تراشق اتهامات وفوضى عارمة في المناظرة الرئاسية الأولى

«اخرس يا رجل» و«يا لك من غبي» عبارات تبادلها ترمب وبايدن

تراشق اتهامات وفوضى عارمة في المناظرة الرئاسية الأولى
TT

تراشق اتهامات وفوضى عارمة في المناظرة الرئاسية الأولى

تراشق اتهامات وفوضى عارمة في المناظرة الرئاسية الأولى

تابع الملايين من الأميركيين على مدى تسعين دقيقة متصلة تراشق الاتهامات والمقاطعة المتواصلة في المناظرة الرئاسية الأولى التي جمعت بين الخصمين دونالد ترمب وجو بايدن.
فالمناظرة التي اتسمت بالفوضى العارمة والاضطراب المتكرر لم تكن كسابقاتها من المناظرات الرئاسية التي اعتاد عليها الأميركيون، فقد حبس هؤلاء أنفاسهم وهم يشاهدون المرشحّين يقاطعان بعضهما البعض ويتراشقان الاتهامات النارية والإهانات، فيما جلس المحاور كريس والاس على مقعد المتفرج عاجزاً عن السيطرة على النقاش.
وبمجرد انتهاء المناظرة، تهافتت ردود الأفعال متراوحة بين الصدمة التامة والغضب الشديد من مجرياتها، ففي حين لام الكثيرون المحاور والاس على سوء إدارة النقاش، وعدم فرض قواعد المناظرة بشكل حاسم، أجمعت الأغلبية على أن المناظرة الأولى كانت «المناظرة الرئاسية الأكثر فوضوية وعدائية في تاريخ الولايات المتحدة».
وبالفعل فقد عانى المرشحان الديمقراطي والجمهوري من صعوبة فائقة في عرض أفكارهما في الملفات المختلفة التي تؤرق مضجع الأميركيين، فأخفقا في طمأنة الناخب الذي عادة ما ينتظر المناظرات الرئاسية لسماع وجهة نظر المرشحين في ملفات حاسمة في السباق الرئاسي. وعوضاً عن طرح الأفكار، تراشق بايدن وترمب الإهانات والشتائم وهما يقفان بعيداً عن بعضهما البعض على منصة المناظرة، حيث فرضت سياسة التباعد الاجتماعي، لكن هذا التباعد لم يمنع ترمب من نعت بايدن بالغبي، ولم يحول دون طلب بايدن من ترمب بأن «يخرس» أكثر من مرة ويصفه بالمهرج. فالرئيس الأميركي استفز منافسه عبر مقاطعته المستمرة لأجوبته، حتى أن المحاور كريس والاس اضطر لتذكير ترمب أكثر من مرة بقواعد النقاش، لكن من دون جدوى.
ورغم هذه الفوضى غير المسبوقة في المناظرات الرئاسية، فإن المرشحين تمكنا في لحظات متفرقة من الحوار من تسليط الضوء على بعض القضايا المهمة في هذا السباق الانتخابي المحتدم.
ولعلّ أكثر موقف أثار استغراب الجمهوريين وغضب الديمقراطيين هو رفض الرئيس الأميركي إدانة العنصريين البيض. فلدى سؤال المحاور لترمب ما إذا كان مستعداً لإدانة مجموعة (الصبيان الفخورين) التي تصنّف من مجموعات الكره العنصرية، قال الرئيس الأميركي: «أيها (الصبيان الفخورون)، تراجعوا وتأهبوا... يجب على أحدهم أن يتصرف مع مجموعة (أنتيفا) واليسار». ووجه ترمب اللوم في أعمال العنف والشغب التي تشهدها بعض الولايات المتحدة إلى اليسار قائلاً: «كل ما أراه هو قادم من اليسار وليس من اليمين».
وقد أثارت هذه المواقف غضب الديمقراطيين فسارعت نائبة بايدن، كامالا هاريس، إلى انتقاد ترمب بعد المناظرة فقالت: «دونالد ترمب لا يتظاهر، فهو لن يدين العنصريين البيض ولن يتفوه بجملة: حياة السود مهمة».
ولعلّ ما أغضب الديمقراطيين هو أن المجموعة التي تحدث عنها ترمب غرّدت مباشرة بعد تصريحاته صورة جديدة لشعارها الذي أصبح: «تراجعوا وتأهبوا» تيمناً بما قاله ترمب، وسرعان ما نشر بايدن هذه الصورة على حسابه على «تويتر» قائلاً: «هذه أميركا في ظل دونالد ترمب». أمّا الجمهوريون فقد اعتبروا أن ترمب أساء التعبير، ودعوه إلى إدانة العنصريين البيض بشكل مباشر، فقال السيناتور الجمهوري تيم سكوت: «أعتقد أن الرئيس أساء التعبير. ويجب أن يصحح ما قاله».
ويقول الخبراء إن ترمب سعى خلال المناظرة إلى التوجه إلى مناصريه الأوفياء، الأمر الذي قد يكلّفه المعتدلين وناخبي الضواحي، ويعتبر أرون كال وهو مدير المناظرات في جامعة ميشيغان أن «الرئيس ترمب كان بحاجة إلى جذب أصوات الناخبين المعتدلين وناخبي الصواحي عبر ترويج التفاؤل وأجندة تتطلع قدماً لولاية ثانية. لكن بدلاً من ذلك، كان هناك الكثير من التشاؤم الذي حرّك العنصرية في البلاد».

وسعى ترمب الذي غالباً ما قاطع بايدن خلال أجوبته، إلى تصوير نائب الرئيس السابق بمظهر الألعوبة بيد الاشتراكيين، بهدف تخويف الناخبين المعتدلين من التصويت لصالحه، لكن بايدن ردّ على هجمات منافسه قائلاً: «أنا أمثل الحزب الديمقراطي».
وكرر ترمب هجومه هذا صباح الأربعاء فأعاد تغريد مقال ينتقد أداء المحاور كريس والاس، معتبراً أن والاس وبايدن تكاتفا ضدّه فقال: «كانت ليلة كريس صعبة ولم يكن من المفاجئ تكاتف اثنين ضد واحد، لكني استمتعت بوقتي. وطرحت نقاطاً مهمة عندما هاجمت برني (ساندرز) وأوليفيا أوكاسيو كورتيز والبقية! إن اليسار المتشدد يرمي بجو النعسان. لا توجد أي حماسة ديمقراطية، يا لها من قيادة ضعيفة!». وتابع ترمب: «لا أحد يريد جو النعسان ككقائد، بمن فيهم اليسار المتشدد الذي خسره الليلة الماضية. لقد أهان برني ووصفه بالفاشل!».
ولعلّ أهم موقف في المناظرة ورد في الجزء الأخير منها، عندما رفض الرئيس الأميركي دعوة مناصريه إلى الالتزام بالهدوء بعد الانتخابات الرئاسية انتظاراً للنتائج في حال تأخرها، فقال: «إذا كانت الانتخابات عادلة، فأنا أدعم هذا 100 في المائة. لكني إذا رأيت تلاعباً بعشرات الآلاف من البطاقات الانتخابية، فلن أسكت عن هذا…». وحث ترمب مناصريه للعب دور المراقبين في مراكز الاقتراع يوم الانتخابات.
وأشار الرئيس الأميركي إلى أنه قد يلجأ للمحكمة العليا للنظر في قضية البطاقات الانتخابية في تصريح ترجم مخاوف الديمقراطيين الذي يخشون من أن تؤدي المحكمة العليا بأغلبيتها المحافظة دور الحاكم في حسم الانتخابات الرئاسية.
وقد دافع الرئيس الأميركي عن ترشيحه للقاضية ايمي كوني باريت قبل الانتخابات مؤكداً أن الحزب الذي فاز بالانتخابات هو الذي يجري هذه التعيينات ويتحكم بها، فما كان من بايدن إلا وذكّر بالملفات العالقة محذراً الأميركيين من سعي الإدارة إلى إلغاء الرعاية الصحية المعروفة بأوباما كير والإجهاض.
بايدن الذي حرص خلال المناظرة على النظر مباشرة إلى عدسة الكاميرا لمخاطبة الأميركيين، تحدث عن فيروس «كورونا» فاتهم ترمب بعدم الاكتراث لحياة الأميركيين والتهرب من مسؤولياته، ليرد عليه الرئيس الأميركي ويتهمه بمحاولة إغلاق البلاد محذراً من التدهور الاقتصادي.
وكما كان متوقعاً حاول المحاور كريس والاس طرح قضية تهرب ترمب من الضرائب والتي وردت في صحيفة «نيويورك تايمز»، فأكد ترمب أنه يدفع «ملايين الدولارات من الضرائب»، لينقض عليه بايدن ويدعوه إلى الإفراج عن عائداته الضريبية، لكن الرئيس الأميركي كرر حججه السابقة بأن ضرائبه تخضع للتحقيق وأنه سيفرج عنها بمجرد انتهاء التحقيق.
وكان بايدن قد أفرج عن عائداته الضريبية للعام 2019 قبل المناظرة حيث تبين أنه يدفع مبلغ 300 ألف دولار من الضرائب، مقابل 750 دولاراً من ضرائب الدخل التي دفعها ترمب، بحسب الصحيفة.
بايدن الذي حافظ على رباطة جأشه خلال معظم فترة المناظرة، مبتسماً كلما قاطعه ترمب، ثارت ثائرته عندما تحدث عن مواقف ترمب المنتقدة للجنود الأميركيين، فتحدث عن ابنه بو الذي خدم في الجيش الأميركي، إلا أن ترمب حوّل الهجوم إلى ابنه الثاني هنتر فاتهمه بأنه طرد من الجيش بسبب إدمانه، فرد بايدن بلهجة حادة: «ابني هو كالكثير من الأشخاص الذين تعرفهم، عانى من مشكلة مع المخدرات. لكنه واجهها وتخطاها. وأنا فخور به»، وذلك في إشارة إلى شقيق ترمب الذي قضى نتيجة إدمانه على الكحول.
وقد أدت الأجواء المشحونة التي خيمت على المناظرة إلى دعوات لإلغاء المناظرتين القادمتين في الخامس عشر والثاني والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) لكن حملة بايدن الانتخابية رفضت هذه الدعوات وقالت المتحدثة باسم الحملة كايت بيدينغفيلد: «نحن سنذهب إلى المناظرات فقد التزمنا بحضورها كلها».
ومن المستبعد أن تغير هذه المناظرات آراء الناخبين، فقد حسم أكثريتهم رأيهم بخصوص مرشحهم المفضل، بل وأدلى عدد كبير بأصواتهم في الانتخابات المبكرة التي شهدتها الولايات المختلفة، لكن التأثير الأكبر للمناظرة الأولى برز في جمع التبرعات، فقد أعلنت حملة بايدن الانتخابية أنها جمعت نحو ٤ ملايين دولار في ساعة واحدة خلال المناظرة، وقالت الحملة إن المتبرعين تهافتوا لإرسال الأموال بين الساعة العاشرة والحادية عشرة مساء، بعد انتهاء المناظرة.
يأتي هذا فيما بدأت مرشحة ترمب لمنصب قاضية في المحكمة العليا إيمي باريت بالاستعداد لجلسات المصادقة عليها التي ستبدأ في الثاني عشر من الشهر المقبل، الأمر الذي سيمهد للتصويت عليها في نهاية أكتوبر أي قبل أيام قليلة من الانتخابات الرئاسية. وعقدت باريت التي رافقها نائب الرئيس مايك بنس مجموعة من اللقاءات بأعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، فيما رفض الكثير من الديمقراطيين لقاءها.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...