أنطوان خوري: كنت متوترا على الهواء أثناء اجتياح أميركا للعراق

وصف تجربته في مجموعة «إم بي سي» بالمرحلة الذهبية.. وبرنامج «سينما بديلة» رئته الثالثة

الإعلامي اللبناني أنطوان خوري
الإعلامي اللبناني أنطوان خوري
TT

أنطوان خوري: كنت متوترا على الهواء أثناء اجتياح أميركا للعراق

الإعلامي اللبناني أنطوان خوري
الإعلامي اللبناني أنطوان خوري

شهد الصحافي أنطوان خوري، الكثير من الأحداث التي غيرت مجرياتها العالم من داخل الاستوديو، مثل اجتياح القوات الأميركية إلى العاصمة بغداد في 2003. واغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 2005، والانتخابات الأميركية في 2008، وهو ممسكا بمذياعه على الهواء مباشرة، يتحدث عما يجري في كل حدث، ويستقبل اتصالات من المراسلين، ممن هم على الأرض، ينقلون ما يجري أيضا في كل حدث.
وأوضح خوري في حوار صحافي خاص لـ«الشرق الأوسط»، أنه يجب أن يتطلب على المنتمي إلى بلاط صاحبة الجلالة، الالتزام بالمهنية، وعدم الإدلاء برأيه عند التعليق على الصور التلفزيونية، إذ أننا بشر تؤثر علينا العاطفة في بعض اللقطات التلفزيونية في الأحداث اليومية، ما يؤدي إلى بكاء بعض زملائنا، الأمر الذي قد يعتبره رؤساء تحرير النشرة الإخبارية، بأنها تجييش للمشاعر.
وقال خوري، إن الحافز الذي دفعه لاختيار الإعلام المرئي، هو شغفه للصورة التلفزيونية، حيث يطمح بعد تجارب ناجحة في قنوات إخبارية عربية، إلى أن يكون مذيعا في قناة بي بي سي البريطانية، في تقديم الأخبار بلغات مختلفة، ومنها الإنجليزية أو الفرنسية، ليحقق بذلك إحدى أمنياته العملية.
ويطلعنا الإعلامي اللبناني عن مسيرته المهنية ابتداء في «بيته الأول» الـ«إم بي سي» بلندن ومرورا بتجربة الـ«إل بي سي» في بيروت و«العربية» في دبي وانتهاء بالعودة إلى عاصمة الضباب والالتحاق بـ«بي بي سي العربية» التي يعتبرها خوري «هامش الإبداع والمجال لتنفس الهواء النقي».
مسيرة 22 عاما تضمنت مطبات وتجارب وتحديات أثرت خوري وجعلت منه صحافيا ومحللا سياسيا مرموقا بمهنيته وإنسانيته وموضوعيته.
وبعيدا عن معترك الصحافة السياسية، لأنطوان خوري هوايات تتمثل بحبه للبيئة وهوسه بالفن السابع. فمن هواياته المفضلة المشي في أحضان الطبيعة. وتؤكد الوثائقيات البيئية وتجاربه بنشرات الطقس في «إم بي سي»، حرص هذا الإعلامي على تعليم الشباب الحفاظ على البيئة والمناداة بالاهتمام لقضية متجاهلة. ويعتبر خوري أن برنامج «سينما بديلة» الذي يقدمه عبر شاشة «بي بي سي» عربية، رئته الثالثة. ويأمل محب الأفلام التجارية والبديلة أن يخوض تجربة تمثيلية يوما ما.
وفيما يلي تفاصيل الحوار..
* كيف بدأت حياتك المهنية؟
- بدأت في لندن في عام 1990 كطالب ماجستير ترجمة وصحافة في جامعة لندن. واستغرق الأمر سنتين. وخلال السنتين كنت متعاونا بصحيفة «الحياة»، وعملت معهم أيضا لفترة بعد التخرج. ووقتها كان تلفزيون «إم بي سي» قد افتتح مكاتبه في العاصمة البريطانية، فطلبت منهم أن أتدرب هناك.
* كيف أصبحت على يقين أنك اخترت المهنة التي تناسبك؟
- لاحظت أنني أنتمي إلى عالم الإعلام المرئي لأنني أحب الصورة فهوسي وشغفي منذ الصغر هي السينما وأعشق الفن السابع. الصورة تساعد في تطوير ذهنية الإنسان للصحافة. حيث تكمن قدرة التعبير فيها. ووجدت الأمر تحديا خلال عملي كمنتج متدرب في «إم بي سي» وبعدها سمحوا لي أن أكتب وأسجل تقارير بنفسي، وكانت وقتها في ذروة حرب البوسنة والهرسك فتوسعت وانغمست في الموضوع لمدة عام. وبعد فترة انتقلت لأمور أخرى واكتشفت شغفا أيضا للبيئة بحكم أنني سكنت بأستراليا قبلها وعشت في مزرعة أخي للخضراوات وساعدته في زراعتها. وكنت أقضي معظم أيامي في الهواء الطلق فربطني ذلك بالطبيعة ولذلك عملت على تقارير عن البيئة والاحتباس الحراري والتهديد بذوبان القطبين. وبعدها عملت على عمل وثائقي طويل عن ظاهرة الاحتباس الحراري لمدة 4 شهور بجانب عملي كمذيع للأحوال الجوية.
وبعدها تبلورت عندي فكرة الصحافة التلفزيونية. وتوسعت اهتماماتي من السياسة إلى البيئة إلى السينما.
* ما هي علاقتك بـ«إم بي سي»؟
- أنا أعتبر «إم بي سي» هي بيتي الأول، وأعتبر أنه استثمر بي هناك، حيث اكتشف المديرون السعوديون وزملائي أنني أمتلك قدرات وتركيزا على مواضيع لم تكن عند غيري فميزوني. وليس من الممكن أن أنسى ذلك والتدريب الذي وفروه لي في الأرصاد الجوية وشركة الأخبار الخاصة البريطانية بوصفي مذيعا. لقد كبرت مع «إم بي سي» وابتعدت عن السياسة للعمل في الوثائقيات. مرحلة من عمري الصحافي أشتاق إليها لأنني أعتبرها مرحلة ذهبية وليس لها بديل. أنا على تواصل معهم وعندما أتابع القناة تعز علي لأنني ابن المؤسسة وتمنيت أن أستمر معهم ولكن شاءت الظروف غير ذلك.
* هل تفكر بالعودة؟
- أستبعد لأنني جربت المعيشة في دبي ولم أستطع التأقلم وتعبت نفسيا لارتباطاتي الأسرية في لندن.
* ما الذي تلا تجربتك مع «إم بي سي»؟
- التحقت بعدها بـ«إل بي سي» في لبنان من خلال تجربة الحياة «إل بي سي» التي كانت شركة سعودية لبنانية تنوي إطلاق قناة إخبارية. وتزامنت مع حرب العراق في 2003 التي فرضت على الفضائية اللبنانية «إل بي سي» أي أن تتحول لفترة من الفترات إلى قناة إخبارية. كانت تجربة غريبة ولكن مثرية تعلمت فيها الكثير على مدى عامين وكان دوامي في الليل وكنا نغطي الانفجارات والهجمات في بغداد وديالى والصدر وغيرها. كنا متوترين دائما. وكان عندي برنامج العالم الليلة كان من 40 دقيقة إلى ساعتين لتغطية الأحداث في العراق.
* ما الموقف في تلك التجربة بالذات الذي علق في دماغك؟
- الموقف هذا لن أنساه وهو اجتياح بغداد. كنت على الهواء ورأينا الدبابات الأميركية تدخل بغداد وقصف فندق الرشيد والقنابل المضيئة الرهيبة التي رأيناها لأول مرة في سماء العاصمة العراقية. كان التاريخ يكتب أمام عيني والتحدي الأكبر هو الالتزام بالمهنية ووصف ما يحدث في الصورة فقط دون الإدلاء بآراء شخصية أو التعبير عن مشاعر خاصة حول ما يحدث. مدينة عربية تدمر وجيوش أجنبية تجتاحها.. ولكن لم أكن بموقع أن أعبر عن رأيي والتزمت بالمهنية والموضوعية وكانت تجربة صعبة جدا رؤية العراق ينحدر إلى حرب طائفية أهلية. تجارب تدمع العيون وعندما أسترجعها تؤثر في كثيرا لأنها كانت المقدمة للوضع الذي نحن فيه الآن وكنت شاهدا عليها. فقد كنت متوترا حينها والخوف من فقدان المصداقية في توقيت كان صعبا التأكد من الأخبار لأن التأكد والنفي كان يأتينا.
* وبعد تجربتك مع «إل بي سي» هل عدت إلى «إم بي سي» مجددا؟
- عدت إلى «إم بي سي» من خلال مكتب «العربية» في لندن كمراسل وكمذيع وكضيف في دبي. طلب مني حينها الأستاذ عبد الرحمن الراشد الذي أعتبره من أهم الصحافيين وأكن له كل الحب والاحترام أن أعود إلى دبي ولكن لم أستطع التأقلم وفضلت أن أعيش في لندن وأتنقل بينها وبين دبي وعملت معهم لمدة 3 أو 4 سنوات كمراسل متجول في المملكة المتحدة وأوروبا وكنت أسافر إلى دبي لأشارك كمذيع بتغطيات مثل الانتخابات الأميركية وانتخابات لبنان وتفجيرات لبنان واغتيال رفيق الحريري ومن ثم أحداث اليمن كنا نغطيها عبر تقنية الـ«فيديو وال» وكنا أول ناس في الـ«إم بي سي» استخدمنا التحليق الافتراضي وأنا فخور لأنني نلت جوائز على هذه الأمور التقنية فقد استثمروا في وأنا رديت الجميل وأنا فخور بذلك. وبعدها ذهبت إلى «بي بي سي».
* كيف التحقت بـ«بي بي سي»؟
- التحاقي كان سهلا ومباشرا، كنت أعرف أن صلاح نجم هو مدير «بي بي سي» وكان مديري في «العربية» وكلمته وطلب مني أن أقدم طلبا كغيري من الزملاء والتقوا بي ووافقوا علي بعد فترة المفاوضات والتحقت بهم. ولكنني ما زلت على تواصل مع عائلتي في «العربية» ومنهم عبد الرحمن الراشد ونخلة الحاج.
* كيف اختلفت تجربتك مع «بي بي سي» من غيرها؟
- كانت «بي بي سي» فترة ومرحلة مختلفة عما سبقها، فأصبحت أقدم برامج تحليلية مثل العالم هذا المساء أنا ورانيا العطار ودينا وقاس ومع ملاك جعفر. وطورت أنا وراغدة زويني برنامج عالم الظهيرة وغيرها. واشتركت أيضا في برنامج عن السينما البديلة المستقلة وساهمت بتطوير الفكرة وأقدمه منذ 3 سنوات وأعتبره رئتي الثالثة التي تبعدني عن إحباط السياسة وشكل متنفسا آخر. وأحببت الفن السينمائي المخبأ. وبعدها كرمنا صانعي الأفلام الشباب في مهرجان عن قرب الشهر الماضي. برنامج سينما بديلة يدعم الشباب لأنه يبث السبت في الليل ويشاهده ملايين الناس حول العالم ونسخت محطات أخرى هذا البرنامج. ومهما أتتني عروض من الخليج وبريطانيا ولندن بأضعاف راتبي لم أفكر في ترك عائلة «بي بي سي». لأنني دخلت مجال الإبداع والسينما من خلال «بي بي سي».
* وهل تفكر بدخول عالم السينما نظرا لشغفك بها؟
- هناك مخرجون عرب شباب طلبوا مني التمثيل بأفلام. وكانت لي تجربة تمثيل من خلال سيناريو كتبته منى ديلي مخرجة سينما بديلة ومثلنا فيها أنا ورضى الماوي زميلي المقدم ومنى حلت كضيفة شرف في ثلاثية. وكانت تجربة ممتعة. ولقيت إعجاب المشاهدين. ولذلك أحب أن أحاول التمثيل. ومعروض علي دور صحافي في فيلم في دبي حيث كتب السيناريو بناء على شخصيتي. ولكن لو خضتها يجب أن أكون حذرا لأن شخصيتي الإخبارية جادة.
* من هي قدوتك في الإعلام؟
- هناك الكثير من الناس أنا أحبهم وأتعلم منهم. ففي لبنان هو عادل مالك أستاذ الجميع بقدراته الصحافية وإنسانيته. لقد تعلمت منه الكثير وملاحظاته لي لطيفة جدا على شكل رسائل مكتوبة. وأحب ملاك جعفر وأندهش بسرعة من بديهتها وقدرتها على إدارة الحوار. وأيضا رشا قنديل. وغيرهم من زملائي كمهند قنديل وعمر عبد الحميد.
* من هو كاتبك المفضل؟
- غربيا، أحب باولو كويولو لأن لديه روحانية تشبه روحانية جبران خليل جبران. أنا إنسان روحاني جدا. وميخائيل نعيمي ومي زيادة أعتبرهم من رواد الكتاب شعرا ونثرا سبقت عصرهم. ومن القصاصين أعتبر نجيب محفوظ مدرسة.
* ما هي الصحف اليومية التي تتطلع عليها؟
- بشكل يومي «الشرق الأوسط» و«الحياة» و«إيلاف» أتابع مواقعها الإلكترونية. وأقرأ الصحف الورقية عندما تكون متوفرة. أحب موقع «بي بي سي» عربي لأنه متجدد وعدة مواقع لبنانية ومصرية وليبية. ومن الصحف الأجنبية، «الغارديان» هي صحيفتي المفضلة.
* ما رأيك بالإعلام الجديد؟ هل سيحل محل الإعلام التقليدي؟
- أعتقد أن الإعلام الجديد يكمل الإعلام التقليدي. وبعد عقدين من السنين قد يحل مكان الإعلام الجديد إعلام من نوع آخر. والذين قالوا من 20 عاما بأن التلفزيون سينتهي أخطأوا. قد يتغير شكله ولكن لم يختف ولا السينما أيضا.
* هل اختلف المشاهد مع الإعلام الجديد وظهور ظاهرة «الصحافي المواطن»؟
- أكيد، أصبح المشاهد شاهدا يوثق بكاميرا هاتفه عرضا لأزياء أو حتى مجزرة بسوريا. أصبح المواطن يوثق ويكتب التاريخ. كلنا تحولنا إلى صحافيين. هذه الظاهرة تساهم في إثراء المحتوى ولكن جودتها ليست عالية بعد وتحتاج إلى تطوير.
* كيف تواكب «بي بي سي» التطور هذا؟
- هناك الكثير من المشاريع والأفكار للتماشي مع الإعلام الجديد لمواكبة العصر. فبإمكانك مشاهدة تقارير «بي بي سي» على الجوالات. وتطوير تطبيقات فعالية نقلتنا إلى مكان آخر.
* ما الدور المميز الذي تلعبه «بي بي سي» في ظل التغيرات الشرق الأوسطية وسط مناخ سياسي شائك؟ وخصوصا مع زيادة القنوات الإعلامية العربية بكثرة في الآونة الأخيرة؟
- لم يقل لي أحد ما في «بي بي سي» أن أهاجم أو أحرض أو حتى أن أكون لينا مع ضيف.. ولم يقل لي أحد احجب هذه الصورة أو ضع رقابة على هذا الخبر. «بي بي سي» تعتمد على حرية التعبير وهذا أمر أعتز فيه. فهناك حرية مطلقة لتوصيل الموضوع إلى المشاهد من دون إملاء أو أوامر من أي أحد أو أي جهة. نقع بأخطاء مثلنا مثل غيرنا. ولكننا حريصون على موضوعيتها ونريد الأفضل دائما لرواية الصورة من كل أبعادها لمشاهدينا. «بي بي سي» بالنسبة لي هي هامش الإبداع والمجال لتنفس الهواء النقي.



«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي


الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية
TT

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

مع ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات، يتصاعد القلق داخل منصات إعلامية ومواقع إلكترونية، إزاء ما قد يسببه ذلك من تراجع في حجم الزيارات، وما يستتبعه من تداعيات على عائدات الإعلانات.

ووفقاً لتقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» أخيراً، فإن «نسبة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن المعلومات تفوق نسبة من يستخدمونه لإنتاج المحتوى».

وأردف التقرير أن «استخدام الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات بات بديلاً لمحركات البحث التقليدية، وأن هناك ازدياداً في نسبة الذين يكتفون بمطالعة ملخصات الذكاء الاصطناعي، أو ما يقدمه من معلومات، دون النقر على المواقع التي نشرت تلك المعلومات».

تقرير «معهد رويترز» كشف أيضاً عن أن «ثلث المستخدمين فقط ينقرون باستمرار على روابط المصادر المرفقة بإجابات البحث المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، في حين أن 28 في المائة منهم نادراً ما يفعلون ذلك، أو لا يفعلونه على الإطلاق».

رائف الغوري، المدرب والباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إنه «على الرغم مما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي من سرعة وكفاءة في الحصول على المعلومات، فهي تمثل تحدياً جديداً أمام الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية... وإن هذه التحديثات ستؤدي إلى تقليل النقر على الروابط والدخول المباشر إلى المواقع الإلكترونية».

ومن ثم أشار الغوري إلى ما فعله محرِّك البحث «غوغل» بتطويره مساعداً ذكياً قادراً على تنفيذ مهام محددة، وتقديم المعلومات بشكل تفاعلي ومستمر. وذكر أن هذا «يحتِّم على الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية ابتكار طرائق أخرى للإعلان عن محتوياتهم من خدمات ومنتجات».

وبالتالي، اقترح خطوات لمساعدة الناشرين على التكيف مع الواقع الجديد، منها: «الارتقاء بجودة العمل الصحافي، وتفادي الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي فقط، والرجوع إلى المصادر الأصلية والتحقق منها، وإنتاج محتوى أعمق قائم على التحقيق والإحصاءات واستطلاعات الرأي، واعتماد منهج هجين يجمع بين أدوات البحث التقليدية والذكاء الاصطناعي»؛ هذا إلى جانب «تطوير مهارات الصحافيين وزيادة وعيهم بطرق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقليص الاعتماد على الزيارات المباشرة، مقابل ابتكار طرائق للوصول للجمهور من خارج محركات البحث، وأخيراً تطوير أساليب جديدة لترويج المحتوى، باستخدام قنوات بديلة، مثل التطبيقات والمنصات المباشرة والشراكات».

وخلص الغوري إلى أن «النجاح لن يكون في منافسة الذكاء الاصطناعي؛ بل في التكيُّف معه وتقديم محتوى أصيل موثوق لا يمكن تعويضه بسهولة».

جدير بالذكر أن «غوغل» كان قد أطلق عام 2024 خدمة ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما تسبب في تراجع حجم الزيارات للمواقع الإلكترونية، حسب دراسات عدة.

وفي هذا الإطار، تطرَّق محمد الصاوي، المتخصص في الرصد والتحليل الإعلامي، إلى «تحوُّلات متسارعة في المشهد الإعلامي العالمي في أنماط استهلاك المعلومات». وتابع في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن اعتماد المستخدمين يزداد على أدوات الذكاء الاصطناعي كمصدر مباشر للإجابات، مقابل تراجع ملحوظ في الاعتماد على المواقع الإلكترونية ومحركات البحث التقليدية.

وأرجع الصاوي ذلك إلى «قدرة هذه الأدوات على تقديم إجابات مختصرة وفورية تقلل من الحاجة إلى تصفُّح عدة مصادر، في حين تشير الدراسات إلى أن ظهور الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يؤدي إلى انخفاض واضح في معدلات النقر على الروابط الإخبارية».

وتابع: «هذه الممارسة تعكس انتقالاً من البحث التقليدي إلى التقييم المقارن للمعرفة؛ حيث تُستخدم الأدوات؛ ليس فقط لاستخلاص المعلومات؛ بل لتحليل النبرة والمشاعر وتحديد مؤشرات السمعة الإعلامية، مع إدراك متنامٍ لضرورة التحقق بسبب احتمالات الأخطاء أو الهلوسة التي قد تنتج عن هذه الأنظمة».

واستطرد ليوضح أن هذا التغير «يفرض تحديات جوهرية على الناشرين وصناعة الأخبار، أبرزها تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لـ(الترافيك) والإيرادات الإعلانية. يضاف إلى ذلك إشكال آخر مرتبط بالإسناد وحقوق النشر؛ حيث تعتمد أنظمة ذكاء اصطناعي كثيرة على محتوى الناشرين، دون ضمان واضح لإعادة توجيه الزيارات أو إبراز المصدر بشكل كافٍ».

هذا قبل أن يلفت إلى أن «ضعف الإسناد في بعض الحالات قد يؤدي إلى تشويه المعلومات أو الإضرار بسمعة الوسائل الإعلامية... وعليه، في مواجهة هذه المتغيرات، يبرز اتجاه متنامٍ نحو إعادة تعريف استراتيجيات النشر والرصد الإعلامي، من خلال التركيز على إنتاج محتوى أصلي عالي الجودة، وتعزيز الحضور داخل إجابات الذكاء الاصطناعي، عبر ما يُعرف بتحسين الظهور في محركات الإجابة، إلى جانب بناء قنوات مباشرة مع الجمهور تقلل الاعتماد على المنصات الوسيطة».

في سياق متصل، رأى الصاوي «ضرورة أن يعيد الناشرون صياغة استراتيجياتهم التحريرية بما يتوافق مع بيئة محركات الإجابة، عبر التركيز على إنتاج محتوى سهل الاقتباس، يتضمن حقائق واضحة، وسياقات مكتملة تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على استرجاعه بشكل صحيح». ثم شدَّد على أن «الاستثمار في المحتوى الحصري والتحليلي العميق يُعدُّ عاملاً حاسماً، نظراً لأن النماذج الذكية تعتمد في الأساس على هذا النوع من المواد لإنتاج إجاباتها، وهو ما يمنح الناشرين فرصة للحفاظ على حضورهم كمصادر موثوقة داخل هذه الأنظمة، بدلاً من الاكتفاء بدور المورِّد غير المرئي للمعرفة».


«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.