الإعلام والعالم الافتراضي بعد «كوفيد ـ 19»... توسّع مؤكد وتأهيل حتمي

مطالب بتكثيف التدريب للصحافيين و«تسريع» خطوات التحول الرقمي

فرضت الجائحة على مؤسسات إعلامية تقليدية تبني تجربة العمل من المنازل
فرضت الجائحة على مؤسسات إعلامية تقليدية تبني تجربة العمل من المنازل
TT

الإعلام والعالم الافتراضي بعد «كوفيد ـ 19»... توسّع مؤكد وتأهيل حتمي

فرضت الجائحة على مؤسسات إعلامية تقليدية تبني تجربة العمل من المنازل
فرضت الجائحة على مؤسسات إعلامية تقليدية تبني تجربة العمل من المنازل

ما «السيناريو» المستقبلي لشكل العالم الافتراضي والإعلام ما بعد انتهاء أزمة فيروس «كوفيد - 19»؟ وما مستجدات العمل الصحافي الجديدة وفق ذلك الشكل؟ وهل ستتغير طرق التعامل مع التطبيقات الإلكترونية؟
هذه بعض التساؤلات التي تتردد في أذهان الصحافيين، خصوصاً بعدما ألقت تداعيات الفيروس بظلالها على مناحي الحياة، وأعادت تشكيل وصياغة آليات صناعة الإعلام، التي أجبرها الفيروس بشكل أكبر على التعامل مع التكنولوجيا والتحرك بشكل أسرع في اتجاه العالم الافتراضي. ومعلوم، أنه ثبتت جدوى تحقيق التباعد الاجتماعي، والحفاظ على وتيرة وأداء الأعمال عن بُعد.
وفي حين طرح خبراء إعلام وصحافيون تصورات وأولويات متباينة لكيفية تعامل الصحافي والإعلامي مستقبلاً، فإنهم أجمعوا تقريباً على أن «العمل من المنزل اعتماداً على الأدوات الافتراضية سيتوسّع في المستقبل، وعليه، سيتطلب من العاملين بالمجال مزيداً من التدرب لامتلاك أدوات التطور التكنولوجي».
مع ذلك، فإن هناك خبراء يرون أن «العمل الصحافي في المستقبل، سيجمع بين التكنولوجيا والطُرق التقليدية في الحصول على المعلومات، كما سيكون على الصحافي دور في إعداد قصص مميزة، إضافة إلى تولي مسؤوليات تحري الدقة والمصداقية، لجذب الجمهور الذي أصبح أكثر وعياً».
وفق تقرير «المنتدى الاقتصادي العالمي» الذي حمل عنوان «(كوفيد - 19) قلب موازين صناعة الإعلام»، في يونيو (حزيران) الماضي، فإن «مهمة الإعلام التعليمية والإخبارية ستتغير في المستقبل، وستحتاج تعاوناً وجهوداً مكثفة لتطوير الطُرق لدعمها مالياً، مع الحفاظ على جودة المحتوى والمصداقية». وتابع التقرير أن «وسائل الإعلام التي استطاعت تحقيق انتشار خلال أزمة «كوفيد - 19» ستواصل لعب دور مؤثر في المستقبل، سواء كان هذا الدور إخبارياً أم ترفيهياً، وبناءً على قدراتها التكنولوجية، ونوع المحتوى الذي تقدمه، ولكن سيكون اكتساب ثقة الجمهور أمراً صعباً».
الدكتورة أروى الكعلي، الصحافية والمدربة وأستاذة الإعلام في معهد الصحافة وعلوم الأخبار في تونس، ترى أن «المرحلة المقبلة ستشهد اعتماداً أكبر على (الإنترنت) في جميع مجالات الحياة من التسوّق إلى الدراسة، إلى العمل والحصول على المعلومة، ما سيفرض تحديات جديدة على الصحافيين، الذين ما عادوا يلعبون دور (حارس البوابة التقليدي) لإيصال المعلومات. وبالتالي تقع على عاتقهم مهمة ومسؤولية أخرى، هي التحقق من المعلومات، التي سيزداد تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما يعني زيادة ما يسمى الأخبار الكاذبة».
أما الدكتورة هويدا مصطفى، عميدة كلية الإعلام جامعة القاهرة، فتتوقع «ازدياد طُرق العمل من المنزل الذي فرضته أزمة الفيروس، بعد انتهاء أزمة الفيروس، وكذلك تغير شكل العمل الصحافي التقليدي، الذي كان يعتمد على الوجود في الميدان، كما ستشهد الفترة المقبلة تغطيات ومتابعات أكثر من المنزل باستخدام الأدوات التكنولوجية المتنوعة والمبتكرة».
وبحسب دراسة نشرها موقع «معهد الإعلام والصحافة المستقبليين» (DCU)، وهو مؤسسة بحثية مختصة في التكنولوجيا، مقره آيرلندا، خلال أبريل (نيسان) الماضي، فإن «التكنولوجيا لعبت دوراً كبيراً في تعامل صناعة الإعلام مع أزمة الفيروس، وسيتعيّن علينا مستقبلاً متابعة تطور ثلاث مبادرات في هذا السياق:
الأولى، استخدام برامج الحاسب الآلي في إعداد مادة صحافية؛ حيث طوّر عدد من وسائل الإعلام برامج تساعد في رصد بيانات (كوفيد) في أكثر من مكان وتجهيزها للنشر، ووفقاً لوكالة (رادار) في بريطانيا، فإن الوكالة استطاعت إنتاج 149 قصة حول الفيروس خلال ساعة من نشر الأرقام الرسمية الخاصة بالفيروس.
والثانية، تتعلق بمعالجة البيانات بصورة بصرية، كما فعلت صحيفتا (واشنطن بوست) و(نيويورك تايمز).
والثالثة، ترتبط بتطوير التطبيقات للتحقق من المعلومات، التي تعاونت فيها جهات مختلفة من بينها (غوغل) و(فيسبوك) لـ(غربلة) المعلومات غير الصحيحة بشأن الفيروس».
ما تناولته الدراسة، لا يعني الاستغناء عن الصحافي في المستقبل والاعتماد بدلاً منه على التطبيقات الإلكترونية. إذ يرى خالد البرماوي، الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، أن «العمل الصحافي مستقبلاً سيجمع بين التكنولوجيا والطرق التقليدية في جمع المعلومات، فالمواد المنتجة إلكترونياً لا بد من مراجعتها، كما سيكون للصحافي دور في إعداد قصص مميزة، وفي تحري الدقة والمصداقية، لجذب الجمهور الذي أصبح أكثر وعياً في البحث عن المصادر الموثوقة».
من جهته، يرى الكاتب الصحافي العُماني، حمود بن علي الطوقي، رئيس تحرير مجلة «الواحة»، أن «الإعلامي غير المؤهل تكنولوجياً، سيعاني في الفترة المقبلة، التي تتطلب مهارات مختلفة من الصحافيين، عليهم أن يسعوا للحصول عليها. إذ سيسيطر الإعلام الإلكتروني على المشهد... وبالفعل، كثرة من وسائل الإعلام في عُمان بدأت تستعد للمرحلة المقبلة، وتعمل على تطوير أدواتها التكنولوجية لتواكب العالم الافتراضي ما بعد (كوفيد - 19)».
من ناحية أخرى، وفق دراسة لموقع «إلى داخل العقل» (Into the mind)، وهو مؤسسة استشارات وبحوث تسويقية، مقرها باريس وبروكسل، خلال مايو (أيار) الماضي، توقع استطلاع رأي لأكثر من 30 متخصصاً في الإعلام من ست دول «تزايد الاعتماد على تطبيقات البث الترفيهي في المستقبل، وحصد شبكة (نتفليكس) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما يقرب من 2.97 مليار دولار أميركي بحلول عام 2025، أي ما يعادل 38 في المائة من الحصة السوقية، يليها (ستارز بلاي) بـ23 في المائة، ثم (ديزني بلاس) بـ11 في المائة». كذلك توقعت الدراسة «تحسن أداء (فيسبوك) الإعلاني بحلول 2021 ونموه بنسبة 23 في المائة، واستمرار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات، مقابل خفض قنوات التلفزيون العمالة وتقليص الميزانيات، والتوجه أكثر نحو الاستثمار في البنية التكنولوجية لمواجهة تطبيقات البث الإلكتروني».
في هذا الصدد، قال البرماوي إن «الفترة المقبلة ستشهد نمواً في التطبيقات الإعلامية الخاصة بالترفيه والتجارة الإلكترونية التي تهتم بالصحة، والتي تسمح بالعمل من المنزل»، وأوضح أن «التحول الرقمي ما عاد رفاهية؛ بل أمر حتمي، إذ سرّع كوفيد الاتجاه نحوه بثلاث أو خمس سنوات، واقتصادياً ساعد وسائل الإعلام الرقمي على جذب مزيد من الإعلانات، حيث بدأ المعلن في إعادة توزيع ميزانيته على مصادر متنوعة، لا تقتصر فقط على (فيسبوك) و(غوغل)، بل وجه جزءاً من الميزانية لصالح الإعلام الترفيهي مثل (ديزني) و(نتفليكس)، وطبعاً الإعلام الرقمي».
وترى الكعلي أن «أي تطبيقات أو وسائل إعلام لن تتمكن من النجاح في التأقلم مع الواقع التكنولوجي الجديد، لن يكون لها وجود في المستقبل، ويتوجّب على الصحافي أن يتأقلم ويطور أسلوب علمه بما يتلاءم مع التجربة الرقمية». وأشارت إلى أن «أزمة الفيروس أسهمت إلى حد كبير في تطبيع وسائل الإعلام، إن صح التعبير مع ممارسات صحافية جديدة مثل، السرد القصصي الرقمي، وصحافة البيانات». وتعتقد الكعلي أن «الفيروس خدم صحافة البيانات، لأنه فرض علينا جميعاً التعامل مع البيانات التي سيزيد الاعتماد عليها في المستقبل أيضاً».
ويتفق معها في الرأي التوفيق الحبيب، الصحافي التونسي ومدير مجلة «ليدرز»، بقوله: «الفترة المقبلة ستشهد تركيزاً على الوسائط الرقمية، مع دور أكثر للصحافة الورقية، وتكثيفاً للمحتويات العلمية والطبية والوقائية». وأردف أن «التجديد التكنولوجي مُقبل على تسارع حثيث، يختزل في أسابيع عقوداً من البحث والتطوير، كما يعطي أهمية للمعلومة المدققة، وهو ما يفتح المجال لظهور تطبيقات إلكترونية جديدة لصياغة رسائل واضحة مدعمة بالرسوم البيانية والصور والخرائط». واستطرد قائلاً: «تتطلب المرحلة الجديدة من الصحافي مزيداً من التدرّب لامتلاك أدوات التطور التكنولوجي واستخدامها بشكل يحقق التوثق والتأكد من المعلومة، والإبداع في طريقة عرضها».
لكن الدكتورة هويدا مصطفى ترى أن «هذه التغييرات المستقبلية، لا تعني القضاء على وسائل الإعلام التقليدية، إذ لا توجد وسيلة تلغي دوراً من سابقتها». وتؤكد أن «أزمة الفيروس أعادت الحياة لوسائل إعلام تقليدية، خصوصاً التلفزيون، وأعادت القيمة للخبر، وإن كانت الصحافة الورقية، هي الأكثر تضرّراً، حيث لم ينجح؛ إلا من كانت له ذراع إلكترونية».
وحقاً، تشير دارسة «Into the mind» إلى أن «متوسط ساعات مشاهدة التلفزيون ازداد بنسبة 10 في المائة، ليصل إلى أربع ساعات ونصف الساعة في فرنسا، وثلاث ساعات في بريطانيا، تحت ضغط الحاجة للمعلومات». لكن «المواقع الإلكترونية كانت حقاً الرابح الأكبر من الأزمة، خصوصاً تطبيقات بث المحتوى الترفيهي مثل (نتفليكس) و(ديزني)، إذ ارتفع عدد المشتركين في (نتفليكس) بنسبة 22.8 في المائة خلال الربع الأول من العام الجاري - أي نحو 17.8 مليون شخص -، ووصل عدد المشتركين في (ديزني) إلى 50 مليون مشترك، متقدماً بسنتين على الجدول الزمني المُعدّ مسبقاً لزيادة عدد المشتركين». ووفق الدراسة، فإن «أزمة (كوفيد - 19) دفعت وسائل الإعلام إلى تغيير خططها البرامجية وطُرق عملها، والاعتماد على وسائل جديدة مثل تطبيقات (زووم) و(فيس تايم) في ظل تعذّر التواصل المباشر».
وهذا ما أكده الطوقي بقوله إن «الفيروس أجبر المخططين في الشأن الاعلامي على تغيير البوصلة نحو التعامل مع الوضع، بعدما فرض أنماطاً جديدة للتواصل من خلال العمل عن بُعد، باستخدام التقنيات الجديدة والتطبيقات التي ظهرت ووفرت الجهد والوقت».
وفي سياق موازٍ، ذكرت دراسة أخرى نشرها موقع «فوربس» الإلكتروني نقلاً عن شركة «فولسكرين» (Fullscreen) المتخصصة في «السوشيال ميديا»، أنه «من المتوقع أن يزدهر عمل (المؤثرين) على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث زادت نسبة متابعتهم بين جيل الشباب من سن 18 إلى 34 سنة بنسبة 34 في المائة، ما سيربط بين سوق الإعلانات وهؤلاء «المؤثرين» في المستقبل، أخذاً في الاعتبار اهتمام الجمهور بالمواد الأصلية، ورغبته في الاستماع للتجارب الشخصية الحقيقية، وإحجامه عن تقبل الإعلانات الصريحة.



تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.


الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
TT

الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)

أفاد تقرير الأخبار الصادر عن هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم) لعام 2026 بأن نحو خُمس البريطانيين (نحو 21 في المائة) باتوا يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار، وذلك بحسب استطلاع شمل 5397 بالغاً. وهذا أمر عدَّه خبراء «تحدّياً لمؤسسات إعلامية، ليس فقط لأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار قد يحتوي على أخطاء تسهم في نشر معلومات مضللة؛ بل أيضاً لأن هذا السلوك لن يُحيل سوى نسبة ضئيلة جداً من النقرات إلى المصادر الأصلية، مما يسهم في تراجع حركة الزيارات على مواقع الناشرين».

التقرير الذي نُشرت نتائجه منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، ذكر أن استخدام الذكاء الاصطناعي للأخبار هو الأكثر انتشاراً عند الفئة العمرية من 25 إلى 34 سنة بنسبة 37 في المائة. ولقد تصدر «تشات جي بي تي» قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً للاطلاع على الأخبار، إذ أفاد 13 في المائة من إجمالي المشاركين باستخدامه لمتابعة الأحداث الجارية خلال الشهر الماضي.

وفق تقديرات «أوفكوم»، تستحوذ محرّكات البحث ومجمّعات الأخبار الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، مجتمعة تحت مسمى «الوسطاء الرقميين» على 37 في المائة من إجمالي الوقت الذي تمضيه عينة البحث مع الأخبار، وهو ما يعادل 26 دقيقة يومياً من إجمالي 72 دقيقة يومياً يمضيها القراء في متابعة الأخبار يومياً، لتصبح بذلك أكبر شريحة منفردة. وفي المقابل، لا تتجاوز حصة مواقع الناشرين المباشرة 8 دقائق يومياً؛ أي 11 في المائة فقط من إجمالي الاستهلاك.

أما على صعيد منصات التواصل الاجتماعي، فقد تصدَّر «فيسبوك» قائمة استهلاك الأخبار بنسبة 39 في المائة من البالغين يليه «يوتيوب» بنسبة 33 في المائة.

فادي عمروش، الباحث المتخصّص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي رأى خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الناشرين يواجهون أزمة «عزوف» ليس للأخبار بل للمواقع الإخبارية المباشرة... «ولذا على المؤسسات الإعلامية أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي اليوم كما تعاملت سابقاً مع محركات البحث، لكن مع فهم أن قواعد اللعبة تغيرت».

وأضاف: «في عصر محركات البحث كان الهدف من (SEO) واضحاً، وهو أن يظهر الخبر في (غوغل)، ثم يضغط القارئ على الرابط ويزور الموقع، أما اليوم فقد يسأل المستخدم (تشات جي بي تي) و(جيميناي) عن خبر معين ويحصل على ملخص كامل دون أن يزور الموقع الأصلي أصلاً».


السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
TT

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

أعلن وزير الإعلام السعودي، سلمان الدوسري، إطلاق «مهرجان ليونز الرياض»، الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والوكالات والعلامات التجارية وصنّاع المحتوى والمواهب الصاعدة من المنطقة والعالم، وذلك خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر (كانون الأول) 2027، في مركز الملك عبد الله المالي «كافد» بمدينة الرياض.

ويأتي هذا الحدث، الذي تنظّمه شركة «تحالف»، بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظومة «ليونز» العالمية، بوصفه مهرجاناً إقليمياً متخصصاً يهدف إلى تبادل الخبرات، واستعراض أبرز الاتجاهات والتجارب المميزة في صناعة الإبداع والتسويق، مما يُعزّز مكانة السوق السعودية، عبر الاقتراب من أحدث الممارسات والمعايير والخبرات الدولية.

ويتناول برنامج المهرجان، على مدى 3 أيام، التميُّز الإبداعي والفاعلية والثقافة ومستقبل القطاع، بما يتيح لمواهب الشرق الأوسط وأفكارهم وأساليب سردهم، منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي، وسط مشاركة نخبة من الخبراء والقيادات من المنطقة والعالم تحت سقف واحد، ليُشكِّل جسراً مباشراً بين المواهب السعودية والإقليمية والشبكات والأسواق والخبرات الدولية.

تمكين المبدعين

من جانبه، أوضح وزير الإعلام أن «الإبداع وسرد القصص لهما جذور راسخة في السعودية وفي ثقافة الشرق الأوسط. واليوم، يبني جيل جديد على هذا الإرث بثقة وقدرة وطموح لرسم ملامح مستقبل هذه القصة»، مؤكداً أن «ليونز الرياض» يُمثِّل «فرصة للاحتفاء بما يميز إبداع منطقتنا، وتعزيز إسهامه في اقتصادنا وثقافتنا، وتمكين أصواتنا الإبداعية من الاضطلاع بدور أكبر في المستقبل».

يتيح المهرجان لمواهب الشرق الأوسط منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي (واس)

وأبان الدوسري أن المهرجان «يُجسِّد التقدم الذي تشهده صناعاتنا الإبداعية، والتزام السعودية برعاية المواهب والأفكار التي تقف وراءها»، حيث يُوفِّر فرصة لحضور الإبداع المحلي والمنافسة عالمياً، ويحفز الوكالات على تطوير أدواتها ومنتجاتها.

ويسهم «ليونز الرياض» في دعم نمو الاقتصاد الإبداعي في السعودية عبر استقطاب الخبرات والمواهب العالمية، ونقل المعرفة، وتنمية القدرات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية، الأمر الذي يعكس مساعي الوزارة الهادفة إلى تمكين القطاع والعاملين فيه، وربطه بمراكز التأثير الدولية، بما يعزز نموه ويرفع تنافسيته عالمياً.

ويشكّل المهرجان منصة لتمكين المبدعين السعوديين وربطهم بالشبكات والأسواق الدولية، بما يدعم نمو المنشآت المحلية، ويعزز توطين الصناعات الإبداعية، وإسهام القطاع في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً؛ لتواصل الرياض ترسيخ مكانتها عاصمة للإبداع، ووجهة عالمية لصناعة القرار والفرص.

يفتح «مهرجان ليونز الرياض» آفاقاً جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية (واس)

وجهة دولية

بدوره، قال فيصل الخميسي، الرئيس المشارك لمجلس إدارة «تحالف» ورئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، إن «المملكة رسَّخت سريعاً منذ إطلاق (رؤية السعودية 2030) مكانتها بوصفها إحدى أبرز الوجهات العالمية لاستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وأثبتت مراراً جاهزيتها لجمع العالم وتقديم فعاليات وفق أعلى المستويات».

وبينما أصبحت السعودية وجهة لمنصات دولية كبرى في التقنية والاستثمار والرياضة والترفيه والأعمال، يرى الخميسي أن قرار منظومة «ليونز» إطلاق المهرجان في الرياض «يمثل محطة مهمة أخرى في هذه المسيرة، ويعكس تنامي الأهمية الدولية للمملكة والإمكانات الإبداعية الاستثنائية للعالم العربي»، وهو ما يؤكد متانة السوق السعودية في خريطة الاقتصاد الإبداعي.

من ناحيته، ذكر فيليب توماس، رئيس مجلس إدارة «ليونز»، أن «الشرق الأوسط يدخل حقبة إبداعية جديدة لافتة»، مضيفاً: «فمن السينما والأزياء والألعاب والتصميم والترفيه إلى سرد قصص العلامات التجارية، نشهد موجة من الطموح والأصالة تقودها تركيبة سكانية شابة سريعة النمو».

يساهم «مهرجان ليونز الرياض» في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال (واس)

منصة عالمية

ولفت توماس إلى «توسع القطاعات الإبداعية بوتيرة متسارعة، مع ظهور منصات ومواهب وأعمال جديدة»، مبيناً أن «الإبداع والتسويق يضطلعان بدور متزايد الأهمية في كيفية تعبير الدول والعلامات التجارية والمجتمعات عن نفسها على الساحة العالمية».

وتابع: «لطالما كانت ليونز منصة عالمية لأفضل ما في العالم من فكر إبداعي وفاعلية تسويقية»، منوهاً بأنهم يتيحون عبر «ليونز الرياض» الوصول للمعايير العالمية والرؤى المعرفية وفرص التعلم، و«نصل المواهب والطموحات الإقليمية بالخبرات والفرص العالمية، بما يدعم المرحلة المقبلة من نمو العلامات التجارية والأعمال والاقتصاد الإبداعي الأوسع نطاقاً».

ويأتي المهرجان ضمن سلسلة منصات إقليمية تكمل «كان ليونز»، بإتاحة مزيد من خبرات المنظومة العالمية المتخصصة في الإبداع والتسويق وصناعة المحتوى على مدار العام، وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية والساحة الدولية، مما يمنح منطقة الشرق الأوسط نافذة جديدة للتأثير في حوارها.

وبينما يظل «كان ليونز» محور المنظومة الذي يجتمع فيه القطاع العالمي ويُعترف بالمعيار الدولي للتميز الإبداعي، صُمم «ليونز الرياض» ليجمع منظومة التسويق الأوسع في السعودية، وتنمية المواهب لتصبح أكثر تنافسية، وربط الأفكار الإقليمية بالشبكات والخبرات العالمية، وجعل الوكالات المحلية أكثر اتصالاً بالأسواق الدولية، بما يساهم في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال.