أطراف الاتفاق النووي تصر على إنقاذه من الضغوط الأميركية

ممثلون من أطراف الاتفاق النووي مع إيران يجتمعون في فندق قصر كوبورغ بفيينا أمس (رويترز)
ممثلون من أطراف الاتفاق النووي مع إيران يجتمعون في فندق قصر كوبورغ بفيينا أمس (رويترز)
TT

أطراف الاتفاق النووي تصر على إنقاذه من الضغوط الأميركية

ممثلون من أطراف الاتفاق النووي مع إيران يجتمعون في فندق قصر كوبورغ بفيينا أمس (رويترز)
ممثلون من أطراف الاتفاق النووي مع إيران يجتمعون في فندق قصر كوبورغ بفيينا أمس (رويترز)

أصرت أطراف الاتفاق النووي، أمس، في فيينا، على إنقاذ «الجثة الهامدة» للاتفاق النووي الإيراني، في أول اجتماع منذ إعلان الولايات المتحدة تفعيل آلية لإعادة العقوبات الدولية على طهران بدءاً من 20 سبتمبر (أيلول) الحالي.
وأعلنت بريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين وروسيا وإيران وقوفها في جبهة واحدة لحفظ الاتفاق النووي، في وقت تمارس فيه الولايات المتحدة ضغوطاً متزايدة لمنع إيران من دخول سوق السلاح. ولفتت هلغا شميد، نائبة مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، التي ترأست الاجتماع إلى أهمية «وحدة العزيمة» بين المشاركين في الحفاظ على الاتفاق النووي، و«إيجاد طرق لضمان التنفيذ الكامل للخطة المشتركة (الاتفاق النووي)، رغم التحديات الحالية».
وتركت قواعد فرضتها جائحة كورونا تأثيرها على تشكيلة الدبلوماسيين الذين تجمعهم عادة طاولة مباحثات في فندق قصر كوبورغ، في فيينا، حيث أقيم الاجتماع وفق أصول التباعد الاجتماعي، بأقل عدد من ممثلي الدول المشاركة.
وجاء الاجتماع في إطار مباحثات فصلية تجريها أطراف الاتفاق النووي لبحث مسارات تنفيذه، لكن هذه المرة اكتسب حساسية مضاعفة بسبب لجوء الولايات المتحدة لتفعيل آلية «سناب بك»، لإعادة العقوبات الأممية على طهران، في محاولة أخيرة لمنع رفع حظر السلاح الإيراني المقرر في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
ولم يعلق كبير المفاوضين الإيرانيين، عباس عراقجي، نائب وزير الخارجية للشؤون السياسة، بعد نهاية المباحثات، لكنه قبل الاجتماع قال إن التحرك الأميركي «بالتأكيد موضوع نقاش مهم»، معرباً عن أمله في أن «تواصل الدول الأعضاء مواقفها الأخيرة في نيويورك»، لكنه أشار إلى أن «الاجتماع عادي للجنة المشتركة. ووفق جدول أعمالها، تتناول القضايا الخاصة بتنفيذ الاتفاق على الصعيدين النووي والعقوبات».
وواصل سفير روسيا الدائم لدى المنظمات الدولية، ميخائيل أوليانوف، انتقاداته الحادة للولايات المتحدة قبل الاجتماع، وقال عبر «تويتر» في وقت لاحق: «أظهر اجتماع اليوم أن المشاركين ملتزمون تماماً بالاتفاق النووي، ومصممون على بذل قصارى جهدهم للحفاظ عليه».
ونقلت وكالة «أسوشيتدبرس»، عن المندوب الصيني فو كونغ، قوله للصحافيين إن «الدول الأعضاء اتفقت جمعيها على أن الولايات المتحدة لم يعد لديها الأساس أو المكانة القانونية لتفعيل (سناب بك)»، مضيفاً أن بكين تعتقد أن «واشنطن تستخدم الآلية لمحاولة تخريب أو قتل الاتفاق النووي»، وأشار إلى أن الدول الأخرى ليست مستعدة أيضاً «للانتظار لترى ما إذا كان ترمب سيُعاد انتخابه في نوفمبر (تشرين الثاني)»، وقال: «الولايات المتحدة رغم أنها قوة عظمى، فإنها دولة واحدة، لذا فإن الدول الأخرى تمضي قدماً».
وانسحبت الولايات المتحدة عام 2018 من الاتفاق الموقع في 2015، وأعادت فرض عقوبات أحادية الجانب، بهدف إجبار طهران على اتفاق أشمل، يتضمن الصواريخ الباليستية والأنشطة الإقليمية. ورداً على ذلك، تواصل طهران إنتاج اليورانيوم الذي بات يتجاوز بثماني مرات الحد المسموح به، وفق آخر تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، صادر في يونيو (حزيران) الماضي.
وفي 21 أغسطس (آب)، فعلت واشنطن رسمياً في الأمم المتحدة آلية مثيرة للجدل للمطالبة بإعادة فرض عقوبات دولية على إيران في غضون شهر، إلا أنها اصطدمت فوراً برفض حلفائها الأوروبيين.
واحتدت النبرة، على غير العادة، بين دول ضفتي الأطلسي، فذهب وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إلى حد اتهام فرنسا وبريطانيا وألمانيا بأنها «اختارت الانحياز إلى آيات الله» في إيران.
وفي هذا السياق المتوتر، عانى تماسك الموقف بين الإيرانيين والأوروبيين والروس والصينيين من نقص التعاون بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الهيئة الأممية المكلفة بمراقبة أنشطة إيران النووية.
ومنذ أشهر، تطلب هذه الأخيرة السماح لها بالدخول إلى موقعين نوويين مشبوهين في إيران لتفتيشهما، إلا أن إيران كانت ترفض الأمر، ما جعل موقف الأوروبيين صعباً أكثر فأكثر لمواجهة حلفائهم الأميركيين. لكن الأربعاء، أعطت إيران أخيراً الضوء الأخضر للوكالة للدخول إلى الموقعين.
ويُتوقع أن تنشر الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تبلغ بانتظام الدول الأعضاء فيها بأنشطة إيران النووية، تقريراً جديداً خلال شهر سبتمبر (أيلول) الحالي.
وقبل اجتماعه بأطراف الاتفاق النووي، قال عراقجي، أمس، إنه سيجري مباحثات مع المدير العام للوكالة الدولية، رافائيل غروسي، في فيينا، لمناقشة تنفيذ الاتفاق الأخير.
وصرح عراقجي للتلفزيون الإيراني بأن زيارة غروسي، الأسبوع الماضي، إلى طهران «رفعت مشكلات جدية في العلاقة بين إيران والوكالة الدولية». ويفترض أن يتمكن مفتشو الوكالة الدولية من أخذ عينات بسرعة من المكان. وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية عن دبلوماسي بأن الأمر يستغرق «3 أشهر للحصول على نتائج العينات»، وأضافت أن «المسألة قد تطرح عندها إشكالية مع الإيرانيين».
وأفادت وكالة «بلومبرغ» بأن إيران نقلت أيضاً مؤخراً أجهزة للطرد المركزي تستخدم لتخصيب اليورانيوم إلى قاعدة جديدة في منشأة نطنز النووية التي استهدفها عمل تخريبي في يوليو (تموز) الماضي.
ويرى مارك فيتزباتريك، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن «الأنشطة النووية الإيرانية تبقى مصدر قلق كبير بالنسبة للدول التي تكرس نفسها لعدم انتشار الأسلحة».
وفي موسكو، نقلت الخدمة العربية لموقع «روسيا اليوم»، عن وزير الخارجية سيرغي لافروف، قوله إن روسيا «لا تزال مستعدة لدعم أي حوار مباشر بين الولايات المتحدة وإيران».
وقال لافروف، في كلمة في المعهد الحكومي للعلاقات الدولية، أمس: «مستعدون للمساهمة في تهيئة الظروف المواتية لمثل هذا الحوار، في حال إبداء البلدين اهتمامهما بذلك».
ورفض لافروف لجوء الولايات المتحدة إلى آلية «سناب بك» لتمديد حظر السلاح على إيران، قائلاً إنه «أمر لا يتصوره العقل»، مضيفاً أنه «لا يوجد أي أساس لإعادة العقوبات، نظراً لالتزام إيران بتعهداتها»، وثانياً «لأن الولايات المتحدة فقدت صلاحياتها بموجب خطة العمل بعد مغادرتها الاتفاق (النووي)».
وفي شأن متصل، أعلنت الخارجية السويسرية أن وزير خارجيتها سيصل طهران السبت المقبل، في زيارة تستغرق يومين، بمناسبة مئوية العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وأقدمت سويسرا التي ترعى المصالح الأميركية في إيران منذ 40 عاماً على جهود وساطة لخفض التوتر بين طهران وواشنطن خلال العامين الماضيين.



خياران لحصار «هرمز»... تنازل وصفقة أو حرب جديدة

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

خياران لحصار «هرمز»... تنازل وصفقة أو حرب جديدة

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت واشنطن وطهران ستعودان إلى التفاوض، بل أي تفاوض هذا الذي يمكن أن يصمد تحت حصار بحري وتهديدات عسكرية متبادلة؟

فإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدء حصار يستهدف حركة السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية، بالتوازي مع حديث عن جولة ثانية محتملة من المحادثات خلال أيام، يكشف عن أن الإدارة الأميركية لا تتحرك على مسار دبلوماسي خالص، بل على مسار مزدوج: إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، مع رفع كلفة الرفض الإيراني إلى أقصى حد.

لكن هذا النهج لا يضمن اختراقاً سريعاً، بقدر ما ينقل الصراع إلى ساحة جديدة عنوانها اختبار القدرة على الاحتمال السياسي والاقتصادي، في واشنطن كما في طهران.

وتشي تفاصيل العرض الأميركي الأخير، والرد الإيراني عليه، إلى أن فجوة الخلاف ما زالت عميقة، حتى لو بدت اللغة العلنية أقل انسداداً مما كانت عليه في ذروة الحرب.

رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف ونائب الرئيس الأميركي دونالد ترمب جي دي فانس

تفاوض دون اختراق

المؤشرات المتاحة حتى الآن تدعم فرضية أن جولة ثانية من التفاوض ممكنة، لكنها لا تدعم بعد فرضية قرب التوصل إلى اتفاق. فوكالتا «رويترز» و«أسوشييتد برس» أشارتا إلى اتصالات قائمة لترتيب جولة جديدة بعد محادثات إسلام آباد، فيما قال جي دي فانس إن واشنطن حققت «تقدماً كبيراً» لكن الكرة الآن في ملعب طهران.

غير أن جوهر الخلاف لم يتغير: الولايات المتحدة طرحت تعليقاً للنشاط النووي الإيراني لمدة 20 عاماً، بينما تمسكت إيران بعرض أقل كثيراً، تراوح في التسريبات بين خمس سنوات وأقل من عشر، مع رفض إخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من البلاد.

هذه ليست فجوة تقنية فقط، بل فجوة سياسية وسيادية: واشنطن تريد صيغة تمنع إعادة إنتاج أزمة لطالما هاجمها ترمب في اتفاق 2015، فيما تسعى طهران إلى تجنب أي تنازل يبدو استسلاماً دائماً لشروط الحرب.

لهذا، يبدو الحديث عن «صفقة قريبة» مبالغاً فيه. ما يجري أقرب إلى تفاوض تحت الإكراه، لا إلى تفاوض ناضج عن تسوية مكتملة. وتكفي قراءة التسريبات عن العُقد الأخرى؛ من إعادة فتح مضيق هرمز إلى مصير اليورانيوم المخصب والدعم الإيراني للفصائل الإقليمية، لفهم أن النووي ليس سوى العقدة المركزية داخل حزمة أوسع بكثير من الشروط المتشابكة. لهذا أيضاً، قد تكون المحادثات المقبلة استمراراً لشراء الوقت أكثر من كونها جسراً سريعاً إلى اتفاق نهائي، خصوصاً أن كل طرف يعتقد أن بإمكانه تحسين شروطه قبل التوقيع.

فانس خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعه مع ممثلين لباكستان وإيران ويستمع إليه جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي والمبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف في إسلام آباد (أ.ف.ب)

الحصار أداة تفاوض

ترمب يتصرف هنا على أساس أن الحصار البحري يمكن أن يحقق ما لم تحققه الضربات وحدها: خنق شريان الإيرادات النفطية، وإظهار أن كلفة التعنت الإيراني لن تقتصر على الخسائر العسكرية، بل ستصل إلى قلب الاقتصاد والدولة.

وقد ربط البيت الأبيض صراحة بين «فاعلية» الحصار وزيادة «يأس» الإيرانيين من أجل إبرام اتفاق، بينما ذهب ترمب إلى حد التهديد بتدمير أي زوارق إيرانية سريعة تقترب من خط الحصار.

لكن هذا التصعيد يكشف في الوقت نفسه عن أن واشنطن لا تزال غير واثقة من أن إيران ستستجيب سريعاً للضغط، ولذلك تحاول رفع منسوب الردع الميداني مع إبقاء قناة التفاوض مفتوحة.

في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، يقول فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن مشاركة الإيرانيين والأميركيين في جولة أخرى «مرجحة»، لكن بلوغ اتفاق «لا يبدو مرجحاً جداً الآن»، مضيفاً أنه يرى «عملية لوجيستية عسكرية أميركية غير مسبوقة» لنقل مزيد من الأصول العسكرية إلى الشرق الأوسط، قد تشمل «مكوناً برياً» في حال استئناف العمليات ضد النظام الإيراني.

أهمية هذا التقدير لا تكمن فقط في تشاؤمه التفاوضي، بل في أنه يربط بين استمرار الدبلوماسية وتراكم الاستعدادات العسكرية؛ أي أن التفاوض هنا ليس بديلاً عن القوة، بل غطاء لإمكان العودة إليها على نحو أوسع.

هذا هو جوهر المعادلة الحالية: الحصار ليس نهاية الحرب، بل طريقة لتغيير شكلها؛ فبدلاً من القصف اليومي المكثف، تنتقل المواجهة إلى حرب خنق اقتصادي واختبار إرادة، مع بقاء احتمال الانزلاق مجدداً إلى القتال المباشر قائماً في أي لحظة، بحسب نديمي.

سفينة تنقل غاز البترول المسال في ميناء مومباي بالهند بعد عبورها مضيق هرمز... 1 أبريل 2026 (رويترز)

النفط مقابل السياسة

المسار الحالي يقوم على رهانين متقابلين؛ واشنطن تراهن على أن خنق النفط الإيراني سيُرغم طهران على التراجع. أما إيران فتراهن على أن ترمب نفسه لن يتحمل الكلفة السياسية المترتبة على إطالة هذا المسار. فكلما طال أمد الحصار، زاد خطر ارتفاع أسعار النفط والطاقة، وتضخم الأثر على الأسواق والمستهلك الأميركي، خصوصاً مع حساسية هذا الملف في الداخل الأميركي. لذلك، لا تنظر طهران إلى المواجهة الحالية فقط بوصفها اختباراً عسكرياً أو دبلوماسياً، بل أيضاً بوصفها اختباراً لقدرة الرئيس الأميركي على تحمّل الألم الاقتصادي والسياسي.

وهذا بالضبط ما يشرحه أليكس فاتنكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»؛ فهو يرى أن الحصار «من غير المرجح أن ينتج اختراقاً سريعاً»، لكنه سيُبقي الدبلوماسية حية تحت ضغط أكبر. فإيران، بحسب تقديره، لا تبتعد عن المحادثات، وتوجد إشارات إلى استمرار الانخراط غير المباشر وربما جولات جديدة قريباً، لكنها في الوقت نفسه غير مستعدة للتنازل في القضايا الجوهرية: التخصيب، وتخفيف العقوبات، والضمانات.

لذلك، فإن الحصار، في رأيه، لا يحل النزاع بل «يُقسيه»، وينقل الصراع إلى اختبار للتحمل الاقتصادي والسياسي. واشنطن تراهن على الضغط على النفط الإيراني، بينما تراهن طهران على قدرتها على رفع الكلفة على الولايات المتحدة، عبر أسواق الطاقة وأوراقها الإقليمية، بسرعة أكبر مما يستطيع البيت الأبيض تحمله سياسياً. النتيجة، بحسب فاتنكا، ليست صفقة قريبة، بل مساومة طويلة وهشة تتقدم فيها الدبلوماسية والتصعيد معاً.

لقطة تُظهر شاحنة في الزاوية العلوية اليسرى يعتقد المحللون أنها كانت تنقل يورانيوم عالي التخصيب إلى نفق في مجمع مركز أصفهان للتكنولوجيا النووية بإيران (أ.ب)

أخطار المسار الحالي

أخطر ما في هذا المسار أنه لا يقف عند حدود الضغط التفاوضي؛ فإذا لم ينتج الحصار تنازلاً إيرانياً فقد يتحول إلى منصة لتوسيع الصراع. نديمي يحذر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، من مجموعة أخطار واضحة: استمرار «المستنقع» في مضيق هرمز والخليج، واحتمال استئناف القتال على بعض الجبهات أو جميعها، ثم العودة إلى الحرب مع استهداف أكثر حزماً للبنية التحتية الاقتصادية في المنطقة، فضلاً عن خطر تمدد الأزمة إلى باب المندب، سواء عبر الألغام أو أدوات غير مباشرة لا تستلزم تورطاً معلناً.

هذه القراءة تعني أن فشل التفاوض في ظل الحصار لن يعيد الوضع فقط إلى ما كان عليه قبل المحادثات، بل قد يفتح مرحلة أكثر خطورة على الممرات المائية وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.

كما أن خطر سوء الحساب يبقى مرتفعاً للغاية؛ فالمفاوضات قد تستمر شكلياً، فيما التوتر العسكري يتصاعد ميدانياً، وهو ما يجعل أي حادث بحري، أو أي اعتراض لسفينة، أو أي محاولة إيرانية لاختبار حدود الحصار، شرارة محتملة لتوسيع المواجهة. وإضافة إلى ذلك، فإن بقاء الملفات الأخرى معلقة؛ من حرية الملاحة إلى مخزون اليورانيوم والعقوبات والدعم الإقليمي للفصائل المسلحة، يعني أن أي تقدم جزئي سيبقى هشاً وقابلاً للانهيار السريع.

في المحصلة، يبدو الأرجح أن إيران ستعود إلى طاولة التفاوض، لكن ليس لأن الحصار حسم أمرها، بل لأنها تريد تجنب الأسوأ، وكسب الوقت، ومحاولة إدارة التصعيد بشروط أقل كلفة. وفي المقابل، يبدو الأرجح أيضاً أن ترمب لن يحصل سريعاً على «الصفقة الكاملة» التي يريدها. ما نحن أمامه إذن ليس اختراقاً حاسماً، بل مرحلة جديدة من عضّ الأصابع: واشنطن تضغط على شريان النفط، وطهران تضغط على أعصاب السياسة والأسواق. وبينهما تبقى الدبلوماسية ممكنة، لكنها شديدة الهشاشة، تسير هذه المرة فوق مياه مضيق هرمز الملتهبة لا فوق أرض تفاهم صلبة.


جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز»

مبادرة فرنسية - بريطانية مشتركة لحماية الإبحار الآمن في مضيق هرمز: في الصورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ)
مبادرة فرنسية - بريطانية مشتركة لحماية الإبحار الآمن في مضيق هرمز: في الصورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ)
TT

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز»

مبادرة فرنسية - بريطانية مشتركة لحماية الإبحار الآمن في مضيق هرمز: في الصورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ)
مبادرة فرنسية - بريطانية مشتركة لحماية الإبحار الآمن في مضيق هرمز: في الصورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ)

تتكثف الاتصالات بين باريس ولندن للتحضير للمؤتمر الذي سينعقد عبر تقنية الاتصال المرئي، يوم الجمعة، وفق المعلومات التي كشفت عنها الثلاثاء مصادر قصر الإليزيه وأفادت بأن الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر سوف يديران أعمال الاجتماع.

وأفاد الإليزيه بأن الاجتماع سوف يضم الدول «غير المنخرطة في النزاع والمستعدة للمساهمة إلى جانبنا في مهمة متعددة الجنسيات، وذات طابع دفاعي بحت، ويكون هدفها استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك». وبكلام أوضح، فإن باريس ولندن والأطراف الأخرى المساهمة لن تتحرك ما دامت الحرب قائمة في المنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً للصحافة في إسلام آباد بعد انتهاء الاجتماعات مع المفاوضين الإيرانيين في 12 أبريل (رويترز)

وسبق لماكرون وستارمر أن شددا، كل من جانبه، على أن المهمة التي يدعوان لقيامها ستعمل بشكل مستقل عن الولايات المتحدة الأميركية، وأنها لن تشارك بأي شكل كان في العمليات العسكرية. وسبق لباريس أن ركزت، أكثر من مرة، على الطابع الدفاعي المحض لـ«المهمة»؛ الأمر الذي لا يعني عدم استخدام القوة في حال تعرضت القطع البحرية المشاركة لهجمات من الجانب الإيراني. ومن الجانب البريطاني، قال ناطق باسم ستارمر، الثلاثاء إن القمة «سوف تسعى إلى دفع الجهود الرامية إلى وضع خطة منسقة ومستقلة ومتعددة الأطراف»، لتأمين الملاحة البحرية الدولية «فور انتهاء النزاع».

35 دولة معنية

لن تبدأ قمة الجمعة المقبل العمل من فراغ؛ ذلك أن البحث في تشكيل «مهمة» سبق لماكرون أن وصفها بـ«تحالف دولي» انطلق منتصف الشهر الماضي. وفي 19 مارس (آذار)، أصدرت ست دول «فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وهولندا واليابان» بياناً مشتركاً أكدت فيه جهوزيتها لـ«المشاركة في الجهود الضرورية لضمان الإبحار الآمن في مضيق هرمز».

واللافت أن بريطانيا أعلنت سابقاً أنها تعمل على «خطة» بالتعاون مع شركاء في أوروبا ومنطقة الخليج وأيضاً مع الولايات المتحدة لاستعادة حرية الملاحة في المضيق المذكور. واليوم، لم تعد متمسكة بالعمل مع الأسطول الأميركي المنتشر في المنطقة، وفضلت عليه العمل مع باريس. وسبق للطرفين الفرنسي والبريطاني أن استضافا اجتماعات سياسية وعسكرية تحضيرية لهذه المهمة قبل أن يتغير المعطى الميداني في الخليج ومضيق هرمز، أي قبل أن يفرض الرئيس ترمب حصاراً على الموانئ الإيرانية، عقب فشل محادثات إسلام آباد نهاية الأسبوع الماضي.

يوم 26 مارس الماضي، نظم الجنرال فابيان ماندون، رئيس أركان القوات الفرنسية، اجتماعاً عبر تقنية الاتصال المرئي شارك فيه 35 من نظرائه الأوروبيين وغير الأوروبيين لدراسة الجوانب «التقنية» لـ«المهمة» وللتعرف على ما يستطيع كل طرف المساهمة به.

وشدد المجتمعون على «الانفصال التام» عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية الجارية، علماً بأن باريس ولندن ساهمتا، بفضل انتشارهما في منطقة الخليج وفي العراق والأردن، في التصدي للمسيرات والصواريخ الإيرانية التي تستهدف الدول المرتبطتين معها باتفاقيات دفاعية. كذلك، فإن وزيرة الخارجية البريطانية رأست، من جانبها، اجتماعاً عن بعد، شارك فيه نحو أربعين من نظرائها (أوروبا، وشرق آسيا، والخليج) للنظر بملف أمن المضيق، وسبل العمل على ضمانه. وبحسب مصادر متعددة، كان الاجتماع «تشاورياً» ولم يصدر عنه أي قرار أو توصية.

سفينة غير واضحة الهوية في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم في عُمان 12 أبريل (رويترز)

خلاصة ما سبق أن موضوع أمن الملاحة في مضيق هرمز أثير منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي، أي مع بدء العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران. ومنذ البداية، حرص أصحاب المبادرة على أمرين: الأول، التأكيد على أن انطلاق عمل «المهمة» مرهون بتوقف الأعمال القتالية. والثاني، التأكيد على «حصريتها»؛ وتعني مواكبة السفن الداخلة أو الخارجة من المضيق، والالتزام بـ«موقف دفاعي» يستبعد التصويب على المواقع الإيرانية والاكتفاء بالدفاع عن النفس وعن السفن المرافقة.

ووفق ما هو منتظر، فإن المهمة الجديدة تشبه إلى حد بعيد «مهمة أسبيدس» التي أطلقها الأوروبيون وحدهم في عام 2023 لضمان أمن الإبحار في البحر الأحمر، من باب المندب وحتى مدخل قناة السويس. لكن «مهمة هرمز» ستكون أكبر وأوسع ولكن أكثر خطورة.

تهميش أوروبا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متحدثاً أمام مجلس العموم البريطاني الاثنين عن الوضع في الشرق الأوسط (إ.ب.أ)

يقول مصدر دبلوماسي في باريس إن صعوبة «المهمة» أن لا أحد يعرف متى ستبدأ وكيف ستعمل. والأهم أنها مربوطة بما سيقرره الطرفان المعنيان؛ أي طهران وواشنطن. فعملية «الحصار» الأميركية المفروضة على الموانئ الإيرانية «دخولاً وخروجاً» غير معروفة المدة ولا كيفية تطورها. كذلك يجهل الأوروبيون طبيعة ردود الفعل الإيرانية على مبادرتهم.

وسبق لباريس أن أكدت أن من الضروري أن تكون بالتفاهم مع الطرف الإيراني. والحال أن التواصل بين الغربيين والسلطات الإيرانية مجمد وليس هناك سوى ماكرون، من بين القادة الغربيين، الذي يواظب على التشاور مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

والاثنين، اتصل ماكرون بالرئيسين ترمب وبزشكيان، ودعا في تغريدة نشرها على منصة «إكس» ظهر الثلاثاء إلى «استئناف المفاوضات الأميركية - الإيرانية التي توقفت في إسلام آباد، وتوضيح سوء الفهم، وتجنب مراحل جديدة من التصعيد».

وبخصوص مضيق هرمز، شدد على أهمية «إعادة فتحه بشكل غير مشروط، من دون عمليات تفتيش أو رسوم عبور، وفي أقرب وقت ممكن». كذلك أكد التئام المؤتمر الخاص بـ«المهمة» يوم الجمعة، مكرراً خصائصها الأساسية «تعدد الأطراف، واقتصارها على دول غير منخرطة في القتال وطابعها الدفاعي المحض». وربط ماكرون انتشارها بـ«توافر الظروف الأمنية» لذلك.

ومن الجانب البريطاني، عمدت لندن إلى تشكيل «لجنة الاستجابة لأزمة الشرق الأوسط» المفترض أن تكون قد عقدت اجتماعها الأول الثلاثاء المكرس لأوضاع الملاحة في المضيق المذكور، الذي يطأ بثقله على اقتصاديات غالبية دول العالم، بسبب تأثيره على إمدادات النفط والغاز.

ما تقوم به لندن وباريس يعكس القلق مما هو حاصل في حرب الشرق الأوسط. ويشعر الأوروبيون بالتهميش فيما يخص «المسألة الإيرانية»، رغم كونهم الجهة التي بدأت التفاوض مع إيران حول ملفها النووي منذ عام 2003.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الثلاثاء في باحة قصر الإليزيه الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو بمناسبة زيارة الدولة التي يقوم بها لفرنسا (إ.ب.أ)

وكان للثلاثي الأوروبي (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) دور أساسي في التوصل إلى اتفاقية عام 2015 التي خرج منها ترمب في عام 2018. وتقول مصادر فرنسية إن الأوروبيين سيعودون حتماً إلى هذا الملف عند بدء مناقشة رفع العقوبات عن إيران ومنها العقوبات الدولية التي تم تفعيلها في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، بناء على طلبهم، من خلال آلية «سناب باك». لكن هؤلاء ليسوا مطمئنين لما قد يقرره ترمب ولتقلبات مواقفه. فالأخير لم يستشرهم قبل بدء العملية العسكرية، وأبقاهم بعيدين عن مجريات مفاوضات إسلام آباد، ولا أحد يعرف ما إذا كان سيطلع على رأيهم في كيفية وضع حد للحرب التي أشعلها.


صربيا تبرم اتفاقاً لإنتاج طائرات قتالية مسيّرة مع إسرائيل

الزعيم الصربي ألكسندر فوتشيتش يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في القدس (أ.ف.ب - أرشيفية)
الزعيم الصربي ألكسندر فوتشيتش يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في القدس (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

صربيا تبرم اتفاقاً لإنتاج طائرات قتالية مسيّرة مع إسرائيل

الزعيم الصربي ألكسندر فوتشيتش يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في القدس (أ.ف.ب - أرشيفية)
الزعيم الصربي ألكسندر فوتشيتش يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في القدس (أ.ف.ب - أرشيفية)

أعلن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، وفق ما نُقل عنه يوم الثلاثاء، أن صربيا ستنتج بشكل مشترك طائرات قتالية مسيّرة مع إسرائيل، في وقت تسعى فيه الدولة البلقانية إلى تعزيز قدراتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

وقال فوتشيتش إن «لدينا أفضل الطائرات المسيّرة في هذا الجزء من العالم»، بحسب وكالة «تانيوغ» الصربية للأنباء. وأضاف أن هذه الطائرات «لن تكون رخيصة، لكنها ستكون عالية الكفاءة في تدمير الآليات المدرعة»، وفق التقرير.

ولم يحدّد فوتشيتش تفاصيل عملية الإنتاج المستقبلية، بحسب ما أوردته الوكالة. وقال: «نحن لا نعرف كيف نصنع الطائرات المسيّرة كما تفعل إسرائيل. أنا فخور بهذه الخطة، سننجزها معاً، وستكون الشراكة مناصفةً، 50-50». وأضاف أن صربيا «ستحصل على الابتكار، وستؤهّل كوادرنا الذين سيتمكنون من القيام بذلك مستقبلاً».

وذكرت خدمة الأخبار الصربية «BIRN» أن شركة الصناعات الدفاعية الحكومية الصربية «يوغوإمبورت إس دي بي آر» ستفتتح مصنعاً للطائرات المسيّرة بالتعاون مع شركة «إلبيت سيستمز»، مشيرةً إلى أن الشركة الإسرائيلية ستمتلك 51 في المائة من المصنع المرتقب.

وسعت حكومة فوتشيتش إلى تعزيز قدرات الجيش الصربي، إذ طلبت صربيا 12 مقاتلة من طراز «رافال» الفرنسية الصنع في عام 2024 في إطار مساعيها لتحديث أسطولها الجوي.

كما حصلت بلغراد على معدات عسكرية من الصين وروسيا، في وقت تحافظ فيه على علاقات وثيقة مع بكين وموسكو رغم سعيها الرسمي إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وتعهّدت صربيا بالبقاء خارج حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الذي قصف البلاد عام 1999 لوقف الحرب في كوسوفو بعد عقد من الحروب في منطقة البلقان المضطربة.