ما لا تعرفه عن الأجبان الهندية

الفرنسيون والبرتغاليون لهم الفضل في صناعة الجبن في الأرياف

الأجبان الفرنسية {المتعفنة} لها ما يماثلها في الهند حيث جبن «تشورو» الذي يعني «الجبن المتعفن»
الأجبان الفرنسية {المتعفنة} لها ما يماثلها في الهند حيث جبن «تشورو» الذي يعني «الجبن المتعفن»
TT

ما لا تعرفه عن الأجبان الهندية

الأجبان الفرنسية {المتعفنة} لها ما يماثلها في الهند حيث جبن «تشورو» الذي يعني «الجبن المتعفن»
الأجبان الفرنسية {المتعفنة} لها ما يماثلها في الهند حيث جبن «تشورو» الذي يعني «الجبن المتعفن»

في الغالب، يُعتقد في عالم الطهي أن نوع الجبن الوحيد الذي تنتجه الهند هو جبن «بانير».
ولكن، كانت الهند - ولا تزال - تنتج قوالب الجبن الأصلية ذات النكهات والمذاقات المتنوعة، والقادمة من منشأها في المناطق الريفية الهندية النائية.
ويصح القول إن الوجود البرتغالي والفرنسي له تأثيره الواضح والكبير على نكهات السكان الأصليين فضلا عن نكهاتهم الأصلية الخاصة، ولكن الفيزيائي الهندي أديتيا راغافان (الذي تحول إلى صناعة الجبن) يقول إن صناعة الجبن موجودة في الهند منذ آلاف السنين وليست حديثة العهد كما يظن البعض.
وأضاف راغافان قائلا: «حتى جبن البانير الهندي الشهير يمكن تتبع نشأته الأولى إلى شمال غربي الهند، حيث يُصنع باستخدام مزيج من اللبن والزبادي. وهناك نصوص مرجعية قديمة ترجع إلى عهد كوشان (في القرن الميلادي الأول): من استخدام المواد الصلبة المستمدة من خليط الحليب الدافئ واللبن الرائب. وفي حين أن مجتمع المحاربين القدماء كانوا يقتاتون على هذه المواد الصلبة، كان السائل الرقيق (وهو مصل الحليب) يُمنح لإطعام الفقراء وقتذاك».
وربما نشأ التقليد القديم لدى رعاة الألبان الذين جربوا مختلف الأساليب للحفاظ على الحليب الفائض لديهم.
وقال مؤرخ الغذاء الهندي بوشبيش بانت إن الجبن كمنتج من منتجات الألبان كانت من السلع رائجة المبيعات على طريق الحرير القديم.
وكان للطهاة - الذين طافوا مختلف زوايا وأركان البلاد للحصول على النكهات المختلفة وابتكار أساليب الطهي الفريدة من نوعها - دور كبير يقومون به في تجديد تقاليد الأجبان الهندية الأصلية. وعلى سبيل المثال، الشيف براتيك سادهو من مدينة مومباي، والذي سرد كيف ساهمت تجارب وذكريات الطفولة المبكرة في تشكيل معالم مطعم «ماسك» الذي يملكه حاليا، وهو من المطاعم المرموقة رفيعة المستوى في المدينة: «تربيت على تناول جبن الكالاري في الوجبات الخفيفة الذي يُقدم مع خبز الكشمير».
وفيما يلي عرض ماتع لمختلف أصناف وأنواع الجبن الهندي غير المعروف للجميع.
- جبن الهيمالايا
تعود أصول هذا الجبن النباتي بالكامل إلى إقليم جامو وكشمير، وهو من صناعة وإعداد سكان الغوجار المحليين، وهم مجتمع من الرعاة شبه الرحل الذين يعيشون بين الهند وباكستان وأفغانستان. واستوطن سكان الغوجار أراضي كشمير منذ قرون مضت، ولذلك فهم يعتبرون من أقدم المزارعين للأراضي الخصبة التي تتميز بها تلك المناطق، إلا أنهم يعيشون تحت مظلة قبلية خاصة تحول بينهم وبين امتلاك الأراضي مثل بقية مواطني البلاد.
بدأت صناعة جبن الهيمالايا في مصنع صغير على أيدي النيوزيلندي كريس زاندي في عام 2007 وهو مواطن هولندي بالأساس، ولقد تمكن من إقامة خط للإنتاج يشتمل على عدة أصناف من الجبن منها جبن الكالاري، والشيدر، والجودا (وفقا لأساليب الصناعة الهولندية)، ولكن مع نكهات كشميرية أصلية. ويبيع مصنع جبن الهيمالايا العديد من أصناف جبن كالاري وجودا - مع إضافات الجوز، والكمون، والخردل، والفلفل الأسود، والفلفل الحار، والحلبة، وغير ذلك الكثير.
ولصناعة جبن الكالاري، يتم خض اللبن الحليب كامل الدسم في إناء من الحديد باستخدام أداة أشبه بالمكبس الخشبي. ثم يجري فصل الكتلة الذائبة من مواد الحليب الصلبة عن طريق إضافة اللبن الحامض أو الرائب. بعد ذلك، يتم تسطيح قطرات اللبن الرائب القابل للتمدد عن طريق التقليب المستمر بين أيادي الصانع، مما يساعد على وصول إنزيم الكازين الموجود في اللبن الرائب الساخن إلى الحليب. وبمجرد التسطيح، يتم تبريد الجبن المنتج على وعاء الحديد نفسه حتى يتماسك ويتصلب. ثم يجري تجفيف الجبن المتصلب تحت أشعة الشمس للتخلص من بقايا الرطوبة العالقة فيه. ونظرا لأن درجات الحرارة المحيطة بمناطق الجبال تبقى منخفضة رغم سطوع الشمس، فإن جبن الكالاري يجف تماما من الخارج مع بقاء الرطوبة والطراوة في الداخل.
يمكن تناول جبن الكالاري بالكثير من الطرق - يُحشى في خبز باراثا، ثم يُقلى ويُؤكل مع صلصة تشاتني أو يُقلى مع الطماطم. كما يمكن تناول الجبن نيئا، حيث يخضع لعملية التبخير أثناء عملية التمدد.
وجبن الكالاري من المنتجات الشائعة والمعروفة في وجبات الشوارع في جامو وكشمير، حيث يتم تمليح جبن الكالاري الممدد ويُذاب على صينية ساخنة. وبعد الذوبان، يخرج الجبن في طبقة ذهبية رقيقة وهشة من الخارج، مع الجزء الداخلي الناعم والهش، ثم توضع عليه البهارات والتوابل الحارة، مع الخضار المفروم، ويتم لفه لكي يُقدم مع صلصة الثوم وصلصة تشاتني الحارة.
وعلى نحو مماثل، هناك مجموعة متنوعة من جبن قودام، وهو نوع من الجبن لا يمكن العثور عليه بسهولة في المتاجر، فهو من أندر أنواع الجبن المعروفة هناك. وهو لا يوجد إلا في منازل سكان الغوجار التقليدية في جامو وكشمير. ويحظى جبن القودام بعمر افتراضي طويل، ومعروف بنسيجه المتفتت، ونكهته الطيبة اللطيفة.
- جبن تشوربي
ترجع نشأته إلى مناطق نيبال وبوتان، وهو مصنوع من زبدة الحليب المغلي. وهو أشبه ما يكون بجبن الريكوتا الإيطالي في هشاشته وطراوته. والنوع الأكثر شعبية منه هو المضغوط والمجفف. وفي كتاب بعنوان «كتاب الطهي الأساسي للشمال الشرقي» من تأليف الكاتبة هويهنو هاوزيل التي قالت عن جبن تشوربي إنه يضيف نكهة يومية لطيفة إلى النظام الغذائي لسكان ولاية سيكيم الداخلية الهندية عند سفوح جبال الهيمالايا: «إنه من المواد المفضل تخزينها لدى كل عائلة من سكان البلاد. حتى أولئك الذين تشغلهم مجريات الحياة اليومية عن إعداد جبن تشوربي في المنزل، لا بد أن يحتفظوا باحتياطي معقول من هذا الجبن في مكان ما من زوايا المطبخ».
يعد تخمير الخضراوات الموسمية ومنتجات الألبان من التقاليد الشائعة والمعروفة لسكان هذه المناطق بغية ضمان استمرارها خلال فصل الشتاء شديد البرودة. ويستخدم جبن تشوربي الطري، وهو من أفضل مصادر البروتين، في حشوات طبق الموموس، ولإضافة كيان غني إلى صلصة تشاتني، والسلطات، وأطباق الخضراوات. كما تعد وجبة تشوربي المجففة، وهي من أصلد الأجبان على مستوى العالم، من الوجبات الشائعة هناك، وتبقى في الفم قيد المضغ لفترة طويلة، لا سيما لدى الرعاة من سكان هذه المناطق. ويُصنع الجبن في الغالب من حليب آلياك في عدة أجزاء من الهند، خصوصا ولايتي سيكيم، ولاداخ، وغير ذلك من المناطق الجبلية النائية في بوتان، والتبتن ونيبال، حيث انتشار مختلف أنواع آلياك.
وتعتبر عملية صناعة جبن تشوربي من لبن آلياك بسيطة إلى درجة ما. ويمكن صناعة الجبن في المنزل إذا تمكنت من الحصول على بعض من زبدة الحليب. ويجري إعداد الجبن في مزارع الألبان عن طريق غلي زبدة الحليب. وبمجرد زيادة كثافة الخليط المغلي، يتم نزع الكتلة الصلبة من السائل. ثم يجري تشكيل الكتلة الصلبة المنزوعة حسب المطلوب، وتعليقها للجفاف لمدة يوم أو يومين كاملين. ومع نهاية عملية التجفيف، يُسمح للجبن بالتخمر لمنحه المذاق الحامضي الفريد والمميز. وبعد الجفاف التام، يتصلب الجبن تماما. ولكنه يذوب في الفم ذوبانا لطيفا بمجرد ملامسته للعاب ويسهل مضغه.
تعمل البلدان المصنعة لجبن تشوربي على تصديره إلى دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة، حيث يرتفع الطلب المحلي عليه. ويظل جبن تشوربي صالحا للاستهلاك بمجرد إعداده لمدة 4 إلى 5 سنوات شريطة الاحتفاظ به في بيئة صحية وجافة.
يجري إنتاج جبن تشوربي في صنفين - الجبن الناعم والجبن الصلب، وللصنف الصلب منه نكهة مدخنة عالية الكثافة. ولسوف تندهش عند معرفة أن جبن تشوربي غني للغاية بالبروتينات وبالتالي فهو مفيد جدا للنظام الغذائي اليومي. كما أن الصنف الصلب من هذا الجبن يمكن مضغه في الفم لساعات. أما الصنف الناعم فعمره الافتراضي بسيط، ويمكن طهيه مع السمن ويؤكل مع الأرز، أو بصحبة الحساء، أو كوجبة خفيفة في الكاري مع السرخس البري. استمر الناس في صناعة جبن تشوربي في الأجزاء النائية من جبال الهيمالايا منذ قرون مضت. ويصل عمره الافتراضي إلى 20 عاما إذا تم حفظه في جلد آلياك.
- جبن باندل
هو نوع من الجبن المفتت والمملح الذي ترجع أصوله الأولى إلى مستعمرة باندل البرتغالية في ولاية بنغال الغربية الهندية.
استقر المستعمر البرتغالي في هذه المنطقة اعتبارا من القرن السادس عشر الميلادي واستغلها كميناء حربي وتجاري. ويرجع جبن باندل بأصوله إلى مطابخ المستوطنين البرتغاليين في هذه المناطق، ومن ثم جاء الاسم الشهير. وتستطيع العثور على صنفين من هذا الجبن في سوق كولكتا الجديدة: الجبن الكريمي الفاتح والجبن البني المدخن. يُصنع جبن باندل من حليب الأبقار، ويوصف مذاقه بأنه مثل المعجنات المالحة وذلك للون الداكن والنكهة المدخنة. وهو غالبا ما يُستخدم في المقرمشات والسلاطة، ويُغمر فيها طوال الليل من أجل تليين قوامه، ويُباع في صورة كرات صغيرة من حجم الزلابية. وله مذاق ملحي لاذع في الفم، وهو أفضل ما يُقدم مع السلاطة أو مطبوخ في أطباق المعكرونة، وهو ينتمي إلى عائلة «الجبن القريش». وله ملمس ناعم ونسيجه مفتت. ويمكن تناوله بعد غمره في الماء طوال الليل حتى يفقد قدرا من الملوحة. ويأتي جبن باندل في شكل كرات صغيرة، كما أنه يحتوي على كمية من الملح تمنحه فترة صلاحية طويلة.
ويستعين الشيف الاستشاري آميا ماهاجاني من مطعم ومقهى «أروماس» الهندي بجبن باندل في مطبخه الخاص: «لهذا الجبن الجاف والهش مذاق مدخن رائع. وهو مصنوع من حليب الأبقار عن طريق فصل الرائب عن الحليب، باستخدام عصير الليمون. ثم يوضع في قوالب صغيرة، مع تدخينه على نيران الخشب. ويمكن تخزينه لفترات جيدة في الثلاجة»، وأضاف الشيف آميا ماهاجاني يقول: «أفضل إعداد مقبلات كروستيني الإيطالية باستخدام جبن باندل المملح. وذلك باستخدام الخبز الفرنسي، وتقطيعه إلى شرائح رقيقة، ثم وضع زبدة الثوم والتوست في الفرن. ويُضاف زيت الزيتون في وعاء مستقل، مع بعض قطع اليقطين مع زبدة الجوز، والسبانخ، وجوز الصنوبر، مع رشات خفيفة من الملح والفلفل. ثم يوضع هذا المزيج على التوست الفرنسي مع تفتيت بعض من جبن باندل من أعلى».
- جبن كاليمبونغ
جاء ميلاد هذا النوع من الجبن في محطة تلالية صغيرة تدعى كاليمبونغ في ولاية البنغال الغربية. ومن المعتقد أن أول من صنع هذا الجبن رجل يُدعى الأخ أبراهام، الذي كان من النساك القدامى في ولاية سيكيم النائية. وهو عبارة عن جبن شيدر بنكهة قوية ورائحة نفاذة. ونظرا لأنه سهل الذوبان، فهو دائما ما يُستخدم بصورة أساسية في المخبوزات والطهي لمنح الطعام رائحة زكية. يحتوي جين كاليمبونغ غير الناضج على قشرة شبه ناعمة صالحة للتناول، مع نكهة حمضية بسيطة، وملمس مفتت، مما يجعله اختيارا رائعا للسلطات أو السندوتشات مع الطماطم والبيض.
وعند نضوجه، يمكن مقارنة نكهة جبن كاليمبونغ بنكهات أجبان جودا القديمة، كما يوصى بتناوله مع العنب وبسكويت الجبن.
- جبن توبلي نا بانير
يشير الاسم نفسه إلى الأصول الفارسية لهذا الجبن المصنع من الحليب كامل الدسم والمنفحة. ومع نكهته المالحة، فإنه نسيجه هش للغاية، ويُقدم في سلة مورقة. ويجري وضع الحليب كامل الدسم مع المنفحة التي تمنحه قواما يشبه الزبادي. ثم يُترك على حاله لعدة ساعات قبل تشكيله إلى كرات صغيرة ووضعه في سلال من القصب. وتسمح تلك السلال بتصريف الماء الزائد عن الجبن، مما يمنحه الشكل والملمس المعروف. وأخيرا، يوضع الجبن في الثلاجة لتبريده.
يتميز جبن توبلي نا بانير بالمذاق المالح، ولذلك من المفضل تقديمه مع المقرمشات، والسلاطة، والخبز المحمص. ولكن من الأفضل الاستمتاع بتناوله بمفرده. ولا بد من التذكر من أنه طبق فارسي مستقل، وليس طبقا مرافقا لوجبة رئيسية. ونظرا لإعداده من الحليب الطازج، فيجب استهلاك الجبن في غضون ثلاثة أيام من الإعداد.
تقول الشيف الفارسية ومؤلفة كتب الطهي نيلوفر إيشابوريا كينغ إن «ذلك الصنف من الجبن يعتبر واحدا من كنوز الطهي المختفية في الهند، وهو غير متاح إلا في المطاعم الخاصة في مدينة مومباي».
- جبن تشورو
تشورو من الجبن الطري والناعم واللاذع، وهو الذي وصل إلى الأراضي الهندية من بوتان. ولفظة «تشورو» تعني «الجبن المتعفن» في نيبال، وله رائحة نفاذة قوية ومذاق لاذع في تحضير اللحوم. ويُصنع جبن تشورو اللاذع من الكريم والطبقة المتكونة أعلى حليب آلياك أو الماعز. ولقد جرت مقارنته بالأجبان الأوروبية المتعفنة الأخرى مثل جبن «روكفور» الفرنسي الأزرق وجبن «ليمبرغر» الهولندي. ووفقا إلى «رينجين دورجيه» مؤلف كتاب «الغذاء في حياة التبت»، نظرا لتوافر الطماطم في الأجزاء الجنوبية من التبت، يتم استخدام جبن تشورو هناك كبديل عن العديد من الأطباق المعروفة. في ولاية سيكيم النائية، يشاع استخدام جبن تشورو في حساء اللحم، في حين أن الكاري الشهير في بوتان يتكون في الغالب من الفلفل الحار وجبن تشورو المذاب. كما يلعب هذا الصنف من الجبن دورا بارزا في إعداد حساء الجبن المتعفن الذي يتناوله الناس في المعتاد مع الأرز أو دقيق الطحين.
- استخدامات الطهاة
شرع الطهاة في اختيار الأجبان الهندية الأصلية عوضا عن الأجبان المستوردة منخفضة الجودة. وفتح هذا الأمر الباب أمام عودة الصناعات المنزلية. ويقول الشيف الهندي سابياساتشي غوراي: «نظرا لأن الجبن الهندي لم يكن من المنتجات ذات الرواج التجاري الكبير، مع الأرباح المنخفضة للغاية، والتوزيع المحلي بالأساس، فإن الشركات لم تعبأ بالاستثمار فيه. أما اليوم، ارتفعت معدلات المستهلكين نظرا لأن العديد من المطاعم باتت تستعين بمختلف أنواع الأجبان الهندية بصورة تجارية. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، لاحظت ارتفاعا كبيرا في أسعار الجبن الهندي». ومن المعروف أن جبن كاليمبونغ، الذي كان من صناعة ناسك قديم في ولاية سيكيم البعيدة ومتوافر محليا هناك، يجري تصنيعه اليوم في محطة تلالية صغيرة تحمل نفس الاسم في ولاية البنغال الغربية، ومتوفر في متجر وحيد فقط في سوق كولكاتا الجديدة (سوق هوغ القديمة)، وليس له وجود في أي مكان آخر في البلاد.
وأضاف الشيف سابياساتشي غوراي - الذي يقدم الجبن الهندي الأصلي على قائمة مطعم «لافا شباي سابي» الذي يملكه في نيودلهي، قائلا: «كادت صناعة الأجبان التجارية أن تقضي على الصناعات المنزلة التي ترجع إلى قرنين من الزمان من صناعة الأجبان الأصلية اللذيذة. ويتعرض الجيل الجديد إلى مختلف أصناف الأجبان المعبأة بصورة جذابة لتحفيز أنماط الشراء الجالبة للأرباح، ولكن لا يهتمون أبدا بصناعات الأجبان المنزلية المحلية عندنا. أما اليوم، أصبح العملاء أكثر فهما وتحمسا واهتماما عندما أقدم لهم الجبن الأصلي، مع مزيد من الفضول للمعرفة والانفتاح على النكهات المختلفة. ويجب على المرء أن يتذكر أن مثل هذه الأجبان الرائعة تأتي بمذاقات حادة وقوية، على العكس تماما من التأثير الصناعي الواضح على الأجبان المعبأة آليا».
يقول الشيف توماس زكرياس، من مطعم بومباي كانتين الهندي: «تجولت بين مختلف أرجاء الهند وأدركت الإمكانات الهائلة للنكهات الإقليمية والمنتجات المحلية في بلادنا. ولا نستعين في مطبخ المطعم عندنا إلا بأنواع الأجبان الهندية الأصلية المنتجة محليا فقط. ونستخدم جبن توبلي نا بانير، الفارسي الأصل، في إعداد طبق الدال الخاص بنا، حيث يمنحه ملمسا لطيفا عند التحضير»، ويقول الشيف مضيفا إن إضافة جبن كاليمبونغ إلى الكعك العادي هو من اللمسات التي يتميز بها مطعمه عن المطاعم الأخرى.


مقالات ذات صلة

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

مذاقات «ساوردو»...  من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات «سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص

براكريتي غوبتا (نيودلهي)

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».