثر قسوة»

روسية في الساحة الحمراء بموسكو أمس في ظل تصاعد كبير في الإصابات بـ«كورونا» (إ.ب.أ)
روسية في الساحة الحمراء بموسكو أمس في ظل تصاعد كبير في الإصابات بـ«كورونا» (إ.ب.أ)
TT

روسيا تستعد لـ«كل السيناريوهات» مع تصاعد وتيرة انتشار الوباء

روسية في الساحة الحمراء بموسكو أمس في ظل تصاعد كبير في الإصابات بـ«كورونا» (إ.ب.أ)
روسية في الساحة الحمراء بموسكو أمس في ظل تصاعد كبير في الإصابات بـ«كورونا» (إ.ب.أ)

بدت التوقعات في روسيا أمس، متشائمة للغاية مع تصاعد معدلات الانتشار بشكل متسارع، وبلوغها مستويات الربيع الماضي. وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد السلطات لـ«أي سيناريو»، مشيراً إلى أنه من المبكر الحديث عن تراجع التهديد.
وقال بوتين خلال اجتماع افتراضي مع رؤساء الكتل البرلمانية إن «تهديد الفيروس كبير وهو ماثل أمامنا، ولم يتراجع». لكنه أضاف أن البلاد «مستعدة لكل التطورات. وسنتخذ خطوات واضحة ومنسقة، وسندعم مواطنينا ومؤسساتنا الاجتماعية، ومنظومتنا الصحية».
وبدت عبارات بوتين إطلاقاً لناقوس الخطر وسط تزايد المخاوف في البلاد، مع تسجيل أكبر حصيلة يومية للإصابات بفيروس «كورونا»، منذ مايو (أيار) الماضي، إذ تجاوزت روسيا مجدداً أمس حاجز الـ11 ألف إصابة يومياً، مع معدلات ارتفاع خطرة تزيد على 7 في المائة يومياً.
وبلغت الإصابات خلال الساعات الـ24 الماضية 11615 إصابة جديدة و188 حالة وفاة، علما بأن اليوم السابق سجّل 10888 إصابة.
ووفقا للمركز الروسي لمكافحة تفشي فيروس «كورونا»، ارتفعت حصيلة الإصابات الإجمالية منذ بدء تفشي الوباء إلى مليون و237504. وتم تسجيل 21663 حالة وفاة.
وقال المركز الروسي لمكافحة الفيروس إن 6252 شخصاً تعافوا خلال الساعات الـ24 الماضية ما يرفع عدد المتعافين منذ بدء تفشي الوباء إلى نحو 990 ألف حالة.
وبرغم أن روسيا بذلك تحافظ على موقعها في المرتبة الرابعة عالمياً في معدلات الانتشار بعد الولايات المتحدة والهند والبرازيل لكنها ما زالت تحتل مرتبة متأخرة نسبياً في عدد الوفيات في الترتيب الـ13 عالمياً.
وأقر عمدة موسكو سيرغي سوبيانين بأن الوضع «يصبح أكثر صعوبة يوما بعد يوم»، مشيراً إلى أن روسيا تقترب سريعاً من العودة إلى مستويات الذروة في موجة الانتشار الأولى. وزاد أن الوضع «أكثر تعقيداً وأكثر مأساوية وقد تجاوز عدد الأشخاص الذين يدخلون المستشفى يومياً 1000 شخص والحالات في ازدياد».
وبرغم تأكيد السلطات على قدرة المؤسسات الطبية على مواجهة التطورات المتسارعة، لكن تحذيرات الخبراء بدت أكثر تشاؤماً من لهجة السياسيين في البلاد.
ورجح أكاديميون أن تكون «الموجة الثانية لعدوى فيروس (كورونا) في موسكو أقوى وأشد ضراوة مرتين أو ثلاث مرات من الموجة الربيعية». وأشار ألكسندر لوكاشيف، العضو في أكاديمية العلوم الروسية، مدير معهد الطفيليات الطبية والأمراض الاستوائية في جامعة سيتشينوف بموسكو، إلى أنه بالنسبة للمناطق الأخرى، فمجموعة المخاطر، تضم تلك التي لم تشهد الموجة الأولى، موضحا أنه «مع الزيادة الحالية المرتفعة للغاية، يمكننا بالتأكيد التحدث عن الموجة الثانية. من الواضح أنها ستتجاوز (من حيث القوة) الأولى في البلاد. وإذا كنا قد نجحنا في الموجة الأولى في تشكيل نوع من الشريحة المناعية في موسكو على الأقل، حيث توجد عوامل أخرى تحد جزئياً من انتشار الفيروس، فإن هذه الطبقة المناعية ليست متوافرة بعد في المناطق الروسية الأخرى، والعوامل التي يمكن أن تمنع زيادة الإصابة هناك ليست أكثر مما كانت عليه في الربيع، والوضع ليس أقل خطورة».
ولفت الخبير إلى استحالة الخروج بتوقعات دقيقة لأقصى نتائج الذروة، لافتاً في الوقت ذاته بشكل عام إلى أن «الموجة الثانية في موسكو ستكون قابلة للمقارنة مع الموجة الأولى، ويمكن أن تكون أقوى منها بـ2 - 3 مرات، ولكن ليس 10 مرات. وبالنسبة للمناطق الأخرى، الوضع مختلف تماماً، على سبيل المثال، الوضع في مدينة سان بطرسبورغ سيكون تقريباً مماثلاً لموسكو. ولكن في تلك المناطق التي لم تشهد موجة أولى للوباء، يمكن أن يكون الوضع فيها صعباً جداً».
لكن عالم الفيروسات الروسي أناتولي ألتشتين سعى إلى التخفيف من المخاوف حول قدرات النظام الطبي وقال إن «الموجة الثانية من فيروس (كورونا) في روسيا ستكون أكثر نشاطاً، لكن نظام الرعاية الصحية جاهز لمواجهتها». وزاد «نواجه وضعاً صعباً لكننا جاهزون بالفعل، وسنكافح هذا الأمر بشكل أفضل خاصة أن اللقاح بات جاهزاً».
في هذه الظروف، اتجهت الأنظار نحو التدابير التي قد تفرض في البلاد وسط مخاوف واسعة من عودة إجراءات العزل والإغلاق التام. وقال المركز الروسي لمكافحة الفيروس إنه «لا يخطط حالياً لإغلاق الحدود أو الحد من الحركة الجوية»، لكن مجلس الاتحاد الروسي (الشيوخ) كان أعلن في وقت سابق أنه لا يستبعد إمكانية إغلاق الحدود مرة أخرى وتقليص عدد الرحلات الجوية، في إطار تدابير للتصدي لتزايد تفشي الوباء.
وكانت الرئاسة الروسية قد أكدت الأسبوع الماضي، أن ارتفاع وتيرة تفشي الفيروس في البلاد يتطلب اتخاذ إجراءات إضافية على كافة المستويات، لكنها لفتت إلى أن «الحكومة لا تدرس الآن خيار العودة إلى فرض إغلاق كلي».
وبانتظار ظهور اللقاح الذي كانت موسكو أعلنت قبل شهرين عن تطويره في الأسواق الروسية، وهو أمر يبدو متوقعا خلال أسابيع، قال وزير الصحة ميخائيل موراشكو أمس، إن العلماء الروس يعملون على ابتكار دواء لمرضى (كوفيد - 19) الذين يعانون أمراضا خطيرة. وأوضح «نعمل اليوم على عقار يعتمد على بلازما المتبرعين الذين تعافوا»، مضيفاً أن الدواء سيكون عبارة عن جرعة علاجية مخصصة للفئات التي تعاني أمراضا مزمنة أو التي تطوّر الفيروس عند أصحابها إلى مستويات خطرة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...