ما لا تعرفه عن الأجبان الهندية

الفرنسيون والبرتغاليون لهم الفضل في صناعة الجبن في الأرياف

الأجبان الفرنسية {المتعفنة} لها ما يماثلها في الهند حيث جبن «تشورو» الذي يعني «الجبن المتعفن»
الأجبان الفرنسية {المتعفنة} لها ما يماثلها في الهند حيث جبن «تشورو» الذي يعني «الجبن المتعفن»
TT

ما لا تعرفه عن الأجبان الهندية

الأجبان الفرنسية {المتعفنة} لها ما يماثلها في الهند حيث جبن «تشورو» الذي يعني «الجبن المتعفن»
الأجبان الفرنسية {المتعفنة} لها ما يماثلها في الهند حيث جبن «تشورو» الذي يعني «الجبن المتعفن»

في الغالب، يُعتقد في عالم الطهي أن نوع الجبن الوحيد الذي تنتجه الهند هو جبن «بانير».
ولكن، كانت الهند - ولا تزال - تنتج قوالب الجبن الأصلية ذات النكهات والمذاقات المتنوعة، والقادمة من منشأها في المناطق الريفية الهندية النائية.
ويصح القول إن الوجود البرتغالي والفرنسي له تأثيره الواضح والكبير على نكهات السكان الأصليين فضلا عن نكهاتهم الأصلية الخاصة، ولكن الفيزيائي الهندي أديتيا راغافان (الذي تحول إلى صناعة الجبن) يقول إن صناعة الجبن موجودة في الهند منذ آلاف السنين وليست حديثة العهد كما يظن البعض.
وأضاف راغافان قائلا: «حتى جبن البانير الهندي الشهير يمكن تتبع نشأته الأولى إلى شمال غربي الهند، حيث يُصنع باستخدام مزيج من اللبن والزبادي. وهناك نصوص مرجعية قديمة ترجع إلى عهد كوشان (في القرن الميلادي الأول): من استخدام المواد الصلبة المستمدة من خليط الحليب الدافئ واللبن الرائب. وفي حين أن مجتمع المحاربين القدماء كانوا يقتاتون على هذه المواد الصلبة، كان السائل الرقيق (وهو مصل الحليب) يُمنح لإطعام الفقراء وقتذاك».
وربما نشأ التقليد القديم لدى رعاة الألبان الذين جربوا مختلف الأساليب للحفاظ على الحليب الفائض لديهم.
وقال مؤرخ الغذاء الهندي بوشبيش بانت إن الجبن كمنتج من منتجات الألبان كانت من السلع رائجة المبيعات على طريق الحرير القديم.
وكان للطهاة - الذين طافوا مختلف زوايا وأركان البلاد للحصول على النكهات المختلفة وابتكار أساليب الطهي الفريدة من نوعها - دور كبير يقومون به في تجديد تقاليد الأجبان الهندية الأصلية. وعلى سبيل المثال، الشيف براتيك سادهو من مدينة مومباي، والذي سرد كيف ساهمت تجارب وذكريات الطفولة المبكرة في تشكيل معالم مطعم «ماسك» الذي يملكه حاليا، وهو من المطاعم المرموقة رفيعة المستوى في المدينة: «تربيت على تناول جبن الكالاري في الوجبات الخفيفة الذي يُقدم مع خبز الكشمير».
وفيما يلي عرض ماتع لمختلف أصناف وأنواع الجبن الهندي غير المعروف للجميع.
- جبن الهيمالايا
تعود أصول هذا الجبن النباتي بالكامل إلى إقليم جامو وكشمير، وهو من صناعة وإعداد سكان الغوجار المحليين، وهم مجتمع من الرعاة شبه الرحل الذين يعيشون بين الهند وباكستان وأفغانستان. واستوطن سكان الغوجار أراضي كشمير منذ قرون مضت، ولذلك فهم يعتبرون من أقدم المزارعين للأراضي الخصبة التي تتميز بها تلك المناطق، إلا أنهم يعيشون تحت مظلة قبلية خاصة تحول بينهم وبين امتلاك الأراضي مثل بقية مواطني البلاد.
بدأت صناعة جبن الهيمالايا في مصنع صغير على أيدي النيوزيلندي كريس زاندي في عام 2007 وهو مواطن هولندي بالأساس، ولقد تمكن من إقامة خط للإنتاج يشتمل على عدة أصناف من الجبن منها جبن الكالاري، والشيدر، والجودا (وفقا لأساليب الصناعة الهولندية)، ولكن مع نكهات كشميرية أصلية. ويبيع مصنع جبن الهيمالايا العديد من أصناف جبن كالاري وجودا - مع إضافات الجوز، والكمون، والخردل، والفلفل الأسود، والفلفل الحار، والحلبة، وغير ذلك الكثير.
ولصناعة جبن الكالاري، يتم خض اللبن الحليب كامل الدسم في إناء من الحديد باستخدام أداة أشبه بالمكبس الخشبي. ثم يجري فصل الكتلة الذائبة من مواد الحليب الصلبة عن طريق إضافة اللبن الحامض أو الرائب. بعد ذلك، يتم تسطيح قطرات اللبن الرائب القابل للتمدد عن طريق التقليب المستمر بين أيادي الصانع، مما يساعد على وصول إنزيم الكازين الموجود في اللبن الرائب الساخن إلى الحليب. وبمجرد التسطيح، يتم تبريد الجبن المنتج على وعاء الحديد نفسه حتى يتماسك ويتصلب. ثم يجري تجفيف الجبن المتصلب تحت أشعة الشمس للتخلص من بقايا الرطوبة العالقة فيه. ونظرا لأن درجات الحرارة المحيطة بمناطق الجبال تبقى منخفضة رغم سطوع الشمس، فإن جبن الكالاري يجف تماما من الخارج مع بقاء الرطوبة والطراوة في الداخل.
يمكن تناول جبن الكالاري بالكثير من الطرق - يُحشى في خبز باراثا، ثم يُقلى ويُؤكل مع صلصة تشاتني أو يُقلى مع الطماطم. كما يمكن تناول الجبن نيئا، حيث يخضع لعملية التبخير أثناء عملية التمدد.
وجبن الكالاري من المنتجات الشائعة والمعروفة في وجبات الشوارع في جامو وكشمير، حيث يتم تمليح جبن الكالاري الممدد ويُذاب على صينية ساخنة. وبعد الذوبان، يخرج الجبن في طبقة ذهبية رقيقة وهشة من الخارج، مع الجزء الداخلي الناعم والهش، ثم توضع عليه البهارات والتوابل الحارة، مع الخضار المفروم، ويتم لفه لكي يُقدم مع صلصة الثوم وصلصة تشاتني الحارة.
وعلى نحو مماثل، هناك مجموعة متنوعة من جبن قودام، وهو نوع من الجبن لا يمكن العثور عليه بسهولة في المتاجر، فهو من أندر أنواع الجبن المعروفة هناك. وهو لا يوجد إلا في منازل سكان الغوجار التقليدية في جامو وكشمير. ويحظى جبن القودام بعمر افتراضي طويل، ومعروف بنسيجه المتفتت، ونكهته الطيبة اللطيفة.
- جبن تشوربي
ترجع نشأته إلى مناطق نيبال وبوتان، وهو مصنوع من زبدة الحليب المغلي. وهو أشبه ما يكون بجبن الريكوتا الإيطالي في هشاشته وطراوته. والنوع الأكثر شعبية منه هو المضغوط والمجفف. وفي كتاب بعنوان «كتاب الطهي الأساسي للشمال الشرقي» من تأليف الكاتبة هويهنو هاوزيل التي قالت عن جبن تشوربي إنه يضيف نكهة يومية لطيفة إلى النظام الغذائي لسكان ولاية سيكيم الداخلية الهندية عند سفوح جبال الهيمالايا: «إنه من المواد المفضل تخزينها لدى كل عائلة من سكان البلاد. حتى أولئك الذين تشغلهم مجريات الحياة اليومية عن إعداد جبن تشوربي في المنزل، لا بد أن يحتفظوا باحتياطي معقول من هذا الجبن في مكان ما من زوايا المطبخ».
يعد تخمير الخضراوات الموسمية ومنتجات الألبان من التقاليد الشائعة والمعروفة لسكان هذه المناطق بغية ضمان استمرارها خلال فصل الشتاء شديد البرودة. ويستخدم جبن تشوربي الطري، وهو من أفضل مصادر البروتين، في حشوات طبق الموموس، ولإضافة كيان غني إلى صلصة تشاتني، والسلطات، وأطباق الخضراوات. كما تعد وجبة تشوربي المجففة، وهي من أصلد الأجبان على مستوى العالم، من الوجبات الشائعة هناك، وتبقى في الفم قيد المضغ لفترة طويلة، لا سيما لدى الرعاة من سكان هذه المناطق. ويُصنع الجبن في الغالب من حليب آلياك في عدة أجزاء من الهند، خصوصا ولايتي سيكيم، ولاداخ، وغير ذلك من المناطق الجبلية النائية في بوتان، والتبتن ونيبال، حيث انتشار مختلف أنواع آلياك.
وتعتبر عملية صناعة جبن تشوربي من لبن آلياك بسيطة إلى درجة ما. ويمكن صناعة الجبن في المنزل إذا تمكنت من الحصول على بعض من زبدة الحليب. ويجري إعداد الجبن في مزارع الألبان عن طريق غلي زبدة الحليب. وبمجرد زيادة كثافة الخليط المغلي، يتم نزع الكتلة الصلبة من السائل. ثم يجري تشكيل الكتلة الصلبة المنزوعة حسب المطلوب، وتعليقها للجفاف لمدة يوم أو يومين كاملين. ومع نهاية عملية التجفيف، يُسمح للجبن بالتخمر لمنحه المذاق الحامضي الفريد والمميز. وبعد الجفاف التام، يتصلب الجبن تماما. ولكنه يذوب في الفم ذوبانا لطيفا بمجرد ملامسته للعاب ويسهل مضغه.
تعمل البلدان المصنعة لجبن تشوربي على تصديره إلى دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة، حيث يرتفع الطلب المحلي عليه. ويظل جبن تشوربي صالحا للاستهلاك بمجرد إعداده لمدة 4 إلى 5 سنوات شريطة الاحتفاظ به في بيئة صحية وجافة.
يجري إنتاج جبن تشوربي في صنفين - الجبن الناعم والجبن الصلب، وللصنف الصلب منه نكهة مدخنة عالية الكثافة. ولسوف تندهش عند معرفة أن جبن تشوربي غني للغاية بالبروتينات وبالتالي فهو مفيد جدا للنظام الغذائي اليومي. كما أن الصنف الصلب من هذا الجبن يمكن مضغه في الفم لساعات. أما الصنف الناعم فعمره الافتراضي بسيط، ويمكن طهيه مع السمن ويؤكل مع الأرز، أو بصحبة الحساء، أو كوجبة خفيفة في الكاري مع السرخس البري. استمر الناس في صناعة جبن تشوربي في الأجزاء النائية من جبال الهيمالايا منذ قرون مضت. ويصل عمره الافتراضي إلى 20 عاما إذا تم حفظه في جلد آلياك.
- جبن باندل
هو نوع من الجبن المفتت والمملح الذي ترجع أصوله الأولى إلى مستعمرة باندل البرتغالية في ولاية بنغال الغربية الهندية.
استقر المستعمر البرتغالي في هذه المنطقة اعتبارا من القرن السادس عشر الميلادي واستغلها كميناء حربي وتجاري. ويرجع جبن باندل بأصوله إلى مطابخ المستوطنين البرتغاليين في هذه المناطق، ومن ثم جاء الاسم الشهير. وتستطيع العثور على صنفين من هذا الجبن في سوق كولكتا الجديدة: الجبن الكريمي الفاتح والجبن البني المدخن. يُصنع جبن باندل من حليب الأبقار، ويوصف مذاقه بأنه مثل المعجنات المالحة وذلك للون الداكن والنكهة المدخنة. وهو غالبا ما يُستخدم في المقرمشات والسلاطة، ويُغمر فيها طوال الليل من أجل تليين قوامه، ويُباع في صورة كرات صغيرة من حجم الزلابية. وله مذاق ملحي لاذع في الفم، وهو أفضل ما يُقدم مع السلاطة أو مطبوخ في أطباق المعكرونة، وهو ينتمي إلى عائلة «الجبن القريش». وله ملمس ناعم ونسيجه مفتت. ويمكن تناوله بعد غمره في الماء طوال الليل حتى يفقد قدرا من الملوحة. ويأتي جبن باندل في شكل كرات صغيرة، كما أنه يحتوي على كمية من الملح تمنحه فترة صلاحية طويلة.
ويستعين الشيف الاستشاري آميا ماهاجاني من مطعم ومقهى «أروماس» الهندي بجبن باندل في مطبخه الخاص: «لهذا الجبن الجاف والهش مذاق مدخن رائع. وهو مصنوع من حليب الأبقار عن طريق فصل الرائب عن الحليب، باستخدام عصير الليمون. ثم يوضع في قوالب صغيرة، مع تدخينه على نيران الخشب. ويمكن تخزينه لفترات جيدة في الثلاجة»، وأضاف الشيف آميا ماهاجاني يقول: «أفضل إعداد مقبلات كروستيني الإيطالية باستخدام جبن باندل المملح. وذلك باستخدام الخبز الفرنسي، وتقطيعه إلى شرائح رقيقة، ثم وضع زبدة الثوم والتوست في الفرن. ويُضاف زيت الزيتون في وعاء مستقل، مع بعض قطع اليقطين مع زبدة الجوز، والسبانخ، وجوز الصنوبر، مع رشات خفيفة من الملح والفلفل. ثم يوضع هذا المزيج على التوست الفرنسي مع تفتيت بعض من جبن باندل من أعلى».
- جبن كاليمبونغ
جاء ميلاد هذا النوع من الجبن في محطة تلالية صغيرة تدعى كاليمبونغ في ولاية البنغال الغربية. ومن المعتقد أن أول من صنع هذا الجبن رجل يُدعى الأخ أبراهام، الذي كان من النساك القدامى في ولاية سيكيم النائية. وهو عبارة عن جبن شيدر بنكهة قوية ورائحة نفاذة. ونظرا لأنه سهل الذوبان، فهو دائما ما يُستخدم بصورة أساسية في المخبوزات والطهي لمنح الطعام رائحة زكية. يحتوي جين كاليمبونغ غير الناضج على قشرة شبه ناعمة صالحة للتناول، مع نكهة حمضية بسيطة، وملمس مفتت، مما يجعله اختيارا رائعا للسلطات أو السندوتشات مع الطماطم والبيض.
وعند نضوجه، يمكن مقارنة نكهة جبن كاليمبونغ بنكهات أجبان جودا القديمة، كما يوصى بتناوله مع العنب وبسكويت الجبن.
- جبن توبلي نا بانير
يشير الاسم نفسه إلى الأصول الفارسية لهذا الجبن المصنع من الحليب كامل الدسم والمنفحة. ومع نكهته المالحة، فإنه نسيجه هش للغاية، ويُقدم في سلة مورقة. ويجري وضع الحليب كامل الدسم مع المنفحة التي تمنحه قواما يشبه الزبادي. ثم يُترك على حاله لعدة ساعات قبل تشكيله إلى كرات صغيرة ووضعه في سلال من القصب. وتسمح تلك السلال بتصريف الماء الزائد عن الجبن، مما يمنحه الشكل والملمس المعروف. وأخيرا، يوضع الجبن في الثلاجة لتبريده.
يتميز جبن توبلي نا بانير بالمذاق المالح، ولذلك من المفضل تقديمه مع المقرمشات، والسلاطة، والخبز المحمص. ولكن من الأفضل الاستمتاع بتناوله بمفرده. ولا بد من التذكر من أنه طبق فارسي مستقل، وليس طبقا مرافقا لوجبة رئيسية. ونظرا لإعداده من الحليب الطازج، فيجب استهلاك الجبن في غضون ثلاثة أيام من الإعداد.
تقول الشيف الفارسية ومؤلفة كتب الطهي نيلوفر إيشابوريا كينغ إن «ذلك الصنف من الجبن يعتبر واحدا من كنوز الطهي المختفية في الهند، وهو غير متاح إلا في المطاعم الخاصة في مدينة مومباي».
- جبن تشورو
تشورو من الجبن الطري والناعم واللاذع، وهو الذي وصل إلى الأراضي الهندية من بوتان. ولفظة «تشورو» تعني «الجبن المتعفن» في نيبال، وله رائحة نفاذة قوية ومذاق لاذع في تحضير اللحوم. ويُصنع جبن تشورو اللاذع من الكريم والطبقة المتكونة أعلى حليب آلياك أو الماعز. ولقد جرت مقارنته بالأجبان الأوروبية المتعفنة الأخرى مثل جبن «روكفور» الفرنسي الأزرق وجبن «ليمبرغر» الهولندي. ووفقا إلى «رينجين دورجيه» مؤلف كتاب «الغذاء في حياة التبت»، نظرا لتوافر الطماطم في الأجزاء الجنوبية من التبت، يتم استخدام جبن تشورو هناك كبديل عن العديد من الأطباق المعروفة. في ولاية سيكيم النائية، يشاع استخدام جبن تشورو في حساء اللحم، في حين أن الكاري الشهير في بوتان يتكون في الغالب من الفلفل الحار وجبن تشورو المذاب. كما يلعب هذا الصنف من الجبن دورا بارزا في إعداد حساء الجبن المتعفن الذي يتناوله الناس في المعتاد مع الأرز أو دقيق الطحين.
- استخدامات الطهاة
شرع الطهاة في اختيار الأجبان الهندية الأصلية عوضا عن الأجبان المستوردة منخفضة الجودة. وفتح هذا الأمر الباب أمام عودة الصناعات المنزلية. ويقول الشيف الهندي سابياساتشي غوراي: «نظرا لأن الجبن الهندي لم يكن من المنتجات ذات الرواج التجاري الكبير، مع الأرباح المنخفضة للغاية، والتوزيع المحلي بالأساس، فإن الشركات لم تعبأ بالاستثمار فيه. أما اليوم، ارتفعت معدلات المستهلكين نظرا لأن العديد من المطاعم باتت تستعين بمختلف أنواع الأجبان الهندية بصورة تجارية. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، لاحظت ارتفاعا كبيرا في أسعار الجبن الهندي». ومن المعروف أن جبن كاليمبونغ، الذي كان من صناعة ناسك قديم في ولاية سيكيم البعيدة ومتوافر محليا هناك، يجري تصنيعه اليوم في محطة تلالية صغيرة تحمل نفس الاسم في ولاية البنغال الغربية، ومتوفر في متجر وحيد فقط في سوق كولكاتا الجديدة (سوق هوغ القديمة)، وليس له وجود في أي مكان آخر في البلاد.
وأضاف الشيف سابياساتشي غوراي - الذي يقدم الجبن الهندي الأصلي على قائمة مطعم «لافا شباي سابي» الذي يملكه في نيودلهي، قائلا: «كادت صناعة الأجبان التجارية أن تقضي على الصناعات المنزلة التي ترجع إلى قرنين من الزمان من صناعة الأجبان الأصلية اللذيذة. ويتعرض الجيل الجديد إلى مختلف أصناف الأجبان المعبأة بصورة جذابة لتحفيز أنماط الشراء الجالبة للأرباح، ولكن لا يهتمون أبدا بصناعات الأجبان المنزلية المحلية عندنا. أما اليوم، أصبح العملاء أكثر فهما وتحمسا واهتماما عندما أقدم لهم الجبن الأصلي، مع مزيد من الفضول للمعرفة والانفتاح على النكهات المختلفة. ويجب على المرء أن يتذكر أن مثل هذه الأجبان الرائعة تأتي بمذاقات حادة وقوية، على العكس تماما من التأثير الصناعي الواضح على الأجبان المعبأة آليا».
يقول الشيف توماس زكرياس، من مطعم بومباي كانتين الهندي: «تجولت بين مختلف أرجاء الهند وأدركت الإمكانات الهائلة للنكهات الإقليمية والمنتجات المحلية في بلادنا. ولا نستعين في مطبخ المطعم عندنا إلا بأنواع الأجبان الهندية الأصلية المنتجة محليا فقط. ونستخدم جبن توبلي نا بانير، الفارسي الأصل، في إعداد طبق الدال الخاص بنا، حيث يمنحه ملمسا لطيفا عند التحضير»، ويقول الشيف مضيفا إن إضافة جبن كاليمبونغ إلى الكعك العادي هو من اللمسات التي يتميز بها مطعمه عن المطاعم الأخرى.


مقالات ذات صلة

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

مذاقات سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن...

رامين غانشرام (نيويورك)
مذاقات وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»،

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات الزبادي اليوناني بأشكال وألوان مختلفة (إنستغرام)

الزبادي اليوناني موضة تجذب الجيل الصاعد

يدخل الزبادي اليوناني حالياً إلى قائمة طعام الشباب اللبناني بشكل لافت. ففي الفترة الأخيرة، بات هذا المكوّن ينافس الزبادي العادي بطعمه ونكهاته المتنوعة،

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

«الحمام المحشي» أحد أهم رموز المطبخ المصري التقليدي، فهو وجبة تستهوي مختلف فئات المصريين وضيوفهم من العرب والسائحين.

محمد عجم (القاهرة)

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.


مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
TT

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن الخبز والفطائر لزبائنه، الذين يصطفون خارج محله بمجرد أن يفتح أبوابه. غير أن ما يميز شيري عن منافسيه، أن مخبزه عبارة عن خيمة من الطراز المستخدم عادة في التخييم، تضم فرناً طينياً يماثل تلك الأفران، التي استخدمها خبازو «الجيش القاري» خلال حرب الاستقلال الأميركية.

وفي المواقع التاريخية الممتدة من ماساتشوستس إلى فلوريدا، يعكف شيري على صنع أرغفة خبز تشبه تلك التي أمر الجنرال جورج واشنطن بتوفيرها لرجاله. ونظراً لأنه يقيم في «ماونت فيرنون» بولاية فرجينيا، شهد شيري ضغط عمل مكثفاً هذا العام، تزامناً مع احتفال البلاد بمرور 250 عاماً على التأسيس، احتفالية تمهد لخمس سنوات قادمة من فعاليات إحياء الذكرى في مواقع رئيسة شهدت معارك حرب الاستقلال. وقد حُجزت خدماته بالفعل في موقع «واشنطن كروسينغ» ببنسلفانيا، وموقع معركة «مونموث» في نيوجيرسي، حيث يستعيد الممثلون الهواة هناك ذكرى إحدى أطول معارك الحرب بإطلاق نيران البنادق والمدافع.

معجنات طازجة (نيويورك تايمز)

وقال شيري في تصريحات أدلى بها مطلع هذا الشهر في «ماونت فيرنون»: «يشتكي الناس اليوم من أن خبز الأكل في المنزل يستغرق وقتاً طويلاً، لذا فإن مشاهدتي في أثناء العمل تفتح عيونهم على واقع آخر».

ومن خيمته المنصوبة في الحقل الممتد على مساحة اثني عشر فداناً أمام قصر واشنطن، يشارك شيري زبائنه تفاصيل عمليته التي تستغرق عشر ساعات كاملة. وعلى غرار نظرائه في القرون الماضية، يتعين على شيري التعامل مع تقلبات الطقس؛ إذ سبق له الخبز في درجات حرارة حارقة، وكذلك في برد قارس، فضلاً عن الرياح والأمطار والعواصف الثلجية، وكافح لتثبيت خيمته في وجه الرياح العاتية.

وفي أوقات ذروة العمل، يشارك والدا شيري وزوجته وابنته ذات الـ11 عاماً في عمليات البيع، بينما يرتدون جميعاً ملابس تاريخية تعود لتلك الحقبة، ويتبادلون أطراف الحديث مع الزبائن حول تاريخ الخبز في القرن الثامن عشر، في الوقت الذي ينهمك شيري في إدخال المخبوزات وإخراجها من الفرن بـسرعة.

وإلى جانب بيع أرغفة الخبز، التي تزن رطلاً واحداً وتماثل الحصص التموينية التي كان يتلقاها جنود «الجيش القاري» خلال الحرب، يقدم شيري منتجات موسمية، تماماً كما كان يفعل نظراؤه في الماضي. وتتضمن هذه المنتجات أجباناً مصنوعة محلياً والزبدة والأسماك المملحة. أما خبز الزنجبيل الذي يصنعه، فيُشكل باستخدام قوالب مستنسخة يدوياً من القرن الثامن عشر، ويستغرق إعداده ثلاثة أيام.

وقد سُمي مخبزه بهذا الاسم؛ لأن رطل الخبز كان يكلف نصف كراون أو اثني عشر بنساً ونصف البنس في منتصف القرن الثامن عشر، ما يعادل ثلاثة دولارات ونصف الدولار، اليوم. وتباع أرغفته الحالية بنحو خمسة عشر دولاراً، وعادة ما تنفد بضاعته في أقل من ساعة، مع انجذاب الحشود إلى خيمته بفضل رائحة الخبز الذكية.

مخبز تاريخي يحيي خمسينيات القرن الثامن عشر (نيويورك تايمز)

من جهتها، تتابع باربرا أونوراتو وزوجها توني مسيرة شيري المهنية، منذ أن قرآ عنه للمرة الأولى عام 2018. ويعيش الزوجان أونوراتو، اللذان يمتلكان مزرعة تاريخية في ولاية بنسلفانيا، في منطقة مونتكلير القريبة بولاية فرجينيا، ويعتبران من زبائنه الدائمين في «ماونت فيرنون» ومواقع أخرى. وفي هذا الصدد، قالت باربرا أونوراتو: «خبزه ومنتجاته الأخرى رائعة للغاية، وأنا معجبة جداً بمشاركة عائلته بأكملها في هذا العمل».

جدير بالذكر أن شيري نشأ في غرب ولاية بنسلفانيا، وسط عائلة من الشغوفين بمحاكاة التاريخ وتفسيره، وكثيراً ما يحرص على ارتداء الملابس التاريخية والسفر إلى مواقع إعادة تمثيل معارك حرب الاستقلال مع والديه وشقيقه، منذ أن كان في الثامنة من عمره. وفي أثناء فترة عمله مع الطاهي شون بروك في مطعم «هاسك» بمدينة تشارلستون، أدرك شيري أنه بمقدوره صنع الخبز على الموقد المستخدم لطهي اللحوم بعد خمود النيران.

وقال شيري: «نظراً لانغماسي الشديد في تجارب إعادة التمثيل التاريخي، والتي تتضمن الطهي على نيران المخيمات طوال حياتي، كانت الخطوة المنطقية التالية بالنسبة لي صنع فرني الخاص». وبعد استشارة مؤرخ الثقافة الغذائية ديفيد شيلدز، عثر شيري في أرشيف محلي على مواصفات بناء فرن طيني كتبها الـ«سالزبورغرز» ـ جالية من خبازي ولاية جورجيا، كانوا يعملون بالقرب من نهر سافانا، في أربعينات القرن الثامن عشر.

في خبزه، يعتمد شيري على حبوب تُطحن خصيصاً بناءً على طلبه، بما في ذلك طاحونة «ماونت فيرنون». كما يستخدم رغوة الخميرة، تماماً كما كان يفعل الخبازون، قبل الإنتاج الضخم لمواد التخمير.

وأضاف: «أحاول استخدام مكونات كانت شائعة في المناطق التي أعمل بها؛ لأن هذا ما كان يتعين على خبازي واشنطن فعله في ذلك الوقت». ويتضمن عمل شيري كذلك جمع وصفات طعام وأدوات خبز ومعدات ومخطوطات وكتب، تعود إلى القرن الثامن عشر. ويركز بشكل خاص على كريستوفر لودويك، مهاجر ألماني افتتح مخبزاً ومتجراً ناجحاً للحلويات في فيلادلفيا في خمسينات القرن الثامن عشر، وشغل منصب مدير الخبازين لدى واشنطن خلال الحرب.

وأوضح شيري أنه: «تولى لودويك إدارة عشرات الخبازين المحليين في مستودعات الإمداد والمواقع الرئيسة الأخرى القريبة نسبياً من القوات لتسهيل عمليات النقل. وكانوا ينتجون مئات، إن لم يكن آلاف، الأرغفة للجيش».

ووفقاً لحسابات واشنطن، كان الأمر يتطلب مائة ألف رطل من الدقيق لإطعام 15 ألف رجل عن كل عام تستمر فيه الحرب، وكان واشنطن يدفع أجور الخبازين من جيبه الخاص. وكثيراً ما كان يراسل لودويك مباشرة بطلبات دقيقة لتسليم الخبز.

وأشار شيري إلى أنه «في حين جرى تجنيد العديد من هؤلاء الخبازين في خدمة قسم الخبز، فإن بعضهم كانوا محترفين يعملون بموجب عقود وواصلوا تجارتهم بعد الحرب».

وكان سايروس بوستيل من بين هؤلاء؛ والذي كان خبازاً مستعبداً سابقاً في بنسلفانيا، وأدار مخبزاً تعاقدياً في نيوجيرسي عام 1782، وذلك في أثناء استمرار المناوشات بعد معركة يوركتاون. وافتتح مخبزاً ومصنعاً ناجحاً للبيرة في فيلادلفيا بعد الحرب، وأصبح عضواً مؤسساً في «الجمعية الأفريقية الحرة» بفيلادلفيا، والتي دعمت المدارس المستقلة لذوي البشرة السمراء. ويُعد مغني الأوبرا والناشط في مجال الحقوق المدنية بول روبسون أحد أحفاده.

ويعتبر منزل كليفدين، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر، ويقع في منطقة جيرمانتاون بمدينة فيلادلفيا، إضافةً حديثةً إلى قائمة مواقع تشيري. وقالت كارولين جي والاس، المديرة التنفيذية، إنهم كانوا يسعون لإيجاد سبل للتعاون معه منذ فترة.

وأضافت والاس: «إنّ تجربة المذاقات نفسها التي كان يتذوقها شخصٌ من القرن الثامن عشر، بخاصةً جنديّ في الجيش، تُعدّ وسيلةً رائعةً لتعريف الناس بتلك الحقبة».

وكان مشهد خيمته التي تعود إلى القرن الثامن عشر، ورائحة فرن الخبز، هما ما جذب سيندي كيتشل، مُعلّمة من إنديانابوليس، إلى خيمة تشيري في صباحٍ مشرقٍ من يونيو (حزيران) في القرن الـ21.

وقالت كيتشل، خبازةٌ منزليةٌ شغوفةٌ كانت تزور ماونت فيرنون للمرة الأولى: «كنتُ في واشنطن العاصمة لحضور مؤتمر. وتذكرني رؤية هذا المكان بالهدف الحقيقي لمبادرة أميركا 250».

* خدمة «نيويورك تايمز»


وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
TT

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»، يمكن أن نشاهد عشرات المقاطع لأطباق شهية ووصفات تبدو وكأنها خرجت من مطابخ أمهر الطهاة. لكن خلف بعض هذه الصور والمقاطع المثالية، تختبئ مشكلة متنامية: ليس كل ما نراه حقيقياً.

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج صور ومقاطع فيديو وأصوات شديدة الواقعية، بل إنشاء شخصيات تبدو كأنها طهاة محترفون. وقد تظهر وصفة على الشاشة بصورة مثالية، بينما تكون في الواقع غير مجربة أو غير قابلة للتنفيذ بالطريقة التي عُرضت بها. ولا تقتصر المشكلة على إعداد وجبة سيئة، بل قد تعني أيضاً إهدار الطعام والوقت والمال وشراء مكونات لوصفة لم يختبرها أحد أصلاً.

وقد أدركت حجم المشكلة بعدما وقعت شخصياً ضحية لهذا النوع من المحتوى. ظهر أمامي مقطع لتحضير خبز صحي مكون من الزبادي والأفوكادو والبيض والبايكنغ باودر وقليل من الملح والبطاطس المسلوقة. شككت في الوصفة وفي الطاهي الذي بدا واثقاً من نجاحها، لكنني قررت تجربتها، وكانت النتيجة كارثية. فمن شبه المستحيل أن تحل البطاطس محل الدقيق بهذه الطريقة، وانتهت التجربة بهدر المكونات واستهلاك الغاز والكهرباء من دون فائدة.

وصفات تبدو لذيذة ولكنها في الواقع مزيفة (بيكسيلز)

المشكلة لا تتوقف عند وصفة فاشلة. فقد نشاهد طاهياً يتحدث بثقة أمام الكاميرا، بوجه طبيعي وصوت مقنع وحركات واقعية، ويقدم طبقاً نهائياً مثالياً، بينما قد لا يكون هذا الطاهي موجوداً أصلاً. يستطيع الذكاء الاصطناعي إنشاء الوجوه والأصوات والخلفيات والحركات، كما يستطيع إنتاج صور لأطعمة تبدو حقيقية بدرجة مذهلة، ما يجعل من الصعب على المشاهد العادي اكتشاف الخدعة.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: نحن غالباً نحكم على مصداقية المحتوى من مظهره. فإذا بدا الشخص طاهياً محترفاً، وتحدث بثقة، وظهر أمام طبق مثالي، فمن السهل أن نفترض أن الوصفة مجربة وناجحة. لكن جمال الفيديو ليس دليلاً على نجاح الوصفة.

قد تكون المقادير غير دقيقة، أو أوقات الطهي ودرجات الحرارة غير منطقية، أو قد تُجمع مكونات لا تتفاعل بالطريقة المطلوبة. وقد يُقترح استبدال مكوّن بآخر من دون مراعاة تأثير ذلك في قوام الطبق أو طعمه. والمشكلة أن الفيديو يستطيع إخفاء هذه الأخطاء وإظهار نتيجة مثالية لم تحدث أصلاً. فقد تبدو الوصفة مقنعة على الشاشة، لكنها تفشل تماماً عند تنفيذها في مطبخ حقيقي.

وتزداد المشكلة مع طبيعة المحتوى الفيروسي. فالمنصات تكافئ ما يجذب المشاهدات والتعليقات والمشاركات، ولذلك قد يحظى طبق غريب أو وصفة تبدو مستحيلة أو طاهٍ مولد بالذكاء الاصطناعي بانتشار أكبر من وصفة بسيطة ومجربة. وكلما كان المقطع أكثر غرابة وإبهاراً، زادت فرص توقف المستخدم عنده ومشاركته، ما يحول الانتباه إلى مشاهدات وانتشار وربما أرباح.

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً مع تقنيات التزييف العميق، التي يمكنها جعل أشخاص حقيقيين يبدون وكأنهم قالوا أو فعلوا أشياء لم يقوموا بها. وفي عالم الطعام، يمكن استخدام تقنيات مشابهة لإنشاء مقدمي محتوى وهميين أو تعديل مقاطع موجودة. لذلك لم يعد السؤال فقط: هل يبدو هذا الشخص طاهياً محترفاً؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل قام أحد فعلاً بإعداد هذه الوصفة؟

ومع ذلك، فالذكاء الاصطناعي ليس أصل مشكلة الوصفات المضللة؛ فقد كانت هناك وصفات غير مجربة وصور معدلة ومبالغات في النتائج قبل ظهوره. الجديد هو قدرة التقنية على إنتاج كميات ضخمة من الصور والشخصيات والأصوات ومقاطع الفيديو والنصوص بسرعة كبيرة، من دون الحاجة إلى امتلاك الخبرة أو الوقت اللازم لاختبار كل وصفة في مطبخ حقيقي.

الوصفات الالكترونية الغير موثوقة بها كثيرة (بيكسيلز)

لذلك، لا يعني الأمر أن نتوقف عن الثقة بكل وصفة نشاهدها على وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك طهاة حقيقيون وصناع محتوى يقدمون وصفات ممتازة ومجربة. لكن من الحكمة التحقق قبل شراء مكونات وصفة غير معتادة: هل المقادير والتعليمات واضحة ومنطقية؟ هل جربها أشخاص آخرون؟ هل توجد نتائج حقيقية في التعليقات؟ وهل لدى صاحب الحساب تاريخ في نشر وصفات يمكن الوثوق بها؟ كما يمكن البحث عن الوصفة نفسها في مصادر طبخ موثوقة أو لدى طهاة معروفين.

ولا ينبغي أن تقع المسؤولية على المشاهد وحده. فعلى صناع المحتوى أن يكونوا واضحين بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن يميزوا بين الوصفة التي أُعدت واختُبرت فعلاً والمحتوى الذي تم توليده رقمياً. كما تواجه منصات التواصل تحدياً متزايداً في وضع علامات واضحة على المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع تراجع قدرة العين المجردة على اكتشافه.

في المرة المقبلة التي تظهر فيها أمامنا وصفة مذهلة، قد يكون من الأفضل أن نتوقف لحظة قبل وضع مكوناتها في عربة التسوق، ونسأل: هل أعدّها شخص فعلاً؟ وهل توجد أدلة على نجاحها؟ فالعالم الرقمي أصبح قادراً على تقديم وجبة مثالية المظهر لم تُطبخ أصلاً. وربما تكون هذه هي القاعدة الأهم: ما يبدو شهياً على الشاشة ليس بالضرورة شيئاً يمكن تحضيره في مطبخنا.