«قنوات الإعلام الشعبوي»... انتشار ناجح يقابله تعثر في المصداقية

صُناعها يعددون مزاياها... وخبراء ينوّهون باعتماد الجمهور على المنصات التقليدية

الطبيب حازم طارق
الطبيب حازم طارق
TT

«قنوات الإعلام الشعبوي»... انتشار ناجح يقابله تعثر في المصداقية

الطبيب حازم طارق
الطبيب حازم طارق

لا تتوقف عجلة الخيارات أمام مُتصفح الإنترنت، فالمحتويات الإعلامية المتاحة عبر محركات البحث الإلكترونية لا نهائية، ما بين مئات من قنوات الفنون، والرياضة، والثقافة، والسياحة، ووصفات الطعام. وعادة ما تُسجل «منصات الإعلام الشعبوي» ملايين المشاهدات، وما على المشاهد سوى الاشتراك في أي قناة، حتى يكون صاحب حق في متابعة كل جديد عليها وبالمجان. ومن ثم، فإن ظهور «قنوات الإعلام الشعبوي» جاء كرد فعل للواقع الاجتماعي الذي فرضته تكنولوجيا الاتصال، بتوفير وسائل نشر بديلة، تتمتع بدرجة عالية من الحرية وسهولة الاستخدام وسرعة الانتشار.
«الشرق الأوسط» اقتربت من صُناع «قنوات الإعلام الشعبوي» على «السوشيال ميديا»، للتعرف على قصص تأسيس تلك المنصات، وجمهورها، وتأثيراتها، وموقف الإعلام التقليدي منها. فأفادوا بأن «قنوات الإعلام الشعبوي تمنح أصحابها كثيراً من المؤشرات الصادقة، وأحياناً الصادمة؛ لكنها بعيدة عن المجاملات، ثم إنها تعتمد لغة بسيطة في تقديم المعلومات العلمية، فضلاً عن المساعدة في تعلم مهارات التصوير والمونتاج».
ووفق معادلة صُناع «قنوات الإعلام الشعبوي»، فإنها تحقق مزايا لـ«الجمهور الذي يصل لقنواته المفضلة بالمجان، وصاحب المحتوى الذي يطرح أفكاره بحرية، و(يوتيوب) الذي يتقاسم ربح الإعلانات مع أصحاب القنوات، ويستثمر هامشاً كبيراً من ربحه في عمليات التدريب وتحسين المحتوى». وفي المقابل، يقول مراقبون إن «هذه القنوات نجحت في الانتشار؛ لكنها تعثرت في المصداقية بسبب الاعتماد على الآراء الشخصية بشكل كبير».

لا تهديد للإعلام التقليدي
خبراء نوّهوا بـ«اعتماد الجمهور على قنوات الإعلام التقليدي»، مشيرين إلى أن «نفوذ قنوات الإعلام الشعبوي ليس بالضرورة تهديداً لوسائل الإعلام التقليدية؛ بل هناك أمثلة حققت حالة من التزاوج بين الإعلام التقليدي، وقنوات الإعلام الرقمي الأكثر شعبية». وكمثال، قبل نحو أربع سنوات، أسس «اليوتيوبر» حازم طارق، وهو خريج كلية الطب قسم «العلاج الطبيعي» بجامعة القاهرة، قناته على «يوتيوب» لتناول فكرة الحياة الصحية والتمرينات الرياضية، واستثمر ارتياده الدائم على صالات اللياقة البدنية في دعم مادته التي يقدمها. والآن جاوز عدد المتابعين لطارق حاجز المليون و600 ألف متابع، وهو رقم لم يكن يتخيله يوماً ما.
حازم طارق قال لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، «بدأت قناتي خلال دراستي الجامعية، فأنا أحب فكرة الشرح، خصوصاً للأمور الصحية واللياقة البدنية، وكنت دائماً أبحث عن مدخل جديد لتقديم مادتي، كي أحقق تميزاً بين القنوات التي تتناول تلك المواضيع». وأردف: «لم يكن التفاعل مع القناة في السنة الأولى مُشجعاً، الأمر الذي أحبطني بعض الشيء، حتى فوجئت باختيار قناتي لجائزة (نيكست أب) (Next up) من بين أفضل 12 قناة كرّمتها شركة (يوتيوب) ودعمتها، من خلال دورات لتنمية مهارات البث وتقديم المحتوى، وكذلك بمنح مبلغ مالي لشراء معدات تصوير حديثة، وكان هذا نقطة تحول كبيرة، حيث شعرت بتقدير للمحتوى الذي أطرحه».
وحقاُ، يُتيح موقع «يوتيوب» كل عام فرصة للتقدم في مسابقة «نيكست أب» التي تمنح من يقع عليهم الاختيار لتميز محتواهم، فرصة تعلّم كيفية إنشاء فيديوهات أفضل وجذب المزيد من المشتركين... ويحصل الفائزون على برامج تدريبية في مقرات «يوتيوب».
«نيكست أب» كانت البداية. وبعدها تطورت قناة طارق، حتى حصل على «الدرع الفضي» من «يوتيوب» بعد وصول قناته لـ100 ألف متابع، ثم حصل على «الدرع الذهبي» بعد وصول عدد متابعيه إلى مليون. ويضيف طارق: «يمنحنا موقع (يوتيوب) مؤشرات عامة حول نسب المشاهدات والفئات العمرية التي تقبل على المشاهدة. وهي مؤشرات أستند إليها دائماً، بالإضافة للتعليقات التي تصلني عن كل فيديو. ذلك أن معظم مَن يتابعني من الشباب. وساعدني هذا في تطوير المحتوى وطريقة كتابة (سكريبت) الحلقات، واعتماد تقديم المعلومات العلمية بلغة بسيطة. إن هذه التجربة تدفع صاحبها إلى تعلم مهارات التصوير والمونتاج وغيرها من أدوات الصورة. ومع الوقت، بدأت المشاهدات تتيح لي هامشاً من الربح يحدده (يوتيوب) بناءً على حساب المشاهدات والإعلانات التي تُعرض خلال حلقات القناة».
ووفق طارق، فإن «قنوات الإعلام الشعبوي» تحقق معادلة تعود بالنفع على الجميع، فـ«الجمهور يصل لقنواته المفضلة مجّاناً، ويطرح صاحب المحتوى أفكاره بحرية، مع ضمان تفاعل مباشر من متابعيه، بما في ذلك الآراء المنتقدة له. وتصل الإعلانات لجمهورها المستهدف بصورة أكبر، ويتقاسم (يوتيوب) ربح هذه الإعلانات مع أصحاب القنوات، ويستثمر (يوتيوب) هامشاً كبيراً من ربحه في عمليات التدريب وتحسين المحتوى، لذا فتلك المعادلة أحد أبرز أسباب نجاح الإعلام الشعبي».

تجربة لبنانية ـ لندنية
مياسة جردلي، لبنانية مقيمة في العاصمة البريطانية لندن، صانعة محتوى رقمي، لفتت الأنظار بسبب فيديوهاتها القصيرة التي تقترب فيها بتلقائية من مواضيع تمس مواقف يومية. ومع أنها بدأت رحلتها مع «الإعلام الشعبوي» قبل أشهر قصيرة فقط عبر فيديوهات على «فيسبوك» و«إنستغرام»، فإن عدد متابعيها وصل خلال تلك الفترة القصيرة إلى ما يقارب ربع مليون متابع. وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قالت مياسة، «لم أكن أتخيل عندما بدأت بث فيديوهاتي أن أحقق تلك المتابعات. لكنني بدأت أشبع اهتمامي في مجال التنمية ومهارات التواصل من خلال تلقي بعض الدورات التعليمية. وبدأت بعدها في تصوير الفيديوهات من مُنطلق المنفعة المتبادلة مع المتابعين، الذين قد يجدون في المحتوى الذي أقدّمه وسيلة لإعادة التفكير في مواقف إنسانية، وبسبب التشجيع الكبير الذي أستقبله يومياً، من خلال التعليقات والرسائل، أفكر حالياً في تأسيس قناتي على موقع (يوتيوب) لطرح هذا المحتوى بشكل أكبر وأوسع».
جردلي أسست كذلك حساباً على «تيك توك»، إلا أن البث عبر التطبيق، لم يرُق لها كثيراً. وعنه توضح أن «المحتوى الذي أقدمه موجهٌ بشكل أساسي للفئة العمرية الأكبر، لذلك لم أجد أن (تيك توك) هو المنصة الأنسب للمحتوى الذي أقدمه. إذ إن (تيك توك) يعتمد بشكل رئيس على الترفيه والموسيقى وغيرها من الوسائل البصرية الطريفة مثل (سناب شات)، التي تجعله مناسباً بصورة أكبر للمراهقين، ولذا ربما لا أواصل رفع المحتوى عليه».
وحسب جردلي، فإن «الإعلام الشعبوي الذي يجد طريقه بسهولة إلى المتلقين، استغل ظروف الحياة السريعة، التي تجعل فعل المشاهدة مقتصراً في غالبية دول العالم على أوقات الانتظار في المواصلات أو داخل عيادات الأطباء». وتضيف: «إلى جانب ذلك هناك سلبيات كثيرة تسبب فيها الإعلام التقليدي، زادت من أسهم الإعلام الشعبوي. إذ إن الإعلام التقليدي في لبنان، على سبيل المثال، يعاني من أزمات حادة، في حين تمنح قنوات الإعلام الشعبوي لأصحابها كثيراً من ردود الأفعال الصادقة، وأحياناً الصادمة؛ والبعيدة عن المجاملات».

«كوفيد ـ 19» خدم الإعلام التقليدي
في اتجاه آخر، تقول الدكتورة إنجي أبو العز، رئيس شعبة اللغة الإنجليزية بكلية الإعلام في جامعة بني سويف بمصر، إن «دراسات حديثة عربية ودولية أثبتت أن الأزمة الحالية التي خلقها فيروس (كوفيد - 19) أدت إلى عودة نسبية للجمهور، لمتابعة قنوات الإعلام التقليدية بشكل أكبر، وكان الدافع الأبرز هنا، هو الرغبة في التعرف على تطورات الأوضاع من المصادر الرسمية التي تمثلها وزارات الصحة عبر منابر الإعلام التقليدي، أو مشاهدة لقاءات الخبراء والعلماء وصناع القرار. وهي أمور لا يوفرها عادة الإعلام الشعبي الذي يعتمد أكثر على الآراء الشخصية». وتستطرد: «ربما ينبغي استثمار هذه العودة، من أجل بناء جسور فقدها الإعلام التقليدي خلال السنوات الأخيرة، بسبب ابتعاده عن بعض القضايا الحياتية التي تهم الجمهور».
أما «اليوتيوبر» التونسية سمر تقية (25 سنة)، التي فازت قناتها بجائزة أفضل قناة «يوتيوب» بتونس والشرق الأوسط عام 2017، واستضافها مقر «يوتيوب» في بريطانيا بعد فوزها بمسابقة «نيكست أب»، فتحدثت عن بداية عمل قناتها بقولها «بدأت عبر قناتي تقديم مواضيع تخص البرمجة. وفي البداية واجهت الكثير من الإحباط، بحجة أن البرمجة مجال يخص الذكور أكثر، ومع ذلك استطعت جذب اهتمام كثيرين في العالم العربي».
تقية حصلت على درع «يوتيوب» الفضي بعدما تجاوز عدد متابعيها 100 ألف متابع، وارتفع عدد متابعيها على منصات أخرى مثل «إنستغرام» و«تيك توك». وهي توضح شارحة: «عادة ما يتيح (يوتيوب) خاصية الربط بينه وباقي المنصات الإلكترونية الأخرى، لكي يتمكن متابع القناة من أن يتصل أيضاً بباقي المنصات وتفعيل الاشتراك بها». وهي تعتبر أن «الإعلام الشعبوي هو الأقرب إلى روح العصر، الذي لم يعد أحد فيه يفارق هاتفه، ويتيح لكل شخص أن يختار ما يتابعه من محتوى بحرية»، على حد تعبيرها.
ولعل هذه الانتقائية في المشاهدة والمتابعة التي تتحدث عنها سمر تقية، هي واحدة من المعايير التي ترى الدكتورة أبو العز أنها «تأتي ضمن أسباب تصدّر قنوات الإعلام الشعبوي لسوق المشاهدة في العالم العربي». أبو العز، التي تناولت رسالتها للدكتوراه موضوع «تأثير الإعلام الجديد على سلوك الجمهور»، تقول إن «النفوذ الكبير للإعلام الرقمي، ليس بالضرورة تهديداً لوسائل الإعلام التقليدية»، التي حسب تعبيرها استفادت من التقنيات التي توفرها وسائل الإعلام الرقمي من أجل تطوير نفسها، «فالقنوات الرسمية في الدول ترفع مقاطع من بثها على (يوتيوب) و(فيسبوك) و(إنستغرام) للوصول لجمهور تلك المواقع. وأيضاً ترفع معظم البرامج في القنوات التقليدية مقاطع منها لتحقق مشاهدات تفوق المشاهدات التي حققها هذه البرنامج عند بثها، وهذا ما يُمكن أن يطلق عليه خلق حالة من التزاوج بين الإعلام التقليدي وتكنولوجيات الإعلام الرقمي الأكثر شعبية».



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.