«حدود» مناطق النفوذ الثلاث تتعمق في سوريا خلال 6 أشهر

بسبب التفاهمات الدولية ـ الإقليمية و«كورونا» والأزمة الاقتصادية في دمشق

قوات أميركية وروسية وسورية في ريف القامشلي شرق الفرات في فبراير الماضي(أ.ب)
قوات أميركية وروسية وسورية في ريف القامشلي شرق الفرات في فبراير الماضي(أ.ب)
TT

«حدود» مناطق النفوذ الثلاث تتعمق في سوريا خلال 6 أشهر

قوات أميركية وروسية وسورية في ريف القامشلي شرق الفرات في فبراير الماضي(أ.ب)
قوات أميركية وروسية وسورية في ريف القامشلي شرق الفرات في فبراير الماضي(أ.ب)

لأول مرة منذ 2012، لم يحصل أي تغير على خطوط التماس العسكرية في سوريا لمدة 6 أشهر متواصلة. وبعد 5 سنوات على التدخل العسكري الروسي المباشر في نهاية سبتمبر (أيلول) 2015، لا تزال سوريا التي تبلغ مساحتها 185 ألف كلم مربع، مقسمة إلى 3 مناطق نفوذ: الأولى تمتد على ثلثي أراضي البلاد، وتسيطر عليها قوات الحكومة، بدعم روسي إيراني؛ والثانية تشمل ربع مساحة البلاد في شمال شرقي البلاد، وتسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية، بدعم من التحالف الدولي، فيما تقع المنطقة الثالثة الواقعة في شمال البلاد وشمالها الغربي تحت نفوذ فصائل مقاتلة يدعمها الجيش التركي.

ذروة التقهقر... والسيطرة
شهدت خريطة السيطرة العسكرية تغيرات كبيرة خلال 9 سنوات. وحسب «مركز جسور للدراسات» السوري، فإنه بعد تحول الاحتجاجات السلمية في مارس (آذار) 2011 إلى «حراك مسلح، أصبح النظام يُسيطر بالكاد على ثلث هذه الأراضي في نهاية عام 2012، فيما كانت المعارضة المسلحة بكل تشكيلاتها تُسيطر على الثلثين الآخرين. وانخفضت سيطرة النظام بعد ذلك إلى نحو ربع الأراضي بين 2015 و2016».
وفي منتصف 2015، كانت ذروة سيطرة الفصائل وتقهقر قوات الحكومة. يقول «جسور»: «سيطرة المعارضة انخفضت بشكل كبير حتى قبل أن ترتفع نسبة سيطرة النظام، إذ شكل ظهور (داعش) فاعلاً ميدانياً في نهاية عام 2013 عاملاً أدى إلى تغيير قواعد اللعبة عسكرياً، إذ بدأ التنظيم يقضم بشكل سريع مناطق سيطرة المعارضة، وبدرجة أقل مناطق سيطرة النظام، حتى وصلت نسبة سيطرته في عام 2015 إلى أكثر من نصف الأرض السورية».
وبعد بدء التحالف الدولي، بقيادة أميركا، حربه ضد «داعش» في سبتمبر (أيلول) 2014، بدأت «وحدات حماية الشعب» الكردية بالاستحواذ التدريجي على بعض مناطق سيطرة التنظيم. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2015، تم الإعلان عن تأسيس «قوات سوريا الديمقراطية» التي أصبحت المظلة التي ستتولى قيادة المعركة ضد التنظيم، بدعم من التحالف الدولي. وتوسعت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» بشكل تدريجي، حتى وصلت إلى نحو 15 في المائة من الأرض السورية في عام 2016، ثم نحو 20 في المائة منتصف 2017، ثم في النصف الثاني من عام 2018 إلى نحو 27 في المائة، قبل أن تنخفض بشكل طفيف في خريف العام الماضي.
ولم تتمكن المعارضة منذ عام 2015 من السيطرة على أي أرض جديدة، ولا يشمل ذلك بطبيعة الحال الأراضي التي تمت السيطرة عليها بالتدخل التركي، والمعروفة بأسماء عملياتها العسكرية، وهي «درع الفرات» و«غصن الزيتون» و«نبع السلام» و«درع السلام»، التي قام بها الجيش التركي مع فصائل موالية في شمال سوريا وشمالها الغربي والشرقي.
وأعلن مسؤولون روس أكثر من مرة أنه قبل تدخل جيشهم، في سبتمبر (أيلول) من 2015، لم تكن حصة قوات الحكومة السورية أكثر من 10 في المائة من مساحة البلاد. وبعدها، بدأت قوات الحكومة، بدعم القوة الروسية، إحراز مزيد من التقدم التدريجي، إلى أن «وصلت سيطرة النظام إلى نحو الثلثين منذ عام 2018 حتى الآن».

معارك وتفاهمات
كانت العمليات العسكرية بين 2012 و2016 عاملاً أساسياً في تغيير خطوط التماس ومناطق السيطرة. وفي بداية 2017، بدأ مسار آستانة بين روسيا وإيران وتركيا «بعد خسارة المعارضة الاستراتيجية في مدينة حلب»، في ديسمبر (كانون الأول) 2016، حسب «جسور»، إذ ساهم المسار في «إعادة جدولة العمليات العسكرية، حيث أخذت طابعاً موسمياً يعكس فشل الأطراف في التوصل إلى تفاهم آني، أو رغبة أحد الأطراف في رفع مستوى الضغط التفاوضي قبيل انطلاق جولة جديدة من المسار».
وإلى جانب أساليب العمليات العسكرية و«الأرض المحروقة» و«البراميل»، تمكنت بعض الأطراف، خصوصاً قوات الحكومة، من توسيع سيطرتها بفعل أدوات أخرى، كان أهمها «الحصار»، خاصة في ريف دمشق ودمشق وحمص، التي أوصلت إلى «التسويات»، وهي اتفاقات توقعها الأطراف المحلية داخل المناطق المحاصرة، وأفضت في الغالب إلى خروج المقاتلين نحو الشمال، واستسلام المناطق لقوات الحكومة. وقال المركز: «ساهمت التفاهمات بين الفاعلين المحليين، بوساطات خارجية في بعض الأحيان، إلى توسيع خرائط السيطرة، فقد أدى اتفاق المدن الأربع، في أبريل (نيسان) 2017، برعاية روسية إقليمية، إلى تبادل غير مسبوق للسيطرة على المدن بين المعارضة والنظام، حيث خرجت قوات المعارضة من مدينتي الزبداني ومضايا في ريف دمشق، مقابل تفريغ كامل لبلدتي كفريا والفوعة في ريف إدلب».
وتسببت التفاهمات الدولية في تغيير خرائط السيطرة دون معارك بين الفاعلين المحليين، ومن أبرز هذه الحالات سيطرة قوات الحكومة، المدعومة روسياً، على محافظتي درعا والقنيطرة، بعد تفاهم أميركي - روسي في منتصف 2018. كما شمل ذلك السيطرة التركية على الشريط الحدودي ضمن عملية «نبع السلام» شرق الفرات، بتفاهم أميركي - تركي، إضافة إلى جيوب أخرى شمال البلاد، أو تثبيت الأمر الواقع في شمالها الغربي، بتفاهمات بين أنقرة وموسكو.

جمود ممدد
وأظهرت خريطة النفوذ العسكري لشهر أغسطس (آب) 2020 التي أعدها «جسور» ثبات نسب السيطرة بين أطراف النزاع منذ فبراير (شباط) الماضي. وحافظت فصائل المعارضة على نسبة سيطرتها البالغة 10.98 في المائة، ويشمل هذا قاعدة التنف الأميركية في زاوية الحدود العراقية - السورية - الأردنية. كما حافظت الحكومة على 63.38 في المائة من البلاد، وبقيت 25.64 في المائة من البلاد تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية». وقال المركز: «لم يعد لتنظيم داعش أي سيطرة عسكرية على الأرض السورية منذ فبراير 2019»، لكن لا تزال هناك خلايا للتنظيم في شرق الفرات، إضافة إلى وجود جيوب له في البادية السورية.
ويعود ثبات خطوط التماس لمدة 6 أشهر منذ بدء الصراع السوري إلى سلسلة عوامل خارجية وداخلية، تتعلق بالتفاهمات بين روسيا وأميركا وتركيا شمال شرقي سوريا، وبين أنقرة وموسكو في إدلب، وإلى وباء «كورونا» والأزمة الاقتصادية التي تعصف بدمشق لأسباب عدة، بينها فرض واشنطن عقوبات «قانون قيصر».

تفاهم صعب
في منتصف 2017، توصل الجيشان الأميركي والروسي إلى مذكرة تفاهم تتعلق بـ«منع الصدام» لتبادل المعلومات عن تحركات طائرات الجانبين، ورسم خط تماس نظري هو نهر الفرات، بحيث يكون طرفه الشرقي لأميركا وحلفائها، وطرفه الغربي لروسيا وحلفائها. وأبقت أميركا على قاعدة التنف ومنبج غربه، بينما حافظت الحكومة السورية على وجودها في «مربعين أمنيين» في القامشلي والحسكة شرق الفرات.
وبقيت الخطوط مستقرة نسبياً إلى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما سحب الرئيس دونالد ترمب قواته من مناطق قرب حدود تركيا، ما شجع الجيش التركي على التوغل عسكرياً مع فصائل موالية بين تل أبيض ورأس العين، ضمن عملية «نبع السلام». كما لجأت «قوات سوريا الديمقراطية» إلى دمشق، ووقعت مذكرة قضت بالتعاون مع الجيشين السوري والروسي لنشر نحو 10 آلاف عنصر في مناطق أخلَتْها أميركا، وتسيير دوريات روسية - تركية على الطريق الرئيسية بين حلب والقامشلي، تحت حماية مروحيات روسية، إضافة إلى نشر حرس الحدود السوري على حدود تركيا، عدا منطقة «نبع السلام».
وعاد ترمب ووافق على الإبقاء على 500 جندي شرق الفرات، ومائة جندي في التنف، فتحول شرق الفرات إلى مناطق نفوذ بين أطراف مختلفة، ما أدى إلى إرباك الصورة، الأمر الذي استدعى مفاوضات عسكرية روسية - أميركية للتأكد من عمل اتفاق «منع الصدام» بين الجيشين. وفي ديسمبر (كانون الأول)، تم تجديد الاتفاق.
وكان لافتاً أن الجيش الروسي استمر في تحديه واختباره براً، وأسس قواعد ونقاط تمركز، وسير دوريات في محافظتي الحسكة والرقة، وعلى الطريق إلى حدود العراق، بالتزامن مع تكثيف الجهود لتجنيد عناصر من السكان المحليين. وأعلن الجنرال كينيث مكنزي، في يونيو (حزيران)، أن قوات التحالف رصدت حشداً لمعدات عسكرية روسية في المنطقة، علماً بأن روسيا أقامت قاعدة في مطار القامشلي. وأشار الجانب الأميركي إلى أن وجود روسيا يعطيها فرصة لـ«تعطيلنا وزيادة صعوبة عملنا»، حسب ما جاء في وثيقة أميركية.
وفي نهاية يونيو (حزيران)، بدأت القوات الروسية في الدخول إلى مناطق توجد بها قوات التحالف، وذلك في إطار حملة متعمدة لـ«طردها» من المنطقة. وقال مستشار الأمن القومي الأميركي، روبرت أوبراين، أول من أمس، إن الولايات المتحدة عبرت عن قلقها لروسيا بشأن حادث في سوريا أصيب فيه عدد من الجنود الأميركيين عندما اصطدمت مركبة عسكرية روسية بمركبتهم. وقال أوبراين، خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض: «تم إيصال الأمر إليهم (روسيا) بوضوح شديد... تم ذلك على المستوى المناسب». لكن لا تزال موسكو متمسكة بالاتفاق، وتطلب من دمشق التمسك به، فيما استمر الجيش الإسرائيلي بقصف مواقع إيرانية في ريف دير الزور.

هدنة هشة... صامدة
خلال السنتين الماضيتين، شنت قوات الحكومة، بدعم إيراني روسي، أكثر من هجوم على «مثلث الشمال» الذي يضم إدلب وأرياف حماة وحلب واللاذقية، وتقدمت في شمال حماة وغرب حلب، وفتحت طريق حلب – دمشق، وسيطرت على سراقب، وذلك رغم وجود اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا حول «خفض التصعيد» في هذه المناطق. لكنه بعد سيطرة قوات الحكومة السورية على معرة النعمان، جنوب إدلب، في نهاية يناير (كانون الثاني)، بدأ الجيش التركي، في فبراير (شباط)، بتعزيز قواته بشكل غير مسبوق في شمال غربي سوريا «حيث أرسل إلى داخل الأراضي السورية آلاف من القوات الخاصة التي تعد نخبة القوات المسلحة التركية، مدعومة بدبابات ومدرعات ووحدات مدفعية وصاروخية»، حسب المركز. وقالت مصادر عدة إن الجيش التركي نشر أكثر من 12 ألف جندي وآلاف العربات والمدرعات في إدلب وريفها لـ«ردع» قوات الحكومة من استمرار عملياتها في شمال غربي البلاد.
وفي بداية مارس (آذار)، توصل الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان إلى اتفاق في موسكو على ملحق لاتفاق خفض التصعيد في إدلب، نص على «وقف كل الأعمال القتالية على خط التماس القائم في منطقة إدلب، وإنشاء ممر آمن عرضه 6 كيلومترات شمالاً و6 كيلومترات جنوباً من طريق حلب - اللاذقية، ليتم تنسيق المعايير الدقيقة لعمل الممر الآمن عبر قنوات الاتصال بين وزارتي الدفاع الروسية والتركية، وبدء الدوريات الروسية التركية المشتركة على طريق حلب - اللاذقية من بلدة ترنبة غرب مدينة سراقب ووصولاً إلى بلدة عين الحور».
وتعرضت الدوريات المشتركة الروسية التركية على طريق حلب - اللاذقية لهجمات وتحديات كثيرة. كما تبادلت قوات الحكومة والفصائل القصف في جنوب إدلب، إضافة إلى حصول غارات بين فينة وأخرى، واستهداف لمتطرفين بطائرات «درون» في ريف إدلب. لكن الهدنة لا تزال صامدة، رغم الخروقات، واستطاع الطرفان تسيير أكثر من 25 دورية، أنجز بعضها العمل على طول الطريق. وكان لافتاً أن الجيشين نفذا تدريبات مشتركة، ما يمهد الطريق للعمل على «محاربة الإرهاب». وسياسياً، استمر العمل بين الطرفين ضمن صيغة آستانة لرعاية عمل اللجنة الدستورية في جنيف.

الجنرال «كورونا»
في مارس (آذار) الماضي، وصل وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى دمشق لتأكيد ضرورة الالتزام بالاتفاق الروسي - التركي حول إدلب، وضرورة تجنب معارك شاملة وسط انتشار «كورونا». وبعد بقاء الوباء تحت السيطرة في الأشهر الماضية، بدأ في أغسطس (آب) بتسجيل قفزات كبيرة في دمشق ومناطق سيطرة الحكومة، بما في ذلك بين عناصر الجيش والضباط. يضاف إلى ذلك، تعمق الأزمة الاقتصادية، وانخفاض سعر صرف الليرة السورية لأسباب كثيرة، بينها بدء واشنطن في منتصف يونيو (حزيران) بتطبيق «قانون قيصر»، وإصدار قوائم ضمت عشرات المسؤولين والشخصيات السورية. كما ضغطت واشنطن على دول عربية وأوروبية كي لا تطبع مع دمشق ولا تساهم في إعمار سوريا، بل إن «قانون قيصر» يتضمن بنوداً بفرض عقوبات على من يمول العمليات العسكرية أو الإعمار، سواء كان سورياً أو غير سوري. ويقول مسؤولون أميركيون إن الهدف هو «منع النظام من الفوز بالسلام في حال فاز بالحرب»، إضافة إلى «حرمانه من تمويل العمليات العسكرية، وتغيير خطوط التماس»، مع المطالبة بـ«وقف نار شامل» في جميع الأراضي السورية.
ويُعتقد إلى حد كبير أن مصير خطوط التماس في شمال غربي البلاد وشمالها الشرقي، وكيفية التعاطي مع العقوبات الغربية والأزمة الاقتصادية السورية، وسرعة عمل اللجنة الدستورية، وتنفيذ القرار (2254)، ستكون في صلب محادثات الوفد الروسي العسكري السياسي الاقتصادي الرفيع الذي سيحط في دمشق خلال ساعات، ويلتقي الرئيس بشار الأسد، وكبار مساعديه، في وقت برزت فيه تساؤلات عما إذا كانت هذه الخطوط بين مناطق النفوذ الثلاث دائمة أم مؤقتة.



بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)

بعد نحو 500 يوم أمضاها في الجبال والمرتفعات، عاد الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت قائد قوات حماية حضرموت، إلى عاصمة المحافظة، المكلا، إيذاناً (على حد تعبيره) ببدء مرحلة جديدة ترسم ملامح مستقبل مختلف للمحافظة الشرقية الأوسع في اليمن.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، من مقر إقامته بالمكلا المطلّة على بحر العرب، يؤكد بن حبريش أن «حضرموت تعيش اليوم حالة من الاستقرار والطمأنينة، يعزوها بعد توفيق الله إلى صمود أبنائها ومقاومتهم، وإلى الدعم والتدخُّل السعودي الذي جاء في الوقت المناسب».

ويرفض بن حبريش، المعروف في حضرموت بلقب «سلطان الجبل»، رَبْط ما شهدته المحافظة أخيراً بالقضية الجنوبية، معتبراً أن ما جرى «مشروع آخر» لا علاقة له بها، وأنه لم تكن هناك أي مبررات، بحسب وصفه، لدخول عشرين لواءً تابعاً للمجلس الانتقالي الجنوبي واحتلال حضرموت.

وبحسب بن حبريش، فإن الطموح في هذه المرحلة يتمثل في بناء دولة مؤسسات ينصهر الجميع تحت مظلتها، مع احتفاظ حضرموت بخصوصيتها، معلناً التزامه بدمج قوات حماية حضرموت، ضمن مؤسسات الدولة «العادلة».

كما يلفت إلى أن الإرهاب «مصطنع»، ولا حاضنة له في حضرموت، متهماً دولاً خارجية وأطرافاً محلية بتوظيفه لخدمة مصالحها، ومؤكداً في الوقت نفسه الاستعداد للدفاع عن حضرموت ضد الإرهاب بكل أشكاله.

تسليم المعسكرات

وقدّم الشيخ عمرو بن حبريش روايته لما جرى في عملية تسليم المعسكرات التي قادتها قوات درع الوطن، معتبراً أن ما تحقق من «انتصارات» جاء بتوفيق من الله أولاً، ثم بفضل مقاومة أبناء حضرموت على أرضهم، والدعم السعودي والموقف الذي وصفه بـ«الصادق والحاسم» من قيادة المملكة في التوقيت المناسب.

ويقول بن حبريش الذي يشغل أيضاً رئيس حلف حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع، إن هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا «الارتباط الحقيقي» بين المجتمع المحلي في حضرموت والمملكة العربية السعودية، مضيفاً أن هذا التلاقي هو ما أفضى إلى ما تعيشه المكلا اليوم من استقرار وأمن، بعد «زوبعات» يرى أنها لم تكن ضرورية منذ البداية.

ويضيف: «لم نكن راضين عن وصول قوات، وما ترتب على ذلك من صراع داخلي واقتتال، لكن بعض الأطراف شعرت بالقوة والنشوة، ولم تترك مجالاً للتفاهم».

ويذهب بن حبريش إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي «دخل بقواته، واحتل المحافظة بشكل كامل»، مؤكداً أن حضرموت «وطن وأرض لأبنائها»، وأن معالجة الأخطاء (إن وُجدت) كان يجب أن تتم بأيدي أبنائها، لا عبر فرض الأمر الواقع بالقوة. ويقول: «كنا مجبرين على المقاومة، تمَّت ملاحقة الناس في بيوتهم وفي الشعاب والقرى، ودُخلت المنازل من دون مبرر. كان تصرفاً خاطئاً ولا داعي له».

محافظ حضرموت سالم الخنبشي خلال استقباله الشيخ عمرو بن حبريش فور وصوله إلى مدينة المكلا (السلطة المحلية)

ما حصل لا يمثل الجنوب

ويحرص الوكيل الأول لمحافظة حضرموت على التمييز بين ما جرى والقضية الجنوبية عموماً، مشدداً على أن هذه التصرفات «لا تُحسب على الجنوبيين كافة». ويضيف: «الجنوبيون إخوتنا، بيننا وبينهم مواقف مشتركة واحترام متبادل. الجميع مظلوم. حضرموت مظلومة والجنوب مظلوم واليمن كله مظلوم، لكن القضايا لا تُحل بإلغاء الآخر أو الاعتداء عليه، بل بالحوار».

قنوات مفتوحة مع السعودية

وفي محور الدعم السعودي، يؤكد بن حبريش أن حضرموت تعيش اليوم حالة من الاستقرار، بفضل الله، ثم بتدخل قيادة المملكة العربية السعودية، ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، ورئيس اللجنة الخاصة، وقيادة القوات المشتركة.

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال استقباله للشيخ عمرو بن حبريش في وقت سابق (متداول)

وعن التنسيق مع المملكة، يقول إن التواصل يتم «على أعلى المستويات»، عبر قيادة المحافظة والسلطة المحلية، مع وجود قنوات مفتوحة مع التحالف «من دون أي حواجز». ويضيف: «وجدناهم إخوة صادقين، نواياهم طيبة، ونكنّ لهم تقديراً عالياً، ولا نستطيع مجازاتهم».

كما ثمّن مواقف مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، متسائلاً عن الجدوى الحقيقية لبعض الأطراف من إشعال الصراع. ويرى أن ما جرى «لا يخدم قضية داخلية ولا قضية جنوبية»، بل يتجاوزها إلى «أهداف أكبر غير معلنة»، وهو ما يفسر (برأيه) رفض المجتمع الحضرمي لهذه التحركات.

مرحلة جديدة

ويؤكد بن حبريش أن حضرموت تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، مستندة إلى طبيعة مجتمعها المعروف بالسلم والحكمة والثقافة، ويقول: «نحن أقوياء، لكننا نميل إلى التواضع والسلم. حضرموت أمام عهد جديد».

مشروع أبو علي الحضرمي

وفيما يتعلق بما عُرف بـ«حملة أبو علي الحضرمي»، يبدي بن حبريش استغرابه من بروز شخصيات «بين ليلة وضحاها»، من دون صفة رسمية، تتحدث عن التنمية والاستقرار وتقود قوات غير نظامية.

ويقول إن الدولة لها مؤسسات وأدوار محددة، «وكل يتحدث في اختصاصه»، مشدداً على أن هذه التحركات تعكس مشروعاً آخر «أكبر من الظاهر»، ولا تصبّ في مصلحة الجنوبيين ولا في مشروع الجنوب، متسائلاً: «هل من مصلحة الجنوب أن تُغزى حضرموت بعشرين لواء؟».

انتهاكات الهضبة

ويستعيد بن حبريش ما يصفه بـ«الانتهاكات» التي وقعت في الهضبة، متحدثاً عن حصار غيل بن يمين، ودخول المنازل، وإطلاق النار داخل البيوت، ونهب الممتلكات، وقطع الطرق، ومنع المواد الغذائية عن المدنيين.

دولة المؤسسات

وفي رؤيته للمرحلة المقبلة، يشدد على ضرورة قيام «دولة مؤسسات» في حضرموت، رافضاً منطق تعدُّد القوى العسكرية خارج إطار الدولة. ويقول إن وزارتي الدفاع والداخلية يجب أن تضما أبناء المحافظة، مع ترسيخ العدالة والقانون والتنمية، محذراً من أن إعادة إنتاج مراكز قوة خارج الدولة ستعيد البلاد إلى مربع الصراع.

ويؤكد بن حبريش استعداد قوات حماية حضرموت للاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، موضحاً أن هذه القوات تأسست لمواجهة «غزو سابق». أما اليوم، فالمهمة هي «مهمة دولة»، لكنه يشدد على أن الدولة يجب أن تكون محايدة، لا يهيمن عليها حزب أو مكوّن بعينه.

عناصر من قوات حماية حضرموت التي يقودها الشيخ عمرو بن حبريش (الشرق الأوسط)

الحكم الذاتي

وعن الحوار الجنوبي المرتقب، يصف دعوة المملكة له بأنها «ممتازة» ولا يمكن رفضها، مؤكداً الاستعداد للمشاركة، لكن على أساس أن قضية حضرموت «مستقلة»، مثلها مثل القضية الجنوبية.

ويشير بن حبريش إلى أن مطالب حضرموت بالحكم الذاتي تستند إلى قراءة تاريخية، حيث ضمَّت في مراحل سابقة «قسراً ومن دون استفتاء». ويقول إن الحكم الذاتي هو الحد الأدنى لتمكين حضرموت من بناء نفسها وتوفير الخدمات لمواطنيها، داعياً أبناء حضرموت إلى توحيد الصف، والتنازل لبعضهم بعضاً، وتقديم مصلحة حضرموت على أي اعتبارات فئوية. ويقول: «نتسامح ونفتح صفحة جديدة. لسنا في موقع انتقام. الأهم أن تبقى حضرموت في موقع القرار، لأن من دونها لا تنمية ولا تطوير».

مواجهة الإرهاب

وشدد الشيخ عمرو بن حبريش على أن حضرموت «بيد أبنائها»، وتعيش اليوم حالة من الأمن والاستقرار ضمن محيطها العربي والإسلامي، نافياً وجود أي حاضنة حقيقية للإرهاب في المحافظة.

ويقول: «إذا كان هناك إرهاب؛ فهو إرهاب مصطنع، ولا وجود له اجتماعياً في حضرموت على الإطلاق».

أكد بن حبريش أن حضرموت أمام عهد جديد ولن تسمح للإرهاب بالعودة (الشرق الأوسط)

ويستعيد بن حبريش محطات سابقة ليؤكد هذا الموقف، مشيراً إلى أن المعسكرات سُلّمت في مراحل سابقة من دون قتال، وأن المجتمع الحضرمي بطبيعته يرفض التطرف والعنف، لكنه يحذر في المقابل من توظيف ملف الإرهاب سياسياً، معتبراً أن بعض الأحزاب، عندما لا تكون في موقع السلطة، «تفرّط في كل شيء»، وتفتح الأبواب أمام الفوضى، أو تستدعي الإرهاب ومخاطر أخرى لتبرير مشاريعها.

ويرى بن حبريش أن الإرهاب يُستخدم أحياناً أداة من قبل قوى خارجية وأطراف محلية يمنية، بشكل مباشر أو غير مباشر؛ إما لفرض واقع سياسي معين أو لخلق ذريعة للهيمنة. ويقول: «إما أن يحكموا، أو يتركوا البلاد للفوضى والإرهاب».

ويؤكد في هذا السياق أن أبناء حضرموت، مجتمعاً وسلطة محلية، وبالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، «لن يسمحوا بعودة الإرهاب أو اقترابه من المحافظة»، مضيفاً: «نحن مستعدون للدفاع عن بلادنا، أياً كان شكل التهديد أو لونه، ما دام أهل حضرموت متماسكين، ومعهم المملكة، فلن يجد الإرهاب موطئ قدم هنا».

حكاية سلطان الجبل

وحين سألنا الشيخ عمرو عن لقب «سلطان الجبل» الذي يُلازمه في حضرموت، ابتسم، وقال: «الآن سلطان الجبل والسهل»، في إشارة إلى اتساع رمزية اللقب.

وأوضح أن هذه التسمية ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى جذور تاريخية قديمة، حين أطلقها البريطانيون على جده، علي بن حبريش الأول، الذي كان يقود مقاومة محلية، ويسعى لأن يكون لحضرموت موقعها ومكانتها الخاصة في ذلك الوقت.


جهود سعودية مكثفة لتطبيع الأوضاع وتوحيد القوات في جنوب اليمن

اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
TT

جهود سعودية مكثفة لتطبيع الأوضاع وتوحيد القوات في جنوب اليمن

اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)

كثّفت السعودية، عبر تحالف دعم الشرعية في اليمن، تحركاتها العسكرية والأمنية والسياسية في عدد من المحافظات الجنوبية اليمنية، في إطار جهود تهدف إلى تطبيع الأوضاع، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتنظيم عمل التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية داعمة للتهدئة وفتح مسارات حوار حول القضايا الوطنية.

وفي هذا السياق عقد لقاء عسكري تشاوري في ديوان وزارة الدفاع اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن، برئاسة نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد البصر سالم، لمناقشة تنفيذ قرارات وتوجيهات القيادة السياسية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بشأن وضع وعمل التشكيلات العسكرية.

وضم اللقاء - وفق الإعلام الرسمي - ممثلين عن هيئات العمليات المشتركة، والتشكيلات العسكرية، ومسؤولي وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة، حيث جرى استعراض الإجراءات المتعلقة بتنظيم وتوحيد عمل القوات ضمن جيش وطني نظامي موحد، يعمل تحت قيادة واحدة وغرفة عمليات مشتركة، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

اجتماع للقادة العسكريين اليمنيين في مقر وزارة الدفاع في عدن (سبأ)

وأكد اللواء البصر أن القيادة السياسية والعسكرية تولي هذا الملف اهتماماً بالغاً، بعدّه خطوة محورية في مسار بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، مشدداً على ضرورة الالتزام بالعمل المؤسسي والانضباط العسكري، والعمل تحت مظلة وزارة الدفاع وقيادة هيئة الأركان العامة.

كما شدد على أهمية التنسيق الكامل مع الوفد العسكري للقوات المشتركة لدعم الشرعية، برئاسة اللواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد القوات المشتركة، بما يضمن تنفيذ التوجيهات الصادرة، وتحقيق الأهداف الأمنية.

من جانبه، أكد اللواء فلاح الشهراني أهمية خروج جميع القوات والمظاهر المسلحة من مدينة عدن، والحفاظ على الطابع المدني للعاصمة المؤقتة، مشدداً على ضرورة إبقاء مطار عدن منشأة مدنية تخدم المواطنين.

وفد سعودي عسكري في عدن لتطبيع الأوضاع الأمنية وتوحيد القوات (إكس)

وقال الشهراني، في تصريح خلال لقائه قيادات التشكيلات العسكرية في عدن، بما في ذلك التشكيلات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، إن وجود وفد التحالف في عدن يحمل رسالة طمأنة للمواطنين والسلطات المحلية، ويعكس التزام السعودية بدعم الأمن والاستقرار بوصفهما شرطاً أساسياً للانتقال إلى مرحلة جديدة من التنمية والاستجابة لاحتياجات المواطنين.

شبوة والمهرة وسقطرى

في شبوة، ناقش محافظ المحافظة عوض محمد ابن الوزير، مع لجنة عسكرية من قيادة تحالف دعم الشرعية برئاسة العميد الركن عبد الإله العتيبي، أوجه التنسيق المشترك لتعزيز جهود الأمن والاستقرار في المحافظة. بحسب الإعلام الرسمي اليمني.

وخلال اللقاء، الذي حضره الأمين العام للمجلس المحلي عبد ربه هشله، وقادة المحاور والألوية والوحدات الأمنية والعسكرية، ثمّن المحافظ اهتمام قيادة القوات المشتركة بمحافظة شبوة، ودعمها المتواصل لجهود تثبيت الأمن وترسيخ الاستقرار، مؤكداً أهمية تعزيز العمل المؤسسي وتكامل الأدوار بين السلطة المحلية ووزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة.

من جهته، أوضح العميد الركن عبد الإله العتيبي أن مهمة اللجنة العسكرية تتمثل في مساعدة قيادة المحافظة على إعادة ترتيب وتنظيم أوضاع مختلف الوحدات العسكرية والأمنية، وفقاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي وقيادة تحالف دعم الشرعية، بما يمكنها من مواصلة دورها في حماية أمن واستقرار شبوة وصيانة سلمها الاجتماعي.

وفي محافظة المهرة، تفقد قائد قوات درع الوطن العميد عبد الله الجدحي، الأوضاع الأمنية في مديرية شحن والمنفذ الحدودي مع سلطنة عمان، واطلع على مستوى الجاهزية والانضباط والتنسيق بين الوحدات الأمنية والجهات المختصة.

وأكد الجدحي أهمية منفذ شحن لكونه أحد المنافذ الحيوية والاستراتيجية، مجدداً التأكيد على جاهزية قوات درع الوطن لتأمين المنفذ، وضمان انسيابية الحركة وتسهيل إجراءات العبور للمواطنين والمسافرين.

سعي رسمي في سقطرى لتطبيع الأوضاع بالتعاون مع قوة الواجب السعودية (سبأ)

وفي محافظة سقطرى، عُقد لقاء موسع برئاسة المحافظ رأفت الثقلي، ضم قيادات السلطة المحلية ومشايخ المراكز السكانية، وناقش الأوضاع العامة وسبل تعزيز الأمن والاستقرار في المحافظة. طبقاً لما أفادت به المصادر الرسمية.

وأكد المحافظ أهمية توحيد الصف وتعزيز الوعي المجتمعي، مرحباً بقوات «درع الوطن» بوصفها قوة وطنية تعمل بإشراف مجلس القيادة الرئاسي وقيادة التحالف العربي بقيادة السعودية.

وأقر اللقاء - بحسب الإعلام الرسمي - تشكيل لجنة خاصة من مشايخ المحافظة للتواصل المستمر مع قيادة السلطة المحلية وقائد قوات الواجب (808)، بهدف تنسيق الجهود ومعالجة أي إشكالات بصورة عاجلة.

حراك سياسي ودبلوماسي

على مستوى التحركات السياسية والدبلوماسية تواصلت لقاءات أعضاء مجلس القيادة الرئاسي مع شركاء اليمن، وفي هذا السياق التقى عضو المجلس عبد الرحمن المحرمي، السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرمي أشاد بالموقف الفرنسي الداعم لجهود الإصلاحات الاقتصادية والتنموية في اليمن، مؤكداً أهمية تعزيز الشراكة مع المجتمع الدولي في حماية الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية من التهديدات التي تشكلها الجماعات المسلحة.

كما ثمّن المحرمي الدور الذي تضطلع به السعودية في قيادة جهود خفض التصعيد واحتواء التطورات الأخيرة، وحرصها على تثبيت دعائم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.

وأكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التوصل إلى حل عادل ومنصف للقضية الجنوبية، من خلال حوار جامع، يمثل ركيزة أساسية لدعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي، مشدداً على أهمية تعزيز الشراكة مع المانحين الدوليين لدعم برامج الإعمار وتحسين الخدمات.

طارق صالح عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً مع سفير الاتحاد الأوروبي (سبأ)

من جهته، استقبل عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، وأفاد الإعلام الرسمي بأن اللقاء ناقش آفاق الشراكة بين اليمن ودول الاتحاد الأوروبي، وجهود مجلس القيادة والحكومة لتثبيت الأمن في المحافظات المحررة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالإرهاب والقرصنة في البحر الأحمر.

وثمّن عضو مجلس القيادة - بحسب المصادر الرسمية - مواقف الاتحاد الأوروبي الداعمة لليمن ووحدة أراضيه، مشيداً بدوره في إسناد العمليات الإنسانية خلال السنوات الماضية. وأطلع السفير الأوروبي على التطورات الأخيرة في المحافظات المحررة، مؤكداً أن تحسّن الاستقرار يتطلب تعزيز حضور الدولة ورفع كفاءة الخدمات الأساسية. كما أشاد صالح بالدور الذي تضطلع به السعودية، خصوصاً رعايتها للحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب في الرياض.


بعد ترحيل اليهود والبهائيين… الحوثيون يقمعون معتنقي المسيحية

الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
TT

بعد ترحيل اليهود والبهائيين… الحوثيون يقمعون معتنقي المسيحية

الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)

بعد سنوات من استهداف الأقليات الدينية في اليمن، صعّدت جماعة الحوثيين من حملتها القمعية لتطول معتنقي المسيحية، في تطور وصفه حقوقيون بأنه «حلقة جديدة» على مسار من الاضطهاد الديني المنهجي.

ووفق مصادر محلية وبيانات حقوقية، فقد نفذت الجماعة خلال الأسابيع الماضية حملات اعتقال واسعة، شملت العشرات من اليمنيين المسيحيين في صنعاء ومحافظات أخرى، بالتوازي مع استمرار احتجاز أكثر من 100 ناشط ومدني في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء).

وأكد «المجلس الوطني للأقليات» في اليمن، وهو كيان حقوقي يضم ممثلين عن الطوائف اليهودية والبهائية والمسيحية والمهمشين، أن الاعتقالات الأخيرة تمثل تصعيداً خطيراً يستهدف حرية الدين والمعتقد، ويقوّض ما تبقى من القيم الإنسانية والقانونية في البلاد، محذراً بأن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى «الاضطهاد الديني المنظم».

وأوضح «المجلس»، في بيان وزعه على وسائل الإعلام، أن جماعة الحوثيين، وبعد «استئصال الوجود اليهودي في اليمن، وترحيل رموز الطائفة البهائية، خلال السنوات الماضية، وجّهت بوصلتها القمعية نحو أتباع الديانة المسيحية، في إطار سياسة منظمة تقوم على الإقصاء الديني واستهداف التنوع المذهبي والفكري».

الجماعة الحوثية استهدفت أتباع الديانات الأخرى بالاعتقال والترحيل (إعلام محلي)

وأشار البيان إلى أن الجماعة سبق أن اعتقلت 7 يمنيين مسيحيين، عادّاً ذلك مؤشراً واضحاً على «مسار ممنهج في الاضطهاد، وليس حوادث معزولة». وأضاف أن الاعتقالات التعسفية الأخيرة شملت «مواطنين لا ذنب لهم سوى انتمائهم الديني، في انتهاك صارخ لمبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي تكفل حرية الفكر والوجدان والمعتقد».

وشدد «المجلس» على أن اليمنيين من أتباع الديانة المسيحية يشكلون جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، ويتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها كسائر المواطنين، وأن استهدافهم بسبب معتقدهم يمثل اعتداءً مباشراً على مبدأ المواطنة المتساوية، وعلى وحدة المجتمع، ويغذي خطاب الكراهية والانقسام.

انتهاك فاضح

ووصف «المجلس الوطني للأقليات» هذه الممارسات بأنها «انتهاك جسيم لحرية الدين والمعتقد، وهي حق أصيل كفلته الشرائع السماوية قبل القوانين الوضعية»، مؤكداً أن «العلاقة بين الإنسان وربه تقوم على الاختيار والضمير الحر، لا على الإكراه والترهيب». وعدّ أن ما تقوم به جماعة الحوثيين يكشف عن زيف شعارات «التعايش» التي ترفعها، و«يفضح التناقض العميق بين خطابها الديني المعلن وسلوكها القائم على الإكراه والعقاب الجماعي على أساس المعتقد».

وأكد البيان أن هذه الممارسات تضع الجماعة في خانة «الجماعات المتطرفة الراديكالية» التي «تستخدم الدين أداة للهيمنة والسيطرة، وتحول الخلاف الديني إلى ذريعة للقمع والاعتقال، وهي أفعال ترقى إلى مستوى الاضطهاد الديني، وتشكل نوعاً من الإرهاب الفكري والعقائدي».

العشرات من عمال الإغاثة يواجهون أحكاماً بالإعدام في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وفي سياق متصل، حذر حقوقيون بأن تصاعد الانتهاكات لا يقتصر على الأقليات الدينية، بل يشمل أيضاً عمال الإغاثة والناشطين، حيث يواجه العشرات منهم أحكاماً بالإعدام أو محاكمات تفتقر إلى أدنى معايير العدالة في مناطق سيطرة الحوثيين؛ مما يعكس اتساع دائرة القمع وتوظيف القضاء لأغراض سياسية وآيديولوجية.

وطالب «المجلس الوطني للأقليات» في اليمن بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين المسيحيين، وكل معتقلي الرأي والمعتقد، محمّلاً جماعة الحوثيين المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن سلامة المعتقلين، وعن أي أضرار جسدية أو نفسية قد يتعرضون لها خلال الاحتجاز.

دعوة لمساءلة دولية

ودعا «المجلس» المعني بحقوق الأقليات، الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمقررين الخاصين المعنيين بحرية الدين والمعتقد، وكل المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة، إلى «اتخاذ موقف واضح وحازم، والضغط الجاد لوقف هذه الانتهاكات، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب».

وفي الوقت ذاته، حمّل «المجلس» الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً مسؤولية التحرك الجاد للدفاع عن حقوق جميع المواطنين دون تمييز، مطالباً بإدانة صريحة لهذه الانتهاكات، والعمل على إدخال تعديلات دستورية وقانونية تضمن حرية الدين والمعتقد وحرية الضمير، وتكفل حق كل إنسان في اختيار معتقده دون إكراه أو وصاية.

وشدد البيان على أن «حرية الدين والمعتقد ليست امتيازاً تمنحه سلطة سياسية أو دينية، بل حق إنساني أصيل»، وأن «أي سلام حقيقي أو دولة عادلة في اليمن لا يمكن أن تقوم دون ضمان هذا الحق، وتجريم كل أشكال الإكراه الديني، سواء مورست بالسلاح أو بالقانون أو بالضغط الاجتماعي»، محذراً بأن «استمرار الصمت الدولي سيشجع على مزيد من الانتهاكات ويعمّق مأساة اليمنيين».