«سلو تي ڤي» نوع جديد من الأفلام... بسيط ويصعب فهمه

«سلو تي ڤي» نوع جديد من الأفلام... بسيط ويصعب فهمه

ينقلك مسافراً وأنت في مكانك
الثلاثاء - 11 صفر 1442 هـ - 29 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15281]

إذا كنت على سفر عبر القارات ووصلت إلى المدينة التي قصدتها ثم إلى الفندق الذي حجزت فيه ثم إلى غرفتك في ذلك الفندق، ستكون مجهداً لدرجة أنك ستنام من اللحظة التي تضع فيها رأسك على الوسادة الأثيرة.

ما يحدث في الكثير من الأحيان أنك تستيقظ بعد ساعات وتقلق وتجد نفسك لا تستطيع النوم مجدداً. البعض يلجأ للحبوب الطبية رغم تحذير البعض من تناولها. البعض ينهض ليأكل والآخر يستلقي لعل النوم يأتيه مجدداً. ولا تنسى من لا يستطيع النوم سريعاً فيجلس فوق سريره منتظراً فرجاً قريباً.

حتى مطلع هذا القرن لم تكن هناك وسائل أخرى لكي تنام. هي مسألة تتعلق بحوافز دماغية وليس فقط بدنية. النوم هو قرار قد لا تستطيع أن تتخذه لأسباب متعددة. القلق أو مجرد البقاء يقظاً هو من نتائج هذا القرار.

ثم جاء حل يمكن اعتماده بسهولة. أدر جهازك التلفزيوني لكن لا على الأخبار ولا على الغناء ولا على مشاهدة «الشيف» وهو يحضر كيف يمكن صنع شرائح السمن بالعسل، ولا حتى على برنامج تلفزيوني أو فيلم سينمائي. ابحث عن محطة تعرض «سلو تي ڤي». إن وجدتها استرخِ في مكانك وتابعها… بعد قليل سيغالبك النعاس وقد تستيقظ صباح اليوم التالي لتكتشف أنك نمت والتلفزيون مفتوح.

تسع ساعات

«سلو تي ڤي» (Slow TV) ليس عبارة عن برنامج يعرض الحركة بالسلوموشن (ارتفاع في عدد الكادرات المعروضة ما يسبب بطء الحركة في الفيلم). على العكس تماماً، الحركة طبيعية جداً. كل ما في الأمر أن ما هو معروض لا يحتوي على دراما ولا تغيير في الكادرات ولا تقطيع مونتاجي ولا تمثيل ولا حتى… إخراج.

ليس هناك حاجة لكتابة سيناريو، ولا يوجد أساساً حوار. لا يوجد موضوع محدد أو غير محدد. لا قضية ولا حتى أشخاص وشخصيات. بالتالي هو ليس برنامجاً درامياً ولا تسجيلياً ولا تقريرياً أو إخبارياً. ليس كرتونياً ولا يحتوي على ممثلين. لا فن فيه ولا مدرسة واقعية أو خيالية أو أسلوب فني أو درامي ما.

كل ما هنالك، كاميرا موضوعة على مقدمة قطار يتحرك فوق خطي سكته…. فقط.

هذا الناقد جربها منذ عشرين سنة. بعد ربع ساعة أو أكثر قليلاً شعر بالنعاس. قاوم لنصف ساعة أخرى ثم استسلم للأمر وغفا. لكن هناك من يبقى صاحيا. فالمعروض مستمر بلا توقيت معين وهو يشبه قيام الواحد منا باتخاذ موقع متقدم في مقطورة القطار الأولى ومتابعة المشاهد التي يمر بها القطار وهو في طريقه من محطة الانطلاق إلى محطة الوصول الأخيرة.

في العام 2009 قام التلفزيوني الفنلندي بعرض ما يُعتبر اليوم فاصلاً بين ما سبق تقديمه في هذا الإطار وبين ما تلاه. فيلم بعنوان «برغنسبانن - دقيقة بدقيقة (بالفنلندية: Nordlandsbanen‪ - ‬ Minutt for Minutt) بلغت مدته 8 ساعات وهي المدة التي تستغرقها رحلة القطار من مدينة برغن إلى أوسلو. بعده بثلاث سنوات أطلق التلفزيون الفنلندي رحلة قطار مماثلة بعنوان «نوردلاندسبانن - دقيقة بدقيقة» بلغت مدة عرضه 9 ساعات و50 دقيقة. هذا شمل انطلاق القطار في شبه دائرة حول القطب الشمالي تبدأ من محطة ترودهايم وتنتهي في محطة بودو.

كسر هذا الفيلم أرقاماً قياسية بالنسبة لما سبقه من الفصيل ذاته إذ شاهده مليون و200 ألف شخص ما بين 29 ديسمبر (كانون الأول) ومطلع الشهر الثاني من العام التالي.

بعض جاذبية الفكرة تعتمد على أن المشاهد سوف يستمتع بزيارة جغرافيا متباينة وغريبة لم يفكر بها من قبل أو ربما فكر بها ولم يستطع تنفيذها. إذ ينطلق القطار متجاوزاً أول ضوء أخضر في مسيرته، ومنتقلاً من سكة حديد إلى أخرى يعرفها، تتبدى على جانبيه الحياة في المدينة التي انطلق منها: مبانٍ مختلفة. شوارع تسير متوازية. سيارات. أشخاص متدثرين بالمعاطف في ذلك الوقت من العام. شارات كهربائية أخرى ثم ما يلبث المشاهد أن يجد أن حياة المدينة أو البلدة التي انطلق منها القطار تأزف على التغير أمام ناظريه. المباني تصبح متباعدة وكل من فيها يقل عدداً والمزيد من الطبيعة ينبلج أمام العين… أشجار، ثلوج، جسور فوق خط السكة وسماء رمادية… حبات مطر تهطل فوق الزجاج الأمامي للقطار و… الكثير من الثلج.

التهام الطبيعة

لاحقاً ما سيتغير المشهد على التوالي… كلما مضى القطار بعيداً في رحلته، تغيرت الطبيعة أمامه. سهول هنا وجبال هناك وأنفاق تسبق جسوراً معلقة. على الجانبين مزيد من الأراضي الخالية والبراري البعيدة أو بحيرات وأنهر وربما تجد نفسك فوق البحر لفترات قصيرة متكررة.

كل ذلك والكاميرا تدور بصبر وأناة تلتهم ما تراه الكاميرا، وكما في محاولات دييغا ڤرتوڤ التجريبية في العشرينات والثلاثينات، تصبح عين المشاهد ذاته. هي عينه طالما هو متابع لما تتلقفه تلك الكاميرا من مشاهد متوالية لا ترتيب سينمائيا أو تلفزيونيا فيها. أنت والطبيعة عبر عين الكاميرا (Kino‪ - ‬Eye حسب ڤرتوف) لكن بمفهوم مختلف تماماً لا عن تجلياته التجريبية فقط، بل عن كل مفاهيم السينما غير الروائية أو الروائية أو حتى التجريبية. هو نوع و«فورم» مختلف عما عرفته الشاشات حتى مع الأخذ بعين الاعتبار أفلام الأخوين لوميير التي رصدت وصول القطارات إلى المحطة في أفلام لم تتجاوز مدة عرض الواحد منها أكثر من دقيقتين.

ما هو غريب أنك قد لا تخلد للنوم، وبل ربما ستفكر بتغيير المحطة لكنك لن تفعل ذلك. حب الاكتشاف يقودك إلى المتابعة. أمامك فرصة لكي تشاهد الحياة التي لن تخوضها على سطح الأرض كما كانت جزءاً من الحياة على سطح كوكب آخر. القطار الأوروبي الذي سينتقل بك من محطة إلى أخرى في مسيرة دائرية يجعلك، بفضل العين المشتركة بينك وبين الكاميرا، أقرب إلى طير في وجهة محددة. صحيح أنك - كالقطار - لن تخرج عن السكة الحديد لكن السكة الحديد ذاتها (وبالتالي أنت والقطار والكاميرا) ستنعطف هنا وتلتوي هناك وتسير في خط مستقيم يليه منعطف آخر وهكذا.

سبب آخر للمتابعة بجانب حب الاكتشاف حقيقة أن البيئة البصرية التي يتكون بها الفيلم المعروض أقرب إلى تنويم مغناطيسي حتى ولو لم يؤدِ بك إلى النوم. شيء في الذات النفسية لدى عديدين (غالبية من أمضى أكثر من خمس ساعات يواصل الفرجة) يجعلك مهتما برصد ما تشاهده.

نلاحظ هنا أنك لا تقوم بأي جهد سوى المتابعة. كل متر من الأرض التي يمر القطار فوقها وكل صورة من المناظر التي يمر القطار بها هي بمثابة دافع ذاتي غريب يأبى أن تتركه يمضي.

في الساعة الثالثة والثلاثين دقيقة من «نودلاندسبانن» تجد نفسك وسط بحر من الثلوج ترتفع على جانبي السكة. في الأفق غير البعيد غابة من الأشجار المترامية. التحدي هو إذا ما كنت تستطيع أن لا تسأل نفسك كيف سيدخل القطار تلك الغابة؟ ما الذي سيكشفه لك هناك؟ كم ستمتد؟ وما الذي يكمن وراءها.

أفلام وقطارات

بعض النقاد الأجانب الذين كتبوا بالإنجليزية عن ظاهرة «سلو تي ڤي» (قلة لا تتجاوز الخمسة منذ 2009) قارن بين هذا النوع من الأفلام وبين النوع الذي مارسه الأميركي أندي وورهول في فيلم «إمباير» عندما زرع الكاميرا أمام أحد مداخل بناية «إمباير بلدينغ» في نيويورك لثماني ساعات من دون حركة. عبر الفترة تلتقط الكاميرا العابر والداخل والخارج من البشر ولا تفعل أي شيء آخر. حينها (1964). حينها بدأ الأمر فتحاً غير مسبوق. لكن «إمباير» لم يشكل موجة أو ظاهرة (أو «ترندا») وبقي حبيس رغبة صاحبه في التجريب والتغريب. بينما أفلام «سلو تي ڤي» لديها الكثير مما تقوله في الحياة والأكثر من سبل الجاذبية.

المشاهد هنا غالباً ما سيجد نفسه وقد استجاب للعرض حتى مع عدم وجود أي عناصر ترفيهية.

ما يبدو غالباً، في هذا المعيار، تأثير العلاقة بين الإنسان والطبيعة من ناحية، وبينه وبين القطارات من ناحية أخرى.

أفلام القطارات دائماً ما تشبعت بعناصر تثير الفضول. وهي جاءت على أشكال ومواضيع كثيرة.

في Atomic Train (شوهد على محطة NBC سنة 1999 قصة صدام بين قطارين أحدهما محمل بسلاح نووي.

في «المرتزقة» لجاك كارديف (1968) رحلة في قطار يشق طريقه في أدغال أفريقيا وصراع على متنه بين أميركي وألماني.

وفي رواية وفيلم «جريمة في أكسبرس الشرق» لسيدني لومِت (1974) جريمة قتل تقع تتطلب مهارة هركيول بوارو لحلها.

أما «قطار الهروب» (Runaway Train) لأندريه كونتشالوڤسكي (1985) يعتلي مجرمون هاربون من العدالة قطاراً سريعاً حيث تقع معظم الأحداث.

والقطار هو موضوع إحدى تحف الكوميدي بستر كيتون في «الجنرال» (1926) وموضوع صراع لي مارڤن وارنست بورغنين في فيلم روبرت ألدريتش «إمبراطور الشمال» (1973) وهو رمز الحرية في فيلم هال آشبي «آيل للمجد» (Bound for Glory) سنة 1976.

وهو موجود في مئات الأفلام الروائية الأخرى على نحو مفصلي منذ أن قام إدوين إس. بورتر بتحقيق أول فيلم روائي أميركي تزيد مدة عرضه عن عشر دقائق وهو «سرقة القطار العظيمة» (The Great Train Robbery) سنة 1903.

وعلى صعيد تسجيلي محض، لدينا «وصول القطار إلى لاسياتا»، فيلم قام بتحقيقه سنة 1896 الأخوين لوميير.

في حين أن «سرقة القطار العظيمة» يعرض قصة عصابة تسرق ركاب قطار في الغرب الأميركي إلى أن يقضي «الشريف» عليها، اكتفى، والسينما ما زالت وليدة في السنوات الخمس السابقة للقرن العشرين، بتصوير وصول قطار إلى المحطة المذكورة. الكاميرا على الرصيف لا تتحرك. نشاهد رجالاً ونساء وموظفي المحطة ينتظرون وقد اقتراب القطار، ثم خروج الركاب واعتلاء ركاب آخرين القطار.

إلى أن حقق الأميركي بورتر «سرقة القطار العظيمة» تم اكتشاف القدرة على تحريك الكاميرا، لكن في الحالتين هما فيلمان من رصد حدث عمد الأول لما نسميه اليوم بالسينما التسجيلية وانصرف الآخر إلى السينما الروائية.

لكن في كل الأفلام التي صورت قطارات كانت الكاميرا تصور الحياة والأحداث في القطارات وخارجها. توفر الترفيه الكامن في المواضيع المختارة والقصص المثيرة والشخصيات التي نريد أن نعرف ماذا ستفعل ولماذا.

من هنا تركيز الكاميرا على مكان واحد لا يتغير يكمن في وسط مقدمة القطار من الخارج وبدء تشغيل المحرك ثم الانطلاق بينما تبتلع هي اللحظات والمشاهد يبقى شأناً منفصلاً عما سبق. هو الوسيط بين المشاهد وبين العرض. لا حركة خارج ذلك ولا صوت (سوى صوت القطار) ولا فرصة لتنويع من أي نوع. والأغرب من كل ما سبق (أو ربما على ذات الدرجة من الغرابة) أنه يشكل فيلم رحلة سياحية مجانية تكتشف العالم بينما أنت مستلقٍ على سريرك. سواء غلب عليك النعاس أو استمررت في المشاهدة (بعض الأفلام لا يزيد طولها عن ساعة ونصف) فإن المسافة بينك وبين العالم الجديد هي المسافة بين سريرك ذاك وشاشة التلفزيون. أما ما يتيحه لك الفيلم من سفر فلا مقياس له.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة