الرأسمالية... كيف أصبحت مشروعاً قابلاً للحياة؟

فرانشيسكو بولديزّوني يتناول أصولها الفكرية الأولى ومآلاتها

فرانشيسكو بولديزّوني
فرانشيسكو بولديزّوني
TT

الرأسمالية... كيف أصبحت مشروعاً قابلاً للحياة؟

فرانشيسكو بولديزّوني
فرانشيسكو بولديزّوني

كتاب البروفسور الشاب فرانشيسكو بولديزّوني (Francesco Boldizzoni) المعنون بـ«التبشير بنهاية الرأسمالية: مغامرات فكرية قاصرة منذ كارل ماركس» (Foretelling the End of Capitalism: Intellectual Misadventures since Karl Marx)، الصادر قبل بضعة أشهر عن جامعة هارفرد الأميركية، هو أحدث المحاولات التي تناولت بالتفكر الهادئ الأصول الفكرية الأولى لنشأة الرأسمالية، والمآلات المتوقعة لها.
وفرانشيسكو بولديزّوني (مولود عام 1979) مؤرّخ عالم اجتماع إيطالي يعمل في الوقت الحاضر أستاذاً للعلوم السياسية في الجامعة النرويجية للعلوم والتقنية، وسبق له أن عمل أستاذاً في كلّ من جامعة تورين وجامعة هلسنكي، وقبلهما شغل مواقع بحثية في كلية «كلير هول» بجامعة كامبردج، وكذلك في معهد «ماكس بلانك» لدراسة المجتمعات في كولون (ألمانيا).
ويُعدُّ بولديزّوني واحداً من الشخصيات الأوروبية المميّزة في ميدان الاقتصاد السياسي. فقد قدّم مساهماتٍ مؤثرة في حقل النظرية الرأسمالية وتأريخها، وطوّر هيكلاً فكرياً يؤكد أهمية تأريخ الأفكار والمفاهيم في فهم الاقتصاد الحديث. وقد دعا بولديزّوني إلى اعتماد مقاربة غير وضعية (anti-positivist) في دراسة العلوم التأريخية والاجتماعية -تلك المقاربة التي تقوم على بحث الهياكل الاجتماعية، والتأويل الثقافي، والنظرية النقدية. ويُعرَف عن بولديزّوني في وقتنا الراهن كونهُ أحد أكابر النقّاد للتأريخ الاقتصادي النيوليبرالي، وقد عبّر عن قناعاته الناقدة للسياسات النيوليبرالية في كتابه المعنون بـ«فقر الأغلبية: إعادة بعث التأريخ الاقتصادي».
وألف بولديزّوني قبل كتابه هذا كتابين آخرين صارا مصدرين مرجعيين في ميدانهما: «وسائل وغايات: فكرة رأس المال في الغرب (1500-1970)» (2008)، و«فقر الأغلبية: إعادة بعث التأريخ الاقتصادي» (2011).
وما فتئ النقاد يواصلون تدبيج أطروحاتهم التنظيرية المبشرة بالموت الوشيك للرأسمالية الصناعية منذ اللحظة التي هيمنت فيها هذه الرأسمالية على العالم الغربي في بواكير القرن التاسع عشر. ونحن على ألفة مع نبوءات كارل ماركس (Karl Marx)، لكننا أقل ألفة بكثير مع ما كتبه معاصرُ ماركس، جون ستيوارت مِل (John Stuart Mill)، الفيلسوف الإنسانوي الكبير الذي كان عظيم الاهتمام بمعرفة قدرة الاقتصاديات المختلفة على البقاء في المدى البعيد.
وقد شهدت النظريات المتصارعة الخاصة بالنهايات المحتملة للسياسات الرأسمالية تواصلاً مستديماً منذ بواكير القرن التاسع عشر حتى مائتي سنة بعدها (أي حتى مطالع الألفية الثالثة الراهنة)، وكانت هذه النظريات عُرضة لتغييرات مواكبة لتغير العالم الذي نعيشه، إذ مِن جون ماينارد كينز (John Maynard Keynes) وجوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter) حتى دانييل بِل (Daniel Bell) وهربرت ماركوز (Herbert Marcuse)، أبدى المنظرون استجاباتٍ متباينة للعالم الذي يعيشون فيه، بطريقة انطوت على نبوءات مختلفة متقاطعة بشأن المستقبل الاقتصادي الدقيق الذي سيكون عليه العالم.
وبرهنت نبوءة نهاية الرأسمالية دوماً كونها تمريناً فكرياً له من القدرة على الاستدامة مثل ما للرأسمالية من قدرة على الاستمرارية. هنا، يجب علينا أن نتساءل: لِمَ صار الحال إلى ما نراه الآن؟ يقدم لنا البروفسور فرانشيسكو بولديزّوني في كتابه الجديد «نبوءة نهاية الرأسمالية: مغامرات فكرية قاصرة منذ كارل ماركس» خريطة فكرية لهذه النظريات المتصارعة، ويشخص مآلاتها الفاشلة. والكتاب تأريخ شامل لهذه التوجهات النظرية، فهو يحاول جاهداً توضيح منابت هذه الأفكار، ثم ينتهي في خاتمة الكتاب إلى توضيح الكيفية التي جعلت الرأسمالية مشروعاً قابلاً للبقاء على قيد الحياة.
ثمّة توصيف اصطلاحي هو «الرأسمالية المتأخرة» (Late Capitalism) وجد شيوعاً واسعاً بين عامة الناس في العقدين الأخيرين، خاصة بعد أن أشاعه المنظر الثقافي فريدريك جيمسون (Fredric Jameson). وقد بدت مفردة «المتأخرة» الملحقة بالرأسمالية توصيفاً يُراد منه الإيحاء بأن منظومتنا السياسية والاقتصادية الراهنة يمكن الإطاحة بها في أي يوم من قابلات الأيام لأنها شاخت بفعل تقادم الزمن. وفي الوقت الذي تشير فيه عبارة «الرأسمالية المتأخرة»، في سياقها الدلالي بالطبع، إلى بعضٍ من المعالم الرئيسية التي بنى عليها ماركس نظريته الاقتصادية، فإن كتاب البروفسور بولديزّوني (نبوءة نهاية الرأسمالية) يقدم إضاءات حول التأريخ الفكري تدعم أفكاراً على شاكلة «الرأسمالية المتأخرة». كما يقدم الكتاب مساءلة واستكشافاً للكيفية التي يمكن بها للرأسمالية أن تحقق فعلاً متجاوزاً على واقع حالها الراهن، إذا ما كان مثل هذا التجاوز ضرورة لا بديل عنها للبقاء على قيد الحياة.
ويندهش المرء حقاً بسبب التنبؤات الكئيبة الخاصة بمآل الرأسمالية التي أعقبت الأزمة المالية العالمية (إشارة إلى أزمة عام 2008)، لكن الدهشة الأكبر كانت مدفوعة بحقيقة مفادها أن الناس ما عادت تتعامل مع الرأسمالية بصفتها معطى قائماً بذاته يجب قبوله كيفما كان؛ ومثلت هذه الحقيقة شيئاً جديداً غير مسبوق نشأ في حقبة ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. وكانت تلك الحقبة زمناً كنا فيه ما نزال نستمتع بثمار السلام الاجتماعي والرفاهية الاجتماعية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. والحق أن تلك الاستقرارية التي عشنا في خضمها ثُلِمت بفعل الأزمة المالية الأخيرة، لكنها تطلبت بعضاً من الوقت لإدراك أبعاد هذه الحقيقة.
وقد كانت تسعينيات القرن الماضي عقداً تخلى فيه اليسار عن شعاره العتيد الداعي لتغيير الرأسمالية. والرأسمالية من جانبها تصاغرت ومنحت قيادها بعبودية ذليلة للسياسات النيوليبرالية التي اعتمدها كل من رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر، ونافح عنها لاحقاً كل من بل كلينتون وتوني بلير، ولم يكن بوسع هؤلاء الذين انشقوا عن المسيرة النيوليبرالية سوى أن يلتمسوا اللجوء إلى ظلال الفانتازيات اليوتوبية الهادئة، لذا عندما حلت الأزمة المالية العالمية عام 2008، أيقظت هؤلاء اليساريين التقدميين من رقدتهم المجللة بالسبات. وحينها، وجد هؤلاء أنفسهم على غير جاهزية للتعامل مع الأوضاع المستجدة. ويذكرنا البروفسور بولديزّوني بأن الحاجة لكتابة هذا الكتاب نبعت من الشعور بضرورة بيان الحقائق السابقة، فضلاً أيضاً عن الضرورة الملحة لتذكير هؤلاء الذين طال سباتهم بالأصول التي شكلت متبنياتهم الفكرية، وما آلت إليه هذه الأصول الفكرية في فترات لاحقة.
يكتب بولديزّوني بنبرة سردية مشرقة معبراً عن حقيقة لطالما تغافلها اليسار الراديكالي الجديد، والمبشرون بالنهاية القيامية للرأسمالية: كان كارل ماركس بالتأكيد مندهشاً بما جاءت به الرأسمالية، وما مِن أحد فهم الرأسمالية بمثل ما فعل ماركس. فعند قراءة كتاب «رأس المال» (Capital)، قد يشعر المرء أحياناً بمثل شعور من يصغي إلى صانع ساعات وهو يتحدث بدهشة طافحة عن ساعة فلكية عملاقة انتهى للتو من فحصها. ولكن رغم هذه الحقيقة، فإن ماركس لم يختزل وظيفة الرأسمالية إلى موضوعة من موضوعات الميكانيك، بل امتلك ماركس القدرة على وضع الرأسمالية في سياقها التأريخي، مثلما فعل مع كل النُظُم التي سبقتها. وتكمن معضلة ماركس في أنه امتلك إيماناً مفرطاً بتأويله الخاص للتأريخ الذي يتجوهر في فكرة أن التغير التقني يمتلك القدرة على توليد التغير الاجتماعي في المدى الطويل. نعلم اليوم، أو الأصح أن نقول ينبغي أن نعلم اليوم، أن الأمور أكثر تعقيداً من هذه الرؤية الماركسية.
وقد مثل جون ستيوارت مِلْ روحاً أكثر عملية، بالمقارنة مع روح ماركس، إذ لم يُبدِ مل انقياداً مستسلماً للتنبؤات بشأن الموت المحتوم للرأسمالية، واكتفى بالتفكر في أن الرأسمالية لها تكاليف إنسانية وبيئية عالية للغاية، وغير مقدرٍ لها أن تستديم لأزمان طويلة مقبلة. وفضلاً عن هذا، فقد آمن مِلْ، وبثبات صارم، في قدرة الإنسانية على الارتقاء الأخلاقي، لذلك راودته آمال عريضة في أن ارتقاء الحضارة البشرية كفيلٌ بتغيير الرأسمالية تغييراً جذرياً (راديكالياً)، قبل أن يصبح الأمر عصياً على أي تغيير.
الأمثولة البليغة التي يمكن أن نخرج بها من قراءة كتاب البروفسور بولديزّوني هي أن الرأسمالية تبقى في نهاية الأمر نظاماً اجتماعياً، وأن المفاعيل الناجمة عنه تعتمد -بالتأكيد- على الظروف المادية المحيطة به، وليست مرهونة برؤى منفصلة عن وقائع الحياة الحقيقية، وأن التفكير الرغائبي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الوقائع المرئية على الأرض.
- كاتبة روائية مترجمة عراقية تقيم في الأردن


مقالات ذات صلة

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).