«داعش» يفشل في بناء دولة بالعراق وسوريا

تدهور الأوضاع المعيشية في المناطق التي يسيطر عليها مع قوانين صارمة وخدمات تنهار.. والأسعار ترتفع والعقاقير نادرة والأمراض تتزايد

آثار الخراب والدماء في أحياء الموصل (واشنطن بوست)
آثار الخراب والدماء في أحياء الموصل (واشنطن بوست)
TT

«داعش» يفشل في بناء دولة بالعراق وسوريا

آثار الخراب والدماء في أحياء الموصل (واشنطن بوست)
آثار الخراب والدماء في أحياء الموصل (واشنطن بوست)

يبدو أن تجربة بناء دولة، التي يتباهى بها تنظيم داعش، تتداعى مع تدهور الأوضاع المعيشية في المناطق التي يسيطر عليها، مما يكشف مواضع قصور التنظيم، الذي يكرس جلّ جهده لخوض المعارك وفرض قوانين صارمة. الخدمات تنهار، والأسعار ترتفع، والعقاقير نادرة الوجود، في بلدات ومدن «الخلافة» التي أعلنها التنظيم في العراق وسوريا على حد قول السكان، وهو ما يثبت كذب التنظيم الذي يزهو بتقديمه نموذجا مثاليا لحكم المسلمين. ولا تتطابق المقاطع المتطورة المصورة التي ينشرها التنظيم وتظهر بها مكاتب حكومية يسير العمل بها على ما يرام وكذا مساعدات يتم توزيعها، مع الواقع الذي يعاني فيه السكان من الحرمان وانعدام التنظيم والقيادة المتخبطة على حد قولهم. ولم تظهر عملة «الدولة الإسلامية» التي تم التغني بها إلى حيز الوجود، وكذلك الحال بالنسبة إلى جوازات السفر التي وعد بها التنظيم.
والوضع في المدارس لا يسير كما ينبغي، وهناك نقص في الأطباء، والأمراض في تزايد.
وفي مدينة الموصل العراقية، أصبح الماء غورا لنفاد الكلور على حد قول صحافي يقيم هناك، لكنه رفض ذكر اسمه حفاظا على سلامته الشخصية. ويقول إن مرض الالتهاب الكبدي الوبائي قد انتشر، والدقيق قد ندر. وأضاف: «لم تعد هناك حياة في المدينة تقريبا. يبدو الأمر وكأننا نعيش في سجن كبير».
أما في مدينة الرقة السورية، التي أعلنها التنظيم عاصمة له، تتوافر المياه والكهرباء لنحو 3 أو 4 ساعات يوميا على الأكثر، في حين تتراكم القمامة، ويقتات فقراء المدينة على فضلات الطعام في الشوارع المزدحمة بالباعة الذين يقتنصون أي شيء يجدونه، كما يوضح أهل المدينة. ويظهر في مقاطع مصورة التقطتها سرا مجموعة من النشطاء نساء وأطفال يصرخون من أجل الحصول على صدقات من الطعام، في حين يأكل مسلحون أجانب الطعام الشهي، في إشارة إلى الفجوة التي بدأت تثير الاستياء.
جزء كبير من المساعدات مقدمة من هيئات إغاثة أجنبية، لا تزال تساعد سرا سكانا في مناطق سورية يسيطر عليها تنظيم داعش. وتمول الولايات المتحدة عيادات رعاية صحية، وتوفر أغطية، ومواد تغطية بلاستيكية، وأشياء أخرى لمساعدة المواطنين المحتاجين في الصمود خلال فصل الشتاء على حد قول مسؤول أميركي رفض ذكر اسمه نظرا لحساسية الموضوع.
ولا تزال الحكومة السورية تدفع الرواتب لموظفي الدولة الذين يساعدون في الحفاظ على ما تبقى من البنية التحتية المتقوضة في المدن السورية والعراقية على حد سواء، ويذهبون شهريا لتقاضي رواتبهم من مكاتب في مناطق تسيطر عليها الحكومة السورية.
وقال المسؤول الأميركي: «لا يعلم تنظيم داعش كيفية إدارة الأمور. وعندما يحدث نقص في العمالة، يصيبهم اليأس. إنه ليس لديه طاقم كامل من المهندسين وغيرهم لإدارة شؤون المدن، لذا ينهار الوضع».
وهناك مؤشرات على تداعي الروح المعنوية على الأقل بين بعض المقاتلين ممن اصطدمت توقعاتهم بإحراز نصر سريع بالضربات الجوية التي يشنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. وقد دعا منشور تم توزيعه في مدينة الرقة خلال الشهر الحالي المقاتلين، الذين كانوا يوفرون جهودهم، إلى الانضمام إلى خطوط المواجهة، وتم إنشاء قوة شرطة جديدة تنتقل من منزل إلى آخر لإخراجهم. ولا يوجد ما يشير إلى أن تلك الصعوبات ستؤدي إلى تمرد، على الأقل قريبًا. ويمنع الخوف من إقامة الحدود وغياب بدائل المواطنين من الجهر بشكواهم على حد قول سكان المدينة في مقابلات أجريت أثناء زياراتهم إلى تركيا أو عن طريق الإنترنت. مع ذلك يقوض هذا الوضع المتدهور على الأقل جانبا مهما من هوية تنظيم داعش كدولة يسعى إلى إعادة إحياء الخلافة التي حكمت العالم الإسلامي خلال القرن السابع الميلادي. الحكم عنصر أساسي لتحقيق هذا الهدف مثلما كان الحال في الغزوات، وهو ما دفع مقاتلي التنظيم إلى الانتشار في أكثر أنحاء سوريا والعراق خلال العام الماضي.
أضعفت الهجمات التي نفذها التحالف الدولي بقيادة أميركية الزخم الذي حظي به التنظيم في ساحة المعركة وساعد في صد هجمات التنظيم على عدة جبهات من بلدة كوباني، أو عين العرب، الصغيرة في شمال سوريا إلى مزارع جنوب بغداد. كذلك يثير عجز التنظيم عن تقديم الخدمات في المناطق التي تقع تحت سيطرته تساؤلات بشأن مدى قابلية طموحاته للصمود.
وقال أحد النشطاء في مدينة دير الزور شرق سوريا: «ليس تنظيم داعش هو ذلك الوحش الخفي الذي بإمكانه السيطرة على كل شيء وهزيمة الجميع». ورفض الناشط الإفصاح عن هويته عند وصفه لتدني مستوى الخدمات بالمدينة. وأضاف قائلا: «كل ما يقال عن مهارة التنظيم في الإدارة غير صحيح. ليس هذا سوى صورة غير حقيقية. إنهم يفتقرون إلى الخبرة».
ولعل هذا الفارق أوضح ما يكون في مدينة الرقة، أول المدن الكبرى التي وقعت تحت سيطرة تنظيم داعش منذ ما يزيد على العام وتعد مهد تجربته في الحكم. وقال أحد رجال الأعمال من مدينة الرقة والذي سافر إلى الموصل مؤخرًا إن الموصل أفضل حالا من مدينته السورية التي يواجه أهلها شبح الجوع والقصف الجوي من قبل النظام السوري الذي يسفر عن مقتل مدنيين في أغلب الأحوال.
ولعب القصف الجوي دورا مهما في تقويض البنية التحتية، فقد قصف سلاح الجو الأميركي أهدافا لتنظيم داعش وكذا ساهم في إجبار التنظيم على التخلي عن كثير من المباني الحكومية التي سيطر عليها. وزادت الهجمات الأميركية ضد مصافي النفط الصغيرة المتواضعة، التي يعتمد عليها كثير من المواطنين كمصدر للدخل، من الحرمان، وخلفت ورائها الكثيرين من دون مصدر دخل، وأدت إلى ارتفاع الأسعار.
يبدو أن قدرة «داعش» على الإدارة، كما توحي بها الصورة السائدة، أمر مشكوك فيه على حد قول سوريين. من يستطع الهروب من المناطق التي يسيطر عليها التنظيم هرب، وكان من بينهم مهنيون مهاراتهم ضرورية لتقديم الخدمات الحكومية. ويقول سوريون إن شبكة من أمراء الظل يشرفون على إدارة «داعش». وغالبا ما يشغل سوريون أو أجانب يفتقرون إلى مهارات الإدارة أو المهارات الفنية مناصب متدنية. وقال عامل إغاثة سوري يتعامل بانتظام مع مسؤولي «داعش» رفض ذكر اسمه حتى لا يخسر صفقاته مع التنظيم: «أصبح تنظيم (داعش) أكبر من أن يسيطر على ذاته». ويرى أنهم يتمتعون بقوة العزيمة ومتعاونون، «لكنهم يفتقرون إلى الذكاء والقدرة والخبرة».
وتكون تعاملات أكثر المواطنين مع «داعش» مع قوات الشرطة وأجهزة الأمن المنتشرة في كل مكان بما فيها دوريات الحسبة سيئة السمعة التي تجوب الشوارع بحثا عن المخالفين لقوانين الشريعة الإسلامية.
ويغلق أصحاب محلات الأحذية محلاتهم 5 مرات من أجل أداء الصلاة، وأقلع المدخنون عن التدخين خوفا من الحكم عليهم بالسجن لمدة 3 أيام عند القيام بذلك للمرة الأولى وشهر عند تكرار ذلك. وتزداد حالات الإعدام العلني كعقاب على السرقة والتجديف والمعارضة. وهناك عقوبة جديدة لممارسة المثلية الجنسية وهي القذف من أعلى مبنى مرتفع، وقد نُفذت مرتين خلال الأسابيع القليلة الماضية.
مع ذلك يرى البعض أن هذا النظام أفضل من نظام الأسد.
على الجانب الآخر، تراجعت معدلات الجريمة ويرحب كثير من السكان بهذا النظام بديلا لحالة غياب القانون التي سادت أيام وجود الثوار السوريين المعتدلين. لقد اعتاد السوريون الذين عاشوا لعقود تحت حكم الرئيس بشار الأسد على طاعة الأوامر وتكيف كثير منهم مع القوانين الجديدة على حد قول موظف حكومي بقسم الضرائب السابق الذي يتقاضى راتبه من الحكومة رغم أنه لم يعد يعمل. وأضاف قائلا: «ليس تنظيم داعش بقسوة النظام السوري. إن لم تقم بتصرف خاطئ، بحسب معاييرهم لا معاييرنا، فلن يزعجوك».
مع ذلك أحيانا يعرقل التطبيق الصارم للقوانين جهود تقديم الخدمات؛ فعندما أسرع عمال الكهرباء لإصلاح الخطوط التي تضررت جراء القصف الجوي من قبل نظام الأسد في مدينة دير الزور، اعتقلهم وجلدهم تنظيم داعش بسبب العمل وقت الصلاة بحسب ما أوضح ناشط في مدينة دير الزور.
كذلك تم اعتقال كل طاقم العمل في واحدة من بين 4 مستشفيات لا تزال تقدم خدماتها أثناء أحد الاجتماعات لأن ثلاثتهم كانوا يدخنون. ولا يوجد ما يشير إلى أي تأثير على دخل «داعش»، الذي يُقدر بنحو 12 مليون دولار شهريا.
ولا يزال تنظيم داعش يجبر السكان على دفع المال، ويجمع الضرائب من أصحاب محلات الأحذية، ويتقاضى رسوم استخدام الكهرباء والهواتف. وقال حسن حسن، محلل سوري يعمل لدى معهد «دلما» في دبي: «لو توقف النظام عن توفير وسائل الاتصال والرواتب، لا أعتقد أن تنظيم داعش سوف يصمد. إنه يجبر الناس على دفع المال مقابل الأشياء التي يقدمها النظام، لكنه لا يصلح أن يكون دولة».
* «واشنطن بوست»
خاص بـ{الشرق الأوسط}



حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
TT

حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)

تفرض الحرب على إيران واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج، في ظل تضاعف أسعار رحلات الطيران من مدن خليجية إلى القاهرة، واضطراب حركة الملاحة الجوية، وإلغاء بعض خطوط الطيران رحلاتها.

وتحدث مسؤولون بـ«اتحاد الجاليات المصرية في الخليج»، عن «شكاوى من ارتفاع أسعار رحلات العودة للقاهرة، خصوصاً في ظل موسم الإجازات الحالي خلال شهر رمضان وعيد الفطر»، وأشاروا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ارتفاع تكلفة تأمين رحلات النقل الجوي يفرض صعوبات أمام رحلات السفر إلى القاهرة».

وتُشير تقديرات وزارة الخارجية المصرية إلى أن عدد المصريين العاملين بالخارج قد بلغ 11.08 مليون شخص في عام 2022، معظمهم في أسواق العمل الخليجية والأوروبية.

ومع اندلاع الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أعلنت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني في مصر، تعليق رحلاتها الجوية المتجهة من القاهرة إلى عدد من المدن الخليجية، لا سيما مع إغلاق بعض دول الجوار لمجالاتها الجوية.

ومع تداول وسائل إعلام محلية ومنصات التواصل الاجتماعي، لشكاوى عدّة، قالت شركة «مصر للطيران»، إنها «تقوم بتسيير رحلات استثنائية يومية لمختلف الوجهات، لتسهيل عودة المصريين العالقين، نتيجة إلغاء حجوزات عودتهم من بعض دول الخليج».

وأضافت، في إفادة لها مساء الجمعة، أن «عدد الرحلات محدود نظراً للظروف الراهنة»، مشيرة إلى أن «الحديث عن أسعار تذاكر الطيران غير دقيق، ولا يعكس الصورة الصحيحة لسياساتها خلال الظروف الاستثنائية».

وأوضح بيان «مصر للطيران» أن «الرحلات الاستثنائية تركز في المقام الأول على نقل الركاب الذين كان لديهم بالفعل حجز قائم من دون تحمل أي رسوم إضافية»، وأشارت إلى أن «عدد المقاعد المتاحة للبيع على هذه الرحلات في حالة وجود أماكن شاغرة، لا يتجاوز 5 في المائة من السعة المتاحة، ويتم تسعيرها طبقاً لأسعار السوق مقارنة بشركات الطيران الأخرى، وذلك نتيجة للارتفاع غير المتوقع في تكاليف التأمين المرتبطة بمخاطر التشغيل في مناطق تشهد توترات جيوسياسية».

تحديات أمام العمالة المصرية في الخليج بسبب ارتفاع تذاكر الطيران وإلغاء بعض الرحلات (تنسيقية شباب الأحزاب في مصر)

وأمام شكاوى مصريين مقيمين بالخليج من ارتفاع تكلفة رحلات العودة إلى القاهرة، تقدمت وكيلة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب (البرلمان)، سحر البزار، بسؤال برلماني إلى وزير الطيران المدني سامح الحفني، وطالبت بتوضيح الأسباب التي أدت إلى ذلك، وما إذا كانت هناك آلية رقابية أو تسعيرية تضمن عدم المغالاة في الأسعار في ظل الظروف الاستثنائية.

وأشارت سحر البزار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «تنظر رداً رسمياً من وزير الطيران المدني، على الشكاوى المتداولة»، وقالت إن «شركة (مصر للطيران) أوضحّت الأمر نسبياً وأنها تتحمل تكلفة الذهاب لهذه الرحلات دون وجود ركاب عليها».

وتأتي الشكاوى من الواقع الصعب لعودة المصريين وأسرهم من بعض المدن الخليجية، وليس من جميع الدول، وفق رئيس «الاتحاد العام للمصريين المقيمين في السعودية»، سعيد يحيى، وأشار إلى أن «رحلات السفر والعودة طبيعية من المدن السعودية إلى القاهرة، على عكس رحلات السفر من دبي إلى القاهرة التي تضاعفت قيمتها».

وأشار يحيى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «تكلفة رحلة العودة من دبي إلى القاهرة، بلغت 1114 دولاراً على خطوط (مصر للطيران)، ووصلت إلى 2438 دولاراً على خطوط (الإماراتية)» (الدولار يساوي 50.0918 جنيه في البنك المركزي المصري)، عاداً ذلك «قيمة مرتفعة أمام الراغبين في العودة إلى القاهرة».

«مصر للطيران» تعلن عن تسهيلات لعملائها (شركة مصر للطيران)

ورغم أن أوضاع عمل المصريين بالخليج لم تتأثر بظروف الحرب، فإن رئيس «الاتحاد العام للمصريين في الخارج» إسماعيل أحمد علي، قال إن «كثيراً من الراغبين في العودة للقاهرة خلال شهر رمضان وعيد الفطر يواجهون صعوبات في السفر، نتيجة لقلة عدد رحلات الطيران، وارتفاع تكلفة التذاكر المتاحة»، وقال إن «الزيادة في الأسعار تضاعف من أعباء أي مصري مقيم مع أسرته في هذه الدول ويرغب في العودة».

وأشار علي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى «اتصالات يجريها اتحاد المصريين في الخارج مع المسؤولين في (مصر للطيران) لتسيير رحلات استثنائية وإجلاء الراغبين في العودة».

ويرى عضو مجلس النواب المصري، عاطف مغاوري، «ضرورة التدخل الحكومي لتسيير رحلات طيران مباشرة لإجلاء راغبي العودة من الدول الخليجية»، وقال إن «تنظيم رحلات لراغبي العودة في فترة الإجازات يضمن سلامة المصريين، ويمنع محاولات استغلال الظروف الراهنة من بعض الجهات بمضاعفة أعباء السفر على المقيمين في الخارج».

وأشار مغاوري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى إن «شركات الطيران تقوم بتحميل أسعار التأمين العالية، على تذاكر الطيران».


الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
TT

الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)

واجهت جهود التهدئة في دول جوار مصر، وتحديداً في قطاع غزة والسودان وليبيا، تحديات مع اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوع؛ إذ تراجعت مساعٍ كانت تشارك فيها الولايات المتحدة، وبات شبح تجميد الحلول يلوح بالأفق.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا المشهد يقوّض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري، بخاصة مع انغماس الولايات المتحدة في الحرب، ولن تظهر نتائج أي جهود حالية، إلا بعد خفض التصعيد.

ومنذ ما قبل اندلاع حرب إيران، كان مسار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في 10 أكتوبر (تشرين الأول)، يشهد تعثرات، وعقب حدوث المواجهات في 28 فبراير (شباط) قررت إسرائيل غلق المعابر مع القطاع وسط أزمة إنسانية طاحنة، وفق بيانات سابقة لمنظمات دولية.

تعثر مستمر

ولم تشهد المرحلة الثانية من «اتفاق غزة» التي أعلنت واشنطن، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، دخولها حيز التنفيذ، أي خطوة عملية وهي المعنية ببدء انسحابات إسرائيلية ونزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار.

وكذلك خفتت الاتصالات بشأن وقف حرب السودان، في ظل أزمة معقدة وجهود مستمرة للتوصل إلى هدنة إنسانية يمكن أن تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار مثلما جاء في مبادرة «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة.

ولا يزال التعثر في المسار السياسي قائماً في الملف الليبي، وقبل نحو أسبوع من اندلاع حرب إيران، سادت أجواء من الاستياء داخل مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة»، عقب جلسة مجلس الأمن الدولي، التي قدّمت فيها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة عرضت فيها «مساراً بديلاً» يتجاوز حالة الجمود بشأن تشكيل المفوضية الانتخابية وقوانين الانتخابات، وهما أول استحقاقين ضمن «خريطة الطريق» التي أعدّتها البعثة الأممية، وفق ما ذكرته مصادر وقتها لـ«الشرق الأوسط».

إعادة ترتيب الأولويات

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أن «هناك إعادة ترتيب أولويات في ظل تصاعد واتساع الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واتساع رقعتها بما ينبئ بأزمات كبرى متزامنة في الشرق الأوسط».

وتطور الحرب على إيران أدى بطبيعته إلى تراجع متوقع في مستوى الاهتمام الدولي بملفات غزة والسودان وليبيا، «غير أن هذا التراجع لا يعكس تراجع أهمية هذه الأزمات، أو انخفاض مستوى خطورتها، ولا يعني ترك تلك المخاطر دون حل مستقبلاً»، حسب تقدير حجازي.

وأوضح أن «الأوضاع في غزة ما زالت قابلة للانفجار في أي لحظة، فيما يمثل استمرار الصراع في السودان تحدياً مباشراً لاستقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كما يظل الملف الليبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأمن شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ومن ثم فإن أي فراغ في الاهتمام الدولي قد يفتح المجال أمام تعقيد تلك الأزمات بدلاً من احتوائها، وهو ما يفرض على القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، مواصلة دورها في الدفع نحو الحفاظ على المسارات السياسية ومنع انزلاق الأوضاع إلى مستويات أكثر خطورة».

لقاء سابق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والمشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» الليبي (الرئاسة المصرية)

ويرى الخبير في الأمن الإقليمي اللواء محمد عبد الواحد، أن الحرب الإيرانية صرفت الأنظار عن أزمات غزة والسودان وليبيا، وشتتت جهود التوصل لتهدئة، لكن المساعي لا تزال موجودة وإن قُوضت فاعليتها حالياً بسبب الحرب.

وأشار إلى «أن الأزمة الليبية لا تزال تقف عند خلافات حكومتي الشرق والغرب، وتدور في فلك إدارة الصراع وليس حله، وكذلك السودان هناك من يسعى للاستحواذ على مناطق مهمة، وسنجد في لحظة الحديث عن هدنة وهذا ما يسمى بإدارة الصراع وليس حله أيضاً، وتلعب الولايات المتحدة المنخرطة في حرب إيران دوراً كبيراً فيه، لنجد أنفسنا حالياً في حالة اللاسلم واللاحرب بدول جوار مصر».

ووسط تلك الأزمات، تتحرك القاهرة لإيجاد مسار حل، وفي هذا الصدد، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الفلسطيني محمود عباس خلال اتصال هاتفي، مساء الجمعة، «الجهود التي تبذلها مصر مع الوسطاء والأطراف الفاعلة لضمان استكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، وإدخال المساعدات الكافية لسكان القطاع».

تجميد مساعي التهدئة مؤقتاً

ويشير حجازي إلى أن مساعي التهدئة في بعض دول الجوار المصري لم تتوقف بالكامل، لكنها تواجه حالة من البطء أو التجميد المؤقت إلى حين اتضاح مآلات التصعيد الإقليمي، لافتاً إلى أن استمرار التواصل السياسي يظل ضرورياً للحفاظ على ما تحقق من تقدم خلال الفترة الماضية، ولمنع عودة تلك الصراعات إلى دائرة التصعيد المفتوح.

جمود في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة (الرئاسة المصرية)

ونبه إلى أن «استقرار المحيط الإقليمي يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي لمصر، ومن ثم فإن أي تعثر في مسارات التسوية في دول الجوار يحمل انعكاسات مباشرة وغير مباشرة».

وأوضح أنه من الناحية الأمنية، «يمثل استمرار الصراع في السودان وعدم اكتمال التسوية السياسية في ليبيا تحديين دائمين يتطلبان اليقظة وإدارة دقيقة للملفات الحدودية والاستراتيجية. بينما من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فإن تزايد التوترات الإقليمية يؤثر على بيئة الاستقرار في منطقة البحر الأحمر وعلى حركة التجارة والملاحة الدولية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بالمصالح المصرية وبالدور الذي تقوم به القاهرة في دعم أمن واستقرار المنطقة».

ولفت إلى أن حديث مصر عن أهمية تنفيذ المرحلة الثانية في خطة وقف إطلاق النار، التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «يعكس إدراكاً مصرياً بضرورة عدم السماح بتجميد المسارات السياسية، بل الاستمرار في الدفع نحو استكمالها باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى الانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى بناء ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً».


مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

جددت مصر إدانة الاعتداءات على الدول العربية، وشددت على رفض «أي ذرائع» لشرعنتها، وذلك خلال اتصالات هاتفية، السبت، بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظرائه في سلطنة عمان والعراق وكازاخستان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية العماني بدر البورسعيدي، «مستجدات المشهد الإقليمي في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة». وحذر الوزيران «من تداعيات استمرار هذا النهج التصعيدي وما يشكله من تهديد للسلم والأمن الإقليميين».

وشدد الوزير عبد العاطى، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، السبت، على أهمية «تحلي كل الأطراف بأقصى درجات ضبط النفس، وخفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، والالتزام التام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وشدد عبد العاطي على «تضامن مصر الكامل مع سلطنة عمان وأشقائها في منطقة الخليج العربي وباقي الدول الصديقة، رافضاً المساس بسيادة واستقرار الدول العربية، وأي مبررات أو ذرائع لشرعنة هذه الاعتداءات».

ووصف وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بوزير خارجية كازاخستان يرمك كوشيربايف، الاعتداءات التي تعرضت لها الدول العربية بـ«غير المقبولة وغير المبررة»، وأكد دعم مصر الكامل لسيادة وأمن واستقرار وسلامة أراضيها»، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية لتجنب اتساع نطاق الصراع والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار»، مؤكداً أن استمرار التصعيد العسكري «لن يؤدي سوى إلى تفاقم الأوضاع».

وأكد عبد العاطي خلال اتصاله مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، «أهمية تغليب المسارات الدبلوماسية لاحتواء الموقف وتجنيب الإقليم ويلات اتساع رقعة الصراع».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف، الخميس الماضي، عن أن مصر ما زالت تحاول القيام بجهود وساطة «مخلصة وأمينة» لوقف الحرب في إيران، محذراً من أن«استمرارها ستكون لها ضريبة كبيرة».

وأكد أن مصر «كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لأنها تعرف جيداً من واقع تجربتها أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب».