فتحي باشاغا... «الرقم الصعب» في معادلة حكم ليبيا

«تجاوز الصلاحيات» يُعرقل مسيرة الوزير «الطيار»

فتحي باشاغا... «الرقم الصعب»  في معادلة حكم ليبيا
TT

فتحي باشاغا... «الرقم الصعب» في معادلة حكم ليبيا

فتحي باشاغا... «الرقم الصعب»  في معادلة حكم ليبيا

من لم يشاهد الموكب المهيب لفتحي باشاغا، وزير الداخلية في «حكومة الوفاق» الليبية، وهو يتنقل بين شوارع ومناطق العاصمة طرابلس، فلن يدرك حقيقة ما يُحيط بهذا الرجل ذي الهندام البسيط؛ إلا أن الاستماع إليه ومتابعة أحاديثه المتلفزة يرسخ اليقين بأنه شخص يعرف ما يريد، ويخطط إلى حيث يريد الوصول.
ولأن باشاغا مُغرم بالتخطيط، فهو يجيد رسم المشهد المحيط به، ومنذ تفجر الخلاف العلني الذي اشتعل بينه وبين رئيس «المجلس الرئاسي» فائز السراج، الأسبوع الماضي، على خلفية وقف الأول عن العمل الوزاري قبل العودة عن القرار، أظهر باشاغا، ما يؤكد أنه بات «رقماً صعباً» في معادلة الحكم في ليبيا. ولعل مشهداً آخر كان هو بطله لدى عودته قبل أسبوع من أنقرة في خضم التباين مع السراج، يعزّز من صورته، إذ كان في استقبال الوزير المعلّق عمله، فرقة موسيقية عسكرية وضباط وحشد من المناصرين، بل إن عشرات الآليات المسلحة رافقته حتى منزله لحمايته.
ما أصبح عليه الآن فتحي باشاغا، وهو القريب من تركيا، والمتهم بـ«القفز على صلاحيات السراج» يختلف كثيراً عن بداياته. ذلك أن وزير الداخلية والمنتمي إلى مدينة مصراتة (بشمال غربي ليبيا) صعدت به «انتفاضة» 17 فبراير ككثيرين من أبناء جيله، وأدخلته عالم السياسة من باب الاندماج في «المجلس العسكري» الذي تشكَّل في مصراتة، عقب إسقاط نظام الرئيس الراحل معمّر القذافي عام 2011 ومنذ ذلك الوقت، وباشاغا يواصل الصعود بدأب نحو تحقيق حلمه، وإن كان بحذر شديد.
وفي مصراتة التي تقع على بعد 200 كيلومتر شرق طرابلس، وتعدّ مقراً للجماعات المسلحة النافذة، نما الفتى فتحي علي عبد السلام باشاغا (58 سنة) في المدينة التي سيقيّض لها لعب دور مهم في الأيام المقبلة بإسقاط نظام حَكَم ليبيا قرابة 42 سنة.
ومن ثم، فور إتمامه شهادة الثانوية العامة التحق بالكلية الجوية، وتخرّج فيها برتبة مُلازم طيار عام 1984؛ لكنه سرعان ما استقال عام 1993 واتجه للأعمال الحرة، ليصبح مفوضاً لـ«الشركة العالمية للاستيراد».
من نقطة التجارة الخاصة انطلق باشاغا، المولود يوم 20 أغسطس (آب) عام 1962 لبناء قاعدة جماهيرية بين أبناء مدينته الساحلية التي تعد ثالث كبرى مدن ليبيا من حيث عدد السكان بعد طرابلس وبنغازي. وطوال 18 سنة ظل منكفئاً على ذاته، مكتفياً بالاتجار في إطارات السيارات التي يستوردها من الخارج؛ وهو ما عبر عنه المتظاهرون فيما بعد بوسط طرابلس، عندما هتفوا ضده: «يسقط العجلاتي». غير أن ثمة من يرى أن باشاغا اتقى شرّ نظام القذافي، وفضل «تجارة الإطارات عن العمل في السياسة التي كانت من المحرمات، وتستوجب السجن أو الإعدام آنذاك». غير أن هذه «التقيّة» التي مارسها الطيار الشاب، واشترك فيها مع تنظيم «الإخوان» بمدينته، لم تظل كثيراً، بعد سقوط القذافي أصبح «الإخوان» وباشاغا أشبه بـ«ماردين خرجا من القمقم»، لكل منهما أهدافه وخططه المستقبلية، وهو ما عكسته غالبية التيارات السياسية والتشكيلات المسلحة التي تشكلت تباعاً.

الدخول من «باب الثورة»
ما كانت أرض مدينة سرت قد رويت بعد من دماء القذافي التي سُفكت هناك بعد.
في تلك الأثناء تحوّرت ملامح ليبيا، وبدت أكثر قسوة عما كانت عليه.
تبدّدت معها كل سمات الدولة ومقوماتها على يد التشكيلات المسلحة؛ و«المجالس العسكرية» المُستحدثة. وكانت هناك مصراتة تعيش حالة متّقدة من الزهو، برّرها أحد أبنائها في حديث إلى «الشرق الأوسط» قائلاً: «نحن الذين صنعنا الثورة، ونقدّم الشهداء دفاعاً عن طرابلس (...) أليس هذا بكافٍ لتتصدر مصراتة المشهد، بدلاً من الذين يأتون من مؤخرة الصفوف؟».
على أثر هذه الحالة «المزهوّة» التي تواكبت من تفكك الجيش الليبي آنذاك، واستحواذ المدينة على كثير من مخازن السلاح الذي جمعه أبناء القذافي في مناطق عديدة بالبلاد، تشكلت لجنة قضائية، فاستدعت الضباط العاملين والمُستقيلين لتشكيل «مجالس عسكرية». وهنا تخلى تاجر الإطارات عن «تقيته»، والتحق سريعاً بالمجلس الذي شُكِّل في مصراتة لكونه «مدرب طيران مُستقيلا»، وهكذا بدأ نجم فتحي باشاغا يلوح في الأفق؛ لا سيما مع بداية التدخلات الخارجية في ليبيا.

الـ«ناتو» والفتى الطيار
وبشكل أسرع مما رسمه باشاغا، بدأت أسهمه تتصاعد؛ لا سيما، مع بداية ضربات حلف شمال الأطلسي الـ«ناتو» على ليبيا، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي يوم 17 مارس عام 2011 بفرض حظر جوي على البلاد، ثم تنظيم هجمات مُسلحة ضد قوات القذافي الجوية لإعاقة حركتها، ومنعها من التحليق في الأجواء الليبية.
هنا برز دور الفتى الطيار باشاغا، بوصفه رئيس قسم «المعلومات والإحداثيات» في المجلس العسكري بمصراتة، وتقرب بما يكفي من أطراف دولية، أبرزها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة. وهي المرحلة التي يرى أقرانه أنها كانت «بداية طريق» باشاغا الحقيقية؛ إذ إنه كان المسؤول عن منح الـ«ناتو» الإحداثيات اللازمة لضرب قوات القذافي، وفعلاً تيسر لها الإجهاز عليه وعليها.
في تلك المرحلة، بدا باشاغا الذي كان يستهل عقده الخمسين، يتقدم الصفوف على أنه «رجل المهام الصعبة». وأضحى نقطة ارتكاز في مدينته التي تتأهب هي الأخرى لمعركة جديدة تقودها غالبية ميليشياتها المنضوية تحت راية عملية ما عرف بـ«فجر ليبيا». وكان باشاغا، الذي انتخب عضواً بمجلس الشورى في مصراتة، أحد داعمي هذه المعركة التي أتت فيما بعد على المطار الدولي بالعاصمة. ووقف يومذاك صلاح بادي قائد «لواء الصمود» يهتف ويكرّر: «الله أكبر ولله الحمد»، عندما كانت النيران تلتهم الطائرات الرابضة في مدارجه.
وعقب إخماد نيران عملية «فجر ليبيا»، أجريت الانتخابات البرلمانية في 25 يونيو (حزيران) عام 2014 وانتخب فيها باشاغا نائباً عن مصراتة. إلا أنه سرعان ما قرر المقاطعة ضمن مجموعة من نواب المدينة، على خلفية إلغاء المحكمة العليا في طرابلس التعديل الدستوري الذي نتج عنه قانون الانتخابات؛ ولم يعتدّ به برلمان طبرق.
وكأي شيء يحدث في ليبيا، انقلبت الأوضاع في هذا البلد الغني بالنفط، وأصبح باشاغا خلال خمس سنوات ملء السمع والبصر، بما حققه من تقارب لدى شرائح «الثوار» وتأكيده الدائم على ضرورة المحافظة على «مكتسباتهم» من «مكر الساسة».

القرب من أنقرة
في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2018، عيّن فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي، فتحي باشاغا وزيراً للداخلية، خلفاً للعميد عبد السلام عاشور، في خطوة وصفها البعض حينها بأنها تستهدف ترضية مصراتة، والبحث عن ثقل عسكري. ذلك أن السراج في تلك الفترة كان ينظر إلى المدينة لما تملكه من ترسانة أسلحة بأنها القوة الضرورية الدعم موقفه؛ خصوصاً في مواجهة اللواء التاسع «الكانيات» الذي كان يسيطر على مدينة ترهونة، ويهدد طرابلس من وقت لآخر.
غير أنه، قبل أن يهل الشهر السابع على تعيين باشاغا، أمر المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي» بالهجوم على العاصمة، مقر حكم السراج، فتحقّق للسراج ما كان يريده!
في هذه المرحلة، انخرطت جميع كتائب مصراتة العسكرية وميليشياتها المسلحة خلف السراج، وهنا ظهر باشاغا بصور مغايرة لرجل الأعمال العازف عن الانخراط في السياسة، فأخذ يتفقد محاور الاقتتال ويتردد عليها كرجل حرب خبير، يحيط به عسكريون أشداء مدججون بالرشاشات الثقيلة، ويطَّلع على آخر المستجدات القتالية، ويرشد ويوجه، قبل أن يغادرهم.
ومنذ أن بدأت الحرب على العاصمة التي دامت 13 شهراً، وانتهت، وزيارات باشاغا إلى العاصمة التركية أنقرة لم تنقطع.
لقد تردد عليها مرات عدة، وأقام فيها طويلاً، ربما أكثر من السراج، وهو ما أرجعه البعض إلى أن تركيا تنظر إليه على أنه رهانها التالي في ليبيا، لأسباب من بينها: اضطلاعه بمهام أمنية، وقدرته الحالية على توحيد صف المقاتلين على جبهات القتال، وكذلك لمعارضته لوقف الحرب، وفقاً لرؤية السراج وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب.

«الثوار والميليشيات»
ينظر البعض إلى تحركات فتحي باشاغا الأخيرة الذي يتنقل في موكب مهيب يضم عشرات السيارات والمصفّحات وكاشفات للمتفجرات، على أنها بداية مرحلة من توسيع النفوذ، وإعادة لترتيب البيت من الداخل. وحقاً، دأب منذ انتهاء معركة طرابلس على الكلام عن الفساد، وتوجيه الانتقادات الحادة لبعض الميليشيات، وبالأخص، التابعة للمجلس الرئاسي، مثل «ثوار طرابلس»، و«النواصي» التابعة لـ«قوة حماية طرابلس»، ويرى أنها متجاوزة للقانون، في حين لم يأتِ على ذكر أي من الميليشيات التابعة لمصراتة.
انتقادات باشاغا لقوات «الرئاسي» جاءت في إطار تعهدات سابقة قطعتها وزارته على نفسها للإدارة الأميركية، ببحث وضعية الميليشيات في العاصمة. ومضى معززاً هذا التوجه بالكتابة عبر حسابه على موقع التدوينات القصيرة «تويتر»: «(الثوار) فقط هم مَن يساندون الدولة المدنية، ولا يعتدون على مؤسساتها، ويحمون الوطن والمواطن».
و«قوة حماية طرابلس» التي تمثل القوة المسلحة بالعاصمة، تضم ميليشيات «قوة الردع الخاصة» و«ثوار طرابلس» و«قوة الردع والتدخل المشترك أبو سليم»، و«باب تاجوراء»، بالإضافة إلى القوة الثامنة «النواصي».
وهكذا لاقت الخطوات التي اتخذها باشاغا باتجاه كبح جماح ميليشيات طرابلس، الحامية لظهر السراج، استحساناً أميركياً، ورفعت أسهمه داخل مصراتة التي تُوصف بأنها «دولة داخل دولة»، لما تملكه من تأثير سياسي على أي سلطة تأتي لطرابلس. وفي كل الأحوال بات الرجل يحظى بتقدير واسع من قبل الداعمين الدوليين لـ«حكومة الوفاق»، كرَّس له بلقاء وأحاديث يراها البعض بأنها جاءت خصماً من رصيد وسلطات السراج.

لماذا الصِدام؟
عشية 20 أغسطس الماضي، وجد «مُدرب الطيران» الذي لم يشاهده الليبيون يقود طائرة ولو لمرة واحدة نفسه خارج السلطة.
حصل ذلك بعدما أوقفه السراج عن العمل، وأمر بإخضاعه للتحقيق الإداري أمام المجلس الرئاسي، خلال أجل أقصاه 72 ساعة من تاريخ صدور هذا القرار، لاتهامه بتوفير الحماية للمتظاهرين. لكن باشاغا لم يبد انزعاجاً، وأعلن موافقته على التحقيق، شريطة أن يبث مباشرة على التلفزيون، كما لم يكترث بمتظاهري مدينة الزاوية الذين وصفوه في هتافاتهم بـ«العجلاتي».
من ناحية أخرى، أظهرت أزمة السراج وباشاغا تقاربا بين الأخير وتنظيم «الإخوان» في مصراتة، إذ أبدى التنظيم وذراعه السياسية حزب «العدالة والبناء» تأييداً ومساندة واسعة لوزير الداخلية الموقوف، تمثلت في مظاهرات وهتافات مناوئة للسراج؛ بل ومهينة أيضا، وهذا ما رصده يعرب البركي، الناشط السياسي في غرب ليبيا، ضمن حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إذ قال: «في هذه الليلة كانوا يخططون لانقلاب على السراج، يتولى بمقتضاه باشاغا رئاسة الوزراء، وينصّب زعيماً وطنياً لضمان وجودهم في أي تسوية سياسية مقبلة».
وتابع البركي «هذه الخطوة كانت مدعومة من أجهزة استخباراتية لدول داعمة لوجود باشاغا في المشهد السياسي، واستهدفت إيهام الرأي العام الدولي بأن للأخير حاضنة شعبية، وبالتالي فهو جدير بالتحاور معه». لكن هذه المحاولات لم تنطلِ على سكان غرب ليبيا الذين أوقفوا حراكهم السلمي، ليثبتوا أنهم يرفضون باشاغا ومن خلفه تنظيم (الإخوان).
من جهتها، اتهمت «قوة حماية طرابلس» التابعة للمجلس الرئاسي باشاغا و«الإخوان» بـ«السعي نحو الحكم بأي طريقة»، وقالت: «التزمنا الصمت طيلة الأيام الماضية التي شهدت فيها العاصمة طرابلس موجة احتجاجات شعبية مطالبة بالإصلاح ومحاربة للفساد»؛ لكن «البيانات المتضاربة لباشاغا لا تختلف كثيراً عن تصريحاته المثيرة للجدل أثناء (حرب البركان) ضد قواتنا المدافعة عن الحق».
صباح أول من أمس، خضع وزير الداخلية للتحقيق، وكان لدى عودته من زيارة إلى تركيا قد قال للصحافيين في مطار معيتيقة: «أنا لست ضد أي مجموعة ولا ضد أي فرد. أنا أتكلم عن حالة مرضية اسمها الفساد... ولا أريد هذا المنصب إذا كان لا بد من أن أظلم الشعب الليبي (...) لن أنحاز للفاسدين». والمدهش أنه كان في استقبال الوزير رغم تعليق عمله، في حينه (وقبل إعادته إلى عمله), فرقة موسيقية عسكرية وضباط وحشد من المناصرين!



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.