تشكيل الحكومة في حاجة إلى تدخل ماكرون لدى القيادة الإيرانية (تحليل إخباري)

TT

تشكيل الحكومة في حاجة إلى تدخل ماكرون لدى القيادة الإيرانية (تحليل إخباري)

قالت مصادر سياسية مواكبة للعراقيل التي تؤخر تشكيل الحكومة الجديدة، برئاسة السفير مصطفى أديب، إن موافقة الأطراف المعنية بتشكيلها على التمديد الثاني للمهلة الزمنية التي حددها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لولادتها، وبناء على طلب الأخير، لا يعني أن الطريق أصبحت آمنة سالكة سياسياً أمام إنقاذ المبادرة الفرنسية، وقطع الطريق على إقحامها في الرمال اللبنانية المتحركة، وتعطيل مهمتها لوقف الانهيار المالي والاقتصادي.
ولفتت المصادر السياسية لـ«الشرق الأوسط» إلى أن عدم تحديد موعد لانتهاء مهلة التمديد الثاني الأربعاء المقبل، بناء على طلب من ماكرون، يعود إلى أن الدستور اللبناني لا يُلزم الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة في تاريخ معين، وبالتالي فإنها ستبقى مفتوحة لأيام معدودة، رغم أن الرئيس أديب أعلن بعد اجتماعه برئيس الجمهورية ميشال عون أن تريُّثه لن يكون طويلاً، وإنما لوقت قصير.
وأكدت أن العقدة التي أدت إلى تأخير ولادة الحكومة، على خلفية إصرار «الثنائي الشيعي» على الاحتفاظ بوزارة المالية وتسمية الوزراء الشيعة، لم تكن قائمة، ويمكن التوافق على مخرج لإخراجها من التجاذبات السياسية وتسجيل المواقف، وإنما استجدت في أعقاب العقوبات الأميركية المفروضة على المعاون السياسي لرئيس المجلس النيابي نبيه بري، النائب علي حسن خليل، الذي يشكل ذراعه اليمنى في التواصل مع القوى السياسية وكاتم أسراره.
ورأت أن العقوبات كانت وراء ارتفاع منسوب الهواجس لدى الرئيس بري التي تلاقت مع هواجس مماثلة كانت موجودة لدى قيادة «حزب الله»، أُضيفت إليها هواجس الأخير حيال التطورات السياسية المستجدة في المنطقة التي وضعتها أمام خريطة جيو-سياسية جديدة عبّرت عنها إيران، ولم يكن حليف بري الاستراتيجي (أي الحزب) في منأى عنها.
وعدت أن تأخير تشكيل الحكومة لم يعد محلياً بامتياز، وبات في حاجة إلى تدخل ماكرون لدى القيادة الإيرانية لإقناعها برفع الفيتو الذي يعيق ولادتها، وقالت إن تدخل الرئيس الفرنسي لإقناع أديب بضرورة التريُّث، وعدم الاعتذار عن تشكيل الحكومة انسجاماً مع قراره في هذا الخصوص الذي بقي خارج الغرفة التي جمعته بعون، يصب في خانة تجديد ماكرون محاولة إقناع القيادة الإيرانية بتسهيل تشكيل الحكومة الإنقاذية.
وقالت المصادر نفسها إنه لا بد من التريُّث إلى حين التأكد من نجاح ماكرون في مهمته، أو عدم نجاحه الذي يؤشر في هذه الحال إلى أن طهران تربط تشكيل الحكومة بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية التي تجري في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لأنها تراهن على فوز المرشح جو بايدن على منافسه الرئيس الحالي دونالد ترمب، مع أن مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد هيل، الذي يُعرف عنه أنه ديمقراطي الهوى كان أسرّ إلى بعض القيادات اللبنانية التي التقاها في زيارته الأخيرة لبيروت بأن السياسة الأميركية لن تتبدل حيال الشرق الأوسط، وتحديداً إيران و«حزب الله»، بصرف النظر عمّن سيتربّع على الكرسي الرئاسي.
وفي هذا السياق، تستحضر هذه المصادر المعاناة التي اصطدم بها الرئيس تمام سلام يوم كُلّف بتشكيل الحكومة، خلفاً للرئيس نجيب ميقاتي، والتي أخرت ولادة حكومته 10 أشهر و9 أيام بسبب إصرار الأمين العام لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، على أن تتشكل الحكومة من 24 وزيراً، تتساوى فيها «قوى 14 آذار» مع «قوى 8 آذار» بالتمثيل في الحكومة بـ9 وزراء لكل منهما، و6 وزراء للوسطيين.
ولم تنجح المساعي في حينه في إقناع نصر الله بأن تتشكل الحكومة بالتساوي بين هذه القوى الثلاث لمنع أي قوة من الاحتفاظ بالثلث الضامن، وأصر على موقفه، ودعا خصومه للموافقة تلقائياً على هذا التوزيع لعدد الوزراء لأنه سيأتي الوقت الذي ينقلب عليها.
لكن المفاجأة كانت بتبدل موقف «حزب الله»، بين ليلة وضحاها، بإعلان موافقته على التوزيع الوزاري الذي أصر عليه الرئيس سلام، وهذا ما نقله إليه وفد من «اللقاء النيابي الديمقراطي» الذي أخذ على عاتقه التوسُّط، بتشجيع من الرئيس بري. وعُلم في حينه أن الإفراج عن التشكيلة الوزارية جاء بقرار من طهران، بعد أن أيقنت أن لا مشكلة أمام التوصل إلى اتفاقها النووي مع الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما. ويبقى السؤال: هل ينجح ماكرون في انتزاع موافقة طهران لتسريع ولادة الحكومة، على غرار ما حصل إبان تولي سلام لرئاسة الحكومة، خصوصاً أنه يتمايز بمواقفه عن الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية، إن لجهة تمييزه بين الجناح السياسي لـ«حزب الله» وجناحه الآخر العسكري، أو بالنسبة إلى تمسكه بالاتفاق النووي الأميركي - الإيراني من دون أي تعديل، كما يصر ترمب؟
ناهيك من أن ماكرون عندما التقى عضو شورى «حزب الله» رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد، في عداد القيادات التي التقاها في قصر الصنوبر، توجّه له بموقف لا ترتاح له واشنطن لأنه يشكل نقيضاً لعده تنظيماً إرهابياً.
فهل تفرط إيران و«حزب الله» بالموقف الفرنسي المتمايز عن واشنطن، بعد أن أحال ماكرون البحث في النقاط الخلافية إلى مرحلة لاحقة، أم أنها تتلطى بالاعتراض الداخلي على الحكومة وتتخذ منه ذريعة ليأتي الوقت المناسب للتفاوض مع واشنطن، بعد أن ثبت في محطات سابقة أن القيادة الإيرانية اعتادت على الدخول في عملية البيع والشراء مع الإدارة الأميركية؟
لذلك، فإن التمديد الثاني للمهلة لن يمكن ماكرون من تحقيق خرق داخلي ما لم يتلقّ «حزب الله» غمزة من طهران لإنقاذ المبادرة الفرنسية، بعد أن أعاقت العقوبات الأميركية الآمال المحلية المعقودة على بري للعب دور كعادته في تدوير الزوايا، وألغت قدرته على التمايز، وبالتالي فهو ليس على استعداد للدخول في اشتباك سياسي مع حليفه «حزب الله».
كذلك فإن عون الذي يتوخى تعويم عهده بإنقاذ المبادرة الفرنسية، وإن كان يؤيد تطبيق المداورة في توزيع الحقائب الوزارية بشرط التوافق عليها، ليس في وارد الصدام مع حليفه «حزب الله»، ما يعني أنه يتصرف على أن المشكلة حول وزارة المالية تدور بين السنة والشيعة، مع أن رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل قد أيدها رافضاً التوقيع الثالث، بصفته الوجه الآخر لتحقيق المثالثة، إضافة إلى موقف البطريرك الماروني بشارة الراعي المعترض بشدة على تكريس أي حقيبة لهذه الطائفة أو تلك.
وعليه، فإن المشكلة ليست بين الشيعة والسنة لأن المالية ليست ملكاً للأخيرة، ويُطلب منها التنازل عنها، ومجرد تثبيتها للشيعة يعني من وجهة نظر مصادر مقرّبة من رؤساء الحكومات السابقين أنها تحوّلت إلى رئاسة رابعة، إلى جانب رئاسات الجمهورية والبرلمان والحكومة، وهذا ما يخالف الدستور اللبناني، ما لم يعدل في ضوء وجود رفض من الطوائف اللبنانية الأخرى لأن من حقها المطالبة بالمداورة.
لذا يمكن القول إن تريُّث أديب لن يكون طويلاً، وقد يتقدم باعتذاره، لأن المعايير التي كانت وراء تكليفه لم تُحترم، وبالتالي لن يرأس حكومة من دون الشيعة، ولا يوافق في الوقت نفسه على شروطها، وهذا ما يضع ماكرون أمام فرصة التمديد الثاني والأخير. فهل ينجح في أن ينتزع من طهران جواز المرور للحكومة؟ وإلا لمن يحمّل كلفة الإطاحة بمبادرته، خصوصاً أن الأطراف في الداخل محشورة، وجميعها محاصرة من قبل الحراك الشعبي؟



الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

تبنّى الحوثيون هجوماً باتجاه إسرائيل، الأربعاء، هو الثالث منذ إعلان انخراطهم في الحرب إلى جانب إيران، في تطور يعكس تزايد التنسيق بين أطراف ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران، ويشمل إلى جانب «حزب الله» اللبناني فصائل عراقية مسلحة بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي تصدّت، فجر الأربعاء، لصاروخ أُطلق من اليمن باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مؤكداً أنه جرى اعتراضه دون تسجيل إصابات أو أضرار. وأوضح، في بيان، أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد، قبل أن يُسمح لاحقاً للسكان بمغادرة المناطق المحمية.

وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين تنفيذ عملية صاروخية جديدة، قالوا إنها استهدفت «أهدافاً حساسة» في جنوب إسرائيل، ضمن ما وصفوه بـ«معركة الجهاد المقدس»، مؤكدين أن الهجوم جاء بالتنسيق مع إيران و«حزب الله» اللبناني.

مسيرة حوثية أُطلقت من مكان مجهول باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

الهجوم الأخير يأتي عقب هجومَين السبت الماضي، تبنّت الجماعة خلالهما إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، في أول انخراط مباشر لها في مسار الحرب، في حين تحدثت إسرائيل عن اعتراض صاروخَين وطائرتَين مسيرتَين فقط.

وعلى الرغم من هذا التصعيد، يرى مراقبون أن التأثير العسكري لهذه الهجمات سيظل محدوداً، بالنظر إلى عدم قدرة الجماعة على إطلاق أعداد كبيرة ومتزامنة من الصواريخ.

وتشير تقديرات المراقبين إلى أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه العمليات هو استنزاف جزئي لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة التعامل مع هجمات متعددة المصادر، بما في ذلك الصواريخ الإيرانية وهجمات «حزب الله».

تنسيق مشترك

إعلان الحوثيين أن عملياتهم نُفّذت «بالاشتراك» مع إيران و«حزب الله» يعكس مستوى متقدماً من التنسيق داخل المحور الداعم لطهران، وهو ما عزّزته تصريحات قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، الذي أشاد بما وصفه «الحضور في الوقت المناسب» لليمن في هذه المواجهة.

وفي رسالة موجّهة إلى الحوثيين، عدّ قاآني هذا الانخراط يعكس «تشخيصاً صائباً لتحولات المنطقة»، ويرتبط بمسار أوسع لما سمّاه «جبهة المقاومة الإسلامية» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أشار إلى أن الدعم الإيراني سيستمر في مختلف ساحات المواجهة، في تأكيد إضافي على وحدة الموقف بين أطراف هذا المحور.

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

هذه التصريحات، التي حملت نبرة تصعيدية واضحة، تعكس سعي طهران إلى إظهار تماسك حلفائها، وإرسال رسائل ردع في مواجهة التحركات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

في المقابل، قدّمت الجماعة الحوثية مبررات لتدخلها العسكري، عبر رسائل بعث بها نائب وزير خارجيتها في حكومة الانقلاب، عبد الواحد أبو راس، إلى الأمم المتحدة، وعدد من الهيئات الدولية، أكد فيها أن هذا التدخل يأتي رداً على ما وصفه بـ«العدوان الأميركي-الإسرائيلي» على إيران ودول المنطقة.

وأشار المسؤول الحوثي إلى أن قرار التدخل، الذي دخل حيز التنفيذ في 28 مارس (آذار) الماضي، يستند -حسب وصفه- إلى «المسؤولية الدينية والأخلاقية»، وإلى قواعد القانون الدولي، لافتاً إلى أن الهدف منه هو الضغط لوقف العمليات العسكرية في المنطقة، وليس توسيع نطاق التصعيد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)

رفعت القوات الحكومية اليمنية مستوى الجاهزية القتالية في جزيرة ميون الاستراتيجية التي تقسم مضيق باب المندب إلى جزأين، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من تهديدات محتملة لحركة الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية بالعالم، بالتزامن مع إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار في ميناء الحديدة مهامها بشكل نهائي بعد سنوات من العمل دون تحقيق اختراقات ملموسة.

ويأتي هذا التطور في وقت تتسع فيه رقعة المواجهة بالمنطقة، مع انخراط جماعة الحوثيين في الصراع إلى جانب إيران، وتبنيها إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل؛ مما يثير مخاوف متصاعدة من انعكاسات ذلك على أمن البحر الأحمر وباب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وأكدت مصادر عسكرية يمنية لـ«الشرق الأوسط» أن القوات المرابطة في جزيرة ميون تلقت توجيهات برفع الجاهزية القتالية إلى أعلى مستوياتها، ضمن إجراءات احترازية لمواجهة أي تهديدات محتملة قد تستهدف المضيق الحيوي. وأوضحت المصادر أن هذه التوجيهات جاءت عقب رصد تحركات مريبة، من بينها محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة في مدرج الجزيرة.

فنار إرشاد السفن في جزيرة ميون اليمنية وسط باب المندب (إعلام محلي)

ووفق هذه المصادر، فإن الطائرة، التي يُرجح أنها من طراز نقل عسكري، حاولت تنفيذ عملية هبوط مفاجئة، غير أن القوات الحكومية تصدت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب. ولم تُعرف هوية الطائرة حتى الآن، إلا إن التقديرات تشير إلى احتمال أنها كانت تقل عناصر بهدف تنفيذ عملية إنزال؛ مما يعكس حساسية الموقع الاستراتيجي للجزيرة.

وتحظى جزيرة ميون بأهمية استثنائية؛ نظراً إلى إشرافها المباشر على مضيق باب المندب؛ مما يجعل أي محاولة للسيطرة عليها أو اختراقها تهديداً مباشراً لأمن الملاحة الدولية، ويمنح الطرف المسيطر عليها قدرة على التأثير في حركة السفن العابرة.

مخاوف متصاعدة

تزامناً مع هذه التطورات، تتصاعد التحذيرات من احتمال استهداف الحوثيين حركة الملاحة في البحر الأحمر، خصوصاً في ظل سجلهم السابق في مهاجمة السفن خلال العامين الماضيين، في أثناء الحرب على قطاع غزة، عندما تعرضت سفن تجارية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويُعدّ مضيق باب المندب أحد أهم الشرايين البحرية في العالم؛ إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتمر عبره يومياً كميات ضخمة من النفط والبضائع. وأي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، فضلاً عن تهديد أمن الطاقة العالمي.

حشد في صنعاء دعا إليه زعيم الحوثيين لمساندة إيران (إ.ب.أ)

وتشير تقديرات ملاحية إلى أن استمرار التهديدات في هذه المنطقة قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأعلى تكلفة، مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح؛ مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسواق العالمية.

إنهاء «بعثة الحديدة»

في موازاة ذلك، أعلنت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، المعروفة باسم «أونمها»، إنهاء عملياتها رسمياً، بعد استكمال نقل مهامها إلى مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي.

وأوضحت البعثة أن فريقاً مشتركاً منها ومن مكتب المبعوث الأممي، برئاسة القائمة بأعمال رئيسها ماري ياماشيتا، عقد مشاورات مع ممثلي الحكومة اليمنية، ركزت على استعراض ما جرى تحقيقه من مهام، وترتيبات المرحلة الانتقالية؛ لضمان استمرار التنسيق بين الأطراف المعنية.

مغادرة بعثة الأمم المتحدة الحديدة بعد إنهاء مهمتها المتعثرة (إعلام محلي)

وكانت البعثة قد أُنشئت عقب الهجوم الذي شنته القوات الحكومية في عام 2018، ووصولها إلى مشارف مدينة الحديدة؛ بهدف مراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار في المدينة وموانئها، غير أن أداءها ظل محل انتقادات واسعة.

وتنظر الحكومة اليمنية إلى إنهاء مهمة البعثة بوصفه نتيجة طبيعية لفشلها في تنفيذ بنود الاتفاق، مشيرة إلى أن البعثة خضعت لقيود فرضتها جماعة الحوثيين؛ مما حدّ من قدرتها على التحرك والمراقبة الميدانية.

وكانت الحكومة قد سحبت ممثليها من لجان المراقبة في أبريل (نيسان) 2020، عقب مقتل أحد ضباطها المشاركين في فرق التنسيق برصاص الحوثيين داخل مدينة الحديدة، في حادثة زادت من تعقيد مهمة البعثة وأضعفت ثقة الحكومة بجدواها.

كما طالبت السلطات اليمنية مراراً بنقل مقر البعثة إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين؛ لضمان حرية حركتها، إلا إن الأمم المتحدة لم تستجب لهذه المطالب؛ مما أدى، وفقاً للمصادر الحكومية، إلى تقليص فاعلية البعثة وتحويلها إطاراً شكلياً أكثر منه عملياً.


كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.