حين تنعزل الذات تنتفخ القصيدة

شعراء تقمّصوا أدواراً أكبر من أحجامهم

الجواهري - عبد الله الغذامي
الجواهري - عبد الله الغذامي
TT

حين تنعزل الذات تنتفخ القصيدة

الجواهري - عبد الله الغذامي
الجواهري - عبد الله الغذامي

يروي أحدُ العراقيين الذين طلبوا اللجوء في كندا أنه في الأيام الأولى أدخلوهم في معهد لتعلم اللغة، وكانوا من جنسيات شتى. يقول هذا العراقي: «بدأ الأستاذ يسألنا واحداً واحداً: من أي بلد أنت؟ ليتعرف علينا، وعلى ثقافاتنا، وحين وصل الدور إليّ، أجبته بأنني قادمٌ من أعظم نهرين في العالم. استغرب الأستاذ إجابتي فأعاد عليّ السؤال، وأعدتُ الجواب نفسه، فقال لي: ماذا يعني أعظم نهرين؟ بدأت أشرح له عن دجلة والفرات، وحين أكملتُ قال لي الأستاذ: ابني، نحن هنا في كندا لدينا 600 نهر مثل هذين النهرين، فضلاً عن المحيطات والبحار التي تُحيط بنا، ولكننا لا نجرؤ أنْ نقول إن هذه الأنهر عظيمة». أردتُ أنْ أورد هذه الحكاية لتكون مدخلاً لانتفاخ القصائد لدى عدد من الشعراء، وواقع الحال أنَّ صاحبنا الذي لجأ إلى كندا لم يرَ العالم من قبل، ولم يكتشف أناساً مختلفين عنه وعياً وثقافة، هو ابن العزلة، لذلك أنتج مثل هذا الخطاب الأحادي والدوغمائي.
المشكلة في الشعر لدينا مشكلة مزدوجة، لأن الشاعر يُخلق بيننا وهو يشعر أنَّه متفوق على أقرانه، وأنَّه منّة بعثها الله لهذه الأمة، لذلك قديماً ذبحوا له الإبل، وأقاموا الولائم حين يولد شاعر في قبيلة ما.
ورغم تغيُّر الزمان والسلطان والناس، لكن الشعر بقي يكتنز مثل هذه الأدوار الرسالية، وبقي الشاعر متقمصاً دوراً ربما أكبر من حجمه الطبيعي، منتشياً بقرقعة اللغة، وضجيجها، في بعض الأحيان، وهكذا بقي الشاعر منتفخاً بذاته المتعالية، وفارشاً ريش جناحه أينما ذهب، ولا نريد أنْ نتحدث عن المتنبي، وماذا شكلت ذاته من تعالٍ كبير في الشعر، فهو في حد ذاته مدرسة للانتفاخ، وحين نفتح دفاتر الشعر العراقي الحديث، نجد عشرات الحكايات عن الجواهري، وعن شعره الذي رهن ذاته عالياً معها، رغم أنَّه كان مع الجماهير ومطالبهم.
شاخ الجواد، ولم تزل، تعتامه صبوات مهرِ
طلق العنان، فإنْ كبا، نفض العنان، وراح يجري
سبحان من جمع النقائض في من خيرٍ وشرِّ
عندي كفاف حمامة، وإذا استثرتُ فجوعُ نمرِ
الجواهري بعمر السبعين، عمر الحكمة والمراجعة للذات، يكتب بهذه الطريقة، وبهذه الروحية الجارحة، وأنا لا أتحدث الآن عن فنية العمل الشعري وجودته، فهذه مسألة أخرى، فعلى الرغم من التحول الكبير الذي أحدثه السياب في خطاب الشعر بكامله، وتحوُّل مرآته إلى أشد حالات النفس انكساراً وحزناً وشكوى، لكنه لم يستطع بخطابه الانكساري لجوهر الشعر أنْ يعمم نموذجه على الأجيال التي تلته، فما إنْ بزغ نجم الستينيين إلا وتوهجت لديهم فكرة أنْ يأخذوا دور الأنبياء، وأنْ يصلحوا العالم، فامتلأت دواوينهم بالشعر الرؤيوي، وبالنصائح المغلّفة باستعارات، وبأقنعة متعددة؛ ذلك أنَّهم حاولوا أنْ يُعيدوا الروح المنتفخة لذات الشاعر، ولكنها ذاتٌ حداثية هذه المرة، وهو ما أشار إليه الشاعر فوزي كريم في مُفتتح كتابه «ثياب الإمبراطور» عن مرايا الشعر الخادعة، حيث تساءل عن كيفية انبثاق شعر حداثي من بيئة متخلفة، وواضح ما أفصح عنه بيان 69 حيث يقول في بعض فقراته «لقد آن للقصيدة العربية أنْ تغيّر العالم من خلال نسف أضاليل الماضي والحاضر، وإعادة تركيب العالم داخل رؤية شعرية جديدة»، هذا في بعض من توجهاتهم التنظيرية، أمَّا شعرهم فغارقٌ بهذه الروح الرؤيوية، التي تنبئ بأنَّ شاعرها شخصٌ رساليٌّ، وأنَّ قصيدته هي بنت المستقبل الذي يرى، ولا مشكلة في هذا التوجه، لأنَّ الحداثة ربما فتحت شبابيكها، فدخلت مغذياتٌ جديدة للذات، يختفي خلفها الشاعر، في أقنعة تاريخية، وشخصيات عظيمة، يبث من خلالها الشاعر ما يشاء من همومه المعاصرة، والأمثلة عديدة وكثيرة جداً، لا مجال لذكرها في هذه المقالة، ولكنّ المشكلة الكبرى في الموضوع هي في خطاب الجيل التسعيني، أعني أنا وزملائي وأصدقائي الشعراء، حيث كنَّا نعيش أيام الحصار، والجوع، والعزلة عن العالم، في حين كانت قصائدنا في تلك الفترة تشبه النهرين العظيمين في فم اللاجئ العراقي، فحين أسمع وليد الصراف أشعر بمدى تفوق اللغة، ولكن في نفس الوقت أشعر بعزلتنا عن العالم حيث يقول:
البرق من ريبتي، والرعد من حنقي
والنسم من هدأتي، والريح من قلقي
والبحر من غيمتي، أمواجه ولدتْ
من حكمتي صمته، والغيظ من نزقي
ولا يطلُّ الضحى ما دمت في سِنة
ولا يطول الدجى، ما لم يطل أرقي
والشمس لو أبطأتْ في أفقها كسلاً
لجرَّها نحوه من شعرها أفقي
ولا أعرف بصراحة أمام هذا النص، وهو طويل نسبياً، وعلى نفس هذه الوتيرة من الذات العالية المتحكمة بالعالم كله وبحركته وسكونه، كأنَّه يضع نفسه بدلاً عن الإله، وأنا أذكر كتابة هذه القصيدة في بداية التسعينات، حيث يضغط كل شيء على العراق بجوعه وعزلته، ونحن لا حول لنا ولا قوة، وقد كان «صدام» يسوق الشباب إلى المعسكرات حتى في عطلهم الصيفية، ولا يستطيع أحدٌ أنْ يسأله سؤالاً، فضلاً عن الاحتجاج، وحين أبصر مثل هذا النص فأنا أمام حالة عزلة حقيقية يعيشها الشاعر، حيث يتحكم في اللغة فقط، ولكن الواقع بمنأى عنه، والغريب أنَّ هذه الظاهرة متفشية في معظم الشعر التسعيني الموزون، وفي البدايات تحديداً يعني في أشد حالات العراق خنقاً للحريات، وفي أشد مراحل جوع العراقيين، وفي أقسى مراحل العزلة عن العالم كله، فيما نصوصنا كانت منتفخة، كأنَّ العالم بأيدينا، نحركه كيفما نشاء.
إنها الروح المتعالية التي تتقمص الأجواء الدينية، وتلتف بالطقوس المقدسة، التي يكيلها الشاعر لذاته، بوصفه سماءً لكل هذه الطقوس، من طُهر وبراءة ونقاء. فمثلاً، نجد في نصوص عديدة للشاعر حسين القاصد هذه الذات المتعالية، التي بقيت على عادتها من أيام الحصار إلى ما بعده، وانفتاح العراق على العالم، نصوص تدور في فلك الذات التي لا ترى إلا نفسها. يقول:
وصرت شعاراً صرت آمال أمة
وصرت حطاماً في نهايات مشهدي
أنا سرمديُّ الآه أحتاج أمة
لفرحي فمن مثلي مع الآه سرمديّ؟
أقلّدني دوماً وغيري مقلِّد
لظلِّي، وظلِّي بعض نصف مقلِّدي
وما زلت قيد النخل والماء واللَّظى
أنا قاصد النهرين والطُّهر مقصدي
وواضح ما لهذا النص من تصريح عالٍ بانتفاخ القصيدة التي لا تدع مجالاً للتأويل، فبعض المرات قد يتقمص الشاعر روح الأمة أو البلد فيصرح باسمها ويختفي خلف عظمتها، ولكن هذا النص لا يدع مجالاً للتأويل لأنه تصريح واضح باسم الشاعر القاصد، وهناك نصوص أخرى لأصدقاء وزملاء مجايلين لنا، لا تنفك قصائدهم تتغزل بذاتها حتى تصل إلى مرحلة الانتفاخ، ومنهم الشاعر نوفل أبو رغيف، حيث يقول في «ضيوف في ذاكرة الجفاف»:
نثرت على الرياح عبير جرحي
فلقحت السحائب والفصولا
سمعت العمر يشكو إنَّ ليلا
على أكتافه أرخى السدولا
فجئتُ ألملم المدن السبايا
وأزرع حول لمّتها نصولا
وأعيد ما ذكرته في بداية المقالة من أن رؤية هذه المقالة لا تعالج الجانب الفني من الاستعارات ومن البناء المحكم والعالي، إنما تعالج خطاب هذه النصوص وما تحتويه من رؤية ارتبطت في مرحلة من مراحل العراق، وهي لا تختلف كما أظن عن الخطاب السياسي في تلك المرحلة، حيث يهدد العالم بالنسف والموت وكل شيء، فيما كان النظام خاوياً على عروشه، أو أنه يهدد يومياً بتحرير فلسطين، فيما كانت خطوط الطول والعرض قد قصمت شمال العراق كاملاً وأخرجته من سيطرة بغداد.
ولكي أكون منصفاً فأنا لم أكن مختلفاً عن أبناء جيلي في هذه النزعة، وأتذكر أن اتحاد أدباء فلسطين في دمشق، عمل لي ولشعراء عراقيين أمسية في نهاية 2003 وقد قرأتُ وقتها قصائد عنترية، منها:
آتٍ إلى وإنْ لفَّ السنينَ كرى
وإنْ غفا هاجسي في الريح أو عثرا
آتٍ وفي مقلتي فجرٌ وفي شفتي
هذا الذي يغزل الأنهار والشجرا
آتٍ ألمُّ عيون الشمس، حيث رمتْ
عيونها، وأدارتْ خدَّها صعرا
آتٍ لأزرع في أنفاسها مقلاً
كي يعلموا أنَّ شمس الجائعين ترى
وقد أُعجب الجمهور كثيراً بالقصيدة، ولكن بعد انتهاء الأمسية جاءني أحد الحضور وسألني: كيف تكتبون مثل هذا الشعر ذا الروح العالية، ونحن نعيش في بلدانٍ مُحتلة؟
وبصراحة كان سؤاله أشبه بالصدمة الكهربائية، التي جعلتني أبتعد قدر المستطاع عن هذه الطريقة في الكتابة، إذ من غير المعقول والمنطقي أنْ نعيش حياة أقلَّ من عادية، فيما نكتب شعراً يناطح السحاب، ونحن لا نملك من أمرنا شيئاً، فأي غربة كنَّا نعيشها نحن الشعراء، وهي غربة لغوية بالأساس، إذ نعيش داخل الكلمات فقط، لذلك لم تصب تلك الكلمات بشمس الواقع، قدر ما كانت مبللة بأصوات المتنبي، والجواهري، وعبد الرزاق عبد الواحد، وأعتقد أنَّ هذه الظاهرة تحوَّلت في ما بعد إلى سؤال النقد الثقافي المركزي، ونسقه المضمر الذي تفتّح على يدي الدكتور عبد الله الغذامي.



كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.