الرأسمالية... كيف أصبحت مشروعاً قابلاً للحياة؟

فرانشيسكو بولديزّوني يتناول أصولها الفكرية الأولى ومآلاتها

فرانشيسكو بولديزّوني
فرانشيسكو بولديزّوني
TT

الرأسمالية... كيف أصبحت مشروعاً قابلاً للحياة؟

فرانشيسكو بولديزّوني
فرانشيسكو بولديزّوني

كتاب البروفسور الشاب فرانشيسكو بولديزّوني (Francesco Boldizzoni) المعنون بـ«التبشير بنهاية الرأسمالية: مغامرات فكرية قاصرة منذ كارل ماركس» (Foretelling the End of Capitalism: Intellectual Misadventures since Karl Marx)، الصادر قبل بضعة أشهر عن جامعة هارفرد الأميركية، هو أحدث المحاولات التي تناولت بالتفكر الهادئ الأصول الفكرية الأولى لنشأة الرأسمالية، والمآلات المتوقعة لها.
وفرانشيسكو بولديزّوني (مولود عام 1979) مؤرّخ عالم اجتماع إيطالي يعمل في الوقت الحاضر أستاذاً للعلوم السياسية في الجامعة النرويجية للعلوم والتقنية، وسبق له أن عمل أستاذاً في كلّ من جامعة تورين وجامعة هلسنكي، وقبلهما شغل مواقع بحثية في كلية «كلير هول» بجامعة كامبردج، وكذلك في معهد «ماكس بلانك» لدراسة المجتمعات في كولون (ألمانيا).
ويُعدُّ بولديزّوني واحداً من الشخصيات الأوروبية المميّزة في ميدان الاقتصاد السياسي. فقد قدّم مساهماتٍ مؤثرة في حقل النظرية الرأسمالية وتأريخها، وطوّر هيكلاً فكرياً يؤكد أهمية تأريخ الأفكار والمفاهيم في فهم الاقتصاد الحديث. وقد دعا بولديزّوني إلى اعتماد مقاربة غير وضعية (anti-positivist) في دراسة العلوم التأريخية والاجتماعية -تلك المقاربة التي تقوم على بحث الهياكل الاجتماعية، والتأويل الثقافي، والنظرية النقدية. ويُعرَف عن بولديزّوني في وقتنا الراهن كونهُ أحد أكابر النقّاد للتأريخ الاقتصادي النيوليبرالي، وقد عبّر عن قناعاته الناقدة للسياسات النيوليبرالية في كتابه المعنون بـ«فقر الأغلبية: إعادة بعث التأريخ الاقتصادي».
وألف بولديزّوني قبل كتابه هذا كتابين آخرين صارا مصدرين مرجعيين في ميدانهما: «وسائل وغايات: فكرة رأس المال في الغرب (1500-1970)» (2008)، و«فقر الأغلبية: إعادة بعث التأريخ الاقتصادي» (2011).
وما فتئ النقاد يواصلون تدبيج أطروحاتهم التنظيرية المبشرة بالموت الوشيك للرأسمالية الصناعية منذ اللحظة التي هيمنت فيها هذه الرأسمالية على العالم الغربي في بواكير القرن التاسع عشر. ونحن على ألفة مع نبوءات كارل ماركس (Karl Marx)، لكننا أقل ألفة بكثير مع ما كتبه معاصرُ ماركس، جون ستيوارت مِل (John Stuart Mill)، الفيلسوف الإنسانوي الكبير الذي كان عظيم الاهتمام بمعرفة قدرة الاقتصاديات المختلفة على البقاء في المدى البعيد.
وقد شهدت النظريات المتصارعة الخاصة بالنهايات المحتملة للسياسات الرأسمالية تواصلاً مستديماً منذ بواكير القرن التاسع عشر حتى مائتي سنة بعدها (أي حتى مطالع الألفية الثالثة الراهنة)، وكانت هذه النظريات عُرضة لتغييرات مواكبة لتغير العالم الذي نعيشه، إذ مِن جون ماينارد كينز (John Maynard Keynes) وجوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter) حتى دانييل بِل (Daniel Bell) وهربرت ماركوز (Herbert Marcuse)، أبدى المنظرون استجاباتٍ متباينة للعالم الذي يعيشون فيه، بطريقة انطوت على نبوءات مختلفة متقاطعة بشأن المستقبل الاقتصادي الدقيق الذي سيكون عليه العالم.
وبرهنت نبوءة نهاية الرأسمالية دوماً كونها تمريناً فكرياً له من القدرة على الاستدامة مثل ما للرأسمالية من قدرة على الاستمرارية. هنا، يجب علينا أن نتساءل: لِمَ صار الحال إلى ما نراه الآن؟ يقدم لنا البروفسور فرانشيسكو بولديزّوني في كتابه الجديد «نبوءة نهاية الرأسمالية: مغامرات فكرية قاصرة منذ كارل ماركس» خريطة فكرية لهذه النظريات المتصارعة، ويشخص مآلاتها الفاشلة. والكتاب تأريخ شامل لهذه التوجهات النظرية، فهو يحاول جاهداً توضيح منابت هذه الأفكار، ثم ينتهي في خاتمة الكتاب إلى توضيح الكيفية التي جعلت الرأسمالية مشروعاً قابلاً للبقاء على قيد الحياة.
ثمّة توصيف اصطلاحي هو «الرأسمالية المتأخرة» (Late Capitalism) وجد شيوعاً واسعاً بين عامة الناس في العقدين الأخيرين، خاصة بعد أن أشاعه المنظر الثقافي فريدريك جيمسون (Fredric Jameson). وقد بدت مفردة «المتأخرة» الملحقة بالرأسمالية توصيفاً يُراد منه الإيحاء بأن منظومتنا السياسية والاقتصادية الراهنة يمكن الإطاحة بها في أي يوم من قابلات الأيام لأنها شاخت بفعل تقادم الزمن. وفي الوقت الذي تشير فيه عبارة «الرأسمالية المتأخرة»، في سياقها الدلالي بالطبع، إلى بعضٍ من المعالم الرئيسية التي بنى عليها ماركس نظريته الاقتصادية، فإن كتاب البروفسور بولديزّوني (نبوءة نهاية الرأسمالية) يقدم إضاءات حول التأريخ الفكري تدعم أفكاراً على شاكلة «الرأسمالية المتأخرة». كما يقدم الكتاب مساءلة واستكشافاً للكيفية التي يمكن بها للرأسمالية أن تحقق فعلاً متجاوزاً على واقع حالها الراهن، إذا ما كان مثل هذا التجاوز ضرورة لا بديل عنها للبقاء على قيد الحياة.
ويندهش المرء حقاً بسبب التنبؤات الكئيبة الخاصة بمآل الرأسمالية التي أعقبت الأزمة المالية العالمية (إشارة إلى أزمة عام 2008)، لكن الدهشة الأكبر كانت مدفوعة بحقيقة مفادها أن الناس ما عادت تتعامل مع الرأسمالية بصفتها معطى قائماً بذاته يجب قبوله كيفما كان؛ ومثلت هذه الحقيقة شيئاً جديداً غير مسبوق نشأ في حقبة ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. وكانت تلك الحقبة زمناً كنا فيه ما نزال نستمتع بثمار السلام الاجتماعي والرفاهية الاجتماعية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. والحق أن تلك الاستقرارية التي عشنا في خضمها ثُلِمت بفعل الأزمة المالية الأخيرة، لكنها تطلبت بعضاً من الوقت لإدراك أبعاد هذه الحقيقة.
وقد كانت تسعينيات القرن الماضي عقداً تخلى فيه اليسار عن شعاره العتيد الداعي لتغيير الرأسمالية. والرأسمالية من جانبها تصاغرت ومنحت قيادها بعبودية ذليلة للسياسات النيوليبرالية التي اعتمدها كل من رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر، ونافح عنها لاحقاً كل من بل كلينتون وتوني بلير، ولم يكن بوسع هؤلاء الذين انشقوا عن المسيرة النيوليبرالية سوى أن يلتمسوا اللجوء إلى ظلال الفانتازيات اليوتوبية الهادئة، لذا عندما حلت الأزمة المالية العالمية عام 2008، أيقظت هؤلاء اليساريين التقدميين من رقدتهم المجللة بالسبات. وحينها، وجد هؤلاء أنفسهم على غير جاهزية للتعامل مع الأوضاع المستجدة. ويذكرنا البروفسور بولديزّوني بأن الحاجة لكتابة هذا الكتاب نبعت من الشعور بضرورة بيان الحقائق السابقة، فضلاً أيضاً عن الضرورة الملحة لتذكير هؤلاء الذين طال سباتهم بالأصول التي شكلت متبنياتهم الفكرية، وما آلت إليه هذه الأصول الفكرية في فترات لاحقة.
يكتب بولديزّوني بنبرة سردية مشرقة معبراً عن حقيقة لطالما تغافلها اليسار الراديكالي الجديد، والمبشرون بالنهاية القيامية للرأسمالية: كان كارل ماركس بالتأكيد مندهشاً بما جاءت به الرأسمالية، وما مِن أحد فهم الرأسمالية بمثل ما فعل ماركس. فعند قراءة كتاب «رأس المال» (Capital)، قد يشعر المرء أحياناً بمثل شعور من يصغي إلى صانع ساعات وهو يتحدث بدهشة طافحة عن ساعة فلكية عملاقة انتهى للتو من فحصها. ولكن رغم هذه الحقيقة، فإن ماركس لم يختزل وظيفة الرأسمالية إلى موضوعة من موضوعات الميكانيك، بل امتلك ماركس القدرة على وضع الرأسمالية في سياقها التأريخي، مثلما فعل مع كل النُظُم التي سبقتها. وتكمن معضلة ماركس في أنه امتلك إيماناً مفرطاً بتأويله الخاص للتأريخ الذي يتجوهر في فكرة أن التغير التقني يمتلك القدرة على توليد التغير الاجتماعي في المدى الطويل. نعلم اليوم، أو الأصح أن نقول ينبغي أن نعلم اليوم، أن الأمور أكثر تعقيداً من هذه الرؤية الماركسية.
وقد مثل جون ستيوارت مِلْ روحاً أكثر عملية، بالمقارنة مع روح ماركس، إذ لم يُبدِ مل انقياداً مستسلماً للتنبؤات بشأن الموت المحتوم للرأسمالية، واكتفى بالتفكر في أن الرأسمالية لها تكاليف إنسانية وبيئية عالية للغاية، وغير مقدرٍ لها أن تستديم لأزمان طويلة مقبلة. وفضلاً عن هذا، فقد آمن مِلْ، وبثبات صارم، في قدرة الإنسانية على الارتقاء الأخلاقي، لذلك راودته آمال عريضة في أن ارتقاء الحضارة البشرية كفيلٌ بتغيير الرأسمالية تغييراً جذرياً (راديكالياً)، قبل أن يصبح الأمر عصياً على أي تغيير.
الأمثولة البليغة التي يمكن أن نخرج بها من قراءة كتاب البروفسور بولديزّوني هي أن الرأسمالية تبقى في نهاية الأمر نظاماً اجتماعياً، وأن المفاعيل الناجمة عنه تعتمد -بالتأكيد- على الظروف المادية المحيطة به، وليست مرهونة برؤى منفصلة عن وقائع الحياة الحقيقية، وأن التفكير الرغائبي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الوقائع المرئية على الأرض.
- كاتبة روائية مترجمة عراقية تقيم في الأردن


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً