ترمب يشعر بـ«تحسن كبير»... وأطباؤه يرجحون خروجه من المستشفى اليوم

تسع ولايات أميركية تسجل زيادة قياسية في حالات «كوفيد ـ 19»

الرئيس الأميركي يمارس مهامه من مركز «والتر ريد» الطبي العسكري (رويترز)
الرئيس الأميركي يمارس مهامه من مركز «والتر ريد» الطبي العسكري (رويترز)
TT

ترمب يشعر بـ«تحسن كبير»... وأطباؤه يرجحون خروجه من المستشفى اليوم

الرئيس الأميركي يمارس مهامه من مركز «والتر ريد» الطبي العسكري (رويترز)
الرئيس الأميركي يمارس مهامه من مركز «والتر ريد» الطبي العسكري (رويترز)

أعلن أطباء الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي أُصيب بفيروس كورونا المستجد، أمس الأحد، أن الوضع الصحي للرئيس الأميركي يستمر في «التحسن»، ويمكن أن يخرج من المستشفى اعتبارا من اليوم الاثنين. وقال الطبيب شون كونلي من مستشفى وولتر ريد العسكري، إن مستوى الأكسجين لدى الرئيس انخفض مرتين منذ ظهور الأعراض، لكنه تحسن ولم يعد يعاني الحمى، موضحا أنه يعالج بـ«الستيرويد». وتابع كونلي أن «المريض يواصل التحسن. لم ترتفع درجة حرارته منذ صباح يوم الجمعة. مؤشراته الحيوية مستقرة».
وجاء ذلك عقب إعلان الرئيس ترمب الذي نُقل إلى المستشفى إثر إصابته بـ«كوفيد - 19» الجمعة، في فيديو نشر على تويتر مساء السبت، أنه يشعر «بتحسن كبير»، واعدا بـ«العودة قريبا» ومشيراً في الوقت نفسه إلى أن الأيام المقبلة تشكل «الاختبار الحقيقي» بالنسبة له. وقال الرئيس في فيديو مدته أربع دقائق نشر على تويتر: «جئت إلى هنا، لم أكن على ما يرام»، في إشارة إلى مركز «والتر ريد» العسكري الطبي. وأضاف «أشعر بتحسن كبير الآن، نحن نعمل بجد كي أشفى تماما. أعتقد أني سأعود قريباً، أتطلع إلى إنهاء الحملة (الانتخابية) بالطريقة التي بدأتها بها». وأكد «بدأتُ أشعر بتحسن»، مشيراً إلى أن الأيام القليلة المقبلة ستشكل «الاختبار الحقيقي، لذلك سنرى ما الذي سيحصل خلال اليومين المقبلين».
وأصيبت زوجة ترمب ميلانيا أيضاً بالفيروس، لكن أعراضها أقل حدة منه. وقال ترمب ممازحاً عن زوجته البالغة خمسين عاما: «ميلانيا تتعامل مع الوضع بشكل جيد جداً. كما سمعتم، فهي أصغر مني سناً بقليل».
والتزم طبيب ترمب الحذر أيضاً في تقييم وضعه الصحي، فأعلن أن الرئيس «لم يخرج بعد من مرحلة الخطر» وأن الفريق الطبي «متفائل بحذر». وقال الطبيب شون كونلي في مذكرة نُشرت السبت، إن الرئيس «أحرز تقدماً كبيراً منذ تشخيص» إصابته بالفيروس، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وفي وقت سابق من يوم السبت، أجاب كونلي على أسئلة الصحافيين للمرة الأولى لكن بشكل مقتضب من أمام مركز «والتر ريد» في ضواحي واشنطن، حيث يتلقى الرئيس العلاج. وقال حينها «إن وضع الرئيس جيد هذا الصباح»، مضيفاً أن ترمب البالغ من العمر 74 عاماً، عانى الحمى وسعالا واحتقانا خفيفا وإرهاقا، لكن الأعراض «تتراجع». ولم يعان ارتفاعا في الحرارة منذ 24 ساعة، وبلغ معدل تشبعه بالأكسجين 96 في المائة وهو معدل طبيعي.
وبالإضافة إلى «الستيرويد»، تلقى الرئيس ثاني جرعة من عقار ريمديسيفير أمس، كما أيضاً جرعة من مزيج أجسام مضادة من مختبر «ريجينيرون» عقب تشخيص إصابته بـ«كورونا»، وهو علاج في طور التجارب السريرية. وأقر كبير موظفي البيت الأبيض مارك ميدوز السبت بأن الأطباء كانوا «قلقين جداً» إزاء صحته، مضيفاً «لم ترد أبداً فكرة نقل السلطة، ولم يكن هناك خطر» بحصول ذلك. وتأتي تصريحاته بعد سلسلة معلومات متناقضة حول صحة ترمب أثارت الإرباك السبت. وكان مصدر لم تحدد هويته قُدم على أنه مطلع على الأحداث، أعلن أن «المؤشرات الحيوية للرئيس خلال الساعات الـ24 الماضية كانت مقلقة جداً، والساعات الـ48 المقبلة ستكون حاسمة في علاجه». وتتناقض هذه التصريحات مع ما أعلنه أطباء البيت الأبيض بتأكيدهم أن حالة الرئيس «جيدة جداً». إلى ذلك، ذكرت وسائل إعلام أميركية، بينها «إيه بي سي»، أن ترمب كان بحاجة إلى الأكسجين الجمعة في البيت الأبيض قبل نقله إلى المستشفى، إلا أن هذه التقارير لم تُؤكد بشكل رسمي.
وفيما يسعى البيت الأبيض لطمأنة الأميركيين حول صحة الرئيس، يبقى سؤال كيفية وتاريخ انتقال العدوى إليه معلقا.
من جهتهم، طالب الديمقراطيون بإرجاء جلسات تعيين القاضية إيمي كوني باريت في مجلس الشيوخ بعدما سجلت إصابة عدد من السيناتورات في الحزب الجمهوري، لكن لجنة القضاء التي يرأسها السيناتور ليندسي غراهام، أكدت أن الجلسات ستجرى كما كان مقرراً. وعرقل نقل ترمب إلى المستشفى مجريات حملته الانتخابية، فألغيت كل تنقلاته التي كانت مقررة سابقاً، وأصيب مدير حملته أيضاً بالفيروس، فيما يحيط عدم اليقين بالمناظرات المقبلة. وأعلن فريقه السبت أن الحملة ستتواصل من خلال أنشطة سيقوم بها نائب الرئيس وأبناؤه، بعد مناظرة بين المرشحين على منصب نائب الرئيس مايك بنس وكامالا هاريس.
من جهته، سيختصر وزير الخارجية مايك بومبيو جولته في آسيا الأسبوع المقبل، حيث سيلغي زيارة منغوليا وكوريا الجنوبية التي كانت مقررة الأربعاء والخميس. وبات البيت الأبيض بؤرة للعديد من الإصابات، إذ أن لائحة المقربين من ترمب الذين تلقوا العدوى باتت طويلة، بدءا من زوجته ميلانيا ومستشارته هوب هيكس ومدير حملته بيل ستيبين وثلاثة أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ والمستشارة السابقة كيلاين كونواي والمستشار الحالي كريس كريستي، وثلاثة صحافيين معتمدين. وأفادت شبكة «سي إن إن» أن مستشاراً آخر مقربا من ترمب هو نيكولاس لونا مصاب أيضاً بالمرض.
في سياق متصل، سجلت تسع ولايات أميركية ارتفاعات قياسية في حالات الإصابة بمرض «كوفيد - 19» في الأيام السبعة الماضية، خاصة في مناطق الغرب الأوسط والغرب، حيث أجبرت برودة الطقس السكان على القيام بمزيد من الأنشطة في الأماكن المغلقة. وفي يوم السبت وحده، سجلت أربع ولايات هي كنتاكي ومينيسوتا ومونتانا وويسكونسن ارتفاعات قياسية في حالات الإصابة بالمرض الناتج عن فيروس كورونا المستجد، كما ذكرت وكالة رويترز. وعلى مستوى البلاد، تم تسجيل نحو 49 ألف حالة إصابة جديدة وهو أعلى رقم في يوم سبت منذ سبعة أسابيع وفقا لإحصائيات الوكالة نفسها.
وسجلت ولايات كانساس ونبراسكا ونيو هامبشاير وساوث داكوتا ووايومينغ أرقاما قياسية للحالات الجديدة في الأسبوع الماضي. وتبلغ درجة الحرارة العظمى في أغلب هذه الولايات حاليا نحو عشر درجات مئوية. ويحذر خبراء الصحة منذ فترة طويلة من أن انخفاض درجات الحرارة سيدفع الناس للأماكن المغلقة، مما قد يزيد من انتشار الفيروس. وكان رون جونسون عضو مجلس الشيوخ عن ويسكونسن من أبرز الجمهوريين الذين تأكدت إصابتهم بالفيروس منذ أن أعلن الرئيس دونالد ترمب إصابته بالمرض. وتسجل الولايات المتحدة 42600 حالة إصابة جديدة و700 حالة وفاة يوميا في المتوسط، بالمقارنة مع 35 ألف إصابة و800 وفاة في منتصف سبتمبر (أيلول). وعادة ما تأتي الزيادة في الوفيات متأخرة بضعة أسابيع عن زيادات الإصابات منذ بدء تفشي الجائحة. ولم يحدد خبراء الصحة سببا لارتفاع الحالات، لكنهم أشاروا إلى شعور الناس بالملل من القيود المفروضة للحد من انتشار الفيروس وعودة الطلاب للمدارس والجامعات.


مقالات ذات صلة

أوروبا خريطة مضيق هرمز (رويترز) p-circle

درس من 1915... لماذا لا يمكن فتح «هرمز» بالقوة؟

يعود تقرير لصحيفة «إندبندنت» بالذاكرة إلى دروس تاريخية بارزة من حروب سابقة، تكشف أن السيطرة على المضايق والممرات البحرية لم تكن يوماً مهمة سهلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد باول يعقد مؤتمراً صحافياً عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في ديسمبر (رويترز)

انتصار قضائي لباول ينهي «معركة المباني» ويمهد الطريق لوارش لرئاسة «الفيدرالي»

أنهت وزارة العدل الأميركية تحقيقاتها مع رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا صورة نشرتها وزارة الخارجية الباكستانية لعراقجي وهو يلتقي دار ومنير لدى وصوله إلى قاعدة نور خان الجوية في روالبندي - باكستان (أ.ب) p-circle

مفاوضو واشنطن يتوجهون إلى إسلام آباد اليوم... وطهران ترفض اللقاء المباشر

من المقرر أن يتوجه المفاوضون الأميركيون إلى باكستان اليوم (السبت)، لكن ​إيران قالت إن مسؤوليها لا يعتزمون لقاء الأميركيين لبحث إنهاء الحرب، وفق ما نشرت «رويترز»

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
المشرق العربي نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)

مراوحة مستمرة في العراق بشأن اختيار رئيس الوزراء الجديد

فشل التحالف الشيعي الرئيسي في العراق، في الاتفاق على مرشح جديد لمنصب رئيس الوزراء، بعدما قوّضت الضغوط الأميركية فرص نوري المالكي الذي كان الأوفر حظا.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...