«البسطرمة».. من طعام الفرسان الأتراك إلى دكاكين البقالة

ظهرت قبل 1500 عام.. والأرمن أدخلوها إلى العالم العربي

طبق يمكن تقديمه بعدة طرق إلى جانب عدد من المكونات الأخرى
طبق يمكن تقديمه بعدة طرق إلى جانب عدد من المكونات الأخرى
TT

«البسطرمة».. من طعام الفرسان الأتراك إلى دكاكين البقالة

طبق يمكن تقديمه بعدة طرق إلى جانب عدد من المكونات الأخرى
طبق يمكن تقديمه بعدة طرق إلى جانب عدد من المكونات الأخرى

مذاقها المبهر ورائحتها الذكية التي تفتح الشهية، جعلت منها سيدة المائدة في أطباق الإفطار والعشاء في كثير من دول العالم، من الشرق الأقصى إلى أميركا. إنها «البسطرمة» Pastrami أو Basturma التي تعني اللحم المملح المتبل. اشتهرت البسطرمة واقترنت ببيض الدجاج أو بيض السمان لتحضير طبق «البيض بالبسطرمة»، وتعتمد عليها ربات البيوت في تحضير وجبة سريعة في الغذاء. ففي مصر وحتى بداية التسعينات، كانت البسطرمة ضيفا رئيسيا في الرحلات والأسفار، وكانت الساندوتش المحبب على شاطئ البحر، وذلك قبل انتشار السوسيس والسلامي ومطاعم الوجبات السريعة في مصر.
تعد البسطرمة طريقة مميزة لحفظ اللحوم، ونظرا لأنها تستغرق أياما طويلة ووقتا في التحضير، فلم تعد السيدات تعدها في المنزل، وأصبح لها ورش تصنيع خاصة ويمكن شراؤها مباشرة من محلات البقالة أو الهايبر ماركت.
وتشتهر بها تركيا واليونان وإيطاليا، وقد أدخلها الأرمن مع نزوحهم إلى لبنان وسوريا، حيث لا تزال العائلات الأرمينية تقوم بصناعة البسطرمة منزليا، كما تشتهر بها مصر حيث عرفها أهلها مع هجرة الأرمن إليها، وتعلمها المصريون منهم، وكان يتم تصنيعها منزليا حيث كانت السيدات تعلقها في الشرفات، بخيوط سميكة بعيدا عن ضوء الشمس المباشر، وكانت هذه طريقة من طرق حفظ الطعام في أوقات مر بها العالم بحروب وفترات تقشف كثيرة خلال القرنين الـ18 والـ19. ويرجح أنها وصلت إلى أميركا مع الأرمن أيضا تقريبا في عام 1872 والتي تطورت فيما بعد إلى «السلامي» الذي تتم صناعته بالطريقة نفسها، مع اختلاف بعض الخطوات وطريقة التمليح والبهارات.
وتعد «البسطرمة» من الأكلات التي لها تاريخ عريق في المطبخ التركي، حيث جاءت فكرة تصنيعها تقريبا في أواخر القرن الـ17، بسبب خروج الفرسان الأتراك للحروب ومكوثهم ليالي طويلة في الصحراء، فكانت البسطرمة طعامهم المفضل وكانوا يحملونها ويربطونها تحت سروج جيادهم، وانتقلت معهم إلى آسيا الوسطى والبلقان.
ولا تزال حتى الآن مدينة «قيصري» في وسط تركيا المدينة الأشهر في تصنيع البسطرمة، ويمكن الحصول على أفضل أنواع البسطرمة من سوق «كازانجيلار» وقد أرخ الرحالة التركي الشهير «أولياء تشلبي»، لها أثناء زيارته لـ«قيصري» في القرن الـ17.
وفي المدن العربية تشتهر «دير الزور» في سوريا بها، وفي لبنان تنتشر البسطرمة في بيروت وبرج حمّود وهادجن وجبل لبنان وبلدة عنجر، حيث توجد العائلات الأرمينية، وتعد مدينة الإسكندرية المصرية من أشهر المدن في تصنيع البسطرمة، ولا تزال منطقة المنشية التي كان يقطن بها عدد كبير من الجالية الأرمينية، هي أفضل مكان للحصول على البسطرمة الشهية، حيث توجد بمنطقة المنشية أشهر ورش تصنيع اللحم وتجفيفه تعود إلى أكثر من قرن من الزمان، ويأتي إليها التجار من مختلف أنحاء مصر للحصول عليها. ويأتي في طلبها زوار من دول الخليج ومن ليبيا وبعض الدول الأخرى المجاورة لشراء البسطرمة ذات المذاق المميز.

* أشهر الأطباق بالبسطرمة

* ومن أشهر الأكلات حول العالم التي تستخدم فيها البسطرمة: طبق البيض بالبسطرمة، والبيتزا بالبسطرمة، والجلاش بالبسطرمة، وأبدع المصريون في عمل الفول البسطرمة، والفلافل بالبسطرمة، والكنافة بالبسطرمة، وفي الإسكندرية تضاف البسطرمة إلى أنواع المعكرونة، ومن أشهر الأكلات بها أيضا «حواوشي البسطرمة» وهو عبارة عن عجين الخبز البلدي المحشو بالجبن وشرائح البسطرمة، وقد اعتاد أهالي الإسكندرية قديما (قبل ظهور الميكروويف) الذهاب بشرائح البسطرمة والجبن التركي إلى الأفران البلدي وحشو عجين الخبر بتلك المكونات أو استبدال السجق بها.

* طريقة تحضيرها

* تصنع البسطرمة بالأساس من لحم البقر ويُعد لحم العجل الأفضل في صناعتها، هكذا أوضح إبراهيم سعد، أحد العاملين بورشة تصنيع البسطرمة بالإسكندرية لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن هناك بعض الدول تصنعها من لحم الغنم، لكن يفضل أن تكون من اللحم الخالي من الدهن، وحول طريقة صناعة البسطرمة وتحويلها من لحم إلى الشكل النهائي لدى البقالين، قال: «هي عبارة عن عملية تمليح اللحم بالملح الخشن للحفظ، ثم يضغط اللحم بأداة ثقيلة حتى تخرج عصارته، وذلك لمدة 15 ساعة تقريبا، ثم يُغسل اللحم جيدا بالماء ويجفف، ثم يتم وضعها على منضدة خشبية ويتم لفها بقماش قطني، ويوضع فوقها أيضا جسم صلب ثقيل لإتمام عملية تجفيفها، وذلك لمدة يوم كامل، وبالطبع في مكان غير رطب».
أما الخليط السحري الذي يصنع المذاق الخاص، فهو عبارة عن 100 غرام من الحلبة المطحونة الطازجة، و150 غرام ثوم مفروم، و100 غرام فلفل، و100 غرام بابريكا، 500 غم ملح طعام و100 غرام دقيق ناعم، تخلط المكونات بقليل من الماء حتى يكون معجونا بني اللون متماسكا، أشبه بالعجين، توضع قطعة اللحم وتدهن به جيدا حتى يتم تغليفها تماما، حتى لا يتعرض اللحم للفساد والجراثيم، وتترك في مكان جيد التهوية حتى يجف الخليط على اللحم ويشكل قشرة متماسكة تماما، ويتم بعدها إضافة طبقة أخرى من الخليط بالطريقة نفسها، وبعد أن تجف تماما بعد نحو 4 ساعات يمكن تعليقها في مكان جاف وتركها لمدة شهر تقريبا بعيدا عن ضوء الشمس، لتصبح بعدها صالحة للأكل. لكن يفضل طهيها على النار وعدم تناولها مباشرة حتى لا تسبب في طفيليات أو عسر هضم برغم مذاقها المغري اللذيذ.

* نصائح للشراء

* تتراص البسطرمة معلقة في أسقف محال البقالة وتباع لدى تجار الجملة بالذراع «ذراع بسطرمة»، وهي عادة تزن ما بين كيلوغرام أو كيلوغرامين، حسب قطعة اللحم التي تم تمليحها، ويتراوح سعرها بالجملة ما بين 50 و70. وسعرها في دكاكين البقالة من 70 إلى90. ويأتي اختلاف الأسعار لاختلاف نوع اللحم المستخدم وجودته، فيُعد لحم السمانة البقري الأغلى، وتليه قطعة لحم «الفخذ».
ويمكنك التعرف على البسطرمة الجيدة من الخارج عن طريق تفحص الخلطة «القشرة الخارجية لها»، فإذا كانت رائحة البهارات فيها طازجة فهي جيدة جدا، أما إذا لم تكن رائحتها فواحة فهي تشي بأن هناك شيئا خاطئا، سواء في مراحل صناعتها أو طريقة تخزينها. وأثناء شراء البسطرمة يمكنك التعرف على الجيدة منها أثناء تقطيع البائع لها، وهي التي يكون لحمها أحمر قانيا، وأما البسطرمة ذات اللون الداكن فابتعد عنها.

* وصفات سريعة بالبسطرمة

* 1 – مقبلات: توست البسطرمة
6 قطع من التوست
6 شرائح طويلة من البسطرمة
6 شرائح من الجبن الشيدر الأصفر
ملعقة كبيرة زيت زيتون
ملعقة كبيرة زعتر
ملعقة كبيرة ريحان

* الطريقة:

* ضعي فوق كل قطعة توست شريحة من الجبن ثم البسطرمة، ثم انثري قليلا من الزعتر والريحان وقطرة من زيت الزيتون فوق كل قطعة، وأدخليها في فرن درجة حرارته 180 درجة لمدة 3 دقائق، يمكنك إضافة شرائح من الطماطم أو الفلفل الأخضر أو الألوان، ومن ثم تصبح المقبلات جاهزة للتقديم. ويمكن تقديمها إلى جانب الخيار المخلل.
2 - «بسطرمة هاش» من المطبخ الأرمني

* المقادير

* ملعقتا زيت زيتون كبيرتان
شرائح من البسطرمة حسب الرغبة
4 ثمرات بطاطس نصف مسلوقة ومقشرة
بصلة متوسطة
ثمرة فلفل أخضر
ثمرة فلفل أصفر
ثمرة فلفل أحمر
ملعقة صغيرة فلفل أسود

* الطريقة:

* تقطع البطاطس والبصلة وثمار الفلفل إلى مكعبات صغيرة، وقطعي شرائح البسطرمة إلى شرائح مربعة الشكل، حضري مقلاة ذات سطح غير قابل للالتصاق، ضعي ملعقة من زيت الزيتون وأضيفي إليها شرائح البسطرمة وشرائح البصل، حتى يتحول لون البسطرمة إلى لون البصل إلى اللون الذهبي ثم ضعيهما في طبق التقديم.
عاودي العمل بالمقلاة نفسها، وضعي الملعقة الأخرى من زيت الزيتون ثم أضيفي مكعبات البطاطس والفلفل وقلِّبي المكونات باستمرار لمدة 4 دقائق حتى يتحول لون البطاطس إلى اللون الذهبي، ويذبل الفلفل قليلا. ثم صبي المكونات جميعها على البسطرمة والبصل وامزجي المكونات جيدا، ورشي عليها الفلفل الأسود لتصبح جاهزة للتقديم مع الخبز الساخن.

* 3- طاجن البسطرمة:
* المقادير:

* شرائح بسطرمة
* ربع كيلو من الجبن الحلوم
100 غرام زيتون كالاماتا
300 غرام طماطم شيري
ملعقة زيت زيتون كبيرة
أوراق زعتر بري
وأوراق بقدونس للتزين

* الطريقة والتحضير:

* توضع جميع المكونات في طاجن من الفخار، على أن تقومي برصها بشكل أنيق، ثم وزعي عليها ملعقة زيت الزيتون، وانثري قليلا من الزعتر ليعطي نكهة طيبة، واتركيها في الفرن لمدة 10 دقائق، بعدها انثري أوراق البقدونس ويصبح الطاجن جاهزا للتقديم. ويمكن تقديمه بجوار طبق المعكرونة بالبشاميل.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».