محمد صبحي لـ«الشرق الأوسط»: التصوير التلفزيوني يُفسد المسرح

قال إنه راضٍ عن مشواره الفني الذي يمتد لنصف قرن

اشترى محمد صبحى قطعة أرض بطريق الإسكندرية الصحراوي، ليقيم عليها مسرحاً ومدينة للفنون
اشترى محمد صبحى قطعة أرض بطريق الإسكندرية الصحراوي، ليقيم عليها مسرحاً ومدينة للفنون
TT

محمد صبحي لـ«الشرق الأوسط»: التصوير التلفزيوني يُفسد المسرح

اشترى محمد صبحى قطعة أرض بطريق الإسكندرية الصحراوي، ليقيم عليها مسرحاً ومدينة للفنون
اشترى محمد صبحى قطعة أرض بطريق الإسكندرية الصحراوي، ليقيم عليها مسرحاً ومدينة للفنون

يحتفل الفنان المصري الكبير محمد صبحي هذا العام بمرور نصف قرن على انطلاقته في عالم المسرح، التي واكبت تخرجه في معهد الفنون المسرحية عام 1970 بتقدير امتياز، واستطاع صبحي على مدى خمسين عاماً أن يغرد بموهبته كممثل ومؤلف ومخرج، وباختياراته الفنية وبإصراره على تقديم الكوميديا، نجح خلال السنوات الأخيرة في تأسيس فرقة «استديو الممثل»، ومدينة للفنون (مدينة سنبل).
قدم صبحي نحو42 مسرحية، خلال مشواره الفني، فهو يحب المسرح ويؤمن بأهمية الانضباط ولا يسمح بالارتجال المفاجئ والخروج عن النص، ويرفض تقديم عروضه في ظل قيود «كورونا» التي تفرض حضور 25 في المائة فقط من الطاقة الاستيعابية للمسرح.
ورغم إخلاص صبحي لعالم المسرح، فإنه أجاد في الدراما التلفزيونية، والسينما وقدم أعمالاً «ممتعة» و«هادفة»، حسب النقاد. وينظر محمد صبحي إلى رحلته على خشبة المسرح التي تمتد لنصف قرن بـ«كثير من الرضا»، فقد أراد منذ البداية أن يحقق اختلافا فيما يقدمه ووضع لذلك «دستوراً» لم يحد عنه، حسب وصفه.
ويقول في بداية حواره مع «الشرق الأوسط»: إن «العمل الفني لا بد أن يحدث الدهشة ويحقق المتعة، وفن المسرح يقوم على لقاء حي مع المشاهد، فنحن نستشعر بقوة احترامه للعمل الفني لأننا نحترم عقله، هذا هو ما كنت أؤكد عليه دائما مع كل عمل مسرحي أقدمه... أريد أن يخرج المشاهد من المسرح حاملاً الهم الذي ناقشناه، وأن يغادر وهو يحمل ما يفوق سعر التذكرة، هذا ليس كلاما نظريا لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومنذ تخرجي في معهد الفنون المسرحية فضلت تقديم الكوميديا بصدق التراجيديا، ولعب التراجيديا بخفة ظل الكوميديا، وهذا ليس أمراً هيناً فقد أثبتنا من خلال المسرحيات التي قدمناها على مدى نصف قرن أن الضحك موجود في كل المسرحيات إلى جانب الفكر والقيمة، بداية من (وجهة نظر) (وانتهى الدرس يا غبي) وحتى (خيبتنا)، وأعتز بأعمال كثيرة أرى أنها حققت نقلة حقيقية للمسرح المصري».
- الربيع العربي
وكما تنبأ محمد صبحي بأحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001. في مسرحية «ماما أميركا» توقع ثورات الربيع العربي في مسرحية «خيبتنا» التي كتبها قبل اندلاع الأحداث في عام 2011، لكنها عرضت بين عامي 2018 و2019. مؤكداً أنه كتب المسرحية عام 2004 عقب الاجتياح الأميركي للعراق (2003)، وحصلت على تصريح الرقابة عنها في ذلك العام، ما يعد دليلا قويا على توقعي بما سيحدث للمنطقة، ولم يكن ذلك تنجيما وإنما كان قراءة فاحصة ومتابعة دائمة لما يجري في العالم، مشيراً إلى أن «(خيبتنا) رأت أن جحيماً عربياً على وشك الانفجار، كما أشارت إلى أن الحرب القادمة هي حرب فيروسات وهي أشد فتكا من الحرب النووية، وهذا ما حدث بالفعل، وفي يقيني أننا قدمنا لأعدائنا على طبق من ذهب أكثر مما تمنوه لسحقنا، فعندما دخل الأميركيون العراق خرج عراقيون يستقبلونهم بالورود للتخلص من شخص صدام حسين، لا شك أن صدام أخطأ لكن الثمن لا يجب أن يكون الوطن، قد تكون مصر هي الوحيدة التي استطاعت الهرب من هذا المأزق، عبر حفاظها على الدولة، وفي مسرحية (خيبتنا) نؤكد أن ضياع الوطن يعني أنك كمواطن لم تعد لك قيمة». على حد تعبيره.
- «مدينة سنبل»
قبل سنوات اشترى محمد صبحى قطعة أرض بطريق (الإسكندرية الصحراوي)، ليقيم عليها مسرحاً ومدينة للفنون ورأى البعض أن إنشاء مسرح وسط الصحراء، ينطوي على مجازفة كبيرة، لكنه نفذ مشروعه وكسب الرهان، وعن ذلك يقول: «ما حدث عبارة عن حدوتة عظيمة، فبعد إنشاء مدينة سنبل للفنون، افتتح مسرحها عام 2017 بعرض مسرحية (غزل البنات)، وفي ذلك الوقت كنت أتوقع أننا سنعمل بنصف طاقة المسرح حتى يعتاد الناس المكان، لكنني فوجئت بأن الصالة (كومبليه)، ولم يكن هناك مقعداً خالياً، فقد جاءوا من كل أنحاء القاهرة وبعض المحافظات الأخرى، وأصبح الجمهور هو البطل، وهذا يؤكد أن الفنان هو الذي يختار جمهوره بقيمة ما يقدمه».
- انضباط
كل شيء في مسرح محمد صبحي محسوب بالدقيقة، فهو رجل يعشق الانضباط ويبرر ذلك قائلاً: «الفن انضباط، وبينما أمارس ديمقراطية الاتفاق، فإني أتبع كذلك ديكتاتورية التنفيذ. لا بد من قائد يضبط العمل بشرط أن يطبق على نفسه ما يطبقه على الجميع، وهناك ظواهر أصابت المسرح نوافق عليها في أضيق الحدود منها رغبة الجمهور في التصوير مع الفنان، كذلك الارتجال أو الخروج عن النص وهذا الأمر له عندي ضوابط، فأحيانا ترد على ذهن الممثل جملة تدعم الحوار، ويمكن إضافتها، لكن عليه أن يطرحها أولاً في اجتماعنا اليومي لنتفق عليها، فقد تربينا على مسرح الستينات من القرن الماضي مع مؤلفين كبار من بينهم عبد الرحمن الشرقاوي، ميخائيل رومان، الفريد فرج، معين بسيسو، وكنا نحترم نصوصهم، ووجدنا نقاداً كبار حكموا علينا، كنا نرتعد أمامهم مثل د.علي الراعي، لويس عوض، رجاء النقاش، أنيس منصور وغيرهم.
- المسرح للجميع
يجمع صبحى باقتدار بين التمثيل والتأليف والإخراج في بعض عروضه، مما يلقي عليه عبئاً ومسؤولية كبيرة، ويؤكد أن الخاسر الوحيد في هذا الشأن هو الممثل محمد صبحي: «مع افتتاح أي عرض جديد أقف على المسرح كمؤلف ومخرج، أتابع الممثلين وحركتهم لأصل بهم لأعلى درجة في الأداء مما يصيبني شخصيا بقدر من التشتيت كممثل، وقد درست دراما وتأليف مسرحي وإخراج، وهذا من صميم عملي ولو أنني فشلت مرة واحدة، ما كان لي أن أعيدها، كما أسعد كثيراً حينما أجد نصاً جيداً لمؤلف آخر، ويدلل على ذلك بأن عروضه المقبلة ضمن مهرجان المسرح للجميع سيشارك بها مؤلفين آخرين، من بينها مسرحية «عيلة اتعمل لها بلوك» تأليف مصطفى شهيب، و«نجوم الظهر» فكرة محمد صبحي وكتابة أيمن فتيحة، ومسرحية «أوديب ملكا» وتشاركه البطولة الفنانة الكبيرة سميحة أيوب.
لا يتصور صبحي أن يقدم عرضا مسرحيا من دون أن يكون الجمهور كامل العدد في المسرح ويرفض العمل بنسبة 25 في المائة من الجمهور المتبعة حاليا بسبب إجراءات «كورونا»، ويبرر ذلك قائلاً: فكرة العمل في ظل حضور 25 في المائة أو حتى 75 في المائة كلها مرفوضة، فلن نستأنف نشاطنا إلا بعد السماح بتشغيله بنسبة 100 في المائة.
لحظة تصفيق الجمهور للفنان على المسرح لا تعادلها لحظة أخرى، وكما يقول صبحي: «تصفيق المشاهد هو الأكسجين الذي يتنفسه الفنان، عندما يكون رد فعل الحضور صادق 100 في المائة، ورغم أن تلفزة المسرح توثيق تاريخي للعمل، فإنني أكره تصوير المسرحيات تلفزيونيا لأنه يفسدها.
- سر النجاح
على صفحته الرسمية في موقع «فيسبوك» يبث محمد صبحي حنينه إلى زوجته الراحلة نيفين رامز، التي رحلت قبل أربعة أعوام ويضع صورتها بجوار صورته بمدخل المسرح وسط الجوائز التي توجت مشواره الفني، ويقول: «نيفين كانت السبب في حصولي على هذه الجوائز، فهي وقود نجاحي وتقدمي، كنت أستاذها بالمعهد وتزوجنا وهي طالبة، وكان لديها إيمان ويقين أن محمد صبحي سيكون له شأن كبير، ولم أكن أطمح سوى أن أكون فنانا مختلفا لا أشبه أحد، كان زواجنا الذي دام 45 عاماً مبنيا على الاحترام ويهدف إلى بناء أسرة غير قابلة للهدم وأنجبنا كريم ومريم، كانت معركتي هي أنني أريدها أن تعمل فهي فنانة وعمها محمود رضا، بينما فضلت هي أن تنتظر حتى ترعى أولادنا وربتهما على أفضل ما يكون من ثم عادت للعمل، ووصلت لمنصب وكيل وزارة الثقافة.



في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»