أول رئيس لمهرجان برلين السينمائي كان مسؤولاً في جهاز نازي

أول رئيس لمهرجان برلين السينمائي كان مسؤولاً في جهاز نازي

ألفرد باير أخفى بعض ماضيه
الجمعة - 15 صفر 1442 هـ - 02 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [ 15284]

قبل أيام قليلة من بدء الدورة الأخيرة لمهرجان برلين السينمائي الدولي، التي أقيمت في النصف الثاني من شهر فبراير (شباط) هذه السنة، نشرت مجلة «در شبيغل» الأسبوعية تحقيقاً حول تاريخ أول مدير للمهرجان الألماني الكبير ألفرد باير.

أورد المقال غايته سريعاً، إذ بدأ بالكشف عن أن باير كان على صلة إدارية وثيقة فيما يعرف بـ«مكتب الرايخ للفيلم» خلال الفترة النازية. هذا المركز السينمائي كان نتيجة قرار تأسيس صدر عن وزير «الإرشاد والبروباغاندا العامّة» جوزف غوبلز بتاريخ 28 فبراير 1942. دور ألفرد باير كان استشارياً لكنه كان دوراً إدارياً نافذاً، إذ أسندت إليه مهمة إنجاز أهداف المركز وفي مقدّمتها إدارة الإنتاجات السينمائية الألمانية، والتأكد من التزامها بمعايير وشروط العمل، من حيث التوجه السياسي للسياسة الألمانية التي كانت تخوض الحرب على جبهات أوروبا الشرقية والغربية المختلفة.

- تحالف جديد

فاجأ التحقيق المهرجان الألماني تحت إدارته الجديدة. فنسخة هذه السنة كانت الأولى بالنسبة لمديرين جديدين هما هارييت ريزنبيك وكارلو شاتريان، وذلك بعد 20 سنة من تسلم مديره السابق دييتر كوزليك المهام من مديره (السويسري) الأسبق موريتز دي هايدن.

لم تكن هناك فرصة زمنية كافية للإقدام على أي خطوة حقيقية للبحث في تاريخ ألفرد باير الذي اعتاد المهرجان منح إحدى جوائزه الكبرى باسمه من عام 1987. الخطوة الوحيدة هي الإسراع بشطب هذه الجائزة ثم فتح تحقيق خاص استعانت لأجله بمركز بحوث قائم في مدينة لايبزغ للتحقيق فيما ورد في مقال «در شبيغل» وتحديد الدور الذي لعبه باير تحت معطف النازية وحجمه.

القضية لم تكن مجرد حذف اسم باير عن الجائزة، بل كانت أبعد من ذلك، باير كان أول مدير لمهرجان برلين وذلك منذ إنشائه سنة 1951 وحتى اعتزاله سنة 1976. وكان انتخابه لإدارة المهرجان الألماني تم بترشيح ضابط أميركي كان مسؤولاً عن النشاط السينمائي في ألمانيا سنة 1950 اسمه أوسكار مارتاي. في التاسع من شهر أكتوبر (تشرين الأول)، من ذلك العام قرر لقاء حضره بريطانيون وأميركيون وألمان تعيين باير لمهمّة إدارة هذا المهرجان.

كانت ألمانيا خسرت الحرب وتولى إدارتها معسكران، واحد شرقي (متمثل بالاتحاد السوفياتي) والآخر غربي (مؤلف من قوى التحالف الدولي). ولا يبدو أن تاريخ علاقة باير بالرايخ كانت واضحة للأطراف التي اجتمعت في ذلك التاريخ أو أن باير بدا، وكان على صلة عمل وثيقة مع الحلفاء خصوصاً، كما تشير الوثائق، مع مكتب بريطاني للشؤون السينمائية) بحيث غطّت هذه الصلة على تاريخه السابق.

وتذكر وثيقة التحقيق الذي قام به مؤخراً «معهد لايبزغ للتاريخ المعاصر» أن باير استطاع ردم ماضيه والتبلور من جديد كما لو أن عمله لم يكن على علاقة وثيقة بالرايخ، بل كان مجرد موظف تمّت الاستعانة به كمستشار. أكثر من ذلك، تشير الوثيقة إلى أن باير كان يتمتع بصفة حزبية من عام 1933 وإنه حاول إخفاء ما تسنّى من حقائق لكي يبدو كما لو كان معارضاً للسياسة النازية في تلك الفترة.

- ارتقاء

بعد سنوات من نهاية رئاسة باير للمهرجان سنة تم القرار بإنشاء جائزة باسمه تُمنح كإحدى جوائز المهرجان الرسمية (الدب الذهبي والفضي والبرونزي) وذلك من عام 1987 كما تقدّم.

الفيلم الأول الذي نال جائزة باير كان فرنسياً بعنوان «دم سيء» (Mauvais Sang) من إخراج ليوس كاراكس وبطولة ميشيل بيكولي وجولييت بينوش. وفي العام التالي تم منحها لفيلم أرجنتيني - بريطاني بعنوان «الدين» (حمل كذلك عنواناً آخر للتسويق عالمياً هو «فيرونيكو كروز»).

استمر هذا النحو من التقاليد حتى هذا العام حين توقف العمل عليه تبعاً للمعطيات المُكتشفة، وكان آخر فيلم حظي بهذه الجائزة فيلم «محطم النظام» (System Crasher) للهولندية نورا فينغشيد وهيلينا زنغل سنة 2019. في هذه الآونة، ومنذ سنة 2013. كان تم رفع قيمة الجائزة معنوياً ومادياً فأصبحت تعرف بجائزة «الدب الفضي - ألفرد باير».

يُثير كل ذلك الحديث حول العلاقة بين السُلطة والسينما التي قامت وما تزال ليس في ألمانيا وحدها بل حول العالم.

في مصر كما في الولايات المتحدة وفي الاتحاد السوفياتي وجمهورياته ودول أوروبا الشرقية عموماً كما في دول لاتينية وأفريقية وعربية مختلفة.

في هذه النماذج المذكورة تم تسيير السينما وآلياتها بما يخدم نظام الدولة في أكثر من مرحلة. إذا أخذنا السينما الأميركية كمثال فإن الفترة المكارثية التي امتدت من أواخر الأربعينات إلى أواخر الخمسينات شهدت توجيه الإنتاج لخدمة الجهود السياسة للولايات المتحدة.

حينها تم التحقيق مع سينمائيين اتهموا بانتمائهم للحزب الشيوعي أو كانوا ذوي ميول يسارية. في الوقت ذاته ارتفعت نسبة الأفلام التي كانت تهاجم أعداء الولايات المتحدة الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية (ألمانيا واليابان أكثر من سواهما) وحلفاء الأمس (الاتحاد السوفياتي).

في الدول ذات النظام الشيوعي كان من السهل توفير الدعم لأفلام تبرز المهام الوطنية الشجاعة للجيوش الشرقية ودور المواطنين السياسي والعسكري في التصدي للنازية. أما الأفلام التي ارتأت غير ذلك، أو طرحت التساؤل حول أمور قد تراها السلطات المعنية وأجهزة الرقابة مخالفة للمطلوب، فكان يتم حجزها أو سحبها من العروض و- في حالات - سجن أصحابها (سيرغي باراجانوف كمثال).

وفي إيران لا يختلف الوضع مطلقاً عما دار في روسيا الستينات والسبعينات. لا صوت هناك يعلو فوق صوت القيادتين السياسية والأمنية ولا يُسمح بإنتاج أفلام تحمل الصوت الآخر وإذا ما تم إنتاجها (بالحيلة كما حال أفلام جعفر باناهي) فإن المسؤولية على صانعي الأفلام تُترجم إلى السجن أو إلى الإيقاف عن العمل أو كليهما معاً.

هذا كاف لإعادتنا إلى الموضوع البرليني. ذلك لأن ما سبق طرحه في سياق هذا البحث يؤدي إلى سؤال حول «جوائز» ألفرد باير التي ذهبت للفائزين السعداء بها طوال لأكثر من ثلاثين سنة. من بين هؤلاء مخرجين يهود فازت أفلامهم بهذه الجائزة عنوة عن سواها أمثال الأسترالي باز لورمان الذي نالها سنة 1996 عن فيلمه «روميو وجولييت» والألماني كريستوفر روث عن فيلمه «بادر» سنة 2002 والبولندية أنييسكا هولاند التي تسلمتها سنة 2017 عن فيلمها Spoor. هذا حتى لا ننسى المخرجتين نورا فينغشيد وهيلينا زنغل سنة 2019.

هذا الشأن ينطوي كذلك على عدد كبير من المخرجين الآخرين الذين تسلموا الجائزة من دون ريب في مصدرها أمثال الإيطالي ريكي تونازي عن «حياة مخنوقة» (1996) وزانغ ييمو عن «بطل» (2003) وفلورين سربان عن «إذا أردت الصفير سأصفّر» (2010) من بين عديدين.

نقطة إضافية لا بد من ذكرها هنا: إذا كان مهرجان برلين تأسس على يدي نازي سابق، فإن مهرجان فينيسيا أسسه ماسوليني نفسه. الفارق أن أحداً لم يحتج لا حينها ولا اليوم.


أميركا المانيا سينما مهرجان

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة