ارتفاع معدلات الانتحار في «مناطق النفوذ» الثلاث في سوريا

دمشق تؤكد حالات شنق... وامرأة في إدلب تستعمل السم... وفتاة قتلت نفسها بالمسدس شرق الفرات

حملة توعية ضد استعمال العنف والانتحار في شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
حملة توعية ضد استعمال العنف والانتحار في شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
TT

ارتفاع معدلات الانتحار في «مناطق النفوذ» الثلاث في سوريا

حملة توعية ضد استعمال العنف والانتحار في شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
حملة توعية ضد استعمال العنف والانتحار في شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

بين الأمور القليلة التي تجمع السوريين في «مناطق النفوذ» الثلاث حالياً هو ارتفاع معدلات الانتحار والجريمة لأسباب كثيرة بينها الأزمة الاقتصادية وسوء الأوضاع المعيشية.
ومع ازدياد حالات الانتحار في مناطق سيطرة الحكومة السورية، هزت مدينة طرطوس الأحد الماضي، رواية عن إقدام مدرس على قتل بناته الثلاث ومن ثم قتل نفسه، بعد تلقيه تهديدات من أشخاص كانوا متطوعين في «الفيلق الخامس» الروسي، وذلك حسب منشور كتب عن حسابه الشخصي في موقع «فيسبوك»، وسط تشكيك كبير بصحة الرواية والاعتقاد بأن الأب ضحية جريمة قتل بشعة طالت جميع أفراد العائلة.

- تهديدات
وتناولت صحيفة «حبر» السورية الإلكترونية، والكثير من الصفحات على موقع «فيسبوك» الحادثة وصور الأب والفتيات الثلاث، وعرضت منشوراً للأب الذي يعمل مدرس رياضيات، نشر على حسابه في «فيسبوك»، ويتحدث فيه عن سبب قتله لنفسه ولبناته الثلاث، قبل أن يتم حذف المنشور فيما بعد.
وجاء في المنشور: «الأصدقاء الكرام... عندما تقرأون أكون قد انتحرت وقتلت بناتي، بسبب تهديدات المدعو (أ ع) الذي يقطن طرطوس، والذي سأرفق صورة صفحته وبعضاً من صوره من صفحته على (فيسبوك) وتهديداته نتيجة لعمل طلبه ولم أتمكّن من إنجازه في الوقت المحدد في 27 الشهر، أي اليوم، وخلافنا كان على ثلاث ساعات تأخير، أي للساعة التاسعة ليلاً بأقصى حد، ولأسباب قاهرة يعرفها وشرحتها له تفصيلياً ولم يحاول تقبلها أو تفهمها، بسبب جماعته التي تضغط عليه حسب قوله».
ويذكر المنشور أن «تهديدات (أ) كانت بخصوص قتلي وقتل بناتي وحرقنا كما هو مُوضَّح في تسجيل صوتي له في التاب الخاص بي، وهو تسجيل اليوم، وهو ومن وراءه قادرون على ذلك».
ويشير المنشور إلى أسماء أخرى منهم أخوه «متورطين بسرقة أسلحة وذخيرة وبيعها قبل نحو 3 سنوات عندما كنا متطوعين في الفيلق الخامس منذ 3 أعوام».
ويشكك عدد كبير ممن قرأوا المنشور، بأن يكون هو من كتبه، ويرجحون بأن ما حصل هو جريمة مروعة طالت جميع أفراد العائلة بمن فيهم غدير، وأن القتلة هم من قاموا بكتابة المنشور بعد ارتكاب الجريمة لإبعاد الشبهات عنهم، وأن الحقيقة عند زوجته المصابة التي ما زالت على قيد الحياة.
ووفق تقارير صحفية، فإن مصادر مطلعة على ملابسات الجريمة، أكدت أن الأب قتل بأربع رصاصات واحدة منها في ظهره، وهو ما يجعل فرضية انتحاره بعد قتل أسرته غير صحيحة على الأرجح، إذ كيف يمكن أن يقوم بإطلاق أربع رصاصات على نفسه!
وفي الوقت نفسه، يرى العديد من المواطنين أن هناك أسباباً كثيرة تدفع البعض للانتحار وتتمثل في الفقر والبطالة والتفكك العائلي والاجتماعي والتنمر، والعنف والأسباب العاطفية، والفشل بالدراسة، إضافة إلى الفلتان الأمني وممارسة ذوي النفوذ من قادة وعناصر الميليشيات ضغوطاً كبيرة على المواطنين.
وتقول سيدة في العقد الرابع من العمر لـ«الشرق الأوسط»، إن «أغلب مسؤولي الأسر باتوا غير قادرين على تأمين قوت أبنائهم ولا متطلبات متابعة دراستهم، ولا الدفاع عن بناتهم في الشوارع عند تعرضهن للتحرش من قبل مسلحين أو بلطجية، والشباب معظمه عاطل عن العمل»، وتضيف: «في ظل هذه الظروف بات الموت بالنسبة للكثيرين أفضل من الحياة».
وكشف رئيس الطبابة الشرعية في الحكومة السورية زاهر حجو في تصريحات أدلى بها مؤخراً عن ارتفاع نسبة حالات الانتحار في سوريا مؤخراً، بحسب إحصائية أجريت في بداية سبتمبر (أيلول) الجاري، وقال إنه تم تسجيل 116 حالة منذ بداية عام 2020. وبيّن أن الشنق كان هو الأكثر اتباعاً (48 حالة)، يليه الطلق الناري (27 حالة)، ورمي النفس من الأماكن العالية (18 حالة)، والتسمم (16 حالة).
وشملت الإحصائية جميع المحافظات السورية باستثناء محافظات «إدلب والرقة ودير الزور» الخارجة عن سيطرة الحكومة، وتوزعت: حلب 23 حالة، وريف دمشق 18، ودمشق وحمص 14 حالة في كل منهما، وحماة 10، والسويداء 9، ودرعا 2، والقنيطرة حالة انتحار واحدة، في حين شهدت اللاذقية زيادة ملحوظة في حالات الانتحار مؤخراً حيث بلغت 18 حالة.
وسبق أن أعلنت الهيئة العامة للطب الشرعي التابعة للحكومة السورية، أن عدد حالات الانتحار خلال العام الماضي بلغت 124حالة؛ 76 ذكور، و48 إناث.
- أسباب نفسية
وتشهد مناطق الشمال السوري، إدلب ومناطق عفرين، في الآونة الأخيرة، حالات انتحار بين المواطنين، لأسباب نفسية وصحية، وتردي الأوضاع المعيشية لدى غالبية المواطنين وتحديداً النازحين. ويقول الناشط الحقوقي سعيد الحسين لـ«الشرق الأوسط»، إن «غياب القانون الذي يحد من العنف في أوساط المجتمع الذي يعقبه غالباً حالات قتل وانتحار، فضلاً عن تردي الأوضاع المعيشية لدى المواطنين والنازحين، تعد عوامل رئيسية تدفع بالأشخاص إلى الانتحار».
ويضيف أنه تم توثيق أكثر من 8 حالات انتحار لمواطنين بينهم نساء خلال أقل من 6 أشهر، مع عودة هذه الظاهرة إلى الواجهة خلال الآونة الأخيرة، حيث قبل أسبوعين أقدمت سيدة عمرها 33 عاماً، نازحة من منطقة سجنة جنوب إدلب، في منطقة أطمة شمال سوريا، على الانتحار نتيجة العنف الممارس عليها من قبل زوجها، بعد تناولها حبوب سامة أدت إلى الانتحار، بالرغم من أن لديها 3 أطفال.
«س. ع» أرملة تعيل 4 أطفال وتقيم في مخيمات دير حسان التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة، تقول: «فكرت بالانتحار عدة مرات، وفي كل مرة تراودها وتقرر فيها الانتحار كانت هناك أسباب قاهرة تدفعها لذلك»، لافتة إلى أن أول مرة فكرت وحاولت فيها الانتحار قبل نحو 3 أشهر عندما تعرض ابنها ذو الـ5 سنوات للحرق بـ«البابور الكاز» أثناء طهي الطعام في الخيمة التي تؤويها وأطفالها وتعرضه لحروق شديدة، لتغلق أبواب المساعدة بوجهها وعدم تمكنها من معالجة ابنها فقررت الانتحار على ألا ترى ابنها يتألم نتيجة الحروق.
وفي المرات اللاحقة كانت نتيجة عدم توفر الطعام لأيام أو أي شيء يسد رمق الأطفال، الأمر الذي دفعها للتفكير بالانتحار، لكن انحسار تفكيرها لحظة الانتحار عن تدبير أطفالها أنفسهم بعد موتها يدفعها إلى التراجع عن ذلك، لتقرر في النهاية أن تعمل منظفة في أحد مشاغل الخياطة النسائية لتحصل على ما يمكنها من العيش وأطفالها وتتخلص من فكرة الانتحار.
من جهته، يقول الناشط أيمن بكور إن 6 أشخاص حاولوا خلال الآونة الأخيرة الانتحار عبر رمي أنفسهم من أبنية عالية في محافظة إدلب، إلا أن حالة واحدة فقط أدت إلى الوفاة، وبعد تدخل الجهات الأمنية والكوادر الطبية ونقل تلك الحالات إلى المشافي تبين أن لديهم أمراضاً نفسية مع إخضاعهم للعلاج والتخلص من ميول الانتحار الذي يراودهم بشكل متكرر. ويضيف أنه يتوجب على المنظمات الإنسانية والصحية إطلاق حملات توعوية تمكن المواطنيين من التغلب على صعوبات الحياة، تحديداً النازحين منهم لحمايتهم من الانتحار، وشدد على أنه بالوقت ذاته على المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية رفع مستوى نشاطها لدعم للمواطنين وسد حاجتهم حتى لا يكون الفقر عنصراً أساسياً في إصابتهم بأمراض نفسية وصحية تدفع في النهاية إلى الانتحار.
- حملات توعية
في شرق الفرات، ذكرت منظمة «سارا لمناهضة العنف ضد المرأة» العاملة في مناطق «الإدارة الذاتية»، في تقرير صُدر بمناسبة (اليوم العالمي للانتحار)، أن 16 حالة انتحار وثقتها خلال العام الجاري حتى بداية سبتمبر (أيلول)، وتراوحت الفئات العمرية للمنتحرات بين 18 سنة و35 سنة.
وقالت الإدارية نجاح آمين إنهم وثقوا حتى بداية الشهر الحالي 16 حالة انتحار في مناطق الإدارية الذاتية. وتعزو الأسباب إلى الحرب الدائرة منذ 9 سنوات ونيف التي خلقت أزمات حقيقية على كل الأصعدة، «ما أفرزته بتعميق الشعور بالإحباط واليأس لدى كثير من الأفراد نساءً ورجالاً، نتجت عنها حالات القتل والانتحار، ولا تزال المرأة صاحبة النصيب الأكبر من هذه الضغوطات بالأسرة والمجتمع».
وتعمل منظمة «سارا» النسوية منذ شهر يوليو (تموز) 2013، وتجمع الإحصاءات والبيانات الخاصة بالانتهاكات والخروقات التي تطال الفتيات والنساء وحقوقهنّ؛ من هيئات المرأة وديوان المحاكم المحلية ونشرات الضابطة الشرطية، بحسب آمين.
وبمناسبة اليوم العاملي للانتحار الذي صادف يوم 9 من الشهر الحالي، أصدرت تقريراً مفصلاً عن حالات الانتهاك التي طالت الفتيات والنساء على مستوى شرق الفرات، وذكرت آمين أن التقرير شمل بيانات الانتهاكات الواقعة خلال العام الجاري: «تعرضت 5 نساء للتهديد بالقتل، وتقدّمت 288 سيدة بدعاوى أمام المحاكم المختصة بدعاوى العنف الأسري، وسجلنا 11 حالة تعرضن للتحرّش الجنسي، وتمّ توثيق 46 حالة زواج قاصر كما تعرّضت 3 فتيات للاغتصاب»، إضافة إلى 23 سيدة تعرضت للقتل، و27 حالة دعارة و124 واقعة لتعدد الزوجات، و27 حالة خطف، و4 حالات خيانة زوجية، بحسب التقرير نفسه.
ومن بين الحالات التي رصدتها المنظمة، أقدمت سيدة متزوجة نهاية شهر مارس (آذار) الماضي، على الانتحار عبر مسدس بعدما أطلقت النار على نفسها بمنزل والدها، حيث كانت تبلغ من العمر 22 سنة ولديها طفلة عمرها سنة، وأخبرت آمين: «من خلال متابعتنا تبين أن سبب الانتحار خلاف عائلي نشب بينها وبين زوجها، مع العلم أن خلافاتهما كانت مستمرة، والتمسك بالعادات والتقاليد حالت دون طلب الطلاق واللجوء للمحاكم المحلية».
ودعت المسؤولة الكردية جميع المنظمات المدنية والنسوية والمؤسسات والهيئات الحكومية، إلى الوقوف عند هذه الحالات وتزايد عددها في مناطق الإدارة، للعمل على الحد منها حفاظاً على تماسك المجتمع، ولفتت آمين إلى أن «منظمتنا بالتعاون مع جهات شريكة عقدنا ندوات حوارية، وقمنا بحملات توعوية وتوزيع مناشير والتنسيق مع المراكز النفسية لمعالجة الحالات المرضية، للحد من حالات الانتحار والقتل التي باتت تهدد المجتمعات».



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.