اتّساع نطاق المواجهات في قره باغ وسط تبادل الاتهامات والتهديدات

القصف المدفعي طال عاصمة الإقليم وثاني كبرى مدن أذربيجان… والسكان يحتمون بالملاجئ

صورة نشرتها وزارة الدفاع الأذرية تظهر الدمار الناجم عن قصف كنجة ثاني كبرى مدن أذربيجان أمس (إ.ب.أ)
صورة نشرتها وزارة الدفاع الأذرية تظهر الدمار الناجم عن قصف كنجة ثاني كبرى مدن أذربيجان أمس (إ.ب.أ)
TT

اتّساع نطاق المواجهات في قره باغ وسط تبادل الاتهامات والتهديدات

صورة نشرتها وزارة الدفاع الأذرية تظهر الدمار الناجم عن قصف كنجة ثاني كبرى مدن أذربيجان أمس (إ.ب.أ)
صورة نشرتها وزارة الدفاع الأذرية تظهر الدمار الناجم عن قصف كنجة ثاني كبرى مدن أذربيجان أمس (إ.ب.أ)

كثف المسلحون الانفصاليون الأرمن في إقليم ناغورني قره باغ والجيش الأذربيجاني أمس، تبادل القصف المدفعي الذي استهدف على وجه الخصوص عاصمة الإقليم وثاني مدن أذربيجان، في اليوم الثامن من القتال الدامي. كما كثف الطرفان التهديدات والهجومية، متجاهلين دعوات المجتمع الدولي إلى وقف إطلاق النار، وتبادلا الاتهامات حول المسؤولية عن النزاع.
وتزامن اتساع دائرة الهجمات على المنطقة مع موجة نزوح كبرى شهدتها عاصمة الإقليم ستيباناكيرت ومناطق أخرى محيطة نحو المدن الأرمنية، في حين أطلقت قوات الإقليم هجوما مضادا واسعا شمل عمليات قصف استهدفت مطارا ومنشآت عسكرية في عمق الأراضي الأذرية. وبدا أن المعركة تتخذ مسارات أكثر خطورة مع بدء استهداف المدن من الجانبين.
وعاشت عاصمة الإقليم الانفصالي ساعات صعبة خلال الليل مع انقطاع التيار الكهربائي واستمرار أعمال القصف من جانب القوات الأذرية. وأعلنت قوات قره باغ أن الوضع عند خط المواجهة طوال الليل الماضي ظل «متوترا بشكل دائم، لا سيما في المحور الجنوبي». ولفتت إلى وجود مؤشرات على أن «الجيش الأذري يستعد لشن هجوم واسع جديد»، مضيفة أنها «تتابع كافة تحركات العدو الميدانية ومستعدة للتصدي بحزم لأي خطوات من قبله». وأظهر شريط فيديو نشرته وزارة الدفاع الأرمينية على موقعها في «فيسبوك»، آثار سقوط القذائف وما خلفته من حفر على الأرض، وحطام مبان وسيارات مهشمة في عاصمة قره باغ.
وفي وقت سابق أفادت تقارير بأن طوابير من النساء والأطفال شوهدت أثناء مغادرة مدن قره باغ، بسبب كثافة القصف المدفعي الذي تتعرض إليه من قبل القوات الأذرية.
وبعد توقف لساعات محدودة استأنفت القوات المسلحة الأذرية صباح أمس، عمليات القصف. وقال الناطق باسم وزارة الدفاع الأرمينية آرتسرون هوفهانيسيان أمس: «في الوقت الحالي تتعرض المدنية مرة أخرى لإطلاق النار الكثيف». وأفاد بيان أصدرته الخدمة الصحافية في وزارة الدفاع جمهورية قره باغ غير المعترف بها بأن «الأجواء كانت متوترة أثناء الليل عند خط التماس. وكان التوتر بشكل خاص في الاتجاه الجنوبي». وأشار إلى أن «تحليل تصرفات العدو يظهر أنه يستعد لشن هجوم شامل».
في المقابل، شن جيش قره باغ هجمات على البنية التحتية العسكرية في عمق أراضي أذربيجان. وقال شوشان ستيبانيان، المسؤول في وزارة الدفاع الأرمينية: «يواصل العدو إطلاق النار على المناطق المدنية بأسلحة محظورة، وكذلك على ستيباناكيرت. وقد بدأ جيش دفاع قره باغ في توجيه ضربات قوية ضد أهم البنى التحتية العسكرية في عمق مؤخرة العدو».
وتحدث مساعد رئيس أذربيجان عن وقوع هجوم صاروخي على كنجة، ثاني كبرى المدن الأذرية، من الأراضي الأرمينية. وقال مكتب المدعي العام الأذري إن مدنيين قتلا وأصيب اثنان نتيجة قصف مدفعي من الجانب الأرميني من مدينة بيلاجان الواقعة بالقرب من خط التماس في منطقة النزاع في قره باغ. كما أفادت وزارة الدفاع الأذرية بوقوع هجوم صاروخي على منطقة فيزولي من أراضي أرمينيا. ولاحقاً، أعلنت وزارة الدفاع في أذربيجان أن القوات الأرمنية قصفت مدن تارتار وهوراديز وكنجة، بالإضافة إلى غارات صاروخية طالت قرى وبلدات في مقاطعات تارتار وفضولي وآقدام بجنوب البلاد، قرب خط التماس مع قره باغ، مؤكدة أن القوات الأذرية تتخذ «الإجراءات المناسبة» ردا على القصف.
واتهمت الوزارة القوات الأرمينية بقصف مدن وقرى داخل أذربيجان من قاعدتها في بلدة باليجا (أيغستان) شرق مدينة ستيباناكرت (خانكندي)، عاصمة جمهورية قره باغ، المعلنة من جانب واحد وغير المعترف بها دوليا.
وأعلنت النيابة العامة في أذربيجان أن حصيلة الضحايا الإجمالية بين المدنيين في أذربيجان خلال جولة التصعيد الجديدة في قره باغ بلغت ٢١ قتيلا و٦٧ جريحا.
وفي وقت لاحق أمس، أعلن رئيس قره باغ أرايك هاروتيونيان أنه أمر بوقف الهجمات على المدن الأذرية تجنبا لوقوع ضحايا بين المدنيين. وحمّل أذربيجان المسؤولية عن استهداف سكان عاصمة «الجمهورية» مدينة ستيباناكرت (خانكندي) باستخدام راجمات الصواريخ «بولونيز» و«سميرتش»، رغم التحذيرات المتعددة. وأشار إلى أن قصف المدن الأذرية يشكل ردا على التطورات. وزاد: «أصبحت المواقع العسكرية الدائمة في مدن كبيرة داخل أذربيجان الآن أهدافا لجيشنا، وأحث سكان أذربيجان على مغادرة هذه المدن على وجه السرعة بغية تفادي خسائر محتملة. إن قيادة أذربيجان العسكرية هي التي تتحمل المسؤولية عن كل ذلك». ولفت إلى أن «على الجانب الأذري أن يستخلص الدروس ويدرك أننا قادرون على توجيه ضربات قوية في عمق أراضيه، وإذا واصلوا استهداف المدن فسنوجه ضربات أقوى».
إلى ذلك، كان الرئيس الأذري إلهام علييف أعلن أن الجيش سيطر على قرية مداغيز القريبة من خط التماس بين الجانبين في منطقة قره باغ. وكتب على «تويتر» السبت «رفع الجيش الأذري علم أذربيجان في مداغيز. مداغيز لنا». وبذلك تكون باكو سيطرت بشكل كامل خلال أسبوع من المعارك على سبع قرى في المناطق المتاخمة لقره باغ.
لكن الهجمات المضادة من جانب جيش قره باغ لم تتوقف في هذه المناطق، وقال رئيس جمهورية الإقليم أمس إنه عاد «للتو من الخطوط الأمامية (...) تم إنجاز المهام المطروحة في كل المحاور».
في غضون ذلك، وجه رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خطاباً إلى الأمة بشأن الوضع في قره باغ قال فيه إنه بالإضافة إلى الوحدات الأذرية، فإن «مرتزقة سوريين وإرهابيين وقوات خاصة من الجيش التركي» يشاركون في الأعمال العدائية، ويقودهم حوالي ١٥٠ من العسكريين الأتراك رفيعي المستوى من مراكز قيادة القوات المسلحة الأذرية. ووصف باشينيان هدف أذربيجان وتركيا بـ«الإبادة الجماعية للأرمن».
بدورها، نددت تركيا بالقصف الصاروخي الذي تعرضت له أمس، مدينة كنجة. وقالت الخارجية التركية، في بيان، إن أرمينيا، التي تجرعت الهزيمة في الأراضي الأذرية المحتلة، انتهكت جميع مبادئ القانون الإنساني ولا سيما اتفاقيات جنيف، عبر شن هجمات على مناطق مدنية مأهولة خارج المناطق المحتلة التي تشهد اشتباكا، وأضاف «هذه الهجمات دليل على يأس أرمينيا وعدم تورعها عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية... كما قلنا منذ البداية، فإن أرمينيا هي أكبر عقبة أمام السلام والاستقرار في المنطقة».
وجدد البيان دعم تركيا لموقف أذربيجان، التي تعلن أنها لن تقع في فخ الاستفزازات الأرمينية، مؤكدا أن أذربيجان تستخدم حقها في الدفاع عن النفس المنبثق عن القانون الدولي داخل حدودها المعترف بها دوليا.
في الوقت ذاته، أعلنت وزارة الدفاع التركية «تحرير الجيش الأذري مدينة جبرائيل الاستراتيجية بإقليم (قره باغ) من الاحتلال الأرميني». وقالت الوزارة، في بيان: «بحسب المعلومات المستمدة من مصادر أذرية موثوقة، فإن الجيش الأذري حرر مدينة جبرائيل الاستراتيجية في إقليم قره باغ، بعد تحرير قرى مرجانلي ومراليان وشيباي».
من جانبه، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين إن حل قضية إقليم ناغورني قره باغ يكمن في إنهاء احتلال أرمينيا للأراضي الأذرية، مثلما هو الحال بالنسبة للأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل.
واعتبر كالين، في مقابلة تلفزيونية أمس، أن وقف إطلاق النار سيكون مستداما وذا معنى، في حال تم البدء بعملية تأخذ هذا المبدأ الأساسي بعين الاعتبار، مضيفا أنه «لا يمكن بناء سلام مستدام غير قائم على العدالة، وأن الأزمة بدأت إثر احتلال الجانب الأرميني للأراضي الأذرية». ورأى المتحدث التركي أنه «إذا استمرت أزمة ما لعقود طويلة في النظام الدولي، فهذا يعني أن هناك قوى معينة تستفيد من استمرارها... لو كان هذا الأمر عبارة عن قضية بين أذربيجان وأرمينيا فقط، لكان من الممكن حلها بطرق مختلفة في أوقات مبكرة أكثر».
وعن توجيه أرمينيا الاتهامات لتركيا أكثر من أذربيجان، قال كالين إنه من الواضح أن موقف تركيا أزعج بعض الجهات حتى دفعها الخوف لتحويل الأمر إلى دعاية سوداء ضد تركيا.
وفي إطار التحركات السياسية لمواجهة تصاعد الصراع، قوبل إعلان أرمينيا استعدادها لإجراء مفاوضات حول قره باغ في إطار «مجموعة مينسك»، التابعة لـ«منظمة الأمن والتعاون في أوروبا» بإعلان الرئيس الأذري أنه يشترط ضمان حيادية منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لبدء مفاوضات في هذا الإطار.
وتعليقا على إمكانية نشر روسيا قوات لحفظ السلام في منطقة قره باغ قال رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، إنه يمكن مناقشة هذا الاقتراح في إطار مجموعة مينسك، التي تضم روسيا والولايات المتحدة وفرنسا. وكان الناطق باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، قال إن روسيا يمكنها نشر قوات حفظ سلام في قره باغ فقط بموافقة طرفي النزاع أذربيجان وأرمينيا.
في سياق متصل، أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، ارتفاع حصيلة قتلى المرتزقة السوريين ممن أرسلتهم تركيا إلى معارك أذربيجان وأرمينيا في قره باغ إلى ٧٢ قتيلا بعد حصيلة سابقة نشرها، السبت، تحدثت عن سقوط ٦٤ قتيلا.
وقال المرصد إن تركيا تعتزم إرسال دفعة جديدة من المرتزقة السوريين إلى أذربيجان، ومن المنتظر وصول المئات منهم خلال الساعات والأيام القليلة المقبلة، لافتا إلى استمرار الشركات الأمنية والمخابرات التركية في عمليات نقل وتدريب أعداد كبيرة من عناصر الفصائل السورية الموالية لأنقرة للقتال إلى جانب أذربيجان، وأن عدد من تم إرسالهم حتى الآن بلغ نحو ١٢٠٠ مسلح، غالبيتهم من المكون التركماني السوري، وينتمون إلى فصيلي «السلطان مراد» و«العمشات».
وبحسب المرصد، أقحمت أنقرة مرتزقة الفصائل السورية بشكل كبير في معارك تلال ناغورني قره باغ، بعد أن قالت لهم إن دورهم سيقتصر على حماية حقول النفط والحدود في أذربيجان. واتهمت وزارة الخارجية الأرمينية كلا من تركيا وأذربيجان بنشر مرتزقة من الشرق الأوسط على خط الجبهة في قره باغ.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...