محمد صبحي لـ«الشرق الأوسط»: التصوير التلفزيوني يُفسد المسرح

قال إنه راضٍ عن مشواره الفني الذي يمتد لنصف قرن

اشترى محمد صبحى قطعة أرض بطريق الإسكندرية الصحراوي، ليقيم عليها مسرحاً ومدينة للفنون
اشترى محمد صبحى قطعة أرض بطريق الإسكندرية الصحراوي، ليقيم عليها مسرحاً ومدينة للفنون
TT

محمد صبحي لـ«الشرق الأوسط»: التصوير التلفزيوني يُفسد المسرح

اشترى محمد صبحى قطعة أرض بطريق الإسكندرية الصحراوي، ليقيم عليها مسرحاً ومدينة للفنون
اشترى محمد صبحى قطعة أرض بطريق الإسكندرية الصحراوي، ليقيم عليها مسرحاً ومدينة للفنون

يحتفل الفنان المصري الكبير محمد صبحي هذا العام بمرور نصف قرن على انطلاقته في عالم المسرح، التي واكبت تخرجه في معهد الفنون المسرحية عام 1970 بتقدير امتياز، واستطاع صبحي على مدى خمسين عاماً أن يغرد بموهبته كممثل ومؤلف ومخرج، وباختياراته الفنية وبإصراره على تقديم الكوميديا، نجح خلال السنوات الأخيرة في تأسيس فرقة «استديو الممثل»، ومدينة للفنون (مدينة سنبل).
قدم صبحي نحو42 مسرحية، خلال مشواره الفني، فهو يحب المسرح ويؤمن بأهمية الانضباط ولا يسمح بالارتجال المفاجئ والخروج عن النص، ويرفض تقديم عروضه في ظل قيود «كورونا» التي تفرض حضور 25 في المائة فقط من الطاقة الاستيعابية للمسرح.
ورغم إخلاص صبحي لعالم المسرح، فإنه أجاد في الدراما التلفزيونية، والسينما وقدم أعمالاً «ممتعة» و«هادفة»، حسب النقاد. وينظر محمد صبحي إلى رحلته على خشبة المسرح التي تمتد لنصف قرن بـ«كثير من الرضا»، فقد أراد منذ البداية أن يحقق اختلافا فيما يقدمه ووضع لذلك «دستوراً» لم يحد عنه، حسب وصفه.
ويقول في بداية حواره مع «الشرق الأوسط»: إن «العمل الفني لا بد أن يحدث الدهشة ويحقق المتعة، وفن المسرح يقوم على لقاء حي مع المشاهد، فنحن نستشعر بقوة احترامه للعمل الفني لأننا نحترم عقله، هذا هو ما كنت أؤكد عليه دائما مع كل عمل مسرحي أقدمه... أريد أن يخرج المشاهد من المسرح حاملاً الهم الذي ناقشناه، وأن يغادر وهو يحمل ما يفوق سعر التذكرة، هذا ليس كلاما نظريا لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومنذ تخرجي في معهد الفنون المسرحية فضلت تقديم الكوميديا بصدق التراجيديا، ولعب التراجيديا بخفة ظل الكوميديا، وهذا ليس أمراً هيناً فقد أثبتنا من خلال المسرحيات التي قدمناها على مدى نصف قرن أن الضحك موجود في كل المسرحيات إلى جانب الفكر والقيمة، بداية من (وجهة نظر) (وانتهى الدرس يا غبي) وحتى (خيبتنا)، وأعتز بأعمال كثيرة أرى أنها حققت نقلة حقيقية للمسرح المصري».
- الربيع العربي
وكما تنبأ محمد صبحي بأحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001. في مسرحية «ماما أميركا» توقع ثورات الربيع العربي في مسرحية «خيبتنا» التي كتبها قبل اندلاع الأحداث في عام 2011، لكنها عرضت بين عامي 2018 و2019. مؤكداً أنه كتب المسرحية عام 2004 عقب الاجتياح الأميركي للعراق (2003)، وحصلت على تصريح الرقابة عنها في ذلك العام، ما يعد دليلا قويا على توقعي بما سيحدث للمنطقة، ولم يكن ذلك تنجيما وإنما كان قراءة فاحصة ومتابعة دائمة لما يجري في العالم، مشيراً إلى أن «(خيبتنا) رأت أن جحيماً عربياً على وشك الانفجار، كما أشارت إلى أن الحرب القادمة هي حرب فيروسات وهي أشد فتكا من الحرب النووية، وهذا ما حدث بالفعل، وفي يقيني أننا قدمنا لأعدائنا على طبق من ذهب أكثر مما تمنوه لسحقنا، فعندما دخل الأميركيون العراق خرج عراقيون يستقبلونهم بالورود للتخلص من شخص صدام حسين، لا شك أن صدام أخطأ لكن الثمن لا يجب أن يكون الوطن، قد تكون مصر هي الوحيدة التي استطاعت الهرب من هذا المأزق، عبر حفاظها على الدولة، وفي مسرحية (خيبتنا) نؤكد أن ضياع الوطن يعني أنك كمواطن لم تعد لك قيمة». على حد تعبيره.
- «مدينة سنبل»
قبل سنوات اشترى محمد صبحى قطعة أرض بطريق (الإسكندرية الصحراوي)، ليقيم عليها مسرحاً ومدينة للفنون ورأى البعض أن إنشاء مسرح وسط الصحراء، ينطوي على مجازفة كبيرة، لكنه نفذ مشروعه وكسب الرهان، وعن ذلك يقول: «ما حدث عبارة عن حدوتة عظيمة، فبعد إنشاء مدينة سنبل للفنون، افتتح مسرحها عام 2017 بعرض مسرحية (غزل البنات)، وفي ذلك الوقت كنت أتوقع أننا سنعمل بنصف طاقة المسرح حتى يعتاد الناس المكان، لكنني فوجئت بأن الصالة (كومبليه)، ولم يكن هناك مقعداً خالياً، فقد جاءوا من كل أنحاء القاهرة وبعض المحافظات الأخرى، وأصبح الجمهور هو البطل، وهذا يؤكد أن الفنان هو الذي يختار جمهوره بقيمة ما يقدمه».
- انضباط
كل شيء في مسرح محمد صبحي محسوب بالدقيقة، فهو رجل يعشق الانضباط ويبرر ذلك قائلاً: «الفن انضباط، وبينما أمارس ديمقراطية الاتفاق، فإني أتبع كذلك ديكتاتورية التنفيذ. لا بد من قائد يضبط العمل بشرط أن يطبق على نفسه ما يطبقه على الجميع، وهناك ظواهر أصابت المسرح نوافق عليها في أضيق الحدود منها رغبة الجمهور في التصوير مع الفنان، كذلك الارتجال أو الخروج عن النص وهذا الأمر له عندي ضوابط، فأحيانا ترد على ذهن الممثل جملة تدعم الحوار، ويمكن إضافتها، لكن عليه أن يطرحها أولاً في اجتماعنا اليومي لنتفق عليها، فقد تربينا على مسرح الستينات من القرن الماضي مع مؤلفين كبار من بينهم عبد الرحمن الشرقاوي، ميخائيل رومان، الفريد فرج، معين بسيسو، وكنا نحترم نصوصهم، ووجدنا نقاداً كبار حكموا علينا، كنا نرتعد أمامهم مثل د.علي الراعي، لويس عوض، رجاء النقاش، أنيس منصور وغيرهم.
- المسرح للجميع
يجمع صبحى باقتدار بين التمثيل والتأليف والإخراج في بعض عروضه، مما يلقي عليه عبئاً ومسؤولية كبيرة، ويؤكد أن الخاسر الوحيد في هذا الشأن هو الممثل محمد صبحي: «مع افتتاح أي عرض جديد أقف على المسرح كمؤلف ومخرج، أتابع الممثلين وحركتهم لأصل بهم لأعلى درجة في الأداء مما يصيبني شخصيا بقدر من التشتيت كممثل، وقد درست دراما وتأليف مسرحي وإخراج، وهذا من صميم عملي ولو أنني فشلت مرة واحدة، ما كان لي أن أعيدها، كما أسعد كثيراً حينما أجد نصاً جيداً لمؤلف آخر، ويدلل على ذلك بأن عروضه المقبلة ضمن مهرجان المسرح للجميع سيشارك بها مؤلفين آخرين، من بينها مسرحية «عيلة اتعمل لها بلوك» تأليف مصطفى شهيب، و«نجوم الظهر» فكرة محمد صبحي وكتابة أيمن فتيحة، ومسرحية «أوديب ملكا» وتشاركه البطولة الفنانة الكبيرة سميحة أيوب.
لا يتصور صبحي أن يقدم عرضا مسرحيا من دون أن يكون الجمهور كامل العدد في المسرح ويرفض العمل بنسبة 25 في المائة من الجمهور المتبعة حاليا بسبب إجراءات «كورونا»، ويبرر ذلك قائلاً: فكرة العمل في ظل حضور 25 في المائة أو حتى 75 في المائة كلها مرفوضة، فلن نستأنف نشاطنا إلا بعد السماح بتشغيله بنسبة 100 في المائة.
لحظة تصفيق الجمهور للفنان على المسرح لا تعادلها لحظة أخرى، وكما يقول صبحي: «تصفيق المشاهد هو الأكسجين الذي يتنفسه الفنان، عندما يكون رد فعل الحضور صادق 100 في المائة، ورغم أن تلفزة المسرح توثيق تاريخي للعمل، فإنني أكره تصوير المسرحيات تلفزيونيا لأنه يفسدها.
- سر النجاح
على صفحته الرسمية في موقع «فيسبوك» يبث محمد صبحي حنينه إلى زوجته الراحلة نيفين رامز، التي رحلت قبل أربعة أعوام ويضع صورتها بجوار صورته بمدخل المسرح وسط الجوائز التي توجت مشواره الفني، ويقول: «نيفين كانت السبب في حصولي على هذه الجوائز، فهي وقود نجاحي وتقدمي، كنت أستاذها بالمعهد وتزوجنا وهي طالبة، وكان لديها إيمان ويقين أن محمد صبحي سيكون له شأن كبير، ولم أكن أطمح سوى أن أكون فنانا مختلفا لا أشبه أحد، كان زواجنا الذي دام 45 عاماً مبنيا على الاحترام ويهدف إلى بناء أسرة غير قابلة للهدم وأنجبنا كريم ومريم، كانت معركتي هي أنني أريدها أن تعمل فهي فنانة وعمها محمود رضا، بينما فضلت هي أن تنتظر حتى ترعى أولادنا وربتهما على أفضل ما يكون من ثم عادت للعمل، ووصلت لمنصب وكيل وزارة الثقافة.



«ذاكرة لا تنطفئ»... احتفاء كبير بمئوية يوسف شاهين في باريس

يوسف شاهين كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان كان (آي إم دي بي)
يوسف شاهين كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان كان (آي إم دي بي)
TT

«ذاكرة لا تنطفئ»... احتفاء كبير بمئوية يوسف شاهين في باريس

يوسف شاهين كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان كان (آي إم دي بي)
يوسف شاهين كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان كان (آي إم دي بي)

يحتفي معهد العالم العربي في باريس بالذكرى المئوية لميلاد المخرج المصري يوسف شاهين من خلال تنظيم مهرجان تحت عنوان «يوسف شاهين... قرن من الحرية وذاكرة لا تنطفئ» على مدى 4 أيام، متضمناً عروضاً مختارة من أفلامه وندوات تثير نقاشاً حول أعماله.

وأعلن معهد العالم العربي الذي يترأسه جاك لانج، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، عن تكريم يوسف شاهين طوال عام 2026 من خلال عروض الأفلام واللقاءات والبودكاست، إلى جانب عرض فني.

وكتب الناقد الفرنسي جون ميشيل فردون، عبر بيان للمعهد عن هذه الاحتفالية: «هناك أسباب عديدة للاحتفال بهذه الذكرى، لما كان عليه يوسف شاهين ولما هو عليه اليوم بعد 17 عاماً من وفاته في يوليو (تموز) 2008»، لافتاً إلى أن أعماله واسعة، متعددة الأوجه، مبهجة ومؤثرة ومليئة بالمفاجآت؛ إذ تشكل أفلامه الروائية الـ38 التي أخرجها بين عامي 1950 و2007 مجموعة أعمال ثرية، تتوالى فيها الكوميديا والدراما والأفلام التاريخية والقصص السياسية والملاحم الوطنية والتأملات الشخصية وتتداخل أحياناً، مشيراً إلى أن شاهين برز خلال العصر الذهبي للسينما، وسرعان ما أكدت أفلامه أصالتها في صناعة شكلتها نماذج قليلة وقوة المنتجين والنجوم.

وانطلقت الاحتفالات، الخميس، وشهدت حضوراً لافتاً من الجمهور الفرنسي والعربي، واستهلّت بجلسة نقاش بعنوان «يوسف شاهين... بورتريه وإرث»، بمشاركة المنتجة والمخرجة ماريان خوري ابنة شقيقة شاهين، والمخرج يسري نصر الله والمخرج المصري الفرنسي نمير عبد المسيح الذي عُرض له الفيلم الوثائقي «الحياة بعد سهام»، وقد تضمن مقاطع عدة من فيلمي «عودة الابن الضال» و«فجر يوم جديد»، مستعيناً بمقاطع أيضاً من موسيقى الفيلمين.

ملصق احتفالية شاهين في باريس (معهد العالم العربي بباريس)

وقال عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن عرض فيلمه في افتتاح مهرجان شاهين لاقى اهتماماً من الحضور، وسبقته ندوة «إرث شاهين» التي حضرها جاك لانج، وتطرقت ليوسف شاهين وأولاده من السينمائيين سواء من عملوا معه على غرار يسري نصر الله أو من تأثروا بأفلامه مثلي، وأضاف: «تحدثنا عن تأثير يوسف شاهين علينا، وفي رأيي أن شاهين ترك تأثيراً كبيراً بأفلامه التي أرّخت لمصر سياسياً واجتماعياً على مدى 60 عاماً».

ويلفت نمير إلى أن شاهين أوجد رباطاً وثيقاً بين مصر وفرنسا، وأن أفلامه تحظى باهتمام بعض الجمهور الفرنسي، خصوصاً فيلم «المصير» الذي لا يزال مثار الحديث هنا بعد أكثر من ربع قرن على ظهوره، مشيراً إلى أن دور العرض الفرنسية ستعرض «المصير» في ذكرى مئوية رحيل شاهين، قائلاً إن «إعادة عرضه تُعد فرصة كبيرة لمشاهدة أفلامه من جديد».

وشهدت الاحتفالية، الجمعة، عرض فيلم «اليوم السادس» الذي أُنتج 1986 بمشاركة مصر وفرنسا، وهو من بطولة داليدا ومحسن محيي الدين وشويكار ومحمد منير، كما أقيمت مناقشة تحت عنوان «يوسف شاهين وقوة المرأة»، بمشاركة كل من شارون حكيم، وهند المدب، وفيفيان كانداس، وتطرقت للنماذج القوية للمرأة التي طرحها شاهين في أفلامه.

بينما يعرض، السبت، فيلما «المصير» من إنتاج 1997 و«المهاجر» 1994، وتختتم الاحتفالية الأحد 25 يناير (كانون الثاني) بجلسة بعنوان «يوسف شاهين وأنا»، يديرها تييري جوس، وتتضمن شهادات غير منشورة عن شاهين مع كل من جاك لانج رئيس معهد العالم العربي، وعبد الله طايا، ودومينيك باكس، والصحافية هدى إبراهيم، كما يعُرض في نفس اليوم فيلما «الأرض» 1969، و«العصفور» 1972، وهو إنتاج مصري - جزائري.

لقطة من فيلم المصير الذي حظي باهتمام الجمهور الفرنسي (معهد العالم العربي)

وارتبط المخرج الراحل ارتباطاً وثيقاً بفرنسا، وحازت أعماله التي عُرض بعضها بالسينمات الفرنسية اهتمام الجمهور، ومن بينها فيلم «المصير» الذي عُرض في 130 دار عرض، ومثّل مصر في مسابقة مهرجان «كان»، واستقبله الجمهور بحفاوة بالغة، ورُشح للحصول على جائزة «السعفة الذهبية» لأفضل فيلم لكن لم ينلها، ورغم أن 10 من أفلام شاهين شاركت بمختلف أقسام مهرجان «كان» منذ الخمسينات بدءاً من أول أفلامه «ابن النيل» 1951 وحتى فيلم «إسكندرية نيويورك» 2004، لكنها لم تحظ بجوائز، وقد حظي شاهين بجائزة الإنجاز مدى الحياة من مهرجان «كان» عام 1997.

ويشير الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، إلى صداقة ربطت بين يوسف شاهين وجاك لانج خلال توليه وزارة الثقافة بفرنسا، وأنه هو من أقنع لانج بأهمية الإنتاج المشترك بين فرنسا والسينما العربية والأفريقية، وأسفر ذلك عن نتاج سينمائي ليوسف شاهين وكثير من المخرجين العرب والأفارقة.

وبدأ أول إنتاج لشاهين مع فرنسا بفيلم «وداعا بونابرت»، مثلما يقول الشناوي لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «شاهين كان الوجه الأكثر حضوراً في بينالي السينما العربية الذي أقامه معهد العالم العربي بباريس منذ إطلاقه عام 1992، كما كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان (كان)، فقد واكب إطلاق المهرجان عام 1946 مسيرة شاهين التي بدأت مطلع الخمسينات».

ويلفت الشناوي إلى أن فرنسا صالحت شاهين على فيلمه «انت حبيبي» الذي لم يكن يحبه، لكنه غيّر رأيه بعد عرضه في «بينالي السينما العربية»، وقد فوجئ أن الجمهور الفرنسي يغادر العرض وهو يردد أغنيات فريد الأطرش وشادية بالفيلم، فعاد وأحبه واقتنع به، ويضيف الشناوي: «لذا، من المنطقي أن يحتفي معهد العالم العربي بمئويته، وقد لاحظت أن شركة الطيران الفرنسية تضع صورة كبيرة له مع كل نجوم العالم».

يوسف شاهين قدم شخصية «قناوي» في فيلم «باب الحديد»، أمام هند رستم (صورة أرشيفية)

وتحتفي أوساط سينمائية عديدة بمئوية ميلاد المخرج الراحل يوسف شاهين المولود بالإسكندرية في 25 يناير 1926 لأب لبناني وأم من أصول يونانية، وقد حصل على الشهادة الثانوية من كلية فيكتوريا، وبعد دراسته بجامعة الإسكندرية سافر إلى الولايات المتحدة، حيث درس فنون المسرح بمعهد «باسادينا»، ورغم شهرته العالمية مخرجاً، فقد حقق اهتماماً لافتاً بأدواره لا سيما شخصية «قناوي» التي أدّاها في فيلم «باب الحديد»، أمام هند رستم، كما ظهر في لقطة خاطفة في أول أفلامه «ابن النيل»، ومثّل في أفلامه «فجر يوم جديد» و«اليوم السادس» و«إسكندرية كمان وكمان».


في عرض «مشارف» بريق السينما يتألّق على الخشبة

أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)
أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)
TT

في عرض «مشارف» بريق السينما يتألّق على الخشبة

أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)
أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)

على مدى عرضين متتاليين في يوم واحد، تُقدِّم أنجيلا الحداد عرضها «مشارف (outskirts)» على خشبة مسرح «زقاق» في بيروت، وذلك في 29 يناير (كانون الثاني) الحالي. العمل من نوع المونودراما، ويتناول الظلم الاجتماعي الذي يخيّم على حيّ الكرنتينا. هذا الحيّ المنسي على أطراف المدينة، منذ عقود بفعل التهميش المتراكم.

تجسّد أنجيلا في «مشارف» 5 شخصيات مختلفة (أنجيلا الحداد)

تكسر أنجيلا هذه العزلة، وتواجه، عبر عرضها، واقع الظلم الاجتماعي المحيط بالمنطقة. فتُعيد سرد حكاية الكرنتينا عبر حقبات شهدت النزوح والعزلة والحرب، مستعيدة شريطاً من الذكريات المؤلمة والمُرّة، وأخرى مضيئة. ليحمل النصُّ في طيّاته بصيص أمل بغدٍ أفضل.

تروي أنجيلا أن فكرة العرض بدأت بالتبلور خلال مهرجان «شربكات» عام 2024. تقول: «يومها قدَّمنا عرضاً مسرحياً كاملاً بدعم من استوديو (أمالغام) في شارع الحمرا، وكان مخصصاً للفنانين الناشئين بإشراف يارا بستاني. لاحقاً، وبفضل منحة قُدِّمت للاستوديو، تطوَّر العمل ليصبح مشروعاً فنياً مدعوماً من (اليونيسكو) في بيروت. آنذاك، جرى اختيار 8 فنانين لإقامة عروض تُحيي منطقة الكرنتينا، من بينهم مصممو غرافيك، وممثلون، وتقنيو صوت وإضاءة. اختار كل منهم حياً معيّناً داخل الكرنتينا». وتتابع الحداد: «قدَّمتُ عرضاً فردياً قائماً على الأداء التمثيلي ومسرح الشارع. وعددتُه خطوتي الأولى في هذا المشروع. سرعان ما جرى ترشيحه ليُعرَض في مسرح (زقاق) ضمن برنامج (كواليس)، فعملتُ على تطويره وإغنائه بعناصر فنية إضافية، وأخذته نحو مسار سينمائي أكثر وضوحاً». وبعدما كانت شخصيات العمل تقتصر على طفل وامرأة ولاجئ، أضافت أنجيلا الحداد شخصيات جديدة، ليغدو العرض مزيجاً فنياً يتقاطع فيه المسرح مع السينما، والنص مع الإضاءة والموسيقى.

تُعرَض «مشارف» على مسرح «زقاق» في 29 يناير الحالي

تقف أنجيلا وحدها على الخشبة لتجسيد 5 شخصيات، تروي كل واحدة منها معاناة عاشتها في الكرنتينا. وتشكّل مجتمعة صوتاً صارخاً في وجه الظلم الذي تعرَّض له الحي منذ الحرب الأهلية، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت.

ولا تغفل الحداد عن الإبقاء على نافذة الأمل مفتوحة في عرضها، مستلهمة ذلك من موقع الكرنتينا المطلّ على البحر. تقول: «هذه الفسحة الزرقاء استخدمتها لأقول إن الحياة لا بدّ أن تستمر، مهما اشتدّ الألم».

وترتبط الشخصيات الـ5 في العرض، بشكل غير مباشر، بـ5 أبطال من أفلام هوليوودية شهيرة. وتوضِّح الحداد: «قمت بهذه الإسقاطات، مستخدمةً هالة كل بطل لأروي من خلالها حكاية كل شخصية».

من شخصية «البونو» لكلينت إيستوود، التي تفجّر أحد الجسور، تربط الحداد بين هذا المشهد وانفجار المرفأ. أما الشخصية الثانية فمستوحاة من ليوناردو دي كابريو في فيلم «Gangs of New York»، لتتناول الفوقية والعنصرية اللتين مورستا بحق اللاجئين في الكرنتينا.

ومن فيلم «مالينا» لمونيكا بيلوتشي، تنبثق الشخصية الثالثة التي تتناول قضية المفقودين.

وللحديث عن المجزرة التي تعرَّض لها الفلسطينيون في الكرنتينا منتصف السبعينات، تستحضر الحداد فيلم «Clockwork Orange»، وتُسقِط قصته على واقع العنف الممنهج. بينما تقلب المعادلة في الشخصية الأخيرة، المستوحاة من دور أودري هيبورن في «Breakfast at Tiffany’s»، حيث تدفع بحي الكرنتينا إلى معاقبة الظالم، في إشارة إلى انتقام المقهور من جلّاده.

تلجأ أنجيلا الحداد، الحائزة شهادة ماجستير في الفنون الجميلة، إلى مجموعة من الإكسسوارات والأدوات لتلوين الشخصيات واستحضارها على الخشبة. تقول: «أجسّد هذه الأدوار من خلال تبديل ملامحي الخارجية. فأكون امرأة مرة، ورجلاً مرة أخرى. وتساعدني لعبة الإضاءة، مع جمال زركي، على إبراز هذه التحوّلات».

ويرافق العرض موسيقى وديكور بسيط، تتصدّره طاولة تخرج من تحتها الأدوات اللازمة لكل شخصية. وترافق العرض موسيقى الأفلام المذكورة بوصفها عنصراً فنياً إضافياً.

وترى الحداد أن هذا الدمج بين المسرح والسينما يأتي في إطاره الطبيعي. وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط»: «أؤمن بأن مختلف الفنون قابلة للتلاقي مع السينما. هي حلقة متكاملة تفيد وتستفيد من بعضها بعضاً. نراها اليوم تدخل إلى النحت والرسم والرقص، فتمنحها بريقاً إضافياً. الوسيلة قد تختلف، لكن التزاوج بين الريشة، والتمثيل، والحركة، والإضاءة، والفن التشكيلي، وتصميم الأزياء، يصنع عملاً جماعياً متكاملاً. ويبقى المسرح المساحة الأوسع والأكثر حرية، حيث تلتقي كل هذه العناصر في خلطة فنية واحدة».

وتضيف الحداد لـ«الشرق الأوسط»: «يلعب الجمهور الدور الأكبر في المشهد المسرحي. فاختياراته وأهواؤه تقف خلف توجهه نحو المسرح الكلاسيكي أو الاستعراضي أو العبثي وغيره. بينما تأتي الرؤية الإخراجية لتضع القالب المسرحي في أبهى حلّة».

وتوجِّه دعوةً إلى جمهور المسرح اللبناني لمشاهدة هذا العرض، عادّةً أنه يخاطبهم بلغتهم، ويقول الأشياء كما هي، مُحمَّلاً بمشاعر وأحاسيس تلامسهم مباشرة. وتختم: «بالنسبة إليّ، زمن الحرب لم ينتهِ بعد، بل نقوم بإخفائه بوسائل مختلفة. لذلك مَن يشاهد هذا العرض سيدرك أنه يتابع عملاً يشبهه، ويُشكِّل صرخةً صادقةً باسم هذه المنطقة المتعبة».


روائع الأدب العالمي تجتذب روَّاد «القاهرة للكتاب»

الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)
الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)
TT

روائع الأدب العالمي تجتذب روَّاد «القاهرة للكتاب»

الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)
الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)

أصبح في حكم المعتاد أن ترى الشباب دون العشرين من العمر وما فوقها، يصطفون في طوابير طويلة في أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب في مشهد لافت. ولكن الجديد الذي حملته الدورة الـ57 من المعرض، والتي فتحت أبوابها للجمهور منذ الخميس الماضي، هو أن هؤلاء الشباب لم يكونوا هذه المرة في انتظار توقيع مؤثر شهير على مواقع التواصل أصدر رواية تنتمي لفئة الرعب، أو مطرب «راب» معروف أصدر ديواناً باللهجة المحلية يتضمن أشعاراً في الحب، وإنما كانوا يحملون روائع الأدب العالمي وكنوز التراث العربي التي تباع هنا بأسعار زهيدة.

يحدث ذلك في جناح «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة» التي تبيع كثيراً من المؤلفات البارزة بأسعار تبدأ من 6 جنيهات، ولا تتجاوز 35 جنيهاً (الدولار يعادل نحو 47 جنيهاً مصرياً).

وقال حسن منصور (شاب في الفرقة الثالثة بكلية الطب، جامعة عين شمس، القاهرة) إن «القراءة في الأدب مهمة جداً لي لعمل توازن مع طبيعة دراستي العملية والعلمية»، لافتاً -في حديثه لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه يعتقد بشدة أن «القراءة مهمة جداً في تلك الفترة من حياتي، قبل أن أنشغل بعد التخرج ولا أجد وقتاً لأي كتاب، كما يحدث مع كثير من أقاربي وأصدقائي الأطباء الأكبر سناً».

إقبال لافت على الأجنحة الحكومية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)

ويبلغ سعر رواية «منزل الأموات» للكاتب الروسي فيودور دستويفيسكي (1821– 1881) 25 جنيهاً، ورواية «مدام بوفاري» ذائعة الصيت للكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير (1821- 1880) 20 جنيهاً، أما كتاب «حديقة أبيقور» لمواطنه أناتول فرانس (1844- 1924) فبلغ سعره 15 جنيهاً، وهو السعر ذاته لرواية «بيدرو بارامو» أحد أشهر نماذج أدب «الواقعية السحرية» في أميركا اللاتينية، للكاتب المكسيكي خوان رولفو (1986 –1917).

وتكتسب رواية «منزل الأموات» أهميتها من كونها تعد أشبه بسيرة ذاتية لفترة السنوات الأربع التي قضاها الكاتب العالمي دستويفيسكي في معسكر للأشغال الشاقة بسيبيريا، في حين تأتي «مدام بوفاري» ضمن الأعمال الرائدة التي تستكشف تناقضات وخبايا النساء، من خلال زوجة طبيب ريفي تعاني من الملل، وتتورط في الخيانة الزوجية، ثم تنهي حياتها بالانتحار، بينما يكتسب كتاب «حديقة أبيقور» شهرته من المزج بين السخرية الأدبية والتأمل الفلسفي في مقالاته وخواطره حول الحياة والموت والعلم والوجود الإنساني.

جانب من أحد أجنحة معرض القاهرة الدولي للكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)

وعلى صعيد كنوز الفكر العربي، تباع 5 مؤلفات للكاتب محمود عباس العقاد بأقل من 125 جنيهاً. وهي: «الإسلام والحضارة الإنسانية»، و«أثر العرب في الحضارة الأوروبية»، و«مطالعات في الكتب والحياة»، و«مراجعات في الآداب والفنون»، و«جحا الضاحك المضحك».

أما الكتاب الشهير للمفكر أحمد أمين «زعماء الإصلاح في العصر الحديث»، الذي يتعرض لدور كل من: عبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وعبد الله النديم، وعلي مبارك، وإسهاماتهم ما بين الفكر والسياسة، فيباع بـ35 جنيهاً.

وكانت المفاجأة أن واحداً من المراجع الكبرى في التراث العربي وهو كتاب «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، والذي يضم خلاصة الفلسفة والحكمة في تأمل الحياة والبشر، عبر قالب قصصي ترفيهي، يباع بـ45 جنيهاً فقط، رغم أنه يقع في 600 صفحة من القطع الكبير.

زحام لافت بالمعرض (هيئة قصور الثقافة المصرية)

وعلَّقت ميادة البشير (طالبة بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة)، على تلك الأسعار بقولها: «أصبح بإمكاني تكوين نواة مكتبة من المؤلفات الرائعة، بثمن بعض ملابس الخروج والإكسسوارات النسائية، وهو ما أفعله كل عام منذ أن كنت بالمرحلة الثانوية»، مشيرة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «أسعار الكتب في دور النشر الخاصة غالباً ما توازي أكثر من عشرة أضعاف نظيرتها في الأروقة الحكومية».