النفط يعيد رسم «خارطة التوازنات» في ليبيا

آلة الحرب تتعطل انتظاراً لتوافق فرقاء السياسة

سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر
سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر
TT

النفط يعيد رسم «خارطة التوازنات» في ليبيا

سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر
سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر

انفتح المشهد الليبي على زوايا جديدة للرؤية، لا تخلو من مناكفات سياسية وتصلب في المواقف، عقب اتفاق لإعادة إنتاج النفط. وبدت الصورة من خلال هذه الزوايا أكثر وضوحاً باتجاه تحرك قطار السياسة الوئيد، في ظل نشوء توازنات جديدة على الأرض قد تسرع من وتيرة الوصول إلى «محطة توافق» يأمل معها الليبيون إجراء انتخابات نيابية ورئاسية تطوي صفحة الماضي وتنهي نزف الدماء.
جانب من هذه التفاهمات بين الأفرقاء السياسيين جاء نتيجة لقاءات عدة احتضنتها عواصم عربية وأجنبية، من بينها موسكو التي انفتحت على سلطات العاصمة طرابلس أخيراً، ما ساعدها في لعب دور لافت، جاء على حساب الولايات المتحدة، والسعي لإحداث توازن في العلاقات بين ساسة شرق وغرب ليبيا.
بشكل مفاجئ، أعلن في ليبيا عن إعادة إنتاج وتصدير النفط، نتيجة اتفاق وصف بأنه مثير للجدل، بين المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، وأحمد معيتيق النائب الأول لرئيس «المجلس الرئاسي» فائز السراج. وأحدث الاتفاق ردات فعل من الفرح والارتباك والرفض معاً؛ بعدما توعدت الأذرع العسكرية للسراج بإسقاطه.
غير أن الأمر، وفقاً لمسؤولين بقطاع النفط في غرب البلاد، ليس ككل مرة تغلق فيها الموانئ ويعاد تشغيلها مجدداً. إذ إنهم يعولون راهناً على الإصرار الدولي المغاير لما سبق، خصوصاً بعدما تعهدت جهات وشخصيات، بينها الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل «بحشد كل الجهود لاستئناف إنتاج وتصدير النفط في ليبيا بشكل كامل».
ثم إنه رغم التحديات الكبيرة التي تعترض الاتفاق، الذي يرى مراقبون أنه سيأتي على المسار الذي ترعاه البعثة الأممية ويدمره، فإن هناك من يتوقع أنه سيتحول مع الوقت إلى واقع ينصاع إليه الجميع ويقبلون بشروطه. وهذا، لكونه السبيل الوحيد الذي يمكن الليبيين من طي صفحة الحرب، وتحقيق توافقات تنهي فترة انتقالية طالت 9 سنوات وأكثر.
الدكتور عبد المنعم اليسر، رئيس لجنة الأمن القومي في «المؤتمر الوطني العام» السابق رأى، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن الاتفاق «تحول مهم في القضية الليبية؛ لكنه، في ظل الموقف الأميركي الراهن والتخبط الدولي وضعف الاتحاد الأوروبي أمام أنقرة، قد لا يؤدي إلى اتفاقات دائمة تنهي الحرب، مع وجود القوات التركية و(المرتزقة) في ليبيا وسيطرة الميليشيات»، وأردف: «الحل لن يتحقق إلا بخطة متكاملة».

اجتماع سوتشي
ما يذكر أنه منذ إغلاق موالين لـ«الجيش الوطني» موانئ وحقول النفط، عشية انعقاد مؤتمر برلين الدولي حول النزاع الليبي، في 18 يناير (كانون الثاني) الماضي، بذلت جهود دولية عديدة لإعادة تشغيله، في مقدمتها محاولات أميركية مارسها سفيرها لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند. لكن كل الجهود تعثرت، باستثناء مفاوضات كانت تجريها روسيا منذ أشهر بين الطرفين المتنازعين، انتهت بالتوافق بين معيتيق، نائب السراج، ووفد من «الجيش الوطني»، على رأسه خالد نجل خليفة حفتر القائد العام. وفي اجتماع احتضنه منتجع سوتشي الروسي، أخيراً تحقق التوافق على إعادة إنتاج وتصدير النفط، وفق «شروط» عدة. وفور الإعلان عن الاتفاق، رحبت وزارة الخارجية الروسية به عبر موقعها الإلكتروني، واعتبرته «الخطوة الأولى نحو بناء الثقة بين الفصائل المتحاربة في ليبيا»، وبينما التزمت واشنطن الصمت حتى الآن، أيدته دول، منها فرنسا.
نص الاتفاق على تشكيل لجنة فنية مشتركة من الأطراف تشرف على إيرادات النفط وضمان التوزيع العادل للموارد. وتتولى التحكم في تنفيذ بنود الاتفاق خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، على أن يقيم عملها نهاية العام الحالي، وتحدد خطة عمل للعام المقبل.
في المقابل، لم يتطرق الاتفاق إلى مدينة سرت، التي من المفترض أن تكون «منزوعة السلاح» وحاضنة للسلطات التنفيذية الجديدة، وفق مقترح دعمته وتحمست له واشنطن، ورفضه «الجيش الوطني».

«الإخوان» و«المركزي»
من ناحية أخرى، ينظر لاتفاق النفط على أنه جولة من جولات الصراع بين أميركا وروسيا في ليبيا، باتجاه رسم «خارطة توازنات جديدة». وهي خارطة لا تعتد بـ«الوجوه المتكلسة»، وستدعو أخرى نشطة وفاعلة وقادرة على تجميع الشارع. ووفق مصدر عسكري تابع لـ«الجيش الوطني» تحدث لـ«الشرق الأوسط» فإنه من هذا المنطلق استدعي معيتيق، ابن مدينة مصراتة المناوئ لتنظيم «الإخوان» والتيارات الإسلامية الراديكالية هناك، ليلعب هذا الدور، تأسيساً على علاقته بموسكو التي قام بعدة زيارات لها أثمرت هذا الاتفاق.
وأضاف المصدر العسكري أن القيادة العامة «ستتعامل من الآن فصاعداً مع العقول المتفتحة بغرب البلاد بعيداً عن الوجوه المتكلسة، ولن تهتم بمن يريدون تعطيل الحياة في ليبيا، سعياً لإحداث توازن على الأرض... فليس كل ليبي سارق مال عام، أو جالب مرتزقة».
وبالنظر إلى رد فعل السراج، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، نجد أنهما أخذا في التعاطي مع المتغير الجديد، حتى وإن كان بحذر؛ فالأخير المحسوب على تنظيم «الإخوان»، الذي كان قد سارع إلى وصف الاتفاق بأنه «مخالف للمبادئ الحاكمة بالاتفاق السياسي والقوانين المعمول بها»، بدأ يستعد للمرحلة المقبلة بالحديث عن توزيع المناصب في قادم الأيام. إلا أن حديثه عن تفاصيل جديدة تتعلق بكيفية اختيار محافظ المصرف المركزي أثار ردود فعل غاضبة لدى جميع الأطراف، تسببت في تأجيل التحاقه باجتماعات بوزنيقة بالمغرب، التي تضم بجانب وفد مجلسه ممثلين عن البرلمان، والذي كان من المقرر أن يلتحق بها أيضاً عقيلة صالح.
وكشف المشري، عبر لقاء تلفزيوني، فيما وصف بزلة لسان، عن تفاهمات تتعلق بالمصرف المركزي، وقال إنه تم الاتفاق أن يختار مجلس النواب، وفق معايير محددة، المحافظ وثلاثة أعضاء من مجلس إدارة المصرف المركزي، بينما يسمي مجلسه نائب المحافظ وأربعة من أعضاء مجلس الإدارة. وهي الخطوة التي وصفها البعض «محاولة إخوانية لمزيد من السيطرة على المصرف» ومقره طرابلس.
الشيء ذاته فعله السراج، الذي صمت طويلاً من دون أن يعلق على اتفاق إعادة ضخ النفط، الذي ترفضه قواته، إذ دعا في كلمته أمام الدورة 75 للجمعية العامة للأمم المتحدة، للانتقال سريعاً إلى مرحلة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية لأنها «ستنهي أزمة الشرعيات» التي تعانيها ليبيا.
وسبق للمسماري أن حث السراج على توضيح موقفه من الاتفاق، وقال إنه «على مفترق طرق»، وأمام أحد خيارين: إما الوقوف مع وزير داخليته فتحي باشاغا الداعم للميليشيات المسلحة، أو نائبه أحمد معيتيق. وهذا ما عده مراقبون خطوة لإعادة التوازن على الأرض، باتجاه التعاطي مع شخصيات تنتمي إلى مصراتة، التي ظلت توصف بكونها «القوة الضاربة» لقوات السراج.

تحالفات وتصدعات
هنا بدت الصورة أكثر وضوحاً باتجاه المتغير الجديد، وهو ما علق عليه الكاتب والسياسي الليبي سليمان البيوضي، بالقول إن الاتفاق المفاجئ «مثل نقطة تحول جوهرية في الحالة الليبية، ورسم خطوط التحالفات والتصدعات داخلياً ودولياً». وتابع «لقد أحدث محلياً هزة عنيفة في لعبة صراع المواقع، وهو ما دفع بعض الأطراف السياسية للوقوف في وجهه بقوة، مخافة حدوث اتفاقات قادمة قد تؤدي إلى استبعادهم من الساحة، أو إفقاد البعض منهم منصبه في الحكومة الجديدة المرتقبة».
وأضاف البيوضي (وهو أيضاً من مصراتة) لـ«الشرق الأوسط» أن الاتفاق «دليل تقارب حقيقي بين أطراف بغرب ليبيا، وتحديداً من مصراتة، مع (الجيش الوطني) بشرق البلاد، وهذا ما يمكن تفسيره بأنه يمثل استدارة في المواقف وتحولاً نحو خلق اصطفاف جديد وتحالف يرجح أنه سيكون متماسكاً في قادم الأيام، إذا ما تمكنت الأطراف المعنية بتقديم التنازلات، من أجل تجاوز هذه الأزمة الخانقة».
واستطرد البيوضي «المواقف الدولية بدت أكثر ارتباكاً حيال مفاجأة اتفاق النفط؛ فبعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا لم تعلق عليه، ربما لأنه دشن في عواصم أخرى، ولم تكن طرفاً فيه، أو لأنه قد أربك حساباتها في جنيف، وهو اللقاء الذي يعتقد كثيرون أنه عملية مرتبة لتمرير أشخاص بعينهم لقيادة حكومة الوحدة الوطنية». وأردف «يبدو أنه مثل لها إحراجاً مباشراً. إذ بينما تتحدث البعثة عن الفاعلين الرئيسيين في ليبيا وقدرتهم على خلق مسار سياسي تفاوضي، ظهرت الأطراف الفاعلة في مكان آخر وباتفاق كبير».
وللعلم، يقضي المقترح بوقف إطلاق النار وجميع العمليات القتالية في كل الأراضي الليبية، على أن تكون منطقتا سرت والجفرة منزوعتي السلاح، مع استئناف إنتاج النفط وتصديره، تحت إشراف المؤسسة الوطنية للنفط. يضاف إلى ذلك، إكمال الخطوة الإيجابية لبناء الثقة بمراجعة حسابات مصرف ليبيا المركزي في كل من طرابلس والبيضاء، والتأكيد على الالتزام بمخرجات «مؤتمر برلين» التي حددت مسارات ثلاثة لحل الأزمة الليبية (أمنية واقتصادية وسياسية) تفضي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة.

التفاعل الدولي
وبموازاة تحرك قطار السياسة الذي يسير بخطى وئيدة، جاءت المواقف الإقليمية الدولية، التي بدت ضامنة للاتفاق متفائلة. ذلك أن مصر استضافت في مدينة الغردقة وفدين لضباط من الجيش والشرطة يمثلان كلاً من «حكومة الوفاق» و«الجيش الوطني» ونوقش خلال المداولات عدد من القضايا الأمنية والعسكرية الملحة، منها تدابير بناء الثقة والترتيبات الأمنية، التي ستحدد في المرحلة المقبلة على ضوء اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5). كما أن أميركا أبدت تفاؤلا عبر عنه وزير خارجيتها مايك بومبيو، خلال مؤتمر صحافي عقده مع نظيره الإيطالي لويجي دي مايو، بمقر وزارة الخارجية الإيطالية قصر فارنيزينا في روما، وقال إن الأوضاع في ليبيا «شهدت تحسناً على الأرض في الأسبوع الماضي»، بسبب ما أسماه «عودة الأطراف الليبية للحديث مع بعضها». أما دي مايو فرأى أن «الجهود المشتركة مع الحلفاء خلال الأسابيع الأخيرة حول الأزمة الليبية أصبحت تؤتي ثمارها». بل ذهب أبعد من ذلك، ليقول أزمة ليبيا تعد «قضية أمن قومي بالنسبة لإيطاليا».
ولكن رغم كل هذا التوافق الدولي لم تفلح فرنسا، حتى هذه اللحظة، في إنجاز خطتها الرامية إلى عقد لقاء يجمع حفتر والسراج، لما يراه بعض المتابعين رفض رئيس المجلس الرئاسي الجلوس مع قائد «الجيش الوطني» على طاولة المفاوضات مجدداً.

جنيف أو غيرها
في هذه الأثناء، بعيداً عما يعده البعض انتصاراً لـ«جبهة حفتر» التي أنجزت اتفاق إعادة النفط، في مواجهة جهود صالح الذي يهدف إلى استكمال المسارات التفاوضية مع «المجلس الأعلى للدولة» بقيادة المشري، ينتظر الليبيون أن تثمر لقاءات جنيف، أو غيرها من المدن، نتائج حقيقية ملموسة. إذ تبدل صناديق الذخيرة بصناديق الاقتراع، استغلالاً للهدنة السارية الآن - التي تعطلت على أثرها آلة الحرب في سرت والجفرة.
وهنا يقول سليمان البيوضي، إنه حتى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، الموعد المبدئي للقاء جنيف - الذي قد لا ينعقد في هذا الموعد - «سيضع الليبيون جميعاً أيديهم على قلوبهم؛ فربما يسعى البعض للدفع نحو الصدام، بيد أن حقيقة واحدة ستبقى؛ أن التحالفات المبدئية ستزداد رسوخاً».
وأمام جملة المشاكل والأزمات التي تعتصر الليبيين القلقين من ارتباط مصيرهم بالتوافقات والتوازنات الدولية، يرى عبد المنعم اليسر (المقيم في أميركا منذ عام 2014) أن الحل في ليبيا يتمثل في «خطة متكاملة» تشمل احترام سيادة البلاد واستقلالها، ومغادرة جميع القوات الأجنبية والمرتزقة الأراضي الليبية فوراً، ونزع سلاح وتفكيك وإعادة الإدماج لجميع الميليشيات المسلحة على أساس المعايير العسكرية الدولية، والإفراج عن جميع السجناء السياسيين وأسرى الحرب وكل الذين اختفوا قسراً، وضمان أن تشمل التحقيقات في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية كل الجرائم التي ارتكبت منذ 15 فبراير (شباط) عام 2011.
وانتهى اليسر إلى أن «المصالحة الوطنية أساس أي اتفاق سياسي، وعلى البعثة أن تضطلع ببرنامج مصالحة رئيسي مماثل أو مطور لتجارب جنوب أفريقيا أو رواندا أو غيرها من الحالات الناجحة لإنهاء النزاعات»، داعياً رؤساء الدول العربية إلى «اتخاذ موقف موحد وحازم لحل الأزمة الليبية».
أخيراً، سبق للبعثة الأممية الإعلان عن أنها بصدد إطلاق الترتيبات اللازمة لاستئناف مؤتمر الحوار السياسي الليبي الشامل، وسيكشف عن التفاصيل في الفترة المقبلة. كذلك دعت البعثة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته لدعم هذه العملية والاحترام المطلق للحق السيادي للشعب الليبي في تقرير مستقبله.

النفط... «قوت» الليبيين وسر شقائهم
> منذ إسقاط نظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، لم ينج النفط الليبي، الذي يوصف بأنه «قوت الشعب»، من «المساومات». وظلت الموانئ والآبار لسنوات طويلة في مرمى الاستهداف؛ إما لمطالب فئوية، أو لمناكفات سياسية بين الأطراف المتنازعة، أو الرغبة في السيطرة عليها من الجماعات الإرهابية، مثل تنظيم «داعش»، لبعض الوقت.
وخلال السنوات التسع الماضية أصبح النفط كالكلأ المباح أمام «مافيا» التهريب، وسماسرة الوقود الذين أوصلوه في شاحناتهم الخاصة إلى حدود تونس، وأسواق أوروبا. إذ كانت البلاد تنتج قبل إغلاق الموانئ 1.2 مليون برميل يومياً، أي ما يزيد على 1 في المائة من الإنتاج العالمي، قبل أن تتدنى إنتاجيتها إلى أقل من 70 ألف برميل فقط يومياً وقت الحصار.
وسبق للصديق الصور، رئيس قسم التحقيقات في مكتب النائب العام، أن أمر، في الثامن من فبراير (شباط) عام 2019، بضبط 103 أشخاص متورطين بتهريب الوقود إلى الخارج. وقال الصور، حينذاك، إن أوامر التوقيف جاءت في إطار التحقيقات الجارية بوقائع الإضرار بالمال والمصلحة العامة بسبب تهريب الوقود والتصرف فيه بطرق غير مشروعة من قبل أصحاب بعض محطات الوقود التابعة لشركات التوزيع والمتورطين معهم، وبيعه بسعر غير قانوني واكتساب أموال بطرق غير مشروعة.
إغراءات النفط الليبي لم تتوقف عند الأشخاص، بل وصلت إلى الدول أيضاً. وهذا ما دفع أنقرة لاستغلال الأوضاع في طرابلس، وتوقيع اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع المجلس الرئاسي، تعتزم بمقتضاها التنقيب قريباً عن الغاز في شرق البحر المتوسط، في خطوة أثارت كثيراً من الجدل. وكان مسؤول تركي رفيع قد قال في العاشر من سبتمبر (أيلول) إن بلاده تبحث مع السلطات الليبية بدء عمليات تنقيب عن النفط والغاز في ليبيا. ومعلوم أن أنقرة داعمة لـ«حكومة الوفاق الوطني»، ومقرها طرابلس. وعلى الأثر، طالب ساسة ليبيون بالتحرك السريع في وجه المساعي التركية، مشيرين إلى أن «حكومة الوفاق»، حسب رأيهم، «لا تمثل الشعب الليبي، ولا يحق لها التوقيع أو التفريط في ثروات البلاد».
وفي السابع من أغسطس (آب) الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على ثلاثة ليبيين: فيصل الوادي، ومصباح محمد وادي، ونور الدين مصباح، وشركة «الوفاق»، ومقرها في مالطة، وسفينة «المرايا»، بتهمة تكوين شبكة تهريب تساهم في الاضطراب داخل ليبيا.
هذا، وتوجه عائدات النفط، وفقاً للمصرف المركزي بطرابلس، للإنفاق على قطاعات كثيرة بالدولة، كما تسدد منها أجور الموظفين في الدولة. وتمثل، وفق بيانات ديوان المحاسبة، 93 إلى 95 في المائة من إجمالي الإيرادات، وتغطي 70 في المائة من إجمالي الإنفاق. ولكن في ظل الانقسام السياسي الحاد الذي عمقته الحروب والاشتباكات، تردت الأوضاع المعيشية للمواطنين بشكل كبير، ما دفع المئات منهم إلى التظاهر والاحتجاج.
ويرى مراقبون أن أزمة ليبيا الحقيقية تتركز على امتلاكها ثروة نفطية مهمة يريد أفرقاء الداخل السيطرة عليها والتحكم في عائداتها، في حين يسعى وسطاء الخارج إلى الاستحواذ عليها والاستفادة منها بشكل أو بآخر، منذ اكتشافها عام 1958.
ووفق التقديرات الجدية، تمتلك ليبيا احتياطات ضخمة من الغاز تبلغ 55 تريليون قدم مكعب، كما تقدر احتياطيات النفط المؤكد بنهاية 2018 بنحو 48.36 مليار برميل. وكان حقل الشرارة، بجنوب البلاد، ينتج نحو 334 ألف برميل يومياً، قبل إغلاق الموانئ. وتضم منطقة «الهلال النفطي» ما يقارب 70 في المائة من إنتاج ليبيا. وهي تمتد (من الشرق إلى الغرب)؛ من ميناء الزويتينة إلى ميناء البريقة ورأس لانوف ومنها إلى السدرة، وتقع جميعها تحت سيطرة «الجيش الوطني الليبي» بالقرب من مدينتي سرت والجفرة.
ورفع جزئياً حصار كان مفروضاً على منشآت النفط الليبية، مما سمح بإعادة فتح بعض الموانئ والحقول تدريجياً، لكن التعافي الكامل للإنتاج يواجه عقبات وضبابية. وكانت مؤسسة النفط ذكرت عقب اتفاق معيتيق وحفتر، أنها لن تستأنف العمل إلا في الموانئ والحقول التي تخلو من أي وجود عسكري.
وقال رئيس شركة الخليج العربي للنفط منتصف الأسبوع، إن حقل السرير النفطي الليبي قد استأنف الإنتاج، كما أشارت شركة الخليج العربي للنفط الليبية الأربعاء الماضي، إلى أنه بتحميل الناقلة «كيب غينيا» 21 ألف طن من (النفتا) ستكون مصفاة طبرق قادرة على العمل بطاقتها البالغة 20 ألف برميل يوميا.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».