«حدود» مناطق النفوذ الثلاث تتعمق في سوريا خلال 6 أشهر

بسبب التفاهمات الدولية ـ الإقليمية و«كورونا» والأزمة الاقتصادية في دمشق

قوات أميركية وروسية وسورية في ريف القامشلي شرق الفرات في فبراير الماضي(أ.ب)
قوات أميركية وروسية وسورية في ريف القامشلي شرق الفرات في فبراير الماضي(أ.ب)
TT

«حدود» مناطق النفوذ الثلاث تتعمق في سوريا خلال 6 أشهر

قوات أميركية وروسية وسورية في ريف القامشلي شرق الفرات في فبراير الماضي(أ.ب)
قوات أميركية وروسية وسورية في ريف القامشلي شرق الفرات في فبراير الماضي(أ.ب)

لأول مرة منذ 2012، لم يحصل أي تغير على خطوط التماس العسكرية في سوريا لمدة 6 أشهر متواصلة. وبعد 5 سنوات على التدخل العسكري الروسي المباشر في نهاية سبتمبر (أيلول) 2015، لا تزال سوريا التي تبلغ مساحتها 185 ألف كلم مربع، مقسمة إلى 3 مناطق نفوذ: الأولى تمتد على ثلثي أراضي البلاد، وتسيطر عليها قوات الحكومة، بدعم روسي إيراني؛ والثانية تشمل ربع مساحة البلاد في شمال شرقي البلاد، وتسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية، بدعم من التحالف الدولي، فيما تقع المنطقة الثالثة الواقعة في شمال البلاد وشمالها الغربي تحت نفوذ فصائل مقاتلة يدعمها الجيش التركي.

ذروة التقهقر... والسيطرة
شهدت خريطة السيطرة العسكرية تغيرات كبيرة خلال 9 سنوات. وحسب «مركز جسور للدراسات» السوري، فإنه بعد تحول الاحتجاجات السلمية في مارس (آذار) 2011 إلى «حراك مسلح، أصبح النظام يُسيطر بالكاد على ثلث هذه الأراضي في نهاية عام 2012، فيما كانت المعارضة المسلحة بكل تشكيلاتها تُسيطر على الثلثين الآخرين. وانخفضت سيطرة النظام بعد ذلك إلى نحو ربع الأراضي بين 2015 و2016».
وفي منتصف 2015، كانت ذروة سيطرة الفصائل وتقهقر قوات الحكومة. يقول «جسور»: «سيطرة المعارضة انخفضت بشكل كبير حتى قبل أن ترتفع نسبة سيطرة النظام، إذ شكل ظهور (داعش) فاعلاً ميدانياً في نهاية عام 2013 عاملاً أدى إلى تغيير قواعد اللعبة عسكرياً، إذ بدأ التنظيم يقضم بشكل سريع مناطق سيطرة المعارضة، وبدرجة أقل مناطق سيطرة النظام، حتى وصلت نسبة سيطرته في عام 2015 إلى أكثر من نصف الأرض السورية».
وبعد بدء التحالف الدولي، بقيادة أميركا، حربه ضد «داعش» في سبتمبر (أيلول) 2014، بدأت «وحدات حماية الشعب» الكردية بالاستحواذ التدريجي على بعض مناطق سيطرة التنظيم. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2015، تم الإعلان عن تأسيس «قوات سوريا الديمقراطية» التي أصبحت المظلة التي ستتولى قيادة المعركة ضد التنظيم، بدعم من التحالف الدولي. وتوسعت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» بشكل تدريجي، حتى وصلت إلى نحو 15 في المائة من الأرض السورية في عام 2016، ثم نحو 20 في المائة منتصف 2017، ثم في النصف الثاني من عام 2018 إلى نحو 27 في المائة، قبل أن تنخفض بشكل طفيف في خريف العام الماضي.
ولم تتمكن المعارضة منذ عام 2015 من السيطرة على أي أرض جديدة، ولا يشمل ذلك بطبيعة الحال الأراضي التي تمت السيطرة عليها بالتدخل التركي، والمعروفة بأسماء عملياتها العسكرية، وهي «درع الفرات» و«غصن الزيتون» و«نبع السلام» و«درع السلام»، التي قام بها الجيش التركي مع فصائل موالية في شمال سوريا وشمالها الغربي والشرقي.
وأعلن مسؤولون روس أكثر من مرة أنه قبل تدخل جيشهم، في سبتمبر (أيلول) من 2015، لم تكن حصة قوات الحكومة السورية أكثر من 10 في المائة من مساحة البلاد. وبعدها، بدأت قوات الحكومة، بدعم القوة الروسية، إحراز مزيد من التقدم التدريجي، إلى أن «وصلت سيطرة النظام إلى نحو الثلثين منذ عام 2018 حتى الآن».

معارك وتفاهمات
كانت العمليات العسكرية بين 2012 و2016 عاملاً أساسياً في تغيير خطوط التماس ومناطق السيطرة. وفي بداية 2017، بدأ مسار آستانة بين روسيا وإيران وتركيا «بعد خسارة المعارضة الاستراتيجية في مدينة حلب»، في ديسمبر (كانون الأول) 2016، حسب «جسور»، إذ ساهم المسار في «إعادة جدولة العمليات العسكرية، حيث أخذت طابعاً موسمياً يعكس فشل الأطراف في التوصل إلى تفاهم آني، أو رغبة أحد الأطراف في رفع مستوى الضغط التفاوضي قبيل انطلاق جولة جديدة من المسار».
وإلى جانب أساليب العمليات العسكرية و«الأرض المحروقة» و«البراميل»، تمكنت بعض الأطراف، خصوصاً قوات الحكومة، من توسيع سيطرتها بفعل أدوات أخرى، كان أهمها «الحصار»، خاصة في ريف دمشق ودمشق وحمص، التي أوصلت إلى «التسويات»، وهي اتفاقات توقعها الأطراف المحلية داخل المناطق المحاصرة، وأفضت في الغالب إلى خروج المقاتلين نحو الشمال، واستسلام المناطق لقوات الحكومة. وقال المركز: «ساهمت التفاهمات بين الفاعلين المحليين، بوساطات خارجية في بعض الأحيان، إلى توسيع خرائط السيطرة، فقد أدى اتفاق المدن الأربع، في أبريل (نيسان) 2017، برعاية روسية إقليمية، إلى تبادل غير مسبوق للسيطرة على المدن بين المعارضة والنظام، حيث خرجت قوات المعارضة من مدينتي الزبداني ومضايا في ريف دمشق، مقابل تفريغ كامل لبلدتي كفريا والفوعة في ريف إدلب».
وتسببت التفاهمات الدولية في تغيير خرائط السيطرة دون معارك بين الفاعلين المحليين، ومن أبرز هذه الحالات سيطرة قوات الحكومة، المدعومة روسياً، على محافظتي درعا والقنيطرة، بعد تفاهم أميركي - روسي في منتصف 2018. كما شمل ذلك السيطرة التركية على الشريط الحدودي ضمن عملية «نبع السلام» شرق الفرات، بتفاهم أميركي - تركي، إضافة إلى جيوب أخرى شمال البلاد، أو تثبيت الأمر الواقع في شمالها الغربي، بتفاهمات بين أنقرة وموسكو.

جمود ممدد
وأظهرت خريطة النفوذ العسكري لشهر أغسطس (آب) 2020 التي أعدها «جسور» ثبات نسب السيطرة بين أطراف النزاع منذ فبراير (شباط) الماضي. وحافظت فصائل المعارضة على نسبة سيطرتها البالغة 10.98 في المائة، ويشمل هذا قاعدة التنف الأميركية في زاوية الحدود العراقية - السورية - الأردنية. كما حافظت الحكومة على 63.38 في المائة من البلاد، وبقيت 25.64 في المائة من البلاد تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية». وقال المركز: «لم يعد لتنظيم داعش أي سيطرة عسكرية على الأرض السورية منذ فبراير 2019»، لكن لا تزال هناك خلايا للتنظيم في شرق الفرات، إضافة إلى وجود جيوب له في البادية السورية.
ويعود ثبات خطوط التماس لمدة 6 أشهر منذ بدء الصراع السوري إلى سلسلة عوامل خارجية وداخلية، تتعلق بالتفاهمات بين روسيا وأميركا وتركيا شمال شرقي سوريا، وبين أنقرة وموسكو في إدلب، وإلى وباء «كورونا» والأزمة الاقتصادية التي تعصف بدمشق لأسباب عدة، بينها فرض واشنطن عقوبات «قانون قيصر».

تفاهم صعب
في منتصف 2017، توصل الجيشان الأميركي والروسي إلى مذكرة تفاهم تتعلق بـ«منع الصدام» لتبادل المعلومات عن تحركات طائرات الجانبين، ورسم خط تماس نظري هو نهر الفرات، بحيث يكون طرفه الشرقي لأميركا وحلفائها، وطرفه الغربي لروسيا وحلفائها. وأبقت أميركا على قاعدة التنف ومنبج غربه، بينما حافظت الحكومة السورية على وجودها في «مربعين أمنيين» في القامشلي والحسكة شرق الفرات.
وبقيت الخطوط مستقرة نسبياً إلى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما سحب الرئيس دونالد ترمب قواته من مناطق قرب حدود تركيا، ما شجع الجيش التركي على التوغل عسكرياً مع فصائل موالية بين تل أبيض ورأس العين، ضمن عملية «نبع السلام». كما لجأت «قوات سوريا الديمقراطية» إلى دمشق، ووقعت مذكرة قضت بالتعاون مع الجيشين السوري والروسي لنشر نحو 10 آلاف عنصر في مناطق أخلَتْها أميركا، وتسيير دوريات روسية - تركية على الطريق الرئيسية بين حلب والقامشلي، تحت حماية مروحيات روسية، إضافة إلى نشر حرس الحدود السوري على حدود تركيا، عدا منطقة «نبع السلام».
وعاد ترمب ووافق على الإبقاء على 500 جندي شرق الفرات، ومائة جندي في التنف، فتحول شرق الفرات إلى مناطق نفوذ بين أطراف مختلفة، ما أدى إلى إرباك الصورة، الأمر الذي استدعى مفاوضات عسكرية روسية - أميركية للتأكد من عمل اتفاق «منع الصدام» بين الجيشين. وفي ديسمبر (كانون الأول)، تم تجديد الاتفاق.
وكان لافتاً أن الجيش الروسي استمر في تحديه واختباره براً، وأسس قواعد ونقاط تمركز، وسير دوريات في محافظتي الحسكة والرقة، وعلى الطريق إلى حدود العراق، بالتزامن مع تكثيف الجهود لتجنيد عناصر من السكان المحليين. وأعلن الجنرال كينيث مكنزي، في يونيو (حزيران)، أن قوات التحالف رصدت حشداً لمعدات عسكرية روسية في المنطقة، علماً بأن روسيا أقامت قاعدة في مطار القامشلي. وأشار الجانب الأميركي إلى أن وجود روسيا يعطيها فرصة لـ«تعطيلنا وزيادة صعوبة عملنا»، حسب ما جاء في وثيقة أميركية.
وفي نهاية يونيو (حزيران)، بدأت القوات الروسية في الدخول إلى مناطق توجد بها قوات التحالف، وذلك في إطار حملة متعمدة لـ«طردها» من المنطقة. وقال مستشار الأمن القومي الأميركي، روبرت أوبراين، أول من أمس، إن الولايات المتحدة عبرت عن قلقها لروسيا بشأن حادث في سوريا أصيب فيه عدد من الجنود الأميركيين عندما اصطدمت مركبة عسكرية روسية بمركبتهم. وقال أوبراين، خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض: «تم إيصال الأمر إليهم (روسيا) بوضوح شديد... تم ذلك على المستوى المناسب». لكن لا تزال موسكو متمسكة بالاتفاق، وتطلب من دمشق التمسك به، فيما استمر الجيش الإسرائيلي بقصف مواقع إيرانية في ريف دير الزور.

هدنة هشة... صامدة
خلال السنتين الماضيتين، شنت قوات الحكومة، بدعم إيراني روسي، أكثر من هجوم على «مثلث الشمال» الذي يضم إدلب وأرياف حماة وحلب واللاذقية، وتقدمت في شمال حماة وغرب حلب، وفتحت طريق حلب – دمشق، وسيطرت على سراقب، وذلك رغم وجود اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا حول «خفض التصعيد» في هذه المناطق. لكنه بعد سيطرة قوات الحكومة السورية على معرة النعمان، جنوب إدلب، في نهاية يناير (كانون الثاني)، بدأ الجيش التركي، في فبراير (شباط)، بتعزيز قواته بشكل غير مسبوق في شمال غربي سوريا «حيث أرسل إلى داخل الأراضي السورية آلاف من القوات الخاصة التي تعد نخبة القوات المسلحة التركية، مدعومة بدبابات ومدرعات ووحدات مدفعية وصاروخية»، حسب المركز. وقالت مصادر عدة إن الجيش التركي نشر أكثر من 12 ألف جندي وآلاف العربات والمدرعات في إدلب وريفها لـ«ردع» قوات الحكومة من استمرار عملياتها في شمال غربي البلاد.
وفي بداية مارس (آذار)، توصل الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان إلى اتفاق في موسكو على ملحق لاتفاق خفض التصعيد في إدلب، نص على «وقف كل الأعمال القتالية على خط التماس القائم في منطقة إدلب، وإنشاء ممر آمن عرضه 6 كيلومترات شمالاً و6 كيلومترات جنوباً من طريق حلب - اللاذقية، ليتم تنسيق المعايير الدقيقة لعمل الممر الآمن عبر قنوات الاتصال بين وزارتي الدفاع الروسية والتركية، وبدء الدوريات الروسية التركية المشتركة على طريق حلب - اللاذقية من بلدة ترنبة غرب مدينة سراقب ووصولاً إلى بلدة عين الحور».
وتعرضت الدوريات المشتركة الروسية التركية على طريق حلب - اللاذقية لهجمات وتحديات كثيرة. كما تبادلت قوات الحكومة والفصائل القصف في جنوب إدلب، إضافة إلى حصول غارات بين فينة وأخرى، واستهداف لمتطرفين بطائرات «درون» في ريف إدلب. لكن الهدنة لا تزال صامدة، رغم الخروقات، واستطاع الطرفان تسيير أكثر من 25 دورية، أنجز بعضها العمل على طول الطريق. وكان لافتاً أن الجيشين نفذا تدريبات مشتركة، ما يمهد الطريق للعمل على «محاربة الإرهاب». وسياسياً، استمر العمل بين الطرفين ضمن صيغة آستانة لرعاية عمل اللجنة الدستورية في جنيف.

الجنرال «كورونا»
في مارس (آذار) الماضي، وصل وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى دمشق لتأكيد ضرورة الالتزام بالاتفاق الروسي - التركي حول إدلب، وضرورة تجنب معارك شاملة وسط انتشار «كورونا». وبعد بقاء الوباء تحت السيطرة في الأشهر الماضية، بدأ في أغسطس (آب) بتسجيل قفزات كبيرة في دمشق ومناطق سيطرة الحكومة، بما في ذلك بين عناصر الجيش والضباط. يضاف إلى ذلك، تعمق الأزمة الاقتصادية، وانخفاض سعر صرف الليرة السورية لأسباب كثيرة، بينها بدء واشنطن في منتصف يونيو (حزيران) بتطبيق «قانون قيصر»، وإصدار قوائم ضمت عشرات المسؤولين والشخصيات السورية. كما ضغطت واشنطن على دول عربية وأوروبية كي لا تطبع مع دمشق ولا تساهم في إعمار سوريا، بل إن «قانون قيصر» يتضمن بنوداً بفرض عقوبات على من يمول العمليات العسكرية أو الإعمار، سواء كان سورياً أو غير سوري. ويقول مسؤولون أميركيون إن الهدف هو «منع النظام من الفوز بالسلام في حال فاز بالحرب»، إضافة إلى «حرمانه من تمويل العمليات العسكرية، وتغيير خطوط التماس»، مع المطالبة بـ«وقف نار شامل» في جميع الأراضي السورية.
ويُعتقد إلى حد كبير أن مصير خطوط التماس في شمال غربي البلاد وشمالها الشرقي، وكيفية التعاطي مع العقوبات الغربية والأزمة الاقتصادية السورية، وسرعة عمل اللجنة الدستورية، وتنفيذ القرار (2254)، ستكون في صلب محادثات الوفد الروسي العسكري السياسي الاقتصادي الرفيع الذي سيحط في دمشق خلال ساعات، ويلتقي الرئيس بشار الأسد، وكبار مساعديه، في وقت برزت فيه تساؤلات عما إذا كانت هذه الخطوط بين مناطق النفوذ الثلاث دائمة أم مؤقتة.



الحوثيون يسعون لترميم واجهتهم المتآكلة بحكومة جديدة

تحميل القائم بأعمال رئاسة حكومة الحوثيين مسؤولية الإخفاقات (إعلام محلي)
تحميل القائم بأعمال رئاسة حكومة الحوثيين مسؤولية الإخفاقات (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يسعون لترميم واجهتهم المتآكلة بحكومة جديدة

تحميل القائم بأعمال رئاسة حكومة الحوثيين مسؤولية الإخفاقات (إعلام محلي)
تحميل القائم بأعمال رئاسة حكومة الحوثيين مسؤولية الإخفاقات (إعلام محلي)

في وقت تتسع فيه الأزمة الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية شمال اليمن، وتزداد التحذيرات من تفاقم أوضاع الجوع والفقر، كشفت مصادر سياسية يمنية عن ترتيبات يقودها زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، لتشكيل حكومة انقلابية جديدة؛ في خطوة لإعادة ترميم واجهة الجماعة السياسية والتنفيذية وامتصاص حالة الاحتقان الشعبي المتصاعدة.

وتأتي هذه التحركات بعد نحو عام من مقتل رئيس الحكومة الانقلابية غير المعترف بها، أحمد الرهوي، وعدد من الوزراء في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً بصنعاء، في وقت تواجه فيه الجماعة ضغوطاً متصاعدة نتيجة التدهور الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية واتساع رقعة الفقر والبطالة.

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن النقاشات داخل أروقة الجماعة تتركز حالياً على اختيار رئيس جديد للحكومة وإعادة تشكيل عدد من الوزارات، وسط مساعٍ لتقديم التغيير بوصفه استجابة للمطالب الشعبية المتصاعدة، في ظل توقعات بأن الخطوة لن تتجاوز حدود إعادة تدوير الوجوه السياسية دون إحداث تغيير فعلي في طريقة إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

ووفق المصادر، يأتي الحديث عن التغيير الحكومي في ظل تصاعد حالة السخط بين السكان بسبب التدهور المستمر للأوضاع المعيشية، وفشل السلطات الحوثية في معالجة المشكلات الاقتصادية التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة.

قمع الحوثيين المنظمات الدولية عطل برامج المساعدات الإنسانية (إعلام محلي)

وأسهمت إجراءات الجماعة ضد المنظمات الدولية والأممية في تعقيد الوضع الإنساني، بعد إغلاق عدد من المكاتب واعتقال عشرات الموظفين المحليين والدوليين العاملين في المجال الإغاثي؛ الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على برامج المساعدات الإنسانية التي يعتمد عليها ملايين اليمنيين.

وتؤكد المصادر أن توقف أو تقليص المساعدات الغذائية في كثير من المناطق أدى إلى زيادة معاناة الأسر الفقيرة، خصوصاً في الأرياف ومخيمات النزوح، حيث باتت أعداد متنامية من العائلات تواجه صعوبات في تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء.

وفي موازاة ذلك، تستمر مطالب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين بصرف رواتبهم المتوقفة منذ سنوات، في إحدى أعلى القضايا حساسية وتأثيراً على حياة السكان، وسط اتهامات للجماعة بتوجيه الإيرادات العامة نحو الإنفاق العسكري والتعبئة والتجنيد بدلاً من الوفاء بالالتزامات المالية تجاه الموظفين.

مسؤولية الإخفاق

أفادت المصادر بأن عبد الملك الحوثي حمّل القائم بأعمال رئيس الحكومة غير المعترف بها، محمد مفتاح، مسؤولية جانب من الإخفاقات الاقتصادية والإدارية التي شهدتها مناطق سيطرة الجماعة خلال الفترة الماضية.

ووصفت المصادر مفتاح بأنه شخصية دعوية وآيديولوجية أكثر منه مسؤولاً يمتلك الخبرة اللازمة لإدارة ملفات اقتصادية معقدة؛ الأمر الذي جعله هدفاً للانتقادات داخل بعض دوائر الجماعة نفسها.

وأضافت أن مكتب زعيم الجماعة يدرس أسماء متعددة لخلافته، مع منح أولوية لشخصيات تنحدر من المحافظات الجنوبية، في محاولة لإظهار قدر من التوازن الجغرافي والتمثيل السياسي داخل مؤسسات السلطة التي تديرها الجماعة.

غير أن المصادر شددت على أن هذه المناصب تظل محدودة التأثير، وأن شاغليها لا يمتلكون القدرة الفعلية على اتخاذ القرارات الكبرى المتعلقة بالسياسة أو الاقتصاد أو الأمن.

مصور يمني في صنعاء يوثق آثار ضربة إسرائيلية لمحطة وقود (إ.ب.أ)

وعلى الرغم من الحديث عن حكومة حوثية جديدة، فإن المصادر تؤكد أن موازين القوة داخل الجماعة لم تتغير خلال السنوات الماضية، وأن النفوذ الحقيقي ما زال متركزاً في دائرة ضيقة تدير الملفات السياسية والمالية والعسكرية.

وتشير المصادر إلى أن أحمد حامد، المعروف باسم «أبو محفوظ»، لا يزال اللاعب الأكبر تأثيراً في إدارة مؤسسات الجماعة، من خلال إشرافه المباشر على مكتب ما يسمى «المجلس السياسي الأعلى»، وهو الموقع الذي منحه صلاحيات واسعة تتجاوز صلاحيات الوزراء والمحافظين.

ووفقاً للمصادر، فإن كثيراً من المسؤولين لا يستطيعون التصرف في الموازنات المالية أو اتخاذ قرارات إدارية مهمة دون موافقة مسبقة منه؛ مما يجعل أي حكومة جديدة خاضعة عملياً للمنظومة ذاتها التي تدير السلطة منذ سنوات.

صراع الأجنحة والحصص

تكشف المصادر عن استمرار الخلافات بين مراكز القوى داخل الجماعة بشأن توزيع الحقائب الوزارية واختيار الشخصيات التي ستتولى المناصب القيادية في الحكومة الجديدة.

ووفق هذه المصادر، فإن التنافس لا يدور بشأن برامج إصلاح أو رؤى اقتصادية، بقدر ما يرتبط بحسابات النفوذ وتقاسم المواقع بين الأجنحة المختلفة والقوى المتحالفة مع الجماعة.

وتضيف المصادر أن التوجه الغالب يميل إلى اختيار شخصية محسوبة على جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الموالي للحوثيين لرئاسة الحكومة الجديدة، استمراراً للنهج الذي اتبعته الجماعة في تشكيل الحكومات السابقة.

كما تشير المعلومات إلى أن الشخصية المطروحة للمنصب كانت من بين القيادات التي وقفت إلى جانب الحوثيين خلال المواجهة مع الرئيس الراحل علي عبد الله صالح أواخر عام 2017، قبل مقتله على أيدي الجماعة في صنعاء.

اتهامات للحوثيين بتوجيه الإيرادات نحو أنشطة التعبئة والتجنيد (إعلام محلي)

وفي مؤشر على اقتراب التغيير، شنت وسائل إعلام محسوبة على الجماعة خلال الأيام الأخيرة حملة انتقادات للحكومة الحالية، ركزت على ضعف الأداء الإداري والخدمي واستمرار مظاهر الفساد والقصور في المؤسسات العامة.

وخصصت قناة «الساحات» التابعة للجماعة ويشرف عليها كوادر من «حزب الله» اللبناني، حلقات وبرامج لمناقشة أداء الحكومة الانقلابية بعد مرور عامين على تشكيلها، وطرحت أسئلة مباشرة بشأن أسباب استمرار الإخفاقات وعجز المؤسسات الرسمية عن معالجة المشكلات المتراكمة.

وامتدت الانتقادات أيضاً إلى قطاعات خدمية عدة، من بينها التربية، حيث اشتكى ناشطون موالون للجماعة من عدم التزام المدارس الأهلية التسعيرات الرسمية للكتب المدرسية، ومن عجز كثير من المدارس الحكومية عن توفير الكتب للطلاب.

وأشار المنتقدون إلى اضطرار كثير من الأسر إلى شراء الكتب من الأسواق والباعة المنتشرين في الشوارع بأسعار مرتفعة؛ مما يضيف أعباء مالية جديدة على المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

كما طالت الانتقادات قطاع السياحة، حيث تحدث ناشطون عن استمرار الفوضى في أسعار الفنادق والمنشآت السياحية، وعدم التزامها التسعيرات الرسمية، مؤكدين أن أسعار بعض الخدمات أصبحت أعلى من مثيلاتها في عدد من العواصم العربية رغم تواضع مستوى الخدمات المقدمة.


مصادر يمنية: النائب العام يحجز أموال «الانتقالي» المنحلّ

عيدروس الزبيدي تمرَّد على الإجماع الرئاسي اليمني وقام بالتصعيد العسكري (رويترز)
عيدروس الزبيدي تمرَّد على الإجماع الرئاسي اليمني وقام بالتصعيد العسكري (رويترز)
TT

مصادر يمنية: النائب العام يحجز أموال «الانتقالي» المنحلّ

عيدروس الزبيدي تمرَّد على الإجماع الرئاسي اليمني وقام بالتصعيد العسكري (رويترز)
عيدروس الزبيدي تمرَّد على الإجماع الرئاسي اليمني وقام بالتصعيد العسكري (رويترز)

كانت تدابير الحكومة اليمنية ضد المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل أكثر حزماً، عقب صدور قرار من النائب العام بالحجز التحفظي على أموال المجلس وحساباته المصرفية، بالتزامن مع تحرك حكومي أمام مجلس الأمن الدولي للمطالبة بإدراج رئيسه عيدروس الزبيدي على قائمة العقوبات الدولية.

ونقلت صحيفة «عدن الغد» عن مصادر مطلعة قولها إن النائب العام القاضي قاهر مصطفى أصدر قراراً يقضي بالحجز التحفظي على جميع الأموال والحسابات المصرفية العائدة للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل لدى البنوك والمؤسسات المالية وشركات ومحال الصرافة، في إطار إجراءات تستهدف حماية المال العام ومكافحة الفساد وغسل الأموال، وتمكين الدولة من استعادة السيطرة على مواردها المالية والسيادية.

وبحسب المصادر التي نقلت عنها الصحيفة، تضمن القرار منع أي تصرف بالأموال المشمولة بالحجز، سواء عبر السحب أو التحويل أو التنازل أو أي إجراءات قانونية أو مالية أخرى، إلى حين استكمال التحقيقات وصدور توجيهات جديدة من النيابة العامة أو الجهات القضائية المختصة.

كما ألزم القرار البنك المركزي والبنوك التجارية والإسلامية والمؤسسات المالية وشركات الصرافة بسرعة تنفيذ الإجراءات وإبلاغ النيابة العامة بما لديها من حسابات أو أرصدة أو أموال تخص الجهة المشمولة بالحجز.

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ خلال مظاهرة سابقة في عدن (أ.ب)

وأوضحت النيابة العامة أن الإجراء يأتي استناداً إلى ما وصفته بمؤشرات ودلائل أولية كافية على احتمال ارتباط تلك الأموال بوقائع تخضع حالياً للتحقيق، مؤكدة أن الحجز التحفظي يعد إجراءً قانونياً مؤقتاً يهدف إلى حماية الأموال محل النزاع وضمان عدم التصرف بها إلى حين استكمال المسار القضائي والفصل في القضية.

وكان مجلس القيادة الرئاسي اليمني قرر مطلع العام إطاحة عيدروس الزبيدي من عضوية المجلس وأحاله للنائب العام لارتكابه جرائم «الخيانة العظمى بقصد المساس باستقلال الجمهورية وفق المادة (125) من قانون الجرائم والعقوبات. والإضرار بمركز الجمهورية الحربي والسياسي والاقتصادي وفقاً للمادة (128/1) من قانون الجرائم والعقوبات».

إضافة إلى ارتكابه «تشكيل عصابة مسلحة وارتكاب جرائم قتل ضباط وجنود القوات المسلحة، واستغلال القضية الجنوبية العادلة والإضرار بها من خلال انتهاكات جسيمة ضد المدنيين وتخريب المنشآت والمواقع العسكرية وفق المادة (126) من قانون الجرائم والعقوبات، وانتهاج العصابة المسلحة ومواجهات دائمة ضد قواتنا المسلحة دون أي اعتبار للأرواح».

وحسب القرار، ضمت الجرائم التي ارتكبها الزبيدي «الاعتداء على الدستور والسلطات الدستورية وفقاً للمادتين (131، 132) من قانون الجرائم والعقوبات وخرق الدستور ومخالفة القوانين والمساس بسيادة واستقلال البلاد وفقاً للمادة (4) من قانون محاكمة شاغلي الوظائف العليا».

تحرك دولي

وتزامن القرار القضائي مع تصعيد سياسي على المستوى الدولي، إذ طالبت الحكومة اليمنية مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات على رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي وإدراجه ضمن قائمة الجزاءات التابعة للأمم المتحدة.

ودعت الحكومة المجلس إلى تحديث قوائم العقوبات بصورة مستمرة لتشمل جميع الأفراد والكيانات المتهمة بتقويض مؤسسات الدولة أو السعي إلى فرض وقائع سياسية أو عسكرية بالقوة خارج الأطر الدستورية والقانونية، بما يهدد العملية السياسية والمرحلة الانتقالية في البلاد.

وجاء الطلب الحكومي خلال جلسة لمجلس الأمن خصصت لمناقشة تطورات الأوضاع في اليمن، حيث أكد المندوب الدائم لليمن أن الحكومة مستعدة للتعاون الكامل مع الأمم المتحدة ولجنة العقوبات، وتقديم أي معلومات أو وثائق إضافية من شأنها دعم جهود المساءلة الدولية بحق الأشخاص أو الجهات التي تعرقل تنفيذ المرجعيات الوطنية والدولية.

وتتهم الحكومة اليمنية الزبيدي بالوقوف وراء تحركات سياسية وعسكرية أحادية خلال الفترة الماضية، وتقول إن تلك التحركات أسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وعرقلة جهود توحيد القرارين الأمني والعسكري، فضلاً عن تهديد الاستقرار الداخلي وإعاقة مسار التسوية السياسية.

جندي في مدينة عدن يقف حارساً خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل (أرشيفية - رويترز)

كما ترى الحكومة أن بعض القوى السياسية والعسكرية اختارت الاستمرار فيما تصفه بمسار التمرد على مؤسسات الدولة، من خلال دعم تشكيلات مسلحة موازية والعمل على تعطيل مؤسسات الحكم والإدارة، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات معقدة على المستويات الأمنية والاقتصادية والإنسانية.

وأكدت الحكومة اليمنية أن مؤسسات الدولة تعاملت خلال الفترة الماضية بأقصى درجات ضبط النفس، وأتاحت فرصاً متعددة للحوار ومعالجة الخلافات السياسية عبر الوسائل السلمية، غير أن استمرار بعض الأطراف في اتخاذ خطوات أحادية دفع السلطات إلى اللجوء إلى إجراءات قانونية وقضائية لحماية مؤسسات الدولة والحفاظ على النظام العام.

رسائل إلى مجلس الأمن

وفي بيانها أمام مجلس الأمن، شددت الحكومة اليمنية على أن الإجراءات المتخذة بحق عدد من الشخصيات المتهمة بالتورط في أعمال تمرد أو فساد أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تستند إلى الدستور والقوانين النافذة، مؤكدة أن المساءلة يجب أن تشمل جميع الأطراف دون استثناء.

عناصر «الانتقالي» في عدن يتبنون خطاباً تحريضياً عقب هروب زعيمهم الزبيدي (إكس)

كما ذكّرت المجتمع الدولي بما وصفته بالتحركات السياسية والعسكرية الأحادية التي شهدتها الساحة اليمنية خلال الفترة الأخيرة، معتبرة أنها تمثل تهديداً مباشراً لجهود التهدئة وللسلم والأمن الوطنيين، فضلاً عن تعارضها مع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وفي مقدمتها القراران 2140 و2216.

وأكدت الحكومة أنها ماضية في تنفيذ استحقاقات المرحلة الانتقالية وتعزيز عمل مؤسسات الدولة، بما في ذلك استكمال جهود توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، ومعالجة القضايا الوطنية وفي مقدمتها القضية الجنوبية عبر الحوار والتوافق السياسي.

Your Premium trial has ended


اليمن يطالب مجلس الأمن بتحديث قائمة العقوبات ضد معرقلي السلام

جانب من اجتماع لمجلس الأمن الدولي بخصوص الوضع في اليمن (الأمم المتحدة)
جانب من اجتماع لمجلس الأمن الدولي بخصوص الوضع في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

اليمن يطالب مجلس الأمن بتحديث قائمة العقوبات ضد معرقلي السلام

جانب من اجتماع لمجلس الأمن الدولي بخصوص الوضع في اليمن (الأمم المتحدة)
جانب من اجتماع لمجلس الأمن الدولي بخصوص الوضع في اليمن (الأمم المتحدة)

طالبت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن الدولي، بتحديث قائمة العقوبات الدولية بصورة مستمرة لتشمل جميع الأفراد والكيانات المتورطة في تقويض العملية السياسية أو تهديد مؤسسات الدولة، في موقف يعكس توجهاً رسمياً نحو تعزيز أدوات المساءلة الدولية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه البلاد.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عبد الله السعدي، في بيان خلال الجلسة المفتوحة لمجلس الأمن بشأن اليمن، إن بلاده تتطلع إلى اضطلاع المجلس بمسؤولياته القانونية والسياسية عبر التطبيق الصارم لقراراته السابقة، وفي مقدمتها القراران 2140 و2216، بما يضمن محاسبة جميع الأطراف التي يثبت تورطها في أعمال تهدد السلام والاستقرار أو تعرقل مسار التسوية السياسية.

وأكدت الحكومة استعدادها الكامل للتعاون مع الأمم المتحدة ولجنة العقوبات، وتقديم أي معلومات أو وثائق إضافية تسهم في استكمال إجراءات المساءلة بحق الأشخاص أو الجهات التي تعمل على تقويض مؤسسات الدولة أو تعطيل تنفيذ المرجعيات الوطنية والدولية الحاكمة للعملية السياسية.

وخصص البيان الحكومي مساحة واسعة للحديث عن التطورات الداخلية، مؤكداً أن السلطات اليمنية تعاملت خلال الفترة الماضية بدرجة عالية من ضبط النفس تجاه الخلافات والتحديات السياسية، ومنحت فرصاً متكررة لمعالجة الإشكالات عبر الحوار والتفاهمات السياسية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (إعلام حكومي)

واتهمت الحكومة اليمنية بعض القيادات والقوى السياسية بالاستمرار في تقويض مؤسسات الدولة وعرقلة تنفيذ الالتزامات الوطنية والدولية، فضلاً عن دعم تشكيلات مسلحة تهدد السلم الأهلي وتعرقل العملية الانتقالية.

وفي هذا السياق، أوضحت أن مؤسسات الدولة اتخذت إجراءات قانونية بحق عدد من المتهمين بالتورط في أعمال تمرد أو فساد أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مشيرةً بصورة مباشرة إلى رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي بوصفه متهماً في قضية تتعلق بالخيانة العظمى، وفق ما ورد في كلمة المندوب السعدي.

وشددت الحكومة اليمنية على أنها لا تزال ملتزمة بمعالجة القضية الجنوبية عبر حوار جنوبي شامل برعاية السعودية، بما يضمن تحقيق الشراكة العادلة وجبر الضرر والاستجابة للتطلعات المشروعة.

دعوة لوقف التدخلات الإيرانية

في رسائل بدت موجهة إلى المجتمع الدولي، أكدت الحكومة اليمنية أن تمسكها بخيار السلام لا يعني القبول بواقع تعدد مراكز القوة أو استمرار الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة.

وقالت إن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن السلام المستدام لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار أو عبر ترتيبات لتقاسم النفوذ، بل من خلال قيام دولة تمتلك وحدها حق احتكار السلاح واستخدام القوة وتمارس سيادتها على كامل أراضيها.

وأضافت أن أي مقاربة لا تعالج هذه المسألة الجوهرية ستُبقي أسباب الصراع قائمة، وستجعل فرص الاستقرار الدائم محدودة وقابلة للانتكاس عند أول أزمة سياسية أو أمنية.

زعيم الحوثيين أمر أتباعه بالاحتفال بما سماه انتصار إيران على أميركا (أ.ف.ب)

كما أكدت أن اليمن لا يطلب من المجتمع الدولي خوض معركته نيابةً عنه، وإنما يطلب دعماً واضحاً لتطلعات شعبه في الأمن والسلام والتنمية واستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء جميع مظاهر السلاح خارج سلطتها.

وكررت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن اتهاماتها للحوثيين بالتحول إلى ذراع عسكرية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، معتبرةً أن الجماعة تجاوزت منذ فترة طويلة كونها حركة تمرد محلية لتصبح جزءاً من مشروع إقليمي أوسع.

وقالت إن الأراضي اليمنية باتت تُستخدم لتهديد أمن المنطقة واستهداف الملاحة الدولية وابتزاز الاقتصاد العالمي، مشيرةً إلى أن التصريحات والمواقف الحوثية الأخيرة بشأن الدفاع عن إيران وحلفائها تمثل دليلاً إضافياً على حجم الارتباط بين الطرفين.

ورأت الحكومة أن التطورات الإقليمية الأخيرة أكدت أن الأزمة اليمنية لم تعد نزاعاً داخلياً فحسب، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن الإقليمي والدولي، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي التعامل مع الملف اليمني من منظور أكثر شمولاً وحزماً.

وفي هذا الإطار جددت دعوة مجلس الأمن إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه التدخلات الإيرانية في اليمن والعمل على تجفيف مصادر تمويل وتسليح الحوثيين باعتبار ذلك خطوة ضرورية لتحقيق سلام دائم.

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ذراع عسكرية تابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني (إ.ب.أ)

ومن أبرز الرسائل التي حملها البيان الحكومي الربط المباشر بين أمن الملاحة الدولية واستعادة الدولة اليمنية لسلطتها الكاملة.

وأكدت الحكومة أن حماية البحر الأحمر لا يمكن أن تنجح من خلال التعامل مع نتائج الأزمة فقط، بل عبر معالجة جذورها المتمثلة في استمرار وجود جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة.

وقالت إن البحر الأحمر يبدأ من البر اليمني، وإن تأخر المجتمع الدولي في معالجة مصدر التهديد سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة حماية الأمن الإقليمي والدولي، في إشارة إلى الهجمات التي شهدتها خطوط الملاحة خلال الأشهر الماضية.

وترى الحكومة اليمنية أن استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية تمثل الضمانة الأكثر فاعلية لأمن الممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.

ملف المحتجزين

في الجانب الإنساني، جددت الحكومة اليمنية تضامنها مع موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني المحتجزين لدى الحوثيين، مؤكدةً استعدادها لتقديم كل ما يلزم من أجل إطلاق سراحهم.

وأشارت إلى مرور عامين على حملة الاحتجازات التي طالت عشرات العاملين في المجال الإنساني والدبلوماسي، ووصفتها بأنها سابقة غير مسبوقة وانتهاك خطير للقانون الدولي الإنساني.

كما دعت مجلس الأمن إلى مواصلة الضغط من أجل الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين، معتبرة أن استمرار هذه القضية يكشف عن الطبيعة الحقيقية للجماعة الحوثية ويقوّض الجهود الإنسانية الدولية داخل اليمن.

حوثيون في صنعاء خلال حشد تعبوي نظمته الجماعة (أ.ف.ب)

في المقابل، رحبت الحكومة باتفاق تبادل المحتجزين الذي تم التوصل إليه أخيراً برعاية الأمم المتحدة، معربةً عن تقديرها للدور الذي لعبته السعودية والأردن وسلطنة عمان واللجنة الدولية للصليب الأحمر في إنجاز الاتفاق.

واختتمت الحكومة اليمنية رسائلها بتأكيد استمرار جهودها لمعالجة التحديات الاقتصادية والإنسانية رغم الخسائر الكبيرة الناتجة عن توقف صادرات النفط بسبب الهجمات الحوثية على المنشآت والموانئ.

وأعربت عن تقديرها للدعم السعودي المستمر، خصوصاً منحة المشتقات النفطية الأخيرة المخصصة لدعم قطاع الكهرباء، معتبرةً أن هذه المساعدة ستسهم في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين الخدمات الأساسية.

فرصة جديدة للسلام

رسم المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، في إحاطته أمام مجلس الأمن، صورة تجمع بين الحذر والأمل، مؤكداً أن التفاهمات الإقليمية الأخيرة، وفي مقدمتها التفاهم المعلن بين الولايات المتحدة وإيران، قد تفتح نافذة مهمة لدفع العملية السياسية اليمنية إلى الأمام بعد سنوات من الجمود.

وأشار المبعوث إلى أن التداعيات العسكرية للتوترات الإقليمية الأخيرة على اليمن ظلت محدودة نسبياً، إذ لم تُستأنف الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، كما حافظت الهدنة غير المعلنة القائمة منذ عام 2022 على قدر من الهدوء داخل البلاد، رغم استمرار النزاع دون حل جذري.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وتحدث غروندبرغ عن التحديات الاقتصادية المتفاقمة التي يواجهها اليمنيون، موضحاً أن الاضطرابات الإقليمية رفعت تكاليف استيراد الغذاء والوقود وأسهمت في زيادة معدلات التضخم، مشيداً بالإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة اليمنية، وبالمنحة السعودية البالغة 150 مليون دولار لدعم وقود محطات الكهرباء في المناطق الخاضعة للحكومة.

كما شدد المبعوث الأممي على أن الحل المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مفاوضات سياسية شاملة برعاية الأمم المتحدة، داعياً الأطراف إلى استثمار أجواء خفض التصعيد الإقليمي، وتنفيذ اتفاق الإفراج عن أكثر من 1600 محتجز، والمضي نحو حوار مباشر يُنهي الحرب ويعالج جذور الصراع، بالتزامن مع مواصلة الضغوط للإفراج عن عشرات موظفي الأمم المتحدة المحتجزين لدى الحوثيين.

Your Premium trial has ended