جوائز {إيمي} الحافلة {تسرق} من السينما نجومها

تُعلن بعد يومين في حفل افتراضي

اوليفيا كولمن كما تبدو في «ذا كراون»  -  كيت بلانشِت مرشحة عن دورها في «مسز أميركا»
اوليفيا كولمن كما تبدو في «ذا كراون» - كيت بلانشِت مرشحة عن دورها في «مسز أميركا»
TT

جوائز {إيمي} الحافلة {تسرق} من السينما نجومها

اوليفيا كولمن كما تبدو في «ذا كراون»  -  كيت بلانشِت مرشحة عن دورها في «مسز أميركا»
اوليفيا كولمن كما تبدو في «ذا كراون» - كيت بلانشِت مرشحة عن دورها في «مسز أميركا»

تُقام (يوم الأحد) حفلة توزيع جوائز «إيمي» التلفزيونية في مناسبتها الثانية والسبعين. تُقام الحفلة افتراضياً، وليس واقعياً، بسبب «كورونا»، لكن أهميتها تتجاوز العناوين العريضة لماهية هذا الاحتفال.
أولاً، جوائز إيمي هي للأعمال التلفزيونية وصانعيها بمقدار ما الأوسكار للأعمال السينمائية وصانعي أفلامها. تسير في الموازاة مانحة كل عام جوائزها الكبيرة للواقفين أمام الأعمال المبرمجة والمبثوثة خلف الكاميرا وأمامها، تماماً كما يفعل الأوسكار.
ثانياً، المعظم الكاسح من الجمهور الأميركي يجلس أمام جهاز التلفزيون كل يوم وليلة ينتقل بين المحطات المتعددة ليلحق ويتابع مسلسله أو برنامجه المفضل. هذا قبل الكوفيد فما البال بعده؟
ثالثاً، من المثير للدهشة الكم الكبير من الممثلين السينمائيين الذين أصبحوا مدمنين على الظهور في البرامج والمسلسلات والأفلام التلفزيونية. من جيريمي آيرونز إلى هيو جاكمان ومن رجينا كينغ إلى كايت بلانشت. لورا ليني، ساندرا أو، جنيفر أنيستون، أوليفيا كولمن، ستيف كارل هم من بين الممثلين الذين ينتقلون، إما للمرة الأولى أو مجدداً بعد أعمال سابقة، إلى الظهور على الشاشة الصغيرة. بعضهم يعود من باب الإنتاج الذي بات مفتوحاً - ومغرياً - أمام الجميع.
‫هذا الانشغال بالعمل في التلفزيون بدأ قبل سنوات عدّة بالطبع وليس بمناسبة الوباء، لكن الحجم الكبير من العاملين في السنوات الخمس الأخيرة بات يرسم علامة استفهام حول ما إذا كان ذلك فعلاً صحيّاً لا عواقب وراءه أو إنه يترك تأثيراً على السينما. في هذا النطاق الأخير، يفتي البعض بأن ظهور جيم كاري وتوم هانكس وجنيفر أنيستون وجنيفر لوبيز (على سبيل المثال) هو ما يساهم في سقوط أفلامهم السينمائية حين عرضها. ‬
جنيفر لوبيز لديها ما يزيد عن عشرة مشاريع تلفزيونية في مراحل مختلفة (من الكتابة إلى الإنتاج الفعلي). براد بت يدخل المعمعة في العام المقبل بمسلسلين من إنتاجه. إنه وضع شبيه بذلك الذي تحدّث عنه المخرج كونتِن تارنتينو في فيلمه الأخير «ذات مرّة في هوليوود» مع فارق إن بطله ليوناردو ديكابريو اضطر لذلك بعدما خبا نجمه على الشاشة الكبيرة، بينما العديد من ممثلي اليوم يقدمون على تحقيق هذه النقلة وهم في أوج نجاحهم.
- أرقام عالية
هذا العام له وضع خاص كونه تحدياً، إلى حدٍ بعيد، للوضع السائد الذي دفع بالإنتاجات المرشحة، في المرحلة الأولى، للارتفاع إلى مستوى أعلى منه في بعض السنوات السابقة: 111 ترشيحاً لمسلسلات كوميدية قصيرة (ميني سيريَس) أو طويلة. أكثر منها في مجال المسلسلات الدرامية (197). في العام الماضي، كان عدد المسلسلات الكوميدية التي تم ترشيحها في المرحلة الأولى 108. أما عدد المسلسلات الدرامية التي تم ترشيحها في العام ذاته فبلغ 165 مسلسلات.
في الوقت ذاته، بلغ عدد الأفلام المنتجة للتلفزيون 28 فيلماً أي بزيادة سبعة أفلام عن العام الماضي.
كذلك تشمل الزيادة عدد البرامج التي تقوم على برامج المنوّعات (53) وعدد البرامج التي تقوم على العروض غير الروائية (تسجيلية، تقريرية... إلخ) ارتفع كذلك إلى 42 برنامجاً، بالإضافة إلى 44 عملاً من نوع البرامج التي تقوم على ما يعرف بـ«ببرامج الحقيقة» (Reality Shows).
في نطاق التمثيل، لدينا هذا العام 45 ممثلاً ممن دخلوا الترشيحات الأولى (مقابل 44 في السنة الماضية) لكن عدد الممثلات ارتفع من 50 إلى 61 هذه السنة.
على عكس الأوسكار، لا مجال هنا للتخمين والتوقع وإصابة الأهداف وهي طائرة. يتطلب ذلك متابعة دقيقة للبرامج والمسلسلات التي انتهت إلى الترشيحات الرسمية في كل الأقسام حتى وإن توقف المتابع عند حدود الأقسام الرئيسية (نحو 50 من 121 قسماً).
ما هو ممكن ومُتاح التوقف عند بعض أهم الملاحظات التي يقرأها المرء من خلال الترشيحات الأكثر أهمية، وفي مقدّمة هذه الملاحظات حقيقة التقدّم الكبير الذي حققته المحطات التي دخلت على الخط خلال السنوات العشرين الماضية.
منذ انطلاق جوائز إيمي قبل 71 سنة وحتى اليوم عرفت جوائز إيمي مراحل متعددة.
في البداية كوّنت المحطات التلفزيونية الأرضية في الخمسينات والستينات والسبعينات الحيز الوحيد، ثم الأكبر في نطاق الترشيحات والجوائز. هذا تبدّل مع دخول المحطات الفضائية تدريجياً ما يمكن القول معه إنها كانت مرحلة ثانية في عمر هذه الجوائز.
المحطات الفضائية (مثل HBO وShowtime وCNN والعديد سواها) شهدت ولادة المرحلة الثالثة، وهي دخول المحطات التي تبث مباشرة على شاشات المنازل لقاء اشتراك (مثل هولو وأمازون ونتفلكس).
بذلك هي ثلاث مراحل أساسية جعلت الجوائز تُصاب بالبدانة والجوائز تزداد، وكذلك عدد المرشحين والمرشحات في كل قسم. هذا العام، كما في العامين الماضيين، عدد كبير من المسلسلات التي تم إطلاقها لكي تعرض منزلياً أحدها «ذا كراون»، وهو إنتاج بريطاني في الأصل تقود بطولته كلير فوي بثّته «نتفلكس» منذ أربع سنوات وما زال يجذب نجاحاً متواصلاً.
- منافسات
أبطال هذا الموسم متعددون بطبيعة الحال. مثلاً في مسابقة «أبرز ممثلة رئيسية في مسلسل كوميدي» تطالعنا وجوه جديدة مثل راتشل بروسنان وإيسا راي ترايسي إليس روس، أمام ممثلات عرفن شهرة واسعة في السينما والتلفزيون مثل كريستينا أبل غايت وكاثرين أوهارا.
في المقابل الرجالي الوضع ذاته. لدينا من الجدد كينان تومسون وويليام جاكسون هاربو أمام مخضرمين أمثال توني شلهوب (ليس للمرة الأولى عن مسلسله الناجح The Marvelous Mrs. Maisel وألان اركين عن The Kominsky Method
لافت وجود مسابقة لأفضل «ضيف شرف»، وهذه تتضمن الممثل الهندي دف باتل عن Modern Love والكوميدي الراحل فرد ويلارد (عن المسلسل ذاته) وإيدي مورفي وأدام درايفر عن ظهورهما في حلقات من Saturday Night Live.
كذلك الممثلة المعروفة أنجيلا باست التي ظهرت في «سيدة سوداء» كضيفة شرف لجانب خمس مرشحات أخريات (في قسم المسلسلات الكوميدية) من بينهن بيتي ميلدر (عن The Politician).
في سياق المسلسلات الكوميدية اللافتة بسبب كثرة من فيها نجد اسم الممثل الصاعد رامي يوسف في مسلسل «رامي» (على محطة هولو) الذي لديه ترشيح آخر كمخرج لحلقات مسلسله. وضعه ليس سهلاً كونه ينافس بعض الوجوه الأكثر شهرة منه مثل دون شيدل ومايكل دوغلاس والمخضرم تد دانسون.
بعض الجوائز تم توزيعها من دون احتفال كبير، من بينها جائزة أفضل فيلم تسجيلي (نالها فيلم The Apollo) وأفضل تصميم ملابس (ذهبت إلى مسلسل «المغنية المقنعة» The Masked Singer) والعديد من الجوائز التقنية في مجالات الصوت والصورة والمؤثرات وبعض جوائز الإخراج.
من الوجوه المعروفة التي تجد نفسها وسط توقعات الفوز بعد يومين: كيت بلانشت عن «مسز أميركا»، جيريمي آيرونز عن «ووتشمان»، هيو جاكمن عن «تعليم سيء»، مارك روفالو عن I know This Much is True.
ولأن لكل عرس حضوره الذي لا غنى عنه، نجد اسم ميريل ستريب كمرشحة كأفضل ممثلة مساندة في مسلسل درامي هو Big Little Lies.


مقالات ذات صلة

جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

خاص الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)

جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الفنان اللبناني جورج خبّاز عن تجربته الاستثنائية في فيلم «يونان» ونقاط التلاقي بينه وبين البطل «منير».

كريستين حبيب (بيروت)
سينما محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

بعد 10 سنوات على تحقيقه فيلمه الأول «أخضر يابس»، يعود المخرج محمد حمَّاد ومنتجته خلود سعد للعمل معاً في فيلم آخر بعنوان «خروج آمن»، عُرض في «مهرجان برلين».

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: ثلاث قراءات نقدية لأفلام حديثة

شاشة الناقد: ثلاث قراءات نقدية لأفلام حديثة

مرت 30 سنة على قيام المخرج الراحل (والجيد في تحقيق هذا النوع) وِس كراڤن بابتداع هذه السلسلة، و4 سنوات على آخر حلقة منها في عام 2022 أخرجها مات بتينللي

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

هيروتا يوسوكي: «مدينة المداخن» يرفض الاستسلام لـ«الزمن المتجمد»

قال المخرج الياباني هيروتا يوسوكي إن الفكرة الأساسية لفيلم الرسوم المتحركة «مدينة المداخن... الزمن المتجمّد» لم تنطلق من الرغبة في تقديم مغامرة جديدة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

يقدم الفيلم الهندي «ليس بطلاً» للمخرجة ريما داس عملاً إنسانياً هادئاً يتأمل التحولات الصغيرة التي تصنع فارقاً عميقاً في حياة الأطفال والكبار على حد سواء.

أحمد عدلي (برلين)

جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)
الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)
TT

جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)
الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)

التقى جورج خبّاز بنَفسه مراراً، وفي كل مرةٍ كان اللقاء مختلفاً عن الذي سبقَه. ارتقى الإنسان والفنان كلما التحمَت الأنا بالأنا. مع كل شخصيةٍ تقمّصها، وكلِ جائزةٍ تسلمَّها، وكل شمعةٍ أطفأها، وكل شعرةٍ بيضاء استقبلها، أدركَ أنّ طريق الروح لا يمكن أن يتّجه إلّا صعوداً.

ليست صدفةً أنّ ذاك الطريق جمعَه بـ«منير نورالدين». «كان منير يَغلي في داخلي حتى قبل أن يعرض عليّ أمير فيلم (يونان)»، يخبر الفنان اللبناني «الشرق الأوسط». وكأنّ طاقةَ جورج هي التي اجتذبت منير والفيلم إليه. «كنتُ في اللاوعي حاضراً لتلك الشخصية»، يتابع الممثل والكاتب والمخرج.

دار فيلم «يونان» للكاتب والمُخرج السوري أمير فخر الدين، دورةً كاملة حول الكوكب. من قلبِ برلين إلى سواحل هونغ كونغ، مروراً بمهرجان البحر الأحمر، وليس انتهاءً بصالات السينما اللبنانية التي شغّلت شاشاتها لابنِها المحبوب جورج خبّاز.

ثلاثة عقودٍ من العمل المتواصل أَلِفتْهُ خلالها الخشبة متأرجحاً بين ضحكةٍ ودمعة. أما الشاشة، الكبيرة منها والصغيرة، فاتّسعت لشخصياته الطالعة من الواقع، ولتلك التي نذرت نفسها لإسعاد الناس. لكنّ لمنير وقعاً آخر. كما لو أنّ الشخصية فُصّلت على قياس روح جورج خبّاز.

«في (يونان) حصل نوعٌ من التجلّي. ففي منير كثيرٌ منّي وفيّ كثيرٌ منه»، يبوح الممثل. مَن يراقب جورج خبّاز ويُصغي إليه بتمعّن، يُدرك أنه والقلق الوجوديّ يكادان لا يفترقان. خلف البسمة والبريق والعفويّة، أسئلة مُضنية تشغل الفكر والروح. «نلتقي منير وأنا في غربتنا الإنسانية الداخلية عن الذات والمحيط، وفي تساؤلاتنا المتعلقة بالأمّ والوطن والقِيَم»، يشرح خبّاز.

الكاتب والمخرج أمير فخر الدين متوسطاً الممثلَين جورج خباز ونضال الأشقر في مهرجان برلين 2025 (إنستغرام)

بلغ منير أقصى اليأس والمرارة والتيه الإنساني. حتى أنفاسُه جافته لفَرطِ ما اختنق من العيش. شخصيةٌ ثقيلة ومُثقلة تحزم حقيبةً ومسدّساً، وتغادر مدينة هامبورغ الرمادية إلى جزيرة ألمانية نائية حُبلى بعاصفة. يضرب منير مع الانتحار موعداً لأنّ كل ما سوى ذلك ما عاد يعنيه. مغتربٌ عن وطنه وغريبٌ عن ذاته، يخطّط للنهاية ولا يجرؤ على أن يخطو صوبها.

«نلتقي منير وأنا على أمور كثيرة، لكني على عكسه لا أذهب إلى أقصى السوداوية. ثمة نافذة صغيرة في داخلي أطلُّ من خلالها على الحياة بإيمانٍ وفرح»، يوضح خبّاز.

فاجأ جورج خبّاز جمهوره بانغماسِه في هذه الشخصية الداكنة. لم يفاجئهم أداؤه فهُم يعرفون قدراتِه، لكن «نوع الفيلم هو الذي فاجأهم، حيث لا الصورة ولا الحبكة ولا الأحداث تقليدية. هذا فيلمٌ يتّكل على إحساس المُشاهد وصَبرِه».

ملصق فيلم «يونان» للمخرج والكاتب السوري أمير فخر الدين (إنستغرام)

لا يخفي خبّاز إعجابه الكبير بفِكرِ أمير فخر الدين، وبقلمِه وعدستِه. هو الذي يصف فيلم «يونان» بأنه إحدى أهم الرحلات السينمائية والمغامرات الروحية التي خاضها، يرى في أمير فخر الدين «روحاً عتيقة old soul» رغم سنواته الـ35.

«يوم اتصل بي مطلع 2022 عارضاً عليّ الدور، لم نكن على معرفة سابقة. كان قد شاهدَني في فيلم (أصحاب ولا أعزّ) على (نتفليكس). قال إنه رأى منير في عينيّ»، يسترجع خبّاز انطلاقة «يونان». كانت تلك فرصة ليستكشف أعمال فخر الدين السابقة، على رأسها فيلمه الطويل الأول «الغريب». «ذُهلتُ بلُغَته السينمائية، وعندما قرأت سكريبت (يونان) تضاعفَ الذهول».

بكلّ ما يحمل من أثقالٍ إنسانيّة ووجوديّة، يبقى فيلم «يونان» قصيدةً مصوّرة. مهما طالت، فإنّ مَشاهد الطبيعة مساحةٌ للغوص في النفْس. لا يبتر فخر الدين الصورة، يترك هواء بحر الشمال يعبث بالعشب الأخضر قدر ما يشاء، ثم يدعُ المَدَّ يبتلعُ اليابسة لتغسلَ العاصفةُ الموتَ المتكدّس في صَدر منير.

يكتنز الفيلم بالمشاهد التي تُفرد مساحة للطبيعة والأرض (صور خبّاز)

حالما قرأ نص الفيلم، أدركَ خبّاز أنّ ثمة شاعراً يسكن فخر الدين. «لم أركّز في منير بقَدر ما ركّزت في أمير»، يقول. فالأوّل منبثقٌ عن الثاني وكان على الممثل أن يفهمَ الأصل. وقد انعكست رحلة الاستكشاف تلك تناغماً بين الممثل والمخرج صبّ في مصلحة الفيلم.

منذ عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين السينمائي مطلع 2025، و«يونان» يحصد الترشيحات والجوائز. على متن تلك الرحلة، أيقنَ جورج خبّاز أنّ المحتوى الكَونيّ الذي يقدّمه الفنان، والذي يلامس الروح البشريّة أينما حلّت، هو أهمّ من الألقاب والعناوين المضخّمة بعبارة «العالميّة».

هذا البُعد الكَونيّ لم يتحقّق بفَضل مجموعة الممثلين العالميين، ولا اللغة الألمانية التي تعلّمها جورج خبّاز خصيصاً من أجل الدور، بل بفَضل قصة منير والتي يتماهى معها أي شخصٍ اختبر الغربة عن محيطه، وعن البشر وعن ذاته. تتحقّق الكَونيّةُ كذلك بصورة الأرض العارية، البليدة، التي تراقب أبناءها يفنون وهي راسخة وتتجدّد بعد كل عاصفة.

في مشهد القتال، وهو الأصعب وفق جورج خبّاز، التحمَ منير بتلك الأرض. قطفَ بعضاً من أسرارها. وكأنّ الجزيرة النائية التي قاومت الغرَق علّمته أن يتمسّك بخشبة الخلاص بدل الاستسلام للموج العاتي. بصقَ الحوت «يونان»، قائلاً له: «اذهب يا منير، خَيالُك خلّصَكَ».

للمتلقّي حريةُ الحُكم على قصة منير، أكان تعاطفاً أو استغراباً أو تماهياً. أما مَن ما زالوا يؤمنون بأنّ حبل الإنقاذ قد يمتدّ على هيئة يدٍ بشريّة، فلا بدّ أن يتأثّروا بشخصية «فاليسكا» (الممثلة الألمانية هانا شيغولا). صاحبة الفندق، حيث قرر منير إنهاء حياته، التي منعت عنه الغرق، بأسلوبها البارد والمحايد.

عن تلك الشخصية يقول خبّاز إنها جسّدت الأصالة والصدق في التعاطي مع النزيل اليائس. «إنسانية فاليسكا طبيعية وغير مدّعية». ويضيف: «الجميل في (يونان) أنه لا يتلاعب بعواطف المُشاهد ولا يُرغمه على الانجراف إلى أي مكان أو موقف؛ بل إن الجمهور يختار الذهاب حيثما يشاء من البداية حتى النهاية المفتوحة».

خبّاز والممثلة الألمانية هانا شيغولا شريكة القصة والبطولة (صور خباز)

أما الآن وقد مضى كلٌّ من منير وجورج وأمير في طريقه، بقيَ خيطٌ خفيّ يجمع بين هؤلاء الثلاثة. هو الخيطُ ذاتُه الذي سحبَه بعضهم باتّجاه بعض، ليصنعوا فيلماً «يُشاهَد بالروح».


«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
TT

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية، والقوانين التي نظَّمت هذه التجارة في السابق، حتى صدور قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983.

الفيلم الذي أصدرته مؤسسة «الدستور»، ويتناول قصة نهب الآثار المصرية، أعدَّته هايدي حمدي، وشارك فيه خبراء ومتخصصون بشهادات متعددة أشارت إلى العدد الكبير من القطع الأثرية التي خرجت من مصر عبر العصور، ربما منذ عصر الرومان، والاتفاقات والقوانين التي كانت تنظِّم عملية تقاسم الآثار بين الحكومة المصرية والبعثات الاستكشافية.

وشارك في الفيلم الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، والدكتور أحمد مصطفى عثمان مدير إدارة الآثار المستردة سابقاً، والخبير الآثاري أحمد عامر مفتش آثار في المجلس الأعلى للآثار.

ويؤكد مشاركون في الفيلم، ومن بينهم أحمد عامر، أن عدد القطع الأثرية التي خرجت من مصر يصل إلى مليون قطعة أثرية، خصوصاً أن هذه المسألة كانت مقننة، وكان مَن يشتري قطعةً أثريةً يذهب للمتحف المصري ويحصل على صك ملكية للقطعة ويسافر بها للخارج، وفق القانون الذي صدر في عهد الملك فاروق عام 1951. ومن أشهر القطع الأثرية التي أشار لها الفيلم والموجودة في المتاحف الخارجية، تمثال رأس نفرتيتي الموجود في ألمانيا، وحجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، ولوحة زودياك معبد دندرة الموجودة في متحف اللوفر بباريس.

ويلفت المشاركون في الفيلم إلى التاريخ الطويل الذي تعرَّضت فيه الآثار المصرية للسرقة والنهب والتهريب، بطرق قانونية وأخرى غير قانونية مع التركيز على الحقب الاستعمارية، خصوصاً الحملة الفرنسية التي أخرجت كثيراً من القطع الأثرية من مصر، سواء إلى باريس أو إلى لندن بعد هزيمة الفرنسيين أمام البريطانيين في الإسكندرية في بدايات القرن الـ19.

رأس نفرتيتي من الآثار المصرية في الخارج (أ.ف.ب)

وخلال عام 2007 تمَّ تشكيل «اللجنة القومية لاسترداد القطع الأثرية»، وأعلن مسؤولون مصريون استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية من الخارج منذ عام 2014 وحتى العام الماضي، ومن بين القطع التي تم استردادها في أغسطس (آب) عام 2025 عدد 13 قطعة أثرية كانت قد وصلت من المملكة المتحدة وألمانيا، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج.

من جانبه، لفت خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، وأحد المشاركين في الفيلم، إلى أسباب نهب الآثار المصرية عبر العصور، ومنها غياب الوعي بأهمية ما تحمله مصر من تاريخ وحضارة يتمثلان في الآثار المصرية بكل حقبها، وهوس الغرب بالآثار المصرية.

وأوضح ريحان أن المسؤولين عن حماية الآثار المصرية كانوا من الأجانب، خصوصاً الفرنسيين، فقد ظلت مصلحة الآثار لنحو 100 عام تقريباً تحت رئاسة علماء فرنسيين، وأصبحت مصلحة الآثار هيئةً حكوميةً مصريةً خالصةً في عام 1956، بعد جلاء قوات الاحتلال البريطاني نهائياً.

حجر رشيد في المتحف البريطاني (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

واقترح الخبير الآثاري بعض الحلول لوقف عمليات التهريب والعمل على إعادة الآثار المصرية التي تزيِّن متاحف وميادين أوروبا وأميركا، وهي تعديل بعض نصوص المواد التي تقف عقبةً أمام إعادة آثارنا من الخارج في قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 مثل المادة 8 ونصها «تعتبر جميع الآثار من الأموال العامة - عدا الأملاك الخاصة والأوقاف - حتى لو وُجدت خارج مصر وكان خروجها بطرق غير مشروعة»، والتي يجب تعديلها من خلال استبدال عبارة «وكان خروجها بطرق غير مشروعة » لتحل محلها «بصرف النظر عن طريقة خروجها» وبهذا تكون كل الآثار المصرية خارج مصر من الأموال العامة المصرية، وينطبق عليها ما ينطبق على الآثار المصرية.

وكانت أكثر من حملة أطلقها آثاريون من قبل لاسترداد الآثار المصرية المهربة، خصوصاً رأس نفرتيتي وحجر رشيد ولوحة زودياك، في حين تؤكد وزارة السياحة والآثار، في أكثر من بيان، على متابعة كثير من المزادات وقاعات العرض وتتبع القطع الأثرية في الخارج والعمل على استعادتها بالطرق القانونية والدبلوماسية.

ومن القطع المستردة في الفترة الأخيرة رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، وكان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، واستردته مصر من هولندا، بعد رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، كما استردت مصر 20 قطعة أثرية من أستراليا خلال الفترة الماضية.


«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
TT

«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)

ساعتان وربع الساعة غنت خلالها عبير نعمة في صالة «رويال ألبرت» بلندن، مساء الخميس الخامس من مارس (آذار)، فبكت مرات عدة على المسرح، وأبكت جمهورها معها، بينما كانت ضاحية بيروت تتعرض لواحدة من أقسى أشكال القصف المتواصل،

الحفل مخصص في الأصل للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، عبر تكريم كبيرات الغناء العربي بصوت عبير نعمة الملائكي، لليلة واحدة استثنائية، لكنه لم يأتِ كما خطط له. فهذه الليلة، وبسبب الظروف المأساوية التي تمر بها المنطقة العربية جاءت مؤثرة، وجمعت حشداً غفيراً أحب أن يتنفس شيئاً من الأمل والرجاء بالفن والموسيقى.

غنت عبير نعمة ترافقها «أوركسترا لندن العربية» بقيادة المايسترو باسل صالح، و«أوركسترا الحفلات الملكية الفيلهارمونية»، وجوقة نسائية رائدة تضم 70 مغنية. كانت في كل مرة تطل عارضة الأزياء الأسترالية اللبنانية جيسيكا قهواتي على الجمهور لتحكي قصة واحدة من النجمات الغائبات، وكأنها شهرزاد طالعة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، تصحب الحاضرين إلى عالم من الحلم مع أسطورة جديدة. ثم تأتي عبير نعمة لتؤدي أغنيات مختارة لهذه العظيمة الراحلة وتعيد الجمهور إلى زمن جميل ولّى.

فيروز، أم كلثوم، أسمهان، صباح، وردة، ليلى مراد، وغيرهن، كن نجمات الأمسية وبطلاتها. ولم تكن من أغنية لفيروز أهم من «لبيروت» في تلك الليلة الحزينة اختارتها عبير لتؤدي تحيتها إلى مدينتها الجريحة. وقبل أن تغنيها توجهت إلى الجمهور بالإنجليزية قائلةً: «أنا آتية من لبنان. أنا آتية من بيروت. مدينة عانت كثيراً، وسقطت مرات عديدة، وهي تواجه الليلة واحدة من أصعب محطاتها لكنها في كل مرة تعود وتنهض»، ثم أدت الأغنية وكأنما من قلب محترق.

توجهت عبير نعمة لجمهورها بالقول: «أنا آتية من لبنان» (الشرق الأوسط)

توقفت عبير أكثر من مرة عن الغناء خلال الحفل، وكانت تدير ظهرها للجمهور لتمسح دمعة غدرت بها، أو تترك للجمهور أن يكمل. ليلة صعبة، لكن الحضور كان يقظاً ومتحمساً، ومتفهماً، ومواكباً، يستبق مغنيته إلى الكلمات ولا يترك مكاناً لفراغ.

«ليلة مع الأساطير» بدأت متأخرة عن الوقت المحدد، وكادت تنتهي قبل أن تشفي عبير نعمة عطش جمهورها إلى أغنياتها التي اختتمت بها الحفل، فكانت الأغنية الأثيرة «بصراحة»، ومن بعدها غنت نعمة من دون موسيقى «بلا ما نحس» وسط تصفيق عارم، لتنهي هذه الأمسية الدامعة بـ«تحية لمن رحلوا» وهي تصدح: «كل ما تقلي إنك جايه بصير بشوف الوقت مراية». تلك الأغنية التي أدتها سابقاً في «جوي أوردز» في السعودية.