ارتفاع الإصابات أوروبياً ينذر بكارثة وبائية جديدة

مسؤولون يحذرون من أن تكون الموجة الثانية أقسى من الأولى

مارة يمشون في أحد شوارع باريس شبه الخالية أمس (إ.ب.أ)
مارة يمشون في أحد شوارع باريس شبه الخالية أمس (إ.ب.أ)
TT

ارتفاع الإصابات أوروبياً ينذر بكارثة وبائية جديدة

مارة يمشون في أحد شوارع باريس شبه الخالية أمس (إ.ب.أ)
مارة يمشون في أحد شوارع باريس شبه الخالية أمس (إ.ب.أ)

بعد 8 أشهر على الدوي الصامت الذي أحدثه انفجار «كوفيد-19» في أوروبا، انطلاقاً من إيطاليا وإسبانيا، قبل أن يتمدد في أوصال الاتحاد، تقف الدول الأوروبية مجدداً على شفير كارثة الموجة الثانية التي يُخشى أن تكون أقسى من الأولى، خاصة أنها قد تتزامن مع موسم الإنفلونزا الذي يشكل عادة ذروة الازدحام في المنشآت الصحية التي بات بعضها قاب قوسين من بلوغ أقصى قدرته الاستيعابية في وحدات العناية الفائقة المخصصة لمعالجة الإصابات الخطرة بفيروس كورونا المستجد.
وبعد الإنذار الذي صدر عن المفوضية الأوروبية والمركز الأوروبي لمكافحة الأوبئة، بأن بلدان الاتحاد أمام الفرصة الأخيرة لمنع تكرار المشهد الكارثي الذي عاشته في مارس (آذار) الماضي، يستعد المسؤولون في المؤسسات الأوروبية لفصل جديد من الإقفال التام في بعض البلدان، بدءاً من مطالع الشهر المقبل، وينكبون على وضع اللمسات الأخيرة على حزمة من التدابير المشتركة لضمان الحد الأدنى من المواصلات الداخلية بين بلدان الاتحاد، واستمرار الأنشطة الاقتصادية الأساسية خلال فترات العزل التي ينتظر أن تتفاوت مواقيتها بتفاوت خطورة الوضع الوبائي في الدول الأعضاء.
ويفيد التقرير الدوري الأخير للمركز الأوروبي لمكافحة الأوبئة أن أوروبا ما زالت بعيدة جداً عن «مناعة القطيع» التي ما زال بعضهم يراهن عليها في غياب العلاج الشافي، وفي انتظار اللقاح الذي لم تحدد أي جهة رسمية بعد موعداً نهائياً لظهوره، حيث إن نسبة الإصابات المؤكدة من مجموع السكان في معظم البلدان الأوروبية ما زالت دون 15 في المائة، فيما تقتضي هذه المناعة نسبة تتجاوز 65 في المائة.
وحذر التقرير من أن خطورة الوضع الوبائي الراهن في أوروبا تكمن في أمرين: من ناحية ارتفاع معدل الإصابات من الفحوصات إلى 5 في المائة، ما يدل على سرعة سريان الفيروس؛ ومن ناحية أخرى كون معظم الإصابات الجديدة تقع ضمن الفئة العمرية دون الخمسين، وأن 44 في المائة من الحالات الخطرة تصيب هذه الفئة.
وكانت مفوّضة الصحة الأوروبية، ستيلا كيرياكيديس، قد ناشدت جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الإسراع في اتخاذ التدابير اللازمة لاحتواء الوباء قبل فوات الأوان، وقالت: «إذا كان العزل التام هو خط الدفاع الأخير في وجه الوباء، فإن سلوك المواطنين هو خط الدفاع الأول الأكثر فاعلية الذي يحول دون العودة إلى فرض التدابير التي ستنشأ عنها عواقب وخيمة على صحتنا العقلية واقتصادنا وتربية أولادنا، وكل مناحي الحياة».
وفي تعليقها على الاستنتاجات والتوصيات التي تضمنها التقرير الأخير للمركز الأوروبي لمكافحة الأوبئة، قالت مديرة المركز، آندريا آمون، إن تزامن ارتفاع عدد الحالات الخطرة مع ارتفاع عدد الإصابات الجديدة الذي تجاوز مرحلة الذروة خلال الموجة الأولى في بعض البلدان، يدل على أننا «ما زلنا نجهل أموراً أساسية كثيرة عن هذا الفيروس»، ولم تستبعد أن تكون الموجة الثانية أسوأ من الموجة التي شهدتها بعض البلدان الأوروبية في الربيع الفائت.
وكانت أرقام الساعات الأخيرة قد رسمت مشهداً وبائياً مثيراً للقلق في أوروبا ومناطق أخرى من العالم، فيما حذر صندوق النقد الدولي من أن التبعات الاقتصادية لأزمة «كوفيد-19» على البلدان النامية والأقل نمواً باتت تهدد بالقضاء على المنجزات الإنمائية التي تحققت في العقود الثلاثة المنصرمة، وأن بعض البلدان الأفريقية تواجه خطراً داهماً بالمجاعة.
وكان الصندوق قد دعا الدول الأعضاء في مجموعة الدول الصناعية السبع إلى شطب مستحقات ديون الدول الفقيرة لسنة كاملة من أجل مساعدتها على مواجهة الأزمة، لكن وزراء المالية في المجموعة قرروا شطبها لستة أشهر خلال الاجتماع الذي عقدوه أمس، وناقشوا خلاله خطة لمساعدة هذه البلدان تعرض على القمة المقبلة.
وفي أوروبا، لا تزال إسبانيا تشكل مصدر القلق الرئيسي، بعد أن تجاوزت إصاباتها الإجمالية 700 ألف منذ بداية الأزمة، وسجلت أكثر من 10 آلاف إصابة جديدة في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة. وبعد أن تحولت مدريد إلى «قنبلة فيروسية»، على حد تعبير رئيس قسم العلوم الوبائية في جامعة هارفارد، ميغيل هرنان، أفادت السلطات الصحية في العاصمة الإسبانية أن وحدات العناية الفائقة في مستشفياتها وصلت إلى 95 في المائة من قدرتها الاستيعابية، وأعلنت أن وحدات من الجيش والشرطة الوطنية ستبدأ من مطلع الشهر المقبل بمراقبة تنفيذ تدابير العزل والوقاية التي تقررت توسعتها لتشمل 8 أحياء جديدة، إضافة إلى 37 أخرى تعيش تحت العزل الجزئي منذ بداية هذا الأسبوع. وما زالت الحكومة الإقليمية في مدريد تقاوم الضغوط التي تتعرض لها من الجهات العلمية والطبية والحكومة المركزية لفرض الإقفال التام قبل أن يفوت الأوان، ويتكرر المشهد المأساوي الذي عاشته العاصمة الإسبانية ومستشفياتها في النصف الثاني من مارس (آذار) الماضي.
وفي فرنسا التي حطمت أول من أمس رقماً قياسياً في عدد الإصابات اليومية الجديدة التي تجاوزت 16 ألفاً للمرة الأولى منذ بداية الجائحة، اقترب العدد الإجمالي للإصابات من نصف المليون، فيما أعلنت الحكومة منع التجمعات الكبيرة التي تزيد على ألف شخص، وقال وزير الصحة إن «جميع التدابير أصبحت مطروحة على طاولة القرار لمنع خروج الوضع الوبائي عن السيطرة».
وفي حين تجاوزت الإصابات اليومية في الهند 86 ألفاً، وبلغت 33 ألفاً في البرازيل التي ما زالت تسجل معدلاً يومياً للوفيات يقارب الألف، حطمت بريطانيا رقماً قياسياً آخر تجاوز الستة آلاف لليوم الثاني أمس، وأدرجت مجموعة أخرى من الدول على القائمة الحمراء، بينها الدانمارك وآيسلندا وسلوفاكيا وتشيكيا. وإذ أفادت السلطات الصينية بعدم ظهور أي إصابة محلية جديدة لليوم الأربعين على التوالي، قال رئيس شركة «سينوفاك» التي تطور اللقاح الصيني الأكثر تقدماً إن حملة التلقيح المكثّفة ستبدأ مطلع العام المقبل في جميع أنحاء البلاد، وإن كميات كافية من اللقاح ستوزع على البلدان الفقيرة لتلقيح أفراد الطواقم الطبية وأجهزة الخدمات الأساسية.
وفي ألمانيا، أعلنت شركة الطيران «لوفتهانزا» أنها ستبدأ بإجراء فحوصات قبل الصعود إلى الطائرة في الرحلات المتجهة إلى الولايات المتحدة خلال مرحلة أولى بدءاً من الشهر المقبل، وذلك تجاوباً مع توصيات الرابطة الدولية للطيران المدني (إياتا) التي اقترحت هذا الإجراء بديلاً لتحاشي فرض الحجر الصحي الذي ألحق ضرراً كبيراً في حركة النقل الجوي.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».