الرياض تشهد ميلاد أول مكتب عقاري نسائي في السعودية

أمجاد الحجي سجلت اسمها أول امرأة تدخل القطاع مستفيدة من «رؤية المملكة 2030»

أمجاد الحجي صاحبة أول مكتب عقار نسائي في السعودية... وفي الإطار يحيى الجريفاني (الشرق الأوسط)
أمجاد الحجي صاحبة أول مكتب عقار نسائي في السعودية... وفي الإطار يحيى الجريفاني (الشرق الأوسط)
TT

الرياض تشهد ميلاد أول مكتب عقاري نسائي في السعودية

أمجاد الحجي صاحبة أول مكتب عقار نسائي في السعودية... وفي الإطار يحيى الجريفاني (الشرق الأوسط)
أمجاد الحجي صاحبة أول مكتب عقار نسائي في السعودية... وفي الإطار يحيى الجريفاني (الشرق الأوسط)

تم في العاصمة السعودية الرياض تدشين أول مكتب عقاري نسائي يدير جميع الأنشطة العقارية، وهو ما يمثل تحولاً غير مسبوق في تاريخ القطاع، إذ غاب العنصر النسائي عن دخوله منذ عرفت البلاد هذا النشاط قبل عدة عقود، وكان قصراً على الرجال.
ودخلت امرأة سعودية مؤخراً القطاع العقاري مالكة مستثمرة فيه، مسجلة اسمها بصفتها أول امرأة تملك مكتباً عقارياً يدار بأيدٍ نسائية عائلية، وفق أحدث أنظمة الإدارة والتخطيط، استفادة من تجربة طويلة في رصد ومتابعة القطاع، ودورات تأهيل تدريبية منظمة عن ثقافة العقار، وتوثيق العقود العقارية، ومتابعة التحولات في هذه السوق الكبيرة المجزية.
وتم تفعيل هذا التوجه النسائي انطلاقاً من «خطة التحول الوطني» و«رؤية المملكة 2030» التي كان أحد أهدافها تمكين المرأة، وتسجيل حضور لها في برامج التنمية المختلفة في البلاد.
واختارت سيدة الأعمال السعودية أمجاد بنت إبراهيم الحجي النشاط العقاري خياراً أولياً لها، استفادة من التسهيلات التي قدمتها الدولة للنساء في السعودية للاستثمار والعمل في مختلف المجالات والأنشطة، ومنها السوق العقارية، إضافة إلى تجربة شخصية لها من خلال مرافقة والدها الراحل منذ صغرها في أكثر أعماله العقارية. وإلى تفاصيل هذه التجربة:
- أول مكتب نسائي
تقول الحجي لـ«الشرق الأوسط» وهي تغالب دموعها ومشاعرها في أثناء إنجازها تجهيز مكتبها العقاري الذي حمل اسمها، ويقع في حي الملقا (أحد الأحياء الحديثة شمال العاصمة السعودية): «إنه أسعد يوم في حياتي، لقد تحقق الحلم الذي لازمني منذ الصغر؛ أن أكون مستثمرة عقارية مثل الرجال»، مضيفة: «عشت في بيت عريق في مجال العقار، حيث كان والدي الراحل يعمل في شراء وبيع العقار في مدينة الرياض وما حولها، مما ولد لدي عشقاً للدخول في هذا القطاع الاستثماري الكبير».
ولفتت إلى أن هذا الحلم «تحقق في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، من خلال (رؤية 2030) التي أتاحت للمرأة المشاركة في برامج التنمية. وقد استفدت من هذه الأجواء بترجمة الفكرة التي كانت تراودني إلى واقع عملي، عبر الالتحاق بدورات تدريبية طرحها المستثمر العقاري يحيى بن عبد الله الجريفاني في شركته، وتعلمت من خلالها ثقافة العقار».
وذكرت الحجي أن تدشين المكتب العقاري تم بعد أن «عرضت على عائلتي فكرته، ووجدت منهم القبول والتشجيع والدعم، من خلال شقيقتي نائلة التي وضعت أسس الإدارة والتخطيط للمكتب، وشاركني فريق العمل، ممثلاً بشقيقتي سارة والمهندس محمد المحارب وفهد الحجي، وتمكنت خلال فترة وجيزة من إنجاز هذا الحلم»، مشددة على أنه في يوم تدشين المكتب، زارها عدد كبير من مستثمري العقار ورموزه في الرياض، وأبدوا استعدادهم للتعاون معها في هذا المجال، بعرض ما لديهم من مشاريع عقارية لتسويقها، عن طريق مكتبها الأحدث والأول من نوعه، معتبرة أن هذا الاستحسان لدخول امرأة في هذا القطاع من رموز العقار في البلاد يلقى مباركة وقبولاً وتشجيعاً من المجتمع السعودي، لتمكين المرأة من المشاركة في برامج التنمية في البلاد، جنباً إلى جنب مع الرجل.
- صاحب المبادرات
ولم تكن تجربة أمجاد الحجي في الاستفادة من التدريب هي الوحيدة، وإن كانت هي الأشهر، حيث طرح المستثمر العقاري يحيى الجريفاني مبادرات وتجارب لتمكين الشباب من الجنسين وتأهيلهم ونشر المعرفة والاحتياجات التدريبية لإتاحة الفرصة لهم لدخول سوق العمل في القطاع العقاري، وما يرتبط به، موجهاً بذلك رسالة مفادها أن الوطن بحاجة إلى مبادرات من القطاع الخاص على اختلاف أنشطته لخلق فرص وظيفية لأبنائه، استجابة لـ«خطة التحول الوطني» وتحقيقاً لـ«رؤية المملكة 2030». وتمثلت المبادرات التي بدأت منذ سنوات في تشغيل وتدريب كثير من طلبة الجامعات من الجنسين في مكتبه العقاري الصغير بالرياض الذي تحول اليوم إلى شركة كبرى، ووجد في طلاب الجامعات ضالته، من خلال مجموعة منهم يسكنون في العمارة ذاتها التي يوجد بها مكتبه الصغير في الرياض، حيث فتح المجال لهم للعمل والتدريب مع المكافأة. وطوال الأعوام الماضية، أتاح الجريفاني لعشرات من الطلاب من الجنسين العمل بنظام الساعات، وفق أجر يصل إلى ألف ريال شهرياً. ومع تطور التقنية، فتح برامج تدريبية داخل المكتب، وألحق العشرات منهم في المعاهد التدريبية التابعة للدولة، دافعاً الرسوم عن المتدربين الذين عملوا معه لاحقاً، وخصص لهم نسباً من عمليات البيع والشراء.
- من متدرب لمهندس
وتعد تجربة طالب في جامعة الملك سعود الذي كان أحد المتدربين في مكتب الجريفاني للعقار، وأصبح اليوم مهندساً معمارياً منتجاً، هي الأخرى لافته. وعن هذه التجربة، يقول المهندس نامي الشريف، مسؤول برنامج مشاريع إعادة التدوير في وكالة الاستثمار بأمانة محافظة جدة: «كانت البدايات في عام 1995، عندما كنت طالباً بكلية العمارة والتخطيط (جامعة الملك سعود) في أول مشروع دراسي، حيث كانت أبرز التحديات للمشكلة التصميمية أن تكون قطعة الأرض غير متساوية الأضلاع، بها طبوغرافية طبيعية يتم دراستها وتطبيق تصميم فيلا سكنية تلبي احتياجات الأسر السعودية في ذلك».
ويستطرد: «قررت البحث عن أرض لها السمات المطلوبة نفسها، وبدأت في البحث من خلال مكاتب العقار. وكانت سوق العقار في تلك الفترة تعج بالعمالة الأجنبية التي تعمل في مكاتب العقارات، ولمست منهم عدم اهتمام بما كنت أنشده لإتمام مشروعي الدراسي في الجامعة، ورفضهم تزويدي بمعلومات عن الأراضي المعروضة لديهم، خصوصاً عندما يعلمون أنني طالب، حتى وصلت لمكتب الجريفاني الذي كان يباشر أعمال مكتبه العقاري بنفسه، وعرضت طلبي عليه فأبدى تعاونه وتفاعله مع طلبي، وأبلغني أن الطلب في السوق على الأراضي المنتظمة (المربعة والمستطيلة)، وقام بتزويدي بأكثر من بديل من الأراضي غير المنتظمة، وطلب مني أن أزوده بالدراسة التصميمية لها».
وزاد المهندس الشريف: «قمت بتصميم إحدى القطع ضمن المتطلب الدراسي، وعرضت المخرجات عليه، فطلب مني التعاون معهم في عمل تصاميم للأراضي السكنية غير المنتظمة لتسويقها، مقابل مبلغ مقطوع من السعي لكل قطعه يتم بيعها. وبالفعل تم ذلك، وباشرت العمل مع فريق المكتب»، مبرزاً في هذا الصدد الإيجابيات والدروس المستفادة من هذه التجربة، اجتماعياً بزيادة قاعدة العلاقات العامة، وعملياً باكتساب مزيد من التجارب في التصاميم الهندسية وتفهم احتياجات السكان في تلك الفترة، واقتصادياً بتحسين دخلي الشهري بمتوسط 2000 ريال (533 دولاراً) شهرياً، وهو ضعف مكافأة الجامعة آنذاك.
وأضاف الشريف: «بعد تخرجي من الجامعة، طرح الجريفاني فكرة إنشاء مؤسسة مقاولات وتصميم وتنفيذ أعمال الديكورات للمباني، وتم إقرار ذلك من خلال عمل حزمة من المشاريع مختلفة الأنشطة، داخل وخارج مدينة الرياض».
- جيل نسائي عقاري
وفي السياق ذاته، قالت عبير عبد الله: «التحقت في الشركة متدربة، واستفدت من الدورات التي عقدت بإشراف الشيخ يحيى الجريفاني. ومع دعمه المتواصل، خرجت بتجربة ثرية تعلمت منها أشياء نقلتني من متدربة إلى موظفة، ثم مسؤولة عن المتدربات بالقسم النسائي في الشركة»، معتبرة أنه مع «رؤية المملكة 2030» التي منحت النساء اهتماماً خاصاً، لتمكينهن وتوظيفيهن في مجالات كثيرة، أصبحت الكوادر النسائية مؤهلة تمتلك مهارات عالية وقدرات على الدخول في مجالات مختلفة، كالمجال العقاري الذي كان حصراً في الماضي -وإلى وقت قريب- على الرجال.
ومن جانبها، قالت شهد سالم عن تجربتها التدريبية في الشركة: «بداية دخولي مجال العقار جاءت عندما كنت أبحث عن منزل لجدتي من خلال أحد التطبيقات، فوجدت شركة الجريفاني التي اتصلت بها وتم قبولي للعمل والتدريب بالشركة، وتحويلي للقسم النسائي والالتحاق به»، معبرة عن بهجتها بالحضور النسائي المميز في هذا المجال الذي كان قصراً على الرجال.
وعدت نوف القحطاني أن تجربتها في مجال العقار تعد من أهم المحطات في حياتها، ونقله نوعية بالنسبة لها، خصوصاً أن هذا المجال يعد جديداً عليها، لافتة إلى أن العمل في شركة الجريفاني العقارية جعل الأمر بالنسبة لها ممتعاً، واكتشفت فيه ذاتها.


مقالات ذات صلة

«أم القرى» توقع 3 اتفاقيات حجز لبيع أراضٍ في «وجهة مسار» بـ117.6 مليون دولار

الاقتصاد جناح شركة «أم القرى للتنمية والإعمار» في أحد المعارض (موقع الشركة الإلكتروني)

«أم القرى» توقع 3 اتفاقيات حجز لبيع أراضٍ في «وجهة مسار» بـ117.6 مليون دولار

«أم القرى للتنمية والإعمار» توقيع ثلاث اتفاقيات حجز لبيع ثلاث قطع أراضٍ ضمن المنطقة الثانية من «وجهة مسار» في مكة المكرمة، بقيمة 117.6 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبنى شركة «طيبة للاستثمار» (الشركة)

فاتورة جديدة ترفع رسوم الأراضي البيضاء لـ«طيبة للاستثمار» في الرياض لـ2.57 مليون دولار

ارتفعت القيمة الإجمالية لفواتير رسوم الأراضي البيضاء التي أعلنت شركة «طيبة للاستثمار» عن تسلُّمها على أراضٍ تملكها إلى نحو 9.63 مليون ريال سعودي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبنى «السعودية لإعادة التمويل العقاري» (واس)

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» تسعِّر صكوكاً دولية بـ2.75 مليار دولار

أعلنت الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري إتمام تسعير الإصدار الثالث من الصكوك الدولية المضمونة من حكومة المملكة بقيمة إجمالية بلغت 2.75 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد «مركز الملك عبد الله المالي» في الرياض (الشرق الأوسط)

الهيئة السعودية للمقاولين: ترسية مشاريع بـ 7.9 مليار دولار في يونيو

بلغت قيمة المشاريع التي تمت ترسيتها في السعودية خلال يونيو (حزيران) 2026 أكثر من 29.5 مليار ريال (7.9 مليار دولار)، فيما بلغ عدد المشاريع 25 مشروعاً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص صورة للعاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص السوق العقارية السعودية تواصل إعادة التوازن... وترقُّب لتحسُّن انتقائي في النصف الثاني

لم يكن التباطؤ الذي رصدته المؤشرات الرسمية للسوق العقارية السعودية خلال الأشهر الستة الأولى مفاجئاً للمراقبين، بل جاء كتطبيق عملي لمرحلة «إعادة التوازن».

محمد المطيري (الرياض)

السوق السعودية ترتفع هامشياً مع تداولات هي الأدنى منذ يناير

مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)
TT

السوق السعودية ترتفع هامشياً مع تداولات هي الأدنى منذ يناير

مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية «تاسي» جلسة الأحد على ارتفاع طفيف بنسبة 0.1 في المائة، مضيفاً 11 نقطة ليغلق عند 10819 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 2.2 مليار ريال، وهي الأدنى منذ يناير (كانون الثاني) 2026.

وسجل المؤشر أعلى مستوى خلال الجلسة عند 10839 نقطة، فيما لامس أدنى مستوى عند 10797 نقطة، في جلسة اتسمت بحذر المستثمرين مع استمرار متابعة التطورات الإقليمية وترقب نتائج الشركات للربع الثاني.

وارتفع سهم «أرامكو السعودية» بأقل من 1 في المائة ليغلق عند 26.78 ريال، كما صعد سهم «المتقدمة» بنسبة 1 في المائة عند 22.78 ريال.

وقفز سهم «ميدغلف للتأمين» بنسبة 2 في المائة ليغلق عند 15.90 ريال، عقب إعلان الشركة إطفاء جميع خسائرها المتراكمة، فيما ارتفع سهم «مسك» بأكثر من 3 في المائة وسط تداولات نشطة بلغت نحو مليوني سهم بقيمة 65 مليون ريال.

وتصدر سهما «الطباعة والتغليف» و«ليفا» قائمة الأسهم المرتفعة بعد صعودهما بالنسبة القصوى البالغة 10 في المائة، كما ارتفعت أسهم «صادرات» و«رؤوم» و«الكابلات السعودية» بنسب تراوحت بين 5 و9 في المائة.

في المقابل، تراجع سهم «مصرف الراجحي» بأقل من 1 في المائة ليغلق عند 65.10 ريال، فيما أغلق سهم «أكوا» عند 190.30 ريال منخفضاً بنسبة 1 في المائة.

كما انخفضت أسهم «مجموعة صافولا» و«المصافي» و«الأسماك» و«أنابيب الشرق» و«المطاحن العربية» و«بدجت السعودية» و«صناعات» بنسب تراوحت بين 2 و4 في المائة.


البنك الدولي: سوق العمل السعودي يتجاوز مستهدفات «رؤية 2030»

امرأتان تسيران أمام الجامع الكبير الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)
امرأتان تسيران أمام الجامع الكبير الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)
TT

البنك الدولي: سوق العمل السعودي يتجاوز مستهدفات «رؤية 2030»

امرأتان تسيران أمام الجامع الكبير الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)
امرأتان تسيران أمام الجامع الكبير الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)

حين دشَّن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عام 2021 برنامجيّ «تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص (شريك)» و«تنمية القدرات البشرية»، كان يعلن عن هندسة متكاملة لمستقبل رأس المال البشري وبنية الاقتصاد الوطني في المملكة؛ فبينما ركَّز المسار الأول على ضخ استثمارات وحزم إنفاق ضخمة لرفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى 65 في المائة حتى عام 2030 وخلق مئات الآلاف من الوظائف المستدامة، تولى المسار الثاني بناء استراتيجية وطنية لإعداد مواطن طموح يمتلك مهارات المستقبل والمعرفة لينافس عالمياً، وتوطين الوظائف عالية المهارة عبر مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق المتجددة.

هذا الاستشراف الهيكلي الذي رُسمت ملامحه قبل سنوات في منتصف رحلة «رؤية 2030»، يرصده بشكل تحليلي ومستقل أحدث تقرير مشترك بين البنك الدولي ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. ففي دراستهما الصادرة بعنوان «عقد من التقدم: نظرة عميقة داخل تحول سوق العمل السعودي»، تُظهر المؤشرات والبيانات الإحصائية انعكاس هذه المستهدفات على أرض الواقع. إذ تراجعت البطالة الإجمالية في المملكة إلى مستويات تاريخية بلغت 2.8 في المائة (و6.8 في المائة بين المواطنين)، وانعكست بنية العمل ليصبح نصف المواطنين السعوديين العاملين ينشطون فعلياً في القطاع الخاص. بالتوازي مع صعود لافت لاقتصاد المعرفة والابتكار الرقمي الذي بات يسهم بنحو 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

تفاصيل التقرير

شهدت سوق العمل في السعودية طفرة غير مسبوقة في معدلات التوظيف والمشاركة خلال العقد الماضي، مدفوعاً بـ«رؤية 2030» والاستراتيجية الوطنية لسوق العمل. وبحسب مسح أسواق العمل المشترك، قفز معدل المشاركة الإجمالي في القوى العاملة إلى 67.1 في المائة بحلول منتصف عام 2025، متجاوزاً المستهدفات الموضوعة للعام نفسه والمقدرة بـ61.8 في المائة.

وفي الوقت نفسه، سجلت معدلات البطالة تراجعاً تاريخياً حاداً، حيث انخفض المعدل الإجمالي في المملكة إلى 2.8 في المائة وهو رقم يتفوق على مستهدف الرؤية لعام 2030 البالغ 3.8 في المائة. أما على صعيد المواطنين السعوديين، فقد استقر معدل البطالة عند 6.8 في المائة، مما يعكس نجاح سياسات التوطين والتمكين الشامل.

ولعلّ التحول الأبرز تجسد في تمكين المرأة؛ إذ ارتفع معدل توظيف الإناث مقارنة بعدد السكان من 11 في المائة في عام 2015 إلى 32 في المائة في عام 2025. كما رصد التقرير قفزة نوعية في دمج النساء المعيلات لأسرهن، حيث ارتفعت معدلات توظيفهن من 8 في المائة إلى 45 في المائة. وتزامن ذلك مع تراجع نسبة الشباب غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التدريب من 40 في المائة إلى 25 في المائة.

ارتفع معدل توظيف الإناث مقارنة بعدد السكان من 11 % في 2015 إلى 32 % في 2025 (واس)

نقطة التحول

أحدث العقد الماضي تغييراً جذرياً في فلسفة التوظيف السائدة بالمملكة، حيث انتقل الثقل التوظيفي نحو القطاع الخاص، منهياً عقوداً من الاعتماد شبه الكلي على الوظائف الحكومية. وبحلول عام 2025، أصبح نصف المواطنين السعوديين العاملين ينشطون في القطاع الخاص، مقارنة بـ26.5 في المائة فقط في عام 2015.

هذا التحول الهيكلي كان أكثر وضوحاً بين النساء؛ ففي عام 2015 كانت 85 في المائة من السعوديات العاملات يتركزن في القطاع الحكومي، بينما انعكست الصورة تماماً بحلول عام 2025 لتصبح الغالبية الساحقة من الإناث عاملات في القطاع الخاص. توازى ذلك مع تغير عميق في ثقافة العمل، حيث انخفضت نسبة العاطلين الذين يبحثون حصرياً عن وظائف حكومية من 60 في المائة إلى 10 في المائة للرجال، ومن 48 في المائة إلى 22 في المائة للنساء.

طفرة الشركات متناهية الصغر

يتطلب هذا التطور المهني المتسارع توافقاً وثيقاً بين المخرجات التعليمية واحتياجات السوق المتجددة، وهو المحور الاقتصادي الذي رصده التقرير المشترك بعناية؛ حيث كشف عن نمو هائل في بنية الأعمال على صعيد المنشآت متناهية الصغر التي تضم من موظف واحد إلى أربعة موظفين. وبحسب البيانات، قفزت حصة هذه المنشآت من إجمالي التوظيف في المملكة من 6 في المائة في عام 2015 إلى 26 في المائة في عام 2025، لتستوعب هذه الكيانات الصغيرة جداً حالياً نحو 31.1 في المائة من إجمالي العمالة الوطنية السعودية.

ورافق هذا النمو توسع ملحوظ في الاعتماد على المهارات العالية؛ حيث شهدت الشركات بمختلف أحجامها زيادة مستمرة في الوظائف الإدارية والمهنية المتخصصة على حساب العمالة اليدوية. وفي الشركات متناهية الصغر تحديداً، ارتفعت حصة الكوادر المهنية والإدارية من 43 في المائة إلى 49 في المائة، مما يثبت التوجه نحو رفع الكفاءة التشغيلية والاعتماد على الحلول الذكية.

ازدهار الاقتصاد الرقمي

نجحت الإصلاحات التعليمية والمهنية في معالجة فجوات المهارات بشكل ملموس، حيث ارتفعت نسبة السعوديين الذين تتوافق مؤهلاتهم التعليمية تماماً مع متطلبات وظائفهم في القطاع الخاص لتصل إلى 62 في المائة للرجال و60 في المائة للنساء، مقارنة بـ41 في المائة و51 في المائة توالياً في عام 2015.

وفي سياق متصل، برز قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات كأسرع القطاعات نمواً وتوظيفاً في المملكة تلبيةً للتوسع التجاري؛ إذ بلغت نسبة الشركات التي تطلب موظفين جدداً للتوسع في هذا المجال 19 في المائة. ونتيجة لهذه الطفرة الرقمية، بات الاقتصاد الرقمي يسهم بنحو 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، مدعوماً بتغير نوعي في العمالة الوافدة التي ارتفعت نسبة الحاصلين على تعليم جامعي بينها بـ6 نقاط مئوية.

عاملون في وزارة الصحة يقومون بأداء مهامهم الوظيفية (واس)

ديناميكية السوق

إلى جانب تطور المهارات، أصبحت مرونة الأنظمة والتشريعات المحرك الأساسي لديناميكية حركة السوق؛ إذ أظهرت البيانات الإحصائية حركية عالية في سوق العمل السعودي بعد أن ارتفع متوسط عدد أصحاب العمل الذين تنقل بينهم العامل خلال مسيرته الوظيفية من 1.2 إلى 1.7 للرجال السعوديين، ومن 1.9 إلى 2.5 للوافدين، مما ساهم بشكل مباشر في كسر حالة الركود الوظيفي السابقة.

وقد حظيت إصلاحات مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية بإشادة واسعة من قطاع الأعمال؛ حيث أكد 65 في المائة من أصحاب العمل الذين شملهم المسح أن إلغاء قيود التنقل للعمالة الوافدة كان له أثر إيجابي مباشر على إنتاجية منشآتهم، إلى جانب زيادة مستويات التنافسية العادلة داخل بيئة العمل المحلية.

تحديات الاستدامة

رغم القفزات التاريخية التي وثقها التقرير المشترك، فإنه أكد أن سوق العمل السعودي يمر بمرحلة انتقالية تتطلب التحول من «التوسع الكمي» في الأرقام إلى «العمق النوعي» في الإنتاجية، حيث حدد حزمة من التحديات والتوصيات لتشكل خريطة طريق للمرحلة المقبلة. وتبرز في مقدمة هذه الأولويات ضرورة ردم فجوة المهارات المرتبطة بالطفرة المتسارعة للذكاء الاصطناعي التوليدي عبر إطلاق مبادرات تأهيل وطنية واسعة النطاق، إلى جانب أهمية تعزيز استدامة المنشآت متناهية الصغر التي باتت تستوعب نحو ثلث العمالة الوطنية، من خلال تكثيف الدعم المالي والتقني الموجه إليها لحمايتها من مخاطر ضعف الإنتاجية على المدى الطويل.

وفي السياق ذاته، شدد التقرير على أهمية الاستمرار في تحديث البيئة التشريعية لتشجيع القطاع الخاص على التوسع في أنماط العمل المرن وعن بُعد، والتي لا تتيحها حالياً سوى 17 في المائة فقط من الشركات السعودية، وهو ما يضمن استقطاب المزيد من الكفاءات الوطنية، وخاصة خارج المدن الرئيسية. وتكاملت هذه الرؤية مع توصية أخيرة تدعو إلى مواصلة إصلاح منظومة الاستقدام عبر منصة «قوى» للتحول الكامل نحو جذب المواهب والمهارات النادرة عالمياً، بما يتواءم مع متطلبات طموحات اقتصاد المعرفة الرقمي في المملكة.

آفاق المستقبل

يؤكد التقرير المشترك أن المملكة دخلت مرحلة جديدة تتطلب التركيز على النوعية والاستدامة بدلاً من الاكتفاء بالنمو الكمي. وتتحدد ملامح المرحلة القادمة في أربعة محاور أساسية: تطوير مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي عبر مبادرة تعلم وطنية، وإصلاح منظومة الاستقدام عبر منصة «قوى» لجذب المهارات النادرة، والتوسع في أنماط العمل المرن وعن بُعد (حيث تتيحه 17 في المائة فقط من الشركات حالياً)، وأخيراً تقديم الدعم المالي والتقني للشركات متناهية الصغر لضمان استمرار نموها وإنتاجيتها.


تكامل الطاقة والصناعة والتعدين... خطوة سعودية لتعظيم الثروة الوطنية

الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال زيارته أحد المصانع الوطنية في العاصمة الرياض (واس)
الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال زيارته أحد المصانع الوطنية في العاصمة الرياض (واس)
TT

تكامل الطاقة والصناعة والتعدين... خطوة سعودية لتعظيم الثروة الوطنية

الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال زيارته أحد المصانع الوطنية في العاصمة الرياض (واس)
الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال زيارته أحد المصانع الوطنية في العاصمة الرياض (واس)

يُشير قرار تعيين الأمير عبد العزيز بن سلمان وزيراً للصناعة والثروة المعدنية، مع احتفاظه بحقيبة الطاقة، إلى توجه نحو تعزيز التكامل بين 3 من أبرز القطاعات الاقتصادية في المملكة. ويرى مختصون أن جمع الطاقة والصناعة والتعدين تحت مظلة وزارية واحدة قد يُسرّع مواءمة السياسات، ويُعزز بناء سلاسل القيمة المحلية، بما يدعم مستهدفات «رؤية 2030» لتنويع الاقتصاد وتعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية.

ويأتي هذا التوجه انطلاقاً من الترابط الوثيق بين قطاعات الطاقة والصناعة والتعدين، التي تُشكل حلقات متكاملة تبدأ بإنتاج الطاقة، مروراً باستغلال الثروات المعدنية، وصولاً إلى توطين الصناعات وتحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة. ومن شأن هذا التكامل أن يُعزز من تنافسية الاقتصاد السعودي، ويرفع كفاءة استثمار موارده، ويدعم بناء قاعدة صناعية أكثر تنوعاً واستدامة.

ويؤكد مختصون في حديثهم لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الخطوة تُمثل مرحلة جديدة في تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية على أرض الواقع، مشيرين إلى أن قطاع الصناعة في المملكة شهد تحولات مفصلية منذ تأسيس وزارة الصناعة والثروة المعدنية بوصفها جهة مستقلة، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للصناعة.

وأوضح المختصون أن التعيين الجديد، المعني بربط الملفات الاقتصادية الرئيسة، يدعم مواءمة السياسات ويعزز سلاسل القيمة بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية 2030».

التنوع الاقتصادي

وقال عضو مجلس الشورى، فضل بن سعد البوعينين، إن التحول الاقتصادي منذ إطلاق «رؤية 2030» اعتمد على استراتيجيات مرحلية تقود إلى الاستراتيجية الأهم المحققة لهدف التنوع الاقتصادي، ورفع إسهام بعض القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي.

وحسب البوعينين، تميّزت المراحل الأولى باستكمال البنى التشريعية، ووضع خريطة طريق تقود لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، إضافة إلى مرحلة التنفيذ التي حققت جانباً مهماً من المستهدفات قبل أوانها. مضيفاً: «أعتقد أن الوزير بندر الخريف قام بدور مهم في المراحل السابقة، وحقق نجاحات مهمة في الجوانب التشريعية والتنظيمية والتنفيذية، وترك الوزارة في أوج عطائها، محققة مستهدفاتها».

وتابع خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك تركيزاً أكبر في المرحلة الحالية على تعظيم الأثر الاقتصادي وسرعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للصناعة، إضافة إلى المواءمة بين القطاعات الثلاثة: الطاقة، والتعدين، والصناعة، وبما يُسرع عمليات الإنجاز ويُحقق التكامل الأمثل بينها، وتتحقق المواءمة المنشودة تحت مرجعية موحدة تُسهم في تسريع عمليات التنفيذ ومعالجة التحديات وفتح آفاق اقتصادية أرحب.

أحد مصانع مدينة رأس الخير في السعودية (واس)

«وبغض النظر عن المكاسب المتوقعة لربط الصناعة والتعدين بقطاع الطاقة، فإنني أعتقد أن من أهم المكاسب أن يكون الأمير عبد العزيز بن سلمان مسؤولاً عن القطاعات الثلاثة التي تُشكل القلب النابض للاقتصاد السعودي؛ حيث يتميز الأمير بفكر اقتصادي، وخبرات واسعة ليس في الجانب التنفيذي فحسب، بل في الجوانب التنظيمية والتشريعية، ولديه القدرة على معالجة التحديات وتحويل الأفكار إلى واقع، والأهم من ذلك شخصيته المحفزة لكل مَن يعمل معه»، وفق عضو مجلس الشورى.

تكامل سلسلة القيمة

وأضاف أن تسريع عمليات تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتعدين من الإيجابيات المتوقعة للربط بين القطاعات الثلاثة، خصوصاً قطاع التعدين، الذي يمتلك مقومات مهمة ترفع من إسهاماته في الاقتصاد بشكل كبير. ويحتاج في الوقت عينه إلى قرارات جريئة تُسهم في تحقيقه نمواً متسارعاً لمستهدفات الرؤية، ومن أهمها تحقيق التنوع الاقتصادي.

وأضاف عضو مجلس الشورى أن هناك جانباً مهماً، وهو تحقيق تكامل سلسلة القيمة الاقتصادية، وتوحيد القرار فيها، وهو أمر سيتحقق مستقبلاً مع التغييرات الجديدة، إضافة إلى أهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية، وهذا يمكن دعمه من خلال الربط بين التعدين والطاقة، وبما يُعطي وزير الطاقة قوة في المفاوضات والربط بين الاستثمارات التي يتسابق عليها المستثمرون الأجانب والاستثمارات الأقل رغبة، وبناء نموذج من الصفقات المربحة للمملكة.

الصناعات المتقدمة

بدوره، يرى المختص في الشأن الاقتصادي أحمد الشهري، أن تعيين الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزيراً للصناعة والثروة المعدنية، لها أبعاد اقتصادية، لعل من أبرزها: تكامل سلسلة القيمة الاقتصادية؛ حيث إن الطاقة هي المدخل الأساسي للصناعة، والثروة المعدنية توفر المواد الخام، والصناعة تحول هذه الموارد إلى منتجات ذات قيمة مضافة، ومن ثم وجودها تحت مظلة واحدة يسهل التخطيط المتكامل بدلاً من إدارة كل قطاع بمعزل عن الآخر.

وأضاف الشهري، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الخطوة تُعزز أيضاً القيمة المحلية، موضحاً أنه «بدلاً من تصدير المواد الخام، يمكن توجيه السياسات نحو تحويل المعادن والموارد إلى صناعات وطنية متقدمة، بما يزيد من العائد الاقتصادي، ويخلق فرص عمل تتطلب مهارات عالية».

وأوضح أن هذه الخطوة من شأنها رفع كفاءة الاستثمار من خلال توحيد السياسات والقرارات، بما يُقلل التعقيدات ويجعل البيئة الاستثمارية أكثر وضوحاً. وأكد، في الوقت نفسه، أن هذه المؤشرات الإيجابية ستُسرِّع وتيرة التنويع الاقتصادي، موضحاً أن «الربط بين الطاقة والصناعة والتعدين يدعم الانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير الموارد إلى اقتصاد قائم على التصنيع والإنتاج».