«نيران صديقة» في الجهاز المناعي تساعد الفيروس بدلاً من استهدافه

«نيران صديقة» في الجهاز المناعي تساعد الفيروس بدلاً من استهدافه

تتسبب في بعض حالات «كوفيد ـ 19» الشديدة
الاثنين - 10 صفر 1442 هـ - 28 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15280]
عامل صحة يجري فحص أجسام مضادة في بالي (أ.ب)

مثل اللاعب الذي يسجل في شباكه، أو ما يُعرف بـ«النيران الصديقة»، يُمكن أن يفعل جهاز المناعة، ويتحول من مهاجم لفيروس «كورونا» إلى أداة تمنحه القدرة على السيطرة على الجسم، مسبباً أعراضاً حادة من مرض «كوفيد-19».

وخلال دراسة نشرت في 24 سبتمبر (أيلول) الحالي، وقادها جان لوران كازانوفا، من معهد هوارد هيوز الطبي في جامعة روكفلر بأميركا، تم التوصل إلى أن ما لا يقل عن 3.5 في المائة من مرضى «كوفيد-19» لديهم طفرات في الجينات المشاركة في الدفاع المضاد للفيروسات، وما لا يقل عن 10 في المائة من المرضى المصابين بمرض شديد يصنعون «أجساماً مضادة ذاتية» تهاجم جهاز المناعة، بدلاً من محاربة الفيروس.

ويقول كازانوفا، في تقرير نشره الموقع الإلكتروني لمعهد هوارد هيوز، إن «رؤية هذه الأجسام المضادة الضارة لدى كثير من المرضى (101 من 987) كانت ملاحظة مذهلة، وهي تقدم التفسير الأول للسبب في أن «كوفيد-19» يمكن أن يكون شديداً جداً لدى بعض الأشخاص، في حين أن معظم المصابين بالفيروس نفسه بخير.

ويضيف أن هذا العمل له آثار فورية على التشخيص والعلاج، حيث إنه إذا كانت نتيجة اختبار شخص ما إيجابية للفيروس، فينبغي اختبار الأجسام المضادة الذاتية، فمن المحتمل أن إزالة مثل هذه الأجسام المضادة من الدم يمكن أن تخفف من أعراض المرض.

وبدأ فريق كازانوفا، بالتعاون مع الأطباء في جميع أنحاء العالم، لأول مرة في تسجيل مرضى «كوفيد-19) في دراستهم خلال شهر فبراير (شباط) الماضي. وفي ذلك الوقت، كانوا يبحثون عن الشباب المصابين بأشكال حادة من المرض للتحقيق فيما إذا كان هؤلاء المرضى يعانون من نقاط ضعف أساسية في أجهزتهم المناعية تجعلهم معرضين بشكل خاص للفيروس.

وكانت الخطة هي فحص جينومات المرضى، وعلى وجه الخصوص مجموعة من 13 جيناً تشارك في مناعة الإنترفيرون (بروتينات صغيرة ذات أنواع عدة تنتجها الخلايا اللمفاوية T المنشطة) ضد الإنفلونزا.

وفي الأشخاص الأصحاء، تعمل جزيئات الإنترفيرون، بصفتها نظام أمان للجسم، على اكتشاف الفيروسات والبكتيريا الغازية، وتطلقون ناقوس الخطر، الأمر الذي يجلب المدافعين المناعيين الآخرين إلى مكان الحادث.

واكتشف فريق كازانوفا سابقاً طفرات جينية تعيق إنتاج الإنترفيرون ووظيفته، والأشخاص المصابون بهذه الطفرات هم أكثر عرضة لبعض مسببات الأمراض، بما في ذلك تلك التي تسبب الإنفلونزا.

ويعتقد الفريق البحثي أن العثور على طفرات مماثلة في الأشخاص المصابين بـ«كوفيد-19» يمكن أن يساعد الأطباء في تحديد المرضى المعرضين لخطر الإصابة بأشكال حادة من المرض، ويمكن أن يشير أيضاً إلى اتجاهات جديدة للعلاج.

وفي مارس (آذار) الماضي، كان فريق كازانوفا يهدف إلى تسجيل 500 مريض مصاب بمرض «كوفيد-19» الحاد في جميع أنحاء العالم في دراستهم. وبحلول أغسطس (آب)، كان لديهم أكثر من 1500 مريض. ولديهم الآن أكثر من 3 آلاف مريض. وعندما بدأ الباحثون في تحليل عينات المرضى، بدأوا في الكشف عن الطفرات الضارة لدى الأشخاص الصغار والكبار.

ووجد الفريق أن 23 من أصل 659 مريضاً خضعوا للدراسة لديهم أخطاء في الجينات المسؤولة عن إنتاج مضاد للفيروسات. وقد أثار ذلك فكرة جديدة، وهي أنه ربما كان المرضى المصابون بـ«كوفيد-19» الشديد يفتقرون أيضاً إلى الإنترفيرون، ولكن لسبب مختلف، فربما كانت أجسام بعض المرضى تؤذي هذه الجزيئات، كما هو الحال في اضطرابات المناعة الذاتية، مثل داء السكري من النوع 1، والتهاب المفاصل الروماتويدي، وقد يصنع بعض المرضى أجساماً مضادة تستهدف الجسم.

وكشف تحليل الفريق لـ987 مريضاً مصاباً بـ«كوفيد-19» المهدِد للحياة عن ذلك تماماً، حيث كان لدى ما لا يقل عن 101 من المرضى أجسام مضادة ذاتية ضد مجموعة متنوعة من بروتينات الإنترفيرون.

واكتشف الباحثون أن هذه الأجسام المضادة تمنع عمل الإنترفيرون، ولم تكن موجودة في المرضى الذين يعانون من حالات «كوفيد-19» الخفيفة.

وتقول المؤلفة المشاركة في الدراسة إيزابيل ميتس، طبيبة الأطفال في مستشفيات جامعة لوفان الكاثوليكية في بلجيكا، التي ساعدت في وقت سابق من هذا العام في تسجيل المرضى في الدراسة وجمع العينات وإجراء التجارب: «إنه اكتشاف غير مسبوق. ومن خلال اختبار وجود هذه الأجسام المضادة، يمكنك تقريباً التكهن بمن سيصاب بمرض شديد».

ووجد الفريق أن الغالبية العظمى (94 في المائة) من المرضى الذين يعانون من الأجسام المضادة الضارة هم من الرجال.

وتقول ميتس إن الرجال أكثر عرضة للإصابة بأشكال حادة من «كوفيد-19»، ويقدم هذا العمل تفسيراً واحداً لهذا التباين بين الجنسين.

ومن جانبه، يثني د. خالد عبد الفتاح، أستاذ الفيروسات بجامعة الزقازيق (شمال شرقي القاهرة)، على نتيجة الدراسة، كونها تكشف عن أحد ألغاز فيروس كورونا، وهو التباين في شدة الإصابة بين الحالات.

ويقول عبد الفتاح لـ«الشرق الأوسط» إن اكتشاف الأجسام المضادة التي تهاجم الجسم، بدلاً من الدفاع عنه، ليس نهاية المطاف، بل إن هناك حاجة لاستكمال هذا العمل بمعرفة المحرك الجيني وراء تلك الأجسام.


فيروس كورونا الجديد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة