قبل كورونا... كيف انتهت الأوبئة السابقة التي انتشرت حول العالم؟

ممرضة ترتدي ملابس واقية خارج عيادة لعلاج متلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة-سارس في تورنتو (أرشيف-رويترز)
ممرضة ترتدي ملابس واقية خارج عيادة لعلاج متلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة-سارس في تورنتو (أرشيف-رويترز)
TT

قبل كورونا... كيف انتهت الأوبئة السابقة التي انتشرت حول العالم؟

ممرضة ترتدي ملابس واقية خارج عيادة لعلاج متلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة-سارس في تورنتو (أرشيف-رويترز)
ممرضة ترتدي ملابس واقية خارج عيادة لعلاج متلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة-سارس في تورنتو (أرشيف-رويترز)

يقع عالمنا اليوم في قبضة جائحة لا مثيل لها في الذاكرة الحية. وبينما يعلق الناس آمالهم على لقاح للقضاء عليها، فإن الحقيقة هي أن معظم الأوبئة التي واجهها أسلافنا لا تزال معنا. وأن اكتشاف طريقة انتهاء بعض تلك الأوبئة يعطينا أدلة حول كيفية تطور مستقبلنا القريب، وفقاً لتقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»:
* الطاعون الدبلي
شهد العالم ثلاث فاشيات رئيسية من هذا الطاعون المدمر، تم تسجيل أقدمها في عام 541م. وبالعودة إلى العصور المظلمة، قبل حوالي 60 جيلا، عاش الناس سلسلة من تفشي الطاعون الدبلي.
وكان المرض، الذي تسببه البكتيريا التي تنتقل عن طريق البراغيث على الفئران وعن طريق الرذاذ التنفسي من الأشخاص المصابين، مدمراً لعالمنا.
وقتل الطاعون مئات الملايين من الناس على مدى 2000 عام. وتسبب بما يعرف بالموت الأسود بين عامي 1346 و1353، وهو المرض الأكثر انتشارًا وفتكا على الإطلاق.
ومن المعتقد أن المرض، الذي يسبب تورم الغدد الليمفاوية المصابة، والذي يسمى بوبوس، قد تمت أخيرًا السيطرة عليه من خلال الحجر الصحي الصارم وتحسين أنظمة الصرف الصحي، من بين أمور أخرى.
ويقول ستيفن رايلي، أستاذ ديناميكيات الأمراض المعدية في إمبريال كوليدج لندن، إن أياً من هذا لم يكن ليحدث دون فهم كيفية حدوث انتقال العدوى. هذا شيء لا يزال ساريًا اليوم. ويضيف: «بمجرد حصولك على المعرفة، ستتمكن من اتخاذ تدابير لدفع الانتشار إلى مستوى أقل بكثير».
ومع ذلك، لا تزال حالات الطاعون تحدث - على سبيل المثال، في منغوليا الداخلية في يوليو (تموز) من هذا العام - ومن الناحية النظرية، لا يزال بإمكان الناس التقاطه.
ومع ذلك، فإن الأعداد منخفضة، ويمكن الآن علاج المرض بنجاح بالمضادات الحيوية.
*الجدري - الفيروس الذي قضى عليه العلم
شهد العالم فاشيات كبيرة مختلفة، كان أقدمها في عام 1520. بعد مئات السنين، واجه أسلافنا شبح الجدري.
هذا المرض، الذي يسببه فيروس «فاروليا» طفيف، هو واحد من أكثر الأمراض فتكًا المعروفة للإنسان. ويسبب ظهور بثور مملوءة بالسوائل في جميع أنحاء الجسم. وفي أوج انتشاره، مات حوالي ثلاثة من كل 10 أشخاص مصابين بالمرض.
ويمكن أن ينتشر عن طريق قطرات من أنف أو فم الشخص المصاب أو عن طريق تقرحاته.
ومثل الطاعون، قتل الجدري مئات الملايين من الناس - 300 مليون في القرن العشرين وحده.
ولكن بفضل لقاح طوره الطبيب البريطاني إدوارد جينر عام 1796 وجهود المجتمع العلمي، تم القضاء على المرض تمامًا - رغم أن الأمر استغرق ما يقرب من قرنين من الزمان.
ويبقى الجدري المرض البشري الوحيد الذي تم القضاء عليه بهذه الطريقة. ويعتبر البروفسور رايلي هذا العمل أحد أعظم إنجازات البشرية - منافساً الهبوط على سطح القمر.
ويقول: «يمكن أن ينظر إليه على أنه أكبر عائد على الاستثمار العام على الإطلاق»، في إشارة إلى المدخرات السنوية التي تمتع بها العالم بفضل غياب المرض.
* الكوليرا - المرض المتوطن في البلدان المنخفضة الدخل
يرى البشر تفشي مختلف من هذا المرض حتى يومنا هذا، وحدثت الجائحة الكبيرة عام 1817.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن المرض، الناجم عن طعام أو مياه شرب ملوثة، أودى بحياة الملايين من الناس في سبع مرات تفشى فيها بشكل كبير.
ولكن في حين أن تحسين النظافة وتطوير أنظمة الصرف الصحي في الغرب قد أزالا خطر المرض، فإنه لا يزال مستوطنًا - أو شائعًا - في العديد من البلدان منخفضة الدخل ويقتل ما بين 100 ألف و140 ألف شخص كل عام، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.
ولا يزال من الممكن أن نتعرض لخطر الإصابة به والموت، رغم توافر لقاح وعلاج المرض السهل.
* الإنفلونزا - التهديد الموسمي
عاش العالم عددًا من أوبئة الإنفلونزا، وكان أكبر حضور للمرض في أوائل القرن العشرين.
وكانت جائحة إنفلونزا عام 1918، الذي يشار إليها أحيانًا بالإنفلونزا الإسبانية، أخطر تفشٍ في التاريخ الحديث، فقد قتلت 50 مليونا إلى 100 مليون شخص في جميع أنحاء العالم.
كما هو الحال مع فيروس كورونا المستجد اليوم، أدى العزل والحجر الصحي إلى إبطاء انتقال العدوى.
وبعد موجتين بين عامي 1918 و1920، تلاشت سلالة إنفلونزا «إتش 1 إن 1» الخاصة لتصبح نسخة أكثر اعتدالًا ولا تزال تنتشر كل عام. لكن أعقبت ذلك أوبئة أخرى ترتبط بالإنفلونزا.
وتسببت إنفلونزا هونغ كونغ عام 1968 في مقتل مليون شخص ولا تزال تنتشر على أنها إنفلونزا موسمية. وكذلك الحال بالنسبة لإنفلونزا الخنازير - وهي نسخة من فيروس «إتش 1 إن 1» والتي أصابت حوالي 21 في المائة من سكان العالم عام 2009.
ولا تزال الإنفلونزا تشكل «تهديدًا وبائيًا»، كما يقول البروفسور رايلي، ولا نزال معرضين لخطر مواجهة جائحة أخرى قد تشببها مثل هذه الفيروسات.
ونحن أيضًا معرضون لخطر الإصابة بالإنفلونزا الموسمية، التي لا تزال تقتل مئات الآلاف كل عام.
*فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز - الوباء المستمر
بدأ الفيروس الانتشار عام 1981 ولا يزال يظهر لدى الكثيرين حتى اليوم.
وقبل حوالي أربعة عقود، عاش الناس انتشاراً لفيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز - الذي اعتبره البعض وباءً عالميًا، لكن منظمة الصحة العالمية وصفته بأنه «مرض عالمي».
ولقد أودى فيروس نقص المناعة البشرية - الذي ينتقل عن طريق سوائل الجسم - بحياة أكثر من 32 مليون شخص في جميع أنحاء العالم حتى الآن.
يقول البروفسور رايلي إن فيروس نقص المناعة البشرية يمكن اعتباره «أسوأ سيناريو لفيروس»، بسبب طول الوقت الذي يستغرقه ظهور الأعراض ومعدل الوفيات المرتفع. ينتشر بسرعة لأن الناس لا يعرفون بالضرورة أنهم مصابون به.
ومع ذلك، فإن التطورات في تقنيات التشخيص وحملات الصحة العامة العالمية - التي غيرت السلوك الجنسي وزادت من توافر الحقن الآمنة لمستخدمي الأدوية - ساعدت في إبطاء نمو العدوى.
رغم ذلك، توفي ما يقدر بنحو 690 ألف شخص بسبب الإيدز \عام 2019، وفقًا لأرقام منظمة الصحة العالمية.
ورغم عدم وجود علاج لفيروس نقص المناعة البشرية، إذا كنت تعيش في بلد يتمتع برعاية صحية جيدة وإمكانية الحصول على الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية، يمكنك الآن أن تعيش حياة طويلة وصحية.
ومع ذلك، إذا كانت تعيش في بلد منخفض الدخل ولم يكن لديه مثل هذا الدعم، فقد تظل عرضة للخطر.
* سارس وميرس - الأسهل احتواء
ظهر هذان المرضان في 2002 و2003 و2012 حتى الآن.
وقتلت المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس) - أول وباء مميت يسببه فيروس كورونا - أكثر من 800 بين عامي 2002 و2003، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.
لكن بحلول أواخر يوليو (تموز) عام 2003، لم يتم الإبلاغ عن أي حالات جديدة، وأعلنت منظمة الصحة العالمية انتهاء الفاشية العالمية.
وبعد ذلك بقليل ظهرت متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، وهي أيضًا تابعة لعائلة فيروس كورونا، والتي أودت بحياة 912 شخصًا. وحدثت معظم الحالات في شبه الجزيرة العربية.
وفي حين أن خطر الإصابة بالفيروس في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، يعتبر منخفضًا للغاية، إلا أنه لا يزال أعلى في الشرق الأوسط.
*كوفيد - 19
والآن، نواجه شبح فيروس كورونا الجديد سارس، الذي يتسبب في مرض الجهاز التنفسي «كوفيد - 19».
ويعتبر «كوفيد - 19»، كما هو معروف، نسخة متطورة من فيروس سارس 2003 ويعتبره المتخصصون في الأمراض فريدًا من نوعه، وذلك بفضل مجموعة الأعراض - من لا شيء إلى القاتلة - ومستويات عالية من انتقاله من الأشخاص الذين ليس لديهم أعراض أو قبل تطويرها.
ويقول البروفسور رايلي: «بسبب ذلك، لم يتمكن الكثير من السكان من السيطرة عليه».
ولقد لعبت زيادة المعرفة حول انتقال العدوى وحملات الصحة العامة والعلاجات الجديدة واللقاحات دورها في إنهاء الأزمات السابقة.
ومن المحتمل أيضًا أن تأتي نهاية الوباء الحالي من مجموعة من التدابير المماثلة.


مقالات ذات صلة

الساعات الذكية لرصد التغيرات في صحة الدماغ

صحتك الساعات الذكية لرصد التغيرات في صحة الدماغ

الساعات الذكية لرصد التغيرات في صحة الدماغ

يُعدّ الحفاظ على مستوى عال من الصحة الدماغية، التي تشمل الوظائف المعرفية (الإدراكية) والعاطفية (الوجدانية)، من أشد ما تمس حاجة المرء إليه كي يستمتع بحياته.

د. عبير مبارك (الرياض)
صحتك 7 أنواع للراحة

7 أنواع للراحة

ربما يبدو النوم لليلة كاملة مثل انتصار صغير، لكن ليس من المضمون أو الأكيد مع ذلك ألا نشعر بالثقل والخمول

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك «الهيموفيليا»... من التشخيص المتأخر إلى آفاق العلاج الجيني

«الهيموفيليا»... من التشخيص المتأخر إلى آفاق العلاج الجيني

قد يبدو الجرح الصغير أمراً عابراً في حياة معظم الناس، فما هي إلاّ لحظةُ ألمٍ قصيرة يعقبها شفاء سريع، لكن بالنسبة لآخرين قد يتحول إلى مشكلة تتجاوز ما تراه العين

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك الخوف من الكوارث العامة يلحق الضرر بالأم والجنين

الخوف من الكوارث العامة يلحق الضرر بالأم والجنين

كشفت دراسة نفسية حديثة، عن احتمالية أن تتسبب الضغوط النفسية الناتجة عن حدوث كوارث عامة، مثل الزلازل والحروب، في مشاكل عضوية تنعكس بالسلب على صحة الأم والجنين.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك هناك زيادة ملحوظة في عمليات تجميل الوجه بسبب أحد الآثار الجانبية لحقن إنقاص الوزن (بيكسلز)

«وجه أوزمبيك» يتسبب بزيادة ملحوظة في عمليات تجميل

كشف جراحون بريطانيون عن وجود زيادة ملحوظة في عمليات تجميل بسبب أحد الآثار الجانبية لأدوية إنقاص الوزن، وهو ما يُعرف بـ«وجه أوزمبيك».

«الشرق الأوسط» (لندن)

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.