طقوس مؤتمرات بوتين الصحافية

مؤتمر العام الحالي شهد الكثير من الطرائف التي ساعدته على الخروج من مأزق اللحظة الراهنة

الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمره الصحافي السنوي
الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمره الصحافي السنوي
TT

طقوس مؤتمرات بوتين الصحافية

الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمره الصحافي السنوي
الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمره الصحافي السنوي

عاد الكرملين هذا العام إلى «تقاليده» التي طالما حددت معالم الساحة السياسية والاجتماعية مع نهاية كل عام من خلال المؤتمر الصحافي السنوي للرئيس فلاديمير بوتين. وبغض النظر عن تغيير «مواعيد انعقاده» التي طالما تراوحت بين الصيف تارة، والشتاء تارة أخرى، جاء مؤتمر هذا العام في توقيت بالغ الأهمية واكب لحظات انهيار العملة الوطنية وتفاقم الأزمة الاقتصادية على خلفية احتدام الأزمة الأوكرانية وما نجم عنها من عقوبات نالت كثيرا من هيبة الدولة واستقرارها، وإن لم تُفقِدها الثقة في قدرتها على تجاوز اللحظة الراهنة.
وجاء المؤتمر الصحافي للرئيس بوتين فرصة ذهبية لاستعراض قدراته ومواهبه، انطلاقا مما يملكه من قدرات ومواهب، متسلحا بالوفير من المعلومات والتواريخ والأرقام، تختزنها ذاكرة حديدية صقلتها وشحذتها تدريباته في واحدة من أعتى المؤسسات الأمنية العالمية، تأكيدا على أنه كان ولا يزال في موسكو الأكثر جدارة بامتلاك ناصية القول والسرد.
مؤتمر هذا العام كان العاشر في سلسلة مؤتمراته الصحافية من موقعه كرئيس للدولة. وقد جاء انعقاده وللعام الثالث على التوالي بعيدا عن الكرملين، في قاعة خصصت له في مركز التجارة الدولية على ضفاف نهر موسكو، لأسباب قالوا إنها تتعلق بإصلاحات تجرى في المبنى رقم 14 بالكرملين والذي كان الرئيس الأسبق بوريس يلتسين خصصه كمركز صحافي بعد أن كان إبان سنوات الاتحاد السوفياتي مقرا للبرلمان «السوفيات الأعلى لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية». وعلى الرغم من عبثية «الحجج الواهية» التي يسوقونها مبررا لتأخر الإصلاحات في مبنى محدود المساحة لا يتمتع بكثير من زخارف وتراث قصور القياصرة، لمدة 3 سنوات كاملة، فهناك من العاملين في التلفزيون الروسي من كشف عن ارتياحه لنقل المؤتمر الصحافي السنوي إلى خارج أسوار الكرملين، بسبب ما كانوا يعانونه من متاعب لدى إقامة المؤتمر في الكرملين، وهو اعتراف فضفاض يحتمل مختلف التأويلات.
ونعود إلى مؤتمر بوتين لنشير إلى أن الاهتمام به كان كبيرا إلى الحد الذي ظل «ملء السمع والبصر» طوال ما يزيد عن أسبوع قبل انطلاقته ظهر الخميس الماضي، حيث «تفرغت» قناة «روسيا - 24» الإخبارية الفضائية الرسمية لمتابعة الاستعدادات لعقده، بداية من إعداد القاعة وتزويدها بأحدث معدات الصوت والضوء، وحتى استقبال الصحافيين وغير الصحافيين الوافدين من الأقاليم، الذين استن الرئيس بوتين تقليد دعوتهم خصيصا للمشاركة في مؤتمره الصحافي ليكونوا قناة اتصال جيدة مع قرى ونجوع روسيا المترامية الأطراف المتعددة القوميات، ينقلون له وعنه كل شاردة وواردة، بما في ذلك شكاواهم «غير التقليدية». ولعل ذلك يمكن أن يكون تفسيرا لكرنفال الأزياء و«التقاليع» التي طالما شهدتها قاعة المؤتمرات الصحافية للرئيس الروسي والتي تستهدف ضمنا لفت أنظار الرئيس للفوز بفرصة توجيه السؤال واستعراض المهارات والمؤهلات الصحافية وغير الصحافية.
ومن اللافت أن هذه «التقاليع» كانت ولا تزال خلفية مناسبة للأسئلة غير التقليدية من جانب الوافدين من «صحافيي الأقاليم والقرى والنجوع»، والتي طالما «تلقفها» الرئيس بوتين ليستعرض من خلالها «مواهبه وقدراته» على المزج بين الصرامة والجد، والدعابة والهزل، بكلمات وتعبيرات سرعان ما تتحول إلى ما هو أشبه بالأقوال المأثورة التي يتناقلونها عن الرئيس، تأكيدا لامتلاكه ناصية القول ولواذع الكلام والإلمام بمفردات اللحظة الراهنة.
تجمع في مؤتمر هذا العام ما يزيد عن ألفين ومائتين وخمسين صحافيا محليا وأجنبيا، توافدوا على مركز التجارة الدولية في وقت مبكر وقبل موعد انعقاد المؤتمر بما يزيد عن الـ4 ساعات تحسبا لإجراءات الأمن والتفتيش التي تتزايد وطأتها عاما بعد عام، ما يمكن أن يكون سببا لعزوف الكثيرين من قدامى الصحافيين في موسكو عن المشاركة في مثل هذه المؤتمرات. وبهذه المناسبة نشير أيضا إلى ما يقوله البعض أيضا إن المشاركة في مثل هذه المؤتمرات «تضييع للوقت» لأسباب منها ما يتعلق بصعوبة المشاركة وتوجيه السؤال من جانب، وتعذر النزول عند مستوى المشاركة بملابس مزركشة، أو غريبة، والتلويح باللافتات والشعارات للفت الأنظار من جانب آخر، وذلك كله ما يمكن تفاديه وتجنبه من خلال الجلوس إلى شاشات قنوات التلفزيون التي تتفرغ لنقل كل وقائع المؤتمر بكل دقائقه وخفاياه وما يدور وراء كواليسه، فضلا عن اللقاءات التي يجريها «المرسلون والمذيعون» القريبون من الكرملين، مع أبرز الشخصيات الرسمية وغير الرسمية.. وتلك خدمة جليلة حقا لو تعلمون!.
ولعل المتابعين لكثير من المؤتمرات واللقاءات التي يعقدها بوتين بين جنبات الكرملين وخارجه يستطيعون رصد مدى ما يتمتع به بوتين من ذكاء متوقد، وقدرات متميزة تكفل له في غالبية الأحيان التخلص من المواقف الشائكة والخروج منها كما يقول المصريون «كالشعرة من العجين»، أو على حد قول الأوروبيين «كالسكين في قطعة الزبد»، استنادا إلى ما تراكم لديه من خبرات وقدرات تمرس عليها منذ سنوات تدريبه ودراسته في مدارس الـ«كي جي بي» (لجنة أمن الدولة) إبان الاتحاد السوفياتي السابق.
وقد شهد مؤتمر هذا العام الكثير من الطرائف التي ساعدت بوتين في الخروج من مآزق اللحظة الراهنة، وما تنوء به من مشكلات انهيار العملة الوطنية تحت وطأة التخفيض المتعمد لأسعار النفط والعقوبات الغربية. ومن هذه الطرائف ما ندا عن اليونا يفتياكوفا إحدى الصحافيات القادمات من مقاطعة فورونيج جنوبي روسيا، محملة بفكرة البحث عن «عروسة» لأهم «عُزاب» روسيا بعد طلاقه في العام الماضي. قالت إن صديقات خالتها ما إن عرفوا بأنها ستذهب للمشاركة في مؤتمر الرئيس حتى حملوها واجب سؤال الرئيس «أهم عُزاب روسيا اليوم» عن حياته الشخصية، وكيف يعيش وحيدا منذ انفصاله عن قرينته في العام الماضي. هنا وبعد تردد لم يدم طويلا استهل بوتين إجابته بقوله:
- بداية انقلي لصديقات خالتك تحياتي الحارة.. أشكرهن على اهتمامهن. وعموما كل شيء على ما يرام. أنا أرى من الحين إلى الآخر لودميلا ألكسندروفنا (زوجته السابقة) والابنتين. صحيح ليس كثيرا كما نريد.. لكن الأمور على ما يرام.
واستطرد بوتين ليخرج بعيدا عن مشكلات السياسة والاقتصاد ليقول:
- ذات مرة فاجأني أحد الساسة الأوروبيين بمحاولة معرفة إذا ما كانت هناك في حياتي امرأة أحبها.. «هل في حياتك حب»؟ وحين أجبته بالإيجاب، عاد ليقول: وهل هناك من يحبك؟
وكررت الإجابة بالإيجاب. وضحك الرئيس على نحو مفتعل ليضيف: «عموما كل شيء على ما يرام».
وحين بدا أن بوتين يستعيد حيويته وتوازنه، عاد ليحاول انتقاء محاوريه بنفسه حيث طلب إعطاء الكلمة لأحد المراسلين الأجانب الذي كان يلوح بلافتة مكتوب عليها اسم «تركيا».
ورنت القاعة بأنظارها إلى المتحدث الجديد..
تلقف الميكروفون مع مراسل آخر ما إن نطق باسمه.. فلاديمير ماماتوف مراسل صحيفة «ريبورتيور» من فياتكا، حتى داهمه السكرتير الصحافي للرئيس محتجا بأنه ليس المقصود لأنه ليس من تركيا.. رد قائلا:
- وماذا في ذلك.. ليس ذنبي!.
وضجت القاعة بضحك وتصفيق الحاضرين، ليواصل المراسل الروسي بالميكروفون مستهلا حديثه بشكر القاعة والحضور على التحية والاستحسان، فيما بدأ سؤاله بنبرة متثاقلة جعلت الرئيس بوتين يشك في أنه مخمور.
وكان سؤاله يتعلق برفض المتاجر الكبيرة قبول توزيع ما تنتجه مدينته من «كفاس» وهو مشروب يصنع من الخبز. قال إن هناك من يفضل الكوكاكولا ولا بد من تدخل الرئيس من أجل إرغام هذه المتاجر على توزيع «كفاس» الذي تنتجه مدينته «فياتكا». وأضاف أنه كان يريد أن يقدمه للرئيس حتى يختبر مذاقه.. «لكن الحراس والأمن».... ولم يكمل تحت وقع قهقهة الحاضرين.
لم تتوقف القاعة عن الضحك حتى بعد أن حاول بوتين تحويل الموضوع إلى مسار الجد من خلال ترديده ما يقال حول أضرار مشروب «الكوكاكولا»، مؤكدا ضرورة الاهتمام بالمشروبات الوطنية غير الكحولية.
وبهذه المناسبة كان هذا الموضوع محور حديث الكثير من البرامج التلفزيونية مساء يوم انعقاد المؤتمر والتي كشفت عن أن الصحافي الوافد من «فياتكا» لم يكن مخمورا، وعزت تثاقل نطقه وبطء حديثه إلى أنه كان تعرض أخيرا لإحدى الأزمات القلبية!.
النوادر كثيرة ومتنوعة، وفيها ما يجعلنا نأمل في أن يكون للحديث بقية نستمدها من دعابات بوتين التي طالما أذهل بها محاوريه ومستمعيه ومشاهديه خلال لقاءاته ومؤتمراته الصحافية في موسكو وخارجها منذ جاء إلى سدة السلطة في الكرملين.



استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.