الهند: 25 مليار دولار إيرادات صناعة الترفيه والإعلام عام 2014

{والت ديزني} و{فوكس القرن العشرين} و{وارنر براذرز} تنافس بوليوود

ملصق لأحد الأفلام الهندية من انتاج {بوليوود}
ملصق لأحد الأفلام الهندية من انتاج {بوليوود}
TT

الهند: 25 مليار دولار إيرادات صناعة الترفيه والإعلام عام 2014

ملصق لأحد الأفلام الهندية من انتاج {بوليوود}
ملصق لأحد الأفلام الهندية من انتاج {بوليوود}

في سبتمبر (أيلول) حقق فيلم بوليوود «خوبسورات» أرباحا طائلة، وجاء في المرتبة التالية فيلم «بانغ بانغ» الذي حقق نجاحا فائقا.
قام بإنتاج الفيلمين شركتا والت ديزني وفوكس إنترناشيونال بالترتيب. وفي كل شهر، يجري إنتاج فيلم أو أكثر من أفلام بوليوود التي تعرض على شاشات السينما بصورة مستقلة أو في تعاون بين استوديوهات عالمية في الهند.
نمت صناعة الترفيه والإعلام في الهند بنسبة 19 في المائة في العام الماضي، بإيرادات تقدر بـ20 مليار دولار أميركي، ومن المتوقع أن تصل إلى 25 مليارا في عام 2014، وفقا لتقرير صدر عن «إرنست آند يونغ» للاستشارات؛ لذلك ليست مفاجأة أن تدخل شركات هوليوود مثل والت ديزني وفوكس القرن العشرين وفياكوم 18، ووارنر براذرز وسوني بيكتشرز إلى سوق الأفلام الهندية وأن تعمل على إنتاج أو تسويق أو توزيع أفلام هندية.
ما الذي يجذب الاستوديوهات العالمية إلى الهند؟
تعد صناعة السينما الهندية من أكبر الكيانات المنتجة للأفلام في العالم، بل الأكبر على الإطلاق، إذ يجري إنتاج أكثر من 1200 فيلم سنويا بأكثر من 20 لغة، ويجري بيع ما يزيد على 3.3 مليار تذكرة سنويا، مما يجعل الهند صاحبة أكبر عدد من رواد السينما. ويبلغ حجم صناعة السينما الهندية 5 مليارات دولار، ومن المتوقع أن تزداد بمعدل نمو سنوي يصل إلى 14.1 في المائة.
بالإضافة إلى ذلك، من الأسهل تحقيق الربح في الهند بدلا من لوس أنجليس، حيث يبلغ متوسط تكلفة إنتاج الفيلم في بوليوود نحو مليوني دولار فقط، في مقابل 47.7 مليون دولار في هوليوود. كما تنخفض تكاليف التسويق كثيرا في الهند. بدأت شركات هوليوود في اكتشافها للهند من خلال دبلجة أفلامها باللغة الهندية ولغات محلية. وفي الوقت الحالي أصبحت نسبة تتراوح ما بين 40 إلى 50 في المائة من إيراداتها تأتي من الأفلام المدبلجة باللغات الهندية.
ورغم وجود والت ديزني في الهند منذ عام 2009، فإن فيلم «خوبسورات» هو أول فيلم ناطق باللغة الهندية يجري الإعلان رسميا أنه من إنتاج ديزني في الهند. كانت الأفلام الأخرى من إنتاج الشركة مع شريك هندي «يو تي في». ولكن يعد تقديم الفيلم رسميا على أنه من إنتاج ديزني بالكامل خطوة في استراتيجية أكبر، حيث تحاول الشركة الاقتراب باسمها الشهير من أذواق مشاهدي الأفلام في الهند، وسط دفعة أكبر تتقدم بها في الدول ذات الأسواق الاقتصادية الناشئة الرئيسة. سيكون الإصدار التالي من ديزني في بوليوود «حيدر وبي كي»، بطولة شاهد كابور وعامر خان.
ومن بين جميع الشركات البارزة التي دخلت سوق بوليوود، تبدو شركتا فوكس ستار استوديوز، التي تعد مشروعا مشتركا بين فوكس القرن العشرين وستار المملوكتين لقطب الإعلام روبرت ميردوخ، الأكثر طموحا، حيث يوجد 28 عملا هنديا في انتظار الصدور في عام 2014، فيما يعادل فيلما كل أسبوعين. يقول فيجاي سينغ، الرئيس التنفيذي لفوكس ستار استوديوز: «تقوم الشركة بتأكيد قوي على وجودها طرفا رئيسا في مجال صناعة الأفلام الهندية». كما تشارك فوكس ستار أيضا في إنتاج الفيلم المقبل «بومباي فيلفت». وسوف تطرح شركة هوليوود الكبرى، التي دخلت السوق الهندية في عام 2008، الأفلام الـ28 في دور السينما على مدار 52 أسبوعا باللغات الهندية والتاميل والإنجليزية. يشار إلى أن مثل هذا العدد من الأفلام يفوق حجم إنتاج أي شركة عالمية أخرى في الهند. وتملك الشركة خططا تجارية أيضا سوف تنفذها في غضون الشهور المقبلة. ومن بينها إقامة شراكة مع «فيشيش فيلمز» في صفقة تتضمن 3 أفلام، ومع المخرج أمول غوبتا لإنتاج فيلم «هاوا هاواي»؛ كما تتعاون مع شركات جديدة مثل «بوجا للترفيه والأفلام»، وأخرى قديمة مثل «فانتوم» و«إلومينيتي» و«إنديمول إنديا». أما شركة فياكوم 18، التي تجسد مشروعا مشتركا بين شركتي فياكوم ونتوورك 18، فتنتج أفلاما تحت اسم «فياكوم 18 موشن بيكتشرز» في الهند. وكان أحدث الأفلام التي أنتجتها فيلم «باغ ماليكا باغ» الذي حقق نجاحا كبيرا، بالإضافة إلى أفلام أخرى مثل «الرئيس» و«إنكار» و«سبيشال شابيز» و«صاحب بيو أور عودة الرجل العصابة»... إلخ. كما أطلقت فياكوم 18 قناة «كولورز» (ألوان) التي تعد من أبرز قنوات الترفيه في الهند. وتعد وارنر براذرز من شركات الإنتاج السينمائي الكبرى في هوليوود التي أقامت قاعدة تابعة لها في الهند. منذ عام 2008، أنتجت وارنر براذرز عددا من الأفلام مثل «يوت باتناج» و«فاس غاي ري أوباما» و«جان كاهان سي آي هاي» و«أتيثي توم كاب»... إلخ.
ولكن الطريق في الهند لم يكن ممهدا أمام الشركات العالمية. خاضت شركة وارنر براذرز أسوأ تجربة لها في البداية عندما فشلت محاولتها الإنتاجية الأولى ذات الميزانية المنخفضة، وكذلك مشروعها الأكبر «تشاندي تشوك إلى الصين» بطولة أكشاي كومار وديبيكا بادوكون. وفي وقت لاحق، حققت الشركة أرباحا بإنتاج فيلم «أتيثي توم كاب جاوغ؟» (عزيزي الضيف متى ستغادر؟). وأقامت شركة سوني اليابانية العملاقة مكتبا للإنتاج في الهند يحمل اسم سوني بيكتشرز إنديا. وكانت أول شركة من هوليوود تعيد إنتاج فيلم بوليوود «سواريا».
نقلت وسائل الإعلام عن جواهر شارما، المدير الإداري لشركة «ريلايانس بيغ بيكتشرز»، قوله إن مكتبات النصوص في الشركات العالمية هي أكبر ميزة، تستفيد منها الشركات في إعادة إنتاج أفلام هوليوود بخلفية هندية. علاوة على ذلك، تملك الاستوديوهات الأجنبية مزيدا من الأموال لتعزيز جودة الإنتاج في الأفلام الهندية.
يعد فيلم «بانغ بانغ» الذي ينتمي لفئة أفلام الحركة في بوليوود والمصنف في المجموعة الأولى في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، وهو من إنتاج فوكس ستار، نسخة جديدة رسمية من فيلم «فارس ويوم» الذي قام ببطولته توم كروز.
على مدار الأعوام، تعاونت شركة إيروز إنترناشيونال مع أرقى المواهب في الصناعة. وهي أول شركة ترفيه هندية تطرح للتداول في بورصة نيويورك. بعد إنتاج أفلام ناجحة مثل «رام ليلا» و«رانجاهانا» و«راجكومار» في العام الماضي، تستمر إيروز في إقامة شراكات مع منتجي أفلام بارزين وشركات إنتاج كبرى مثل «إيلوميناتي» و«مادوك» و«فانتوم فيلمز».
كانت شركة «إنديمول الهند» الذراع الهندية لشركة الأفلام الهولندية «إنديمول» طرفا رئيسا في ساحة الإنتاج التلفزيوني الهندية، إذ قدمت برامج مثل «بيغ بوس» و«أرض الخوف». وأعلنت الشركة أيضا عن المشاركة في إنتاج 3 أفلام بالتعاون مع إيروز العالمية، وخرجت بكيان منفصل يحمل اسم «آيدنتيتي موشن بيكتشرز». كما تعرض شبكة «بي بي سي» بعض البرامج الناجحة على التلفزيون الهندي بالإضافة إلى قنوات الأطفال التي تديرها ديزني في الهند. كما تدخل استوديوهات هوليوود أيضا سوق السينما الإقليمية الهندية. على سبيل المثال أنتجت استوديوهات فوكس لمحبي أفلام التاميل «إنغايوم إيبوثم» (في كل مكان طوال الوقت).
من جانب آخر، يجري الممثل والمنتج السينمائي البوجبوري رافي كيشان محادثات مع شركة إنتاج عالمية. ويشار إلى أن نحو 75 فيلما باللغة البوجبورية يجري إنتاجهم سنويا وتحقق عائدات تبلغ أكثر من ملياري روبية. وينمو هذا المبلغ سنويا بنسبة 20 في المائة، حيث يشاهد نحو 350 مليون شخص أفلاما بوجبورية في شمال هند وخارج البلاد. وتأتي نحو 50 في المائة من أرباح الأفلام في الهند من أفلام محلية، وفقا لإحصائيات صادرة عن محللين.
يقول جهيل ثاكار، مدير الإعلام والترفيه في «كيه بي إم جي الهند»: «يمكن أن يفتح فيلم ناجح بابًا لأرباح طائلة أمام شركات الإنتاج العالمية. ومن المنتظر شركات فوكس وفياكوم 18 وديزني لإنتاج أفلام باللغات البنغالية والمالايامية والبوجبورية». يقول سنيغ إن شركة فوكس تناقش إبرام مزيد من تعاقدات الشراكة في إنتاج أفلام ناطقة باللغات التاميلية والبنغالية والمالايامية. وقد أصدرت والت ديزني الهند فيلم مغامرات خياليا بلغة التيلجو باسم «أنغاناغا أو ديرودو». وقال فيكرام مالهوترا، الرئيس التنفيذي لفياكوم 18 موشن بيكتشرز: «نحن نتفاوض حول الكثير من نماذج العمل مع شركاء محلية لدخول ساحة الأفلام الناطقة بلغات محلية في الربعين الرابع والخامس التاليين».
تعلم شركات هوليوود أن نشاط الأفلام المحلية يختلف عن الهندية، وأن المكاسب التي تحققها دور العرض تقدم نسبة أعلى من الربح. يقول تيمي قندهاري، المدير التنفيذي للترفيه والإعلام في «بي دبليو سي الهند»: «إن هذه الأفلام تستمر لفترات أطول في دور العرض مقارنة بالأفلام الهندية، كما أنها تحقق أرباحا أكبر». وأضاف مالهوترا من فياكوم 18 أن «السينما الناطقة بلغات محلية تعمل بصورة أفضل في القضايا والموضوعات التي تحتل قلوب المتحدثين باللغة».



الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يخلق تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليخلق بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».