أليكس عازار... مدافع شرس عن ترمب في مواجهة «كورونا»

وزير الصحة الأميركي متحدر من جذور لبنانية وأوكرانية

أليكس عازار... مدافع شرس عن ترمب في مواجهة «كورونا»
TT

أليكس عازار... مدافع شرس عن ترمب في مواجهة «كورونا»

أليكس عازار... مدافع شرس عن ترمب في مواجهة «كورونا»

عادة، لا يجذب اسم وزير الصحة الأميركي وعمله انتباه الإعلام الدولي. بل أحياناً كثيراً لا يصل اسمه إلى مسامع الصحافة المحلية إلا في حالات بسيطة عند صدور قرار تعيينه أو إقالته، وبينهما أحياناً ينشر عنه بعض الأخبار القليلة. إلا أن فيروس «كوفيد - 19» أدى إلى شهرة عدد من العلماء والخبراء والأطباء والمسؤولين الذين تصدّرت أسماؤهم وأعمالهم وتصريحاتهم الصفحات الأولى للصحف وعناوين الأخبار.
من المسؤولين، برز اسم أليكس عازار وزير الصحة والخدمات الإنسانية في الولايات المتحدة، الذي ارتبط وسيربط التاريخ اسمه بظهور وتفشي جائحة «كوفيد - 19» في البلاد، وعجز جهازها الصحي عن احتواء الأزمة، وسط نقص في الموارد الصحية من اختبارات وأمصال وأجهزة وبحوث معملية وصدور تصريحات متضاربة ومضللة.
أليكس عازار (53 سنة) هو رسمياً المسؤول المنوطة به مهمة إدارة السياسات الصحية، وليس الجوانب العلاجية التقنية، فضلاً عن تجميل وجه إدارة الرئيس دونالد ترمب في استجابتها للجائحة. ومن ثم، سيرتبط اسمه – حسب كثيرين – بالفشل الأميركي في مواجهة جائحة القرن الحادي والعشرين.
خلال عمل عازار مستشاراً لوزارة الصحة في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، لعب الرجل دوراً مهماً في الاستجابة لفيروس الجمرة الخبيثة عام 2001، وضمان وجود لقاح لمرض الجدري. وعام 2015 عندما كان يحتل منصب نائب وزير الصحة تعامل بشكل جيد مع تفشي فيروس «سارس»، وقاد جهود الحكومة الأميركية لتشجيع ابتكار الأجهزة الصيدلانية والطبية.
إلا أن الأزمات تكشف القدرات، ولا جدال في أن «كوفيد - 19» كشف الغطاء عن تقصير وتراجع أحوال الخدمات الصحية في الولايات المتحدة. فمن كان يصدق أن أغنى قوة في العالم، بكل ما تملكه من خبرات وتكنولوجيا وتقدم علمي مذهل، تقف عاجزة عن التصدي لهذا الفيروس، وتتصدر دول العالم في أعداد الإصابات والوفيات. ويؤدي النقص الكارثي في المعلومات عن الفيروس إلى انهيار الأسواق المالية وصراعات في الدوائر السياسية الداخلية ولعبة إلقاء اللوم على منظمة الصحة تارة، والصين تارة أخرى. وألقت وسائل الإعلام بثقل وتبعات تفشي الوباء على كاهل وزير الصحة أليكس عازار الذي تولي منصبه في نهاية يناير (كانون الثاني) 2018.
- بطاقة شخصية
لكن من هو أليكس عازار؟
عازار ولد عام 1967 في بلدة جونزتاون بولاية بنسلفانيا، وهو يتحدّر من جذور لبنانية وأوكرانية، إذ هاجر جده لأبيه من لبنان إلى الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين. وبعدما أنهى دراسته الابتدائية والثانوية، درس عازار الاقتصاد في كلية دارتموث، التي تعد إحدى أعرق الجامعات الأميركية وأرقاها، عام 1988. وبعدها تخرّج مجازاً بالقانون من كلية الحقوق في جامعة ييل، التي تُعد أهم كلية حقوق في الولايات المتحدة، عام 1991. وعلى الأثر، عمل بمحكمة الاستئناف الأميركية، ثم محامياً في مكتب محاماة وايلي رين بالعاصمة واشنطن. ومنذ عام 2001 حتى عام 2007 عمل مستشاراً لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية، قبل أن يستقيل ويعمل في منصب نائب رئيس شركة إيلاي ليلي لخدمات الرعاية الصحية، ثم رئيساً للفرع الأميركي (الأكبر) في الشركة العملاقة في يناير 2012 ومسؤولاً عن عمليات الشركة في جميع أنحاء الولايات المتحدة.
في تلك الفترة، واجه عازار انتقادات لاذعة بسبب ارتفاع أسعار الأدوية بشكل كبير تحت قيادته، إذ وصل تكلفة الإنسولين (الأكثر مبيعاً لشركة إيلاي ليلي) إلى أكثر من 3 أضعاف سعره. كذلك، واجهت الشركة في عهده دعاوى قضائية بتهم استغلال نظام تسعير الأدوية لزيادة أرباحها من الإنسولين. كما وجّه انتقادات شديدة لبرنامج «أوباما كير» للرعاية الصحية. واستقال من الشركة في يناير 2017.
- نشاطه الحزبي
نشط أليكس عازار، في هذه الفترة أيضاً، داخل صفوف الحزب الجمهوري، وساهم في حملات كل من مايك بنس (نائب الرئيس الحالي) والسيناتور ميتش ماكونيل (زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ). وأيضاً ساهم في حملة دونالد ترمب خلال السباق الانتخابي عام 2016.
في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017، أعلن ترمب عبر «تويتر» عن ترشيحه عازار لمنصب وزير الصحة. وأثار هذا الإعلان في حينه مخاوف كثير من المدافعين عن الرعاية الصحية، مستشهدين بسجل الرجل في رفع أسعار الأدوية، ومعارضته برنامج «أوباما كير» وميوله الصريحة للتوجه الرأسمالي وأفكار السوق الحرة في تلبية احتياجات الرعاية الصحية للأميركيين. لكن رغم تلك الانتقادات، وافق مجلس الشيوخ حيث الغالبية للجهوريين على ترشيحه للمنصب بسلاسة، ومن دون معارضة قوية.
- هل يتحمّل المسؤولية؟
اليوم، يتساءل البعض، هل من الإنصاف إلقاء اللوم على إدارة ترمب، وعلى أليكس عازار بصفته وزير الصحة والخدمات الإنسانية، عن جائحة عالمية ظهرت بدايةً في مدينة ووهان الصينية؟
الإجابة السريعة هي النفي. إلا أن الإعلام الأميركي ألقى على هذا الرجل اللوم في الاستجابة الفيدرالية التي وصفها بـ«المخزية» في التنبؤ والتأهب لمواجهة مخاطر تفشي الفيروس القاتل. فقد كشفت وكالة رويترز في شهر مارس (آذار) الماضي أن الوزير عازار أبقى تقارير عن تهديدات تفشي ما بات يُعرف بفيروس «كوفيد - 19» «سرّية» بناء على أوامر من البيت الأبيض. وكان الأمر، على ما يبدو، جزءاً من استراتيجية إعلامية للبيت الأبيض لتجنب إثارة المخاوف والحفاظ على استقرار الأسواق المالية.
أيضاً، أشارت تسريبات من مصادر مطلعة في البيت الأبيض أن الرئيس ترمب قلّل عمداً من الاختبارات المبكرة للإصابات بالفيروس، معتبراً أن الأرقام المرتفعة ستضرّ بفرص إعادة انتخابه. وأشارت التسريبات أن الرئيس لم يعمد إلى توسيع تقديم الاختبارات في بداية تفشي الجائحة، وتردد في إطلاق حملة لتعميم الاختبارات، ما كان من شأنه حصر مناطق تفشي الفيروس.
من ناحية ثانية، ذكر موقع «بوليتيكو» الإخباري في مارس الماضي أن من يحقق في كيفية تعامل إدارة ترمب مع تفشي «كوفيد - 19» سيدرك أن أحد الأسباب يرجع جزئياً للتأخر في توفير الاختبارات. ولقد دافع «بوليتيكو» عن وزير الصحة عازار، مشيراً إلى أنه حذّر ترمب من أن الفيروس يهدد بأن يصبح أزمة كبيرة، بيد أن ترمب رفض تلك التحذيرات.
لكن في المقابل، أفادت وكالة «آسوشييتد برس» أن عازار استسلم لمطالب البيت الأبيض في بداية ظهور الفيروس، بإحجامه عن نشر توجيهات «مركز ضبط الأمراض» الأميركي التي توصي الأميركيين بالامتناع عن السفر. وإبان الشهور التالية لانتشار الفيروس، أيّد عازار تصريحات الرئيس ترمب، حينما قال الأخير إن الفيروس «سيختفي مع حلول الطقس الحار»، وأيضاً لجوءه إلى التقليل من شأن الفيروس، في حين أقرّ مسؤولو الصحة العامة الآخرون بأن خطره المميت يبلغ 10 أضعاف خطر فيروس الإنفلونزا.
وحينما أعلن ترمب، منذ أسبوعين، عن التفويض باستخدام بلازما المتعافين كعلاج طارئ للمصابين بالفيروس، واستصدار تصريح من «إدارة الغذاء والدواء» الأميركية بالسماح بعلاج البلازما، دافع عازار عن ترمب في وجه التهم التي وجّهت له بالضغط على «إدارة الغذاء والدواء» لإصدار هذا التصريح، على الرغم من غموض مدى فاعلية هذا العلاج. وبالفعل، دافع عازار عن اتهام ترمب «الدولة العميقة» بتعمّد تأخير التوصل إلى لقاح وعلاج إلى ما بعد الانتخابات الأميركية. ورفض وزير الصحة، أيضاً، التهم القائلة إن إدارة ترمب ضغطت على «إدارة الغذاء والدواء» للإجازة السريعة لعلاج «كوفيد - 19» باستخدام البلازما قبل إجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية.
- ولاء مطلق لترمب
باختصار، كان أليكس عازار، منذ ظهور فيروس «كوفيد - 19» حتى اليوم، الرجل المسؤول عن الدفاع عن سياسات البيت الأبيض وتلميع صورة الرئيس ترمب والدفاع الدؤوب عن تصريحاته ومقترحاته وأفكاره في مواجهة «كوفيد - 19». ومن الواضح أن عازار يتوافق تماماً مع توجهات رئيسه، عكس كثير من وزراء الصحة السابقين. ومما ذكر عنه، وفق صحيفة «نيويورك تايمز» أنه عمل على شطب كل اللوائح التي صدرت في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، واستمتع بإصدار لوائح جديدة.
المدافعون عن عازار يقولون إن وزارة الصحة الأميركية علمت بخطر الفيروس في بداية يناير 2020. وبادر عازار إلى إبلاغ الرئيس ترمب بالأمر يوم 19 يناير 2020. ومن ثم كافح لجذب انتباه ترمب للخطر الداهم، ولكن على الرغم من تحذيرات عازار، اتجه ترمب نحو التقليل من شأن الفيروس، وقدرة إدارته على السيطرة عليه.
غير أن الإعلام الأميركي ينسب إلى عازار قوله في 28 يناير 2020 إن إدارة ترمب لا تخطط لإعلان حالة طوارئ صحية مع انتشار فيروس «كوفيد - 19» في الصين، وتأكيده في حينه أن الخطر على الأميركيين ضئيل، وليس هناك سوى 5 حالات مؤكدة فقط في الولايات المتحدة. ولكن في اليوم نفسه، كان عازار قد طلب من الحكومة الصينية الموافقة على دخول فريق من خبراء مركز ضبط الأمراض إلى مدينة ووهان للتعرف على المزيد عن الفيروس، وأشاد عازار يومذاك بمساعدة الصين.
- انتقادات بالجملة
توالت الانتقادات لوزير الصحة خلال شهري فبراير (شباط) ومارس بسبب قلة الاستعداد والتقاعس، ما أدى إلى سرعة تفشي الجائحة. وانتقدت وسائل الإعلام خصوصاً نقص اختبارات الكشف عن الإصابات. ففي أوائل مارس 2020 ركز النقاد على النقص الكبير في الاختبارات، إذ بينما أجرت الصين في ذلك الوقت اختبارات على أكثر من مليون شخص، أُجري في الولايات المتحدة أقل من 500 اختبار. وفي 25 أبريل (نيسان) 2020 أفاد كثير من وسائل الإعلام أن البيت الأبيض كان يدرس خطة لعزل عازار بسبب الإحباط من طريقة معالجته التفشي، ولكن في اليوم التالي غرّد الرئيس أن هذه التقارير «مزيفة» وأنه لا ينوي الاستغناء عن وزيره.
أخيراً، في 10 أغسطس (آب) الحالي كان أليكس عازار يرأس وفداً أميركياً رفيع المستوى إلى تايوان ليغدو أول مسؤول أميركي يزور تايوان منذ عام 1979. وقال الوزير إنه ينقل دعم الرئيس ترمب والولايات المتحدة لتايوان في قضايا الصحة ومواجهة «كوفيد - 19». ووقّع مذكرة تفاهم للتعاون الطبي بين البلدين. غير أن المراقبين أكدوا أنه كانت للزيارة أهداف سياسية أخرى لا علاقة لها بالصحة العامة، على رأسها استفزاز السلطات الحاكمة في الصين التي تعتبر تايوان جزءاً من أراضيها، وتعهدت بضم الجزيرة بالقوة إذا لزم الأمر.


مقالات ذات صلة

ترمب «شخصية العام» لمجلة «تايم»: 72 يوماً من الغضب

الولايات المتحدة​ احتفل ترمب باختياره «شخصية العام» من قِبل مجلة «تايم» بقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك يوم 12 ديسمبر الحالي (أ.ب)

ترمب «شخصية العام» لمجلة «تايم»: 72 يوماً من الغضب

احتفى ترمب باختياره «شخصية العام» من مجلة «تايم»، وقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك على بُعد بضعة مبانٍ من المحكمة التي أدانته قبل 6 أشهر فقط.

علي بردى (واشنطن)
الاقتصاد إريك ترمب يتحدث خلال مقابلة مع «رويترز» في أبو ظبي (رويترز)

إريك ترمب: نخطط لبناء برج في الرياض بالشراكة مع «دار غلوبال»

قال إريك ترمب، نجل الرئيس الأميركي المنتخب، لـ«رويترز»، الخميس، إن منظمة «ترمب» تخطط لبناء برج في العاصمة السعودية الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي مجلة «تايم» تختار الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب «شخصية عام 2024»... (أ.ب)

ترمب: أدعم حل الدولتين لكن «هناك بدائل أخرى»

أجرى رئيس أميركا المنتخب، دونالد ترمب، حواراً مع مجلة «تايم» التي اختارته «شخصية عام 2024» وأكد أن «مشكلة الشرق الأوسط» أسهل في التعامل من «المشكلة الأوكرانية».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب خلال فعالية شخصية العام لمجلة تايم في بورصة نيويورك، 12 ديسمبر 2024 (أ.ب)

ترمب رداً على سؤال عن احتمالات الحرب مع إيران: «أي شيء يمكن أن يحدث»

قال الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب ردا على سؤال في مقابلة مع مجلة «تايم» حول احتمالات الحرب مع إيران، إن «أي شيء يمكن أن يحدث».rnrn

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب (أ.ب)

"تايم "تختار دونالد ترمب شخصية العام 2024

اختارت مجلة تايم الأميركية دونالد ترمب الذي انتخب لولاية ثانية على رأس الولايات المتحدة شخصية العام 2024.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
TT

الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)

شأن معظم دول المنطقة والإقليم، تسببت الأزمة السورية المتصاعدة في تراجع الاهتمام الرسمي والشعبي العراقي بالحرب التي تشنّها إسرائيل على غزة ولبنان، بعد أن كانت تحظى بأولوية قصوى، خصوصاً بعد التهديدات الإسرائيلية بتوجيه ضربات عسكرية ضد الفصائل المسلحة العراقية التي استهدفتها بأكثر من 200 هجمة صاروخية خلال الأشهر الماضية. وأظهر رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني، موقفاً داعماً للحكومة السورية في ظروفها الحالية منذ اليوم الأول للهجوم الذي شنَّته الفصائل السورية المسلحة وتمكّنت من السيطرة على محافظة حلب ومدن أخرى، إذ أجرى اتصالاً بالرئيس السوري بشار الأسد وكذلك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وأكد دعمه لدمشق.

أعلن رئيس الحكومة العراقي محمد شيّاع السوداني، يوم الثلاثاء الماضي، موقفاً أكثر وضوحاً بالنسبة لدعم نظام دمشق، وذلك خلال اتصال - مماثل لاتصاليه مع القيادتين السورية والإيرانية - أجراه مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

ومما قاله السوداني إن «العراق لن يقف متفرجاً على التداعيات الخطيرة الحاصلة في سوريا، خصوصاً عمليات التطهير العرقي للمكوّنات والمذاهب هناك»، طبقاً لبيان حكومي.

كذلك شدّد الزعيم العراقي على أنه سبق لبلاده أن «تضرّرت من الإرهاب ونتائج سيطرة التنظيمات المتطرّفة على مناطق في سوريا، ولن يُسمَح بتكرار ذلك»، مؤكداً «أهمية احترام وحدة سوريا وسيادتها، وأن العراق سيبذل كل الجهود من أجل الحفاظ على أمنه وأمن سوريا».

محمد شياع السوداني (آ ف ب)

السوداني كان قد انهمك بسلسلة اتصالات خلال الأيام القليلة الماضية مع عدد من قادة الدول، بخصوص الوضع في سوريا؛ من «أجل دعم الاستقرار في المنطقة، وعدم حصول أي تداعيات فيها، خصوصاً مع ما تشهده من حرب إجرامية صهيونية مستمرة منذ أكثر من عام» بحسب بيان حكومي.

وأظهرت قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية موقفاً مماثلاً وداعماً لحكومة السوداني في مواقفها حيال سوريا، لكنها أعربت خلال اجتماع، الثلاثاء الماضي أيضاً، عن قلقها جراء الأوضاع في سوريا بعد «احتلال الإرهابيين مناطق مهمة» طبقاً لبيان صدر عن الاجتماع. وعدّت «أمن سوريا امتداداً للأمن القومي العراقي للجوار الجغرافي بين البلدين، والامتدادات المختلفة لذلك الجوار».

الحدود المشتركة مؤمّنة

للعلم، مع الشرارة الأولى لاندلاع الأزمة السورية، اتخذت السلطات العراقية على المستوى الأمني إجراءات عديدة «لتأمين» حدودها الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر مع سوريا. وصدرت بيانات كثيرة حول جاهزية القوات العراقية وقدرتها على التصدّي لأي محاولة توغّل داخل الأراضي العراقية من قبل الفصائل المسلحة من الجانب السوري، مثلما حدث صيف عام 2014، حين تمكَّنت تلك الجماعات من كسر الحدود المشتركة والسيطرة على مساحات واسعة من العراق.

اللواء يحيى رسول، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، أوضح (الثلاثاء) أبرز الإجراءات المُتَّخذة لتحصين الحدود مع سوريا. وقال في تصريحات صحافية إن «الحدود مؤمَنة ومُحكمة بشكل كبير من تحكيمات وتحصينات، وهناك وجود لقوات الحدود على خط الصفر الذي يربطنا مع الجارة سوريا مدعومة بالأسلحة الساندة والجهد الفني، المتمثل بالكاميرات الحرارية وأبراج المراقبة المحصّنة». وأضاف رسول: «لا خوف على الحدود العراقية، فهي مؤمّنة ومحكمة ومحصّنة، وأبطالنا منتشرون على طولها»، مشيراً إلى أنه «تم تعزيز الحدود بقطاعات من الألوية المدرعة وهي موجودة أيضاً عند الحدود».

أيضاً، وصل وفد أمني برئاسة الفريق أول قوات خاصة الركن عبد الأمير رشيد يارالله، رئيس أركان الجيش، يوم الأربعاء، إلى الشريط الحدودي العراقي - السوري. وذكر بيان عسكري أن «هدف الزيارة جاء لمتابعة انتشار القطعات الأمنية وانفتاح خطوط الصد».

غموض في الموقف

إلا أنه حتى مع المواقف الحكومية الداعمة لدمشق في أزمتها الراهنة، يبدو جلياً «الالتباس» بالنسبة لكثرة من المراقبين، وبالأخص لجهة شكل ذلك الدعم وطبيعته، وما إذا كانت السلطات الحكومية العراقية ستنخرط بقوة لمساعدة نظام الأسد عسكرياً، أم أنها ستبقى عند منطقة الدعم السياسي والدبلوماسي، تاركة أمر الانخراط والمساعدة الميدانية للفصائل المسلحة.

وهنا يلاحظ إياد العنبر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، وجود «التباس واضح حيال الموقف من الحدث السوري، وهذا الالتباس نختبره منذ سنوات، وليس هناك تمييز واضح بين العراق الرسمي وغير الرسمي». وتابع العنبر لـ«الشرق الأوسط» أن «مستويات تفعيل المساهمة العراقية في الحرب غير واضحة، وإذا ما قررت الحكومة البقاء على المستوى الدبلوماسي بالنسبة لقضة دعم سوريا، أم أن هناك مشاركة عسكرية».

غير أن إحسان الشمري، أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، يعتقد بأن «العراق الرسمي عبَر عتبة التردّد، وبات منخرطاً في الأزمة السورية». وفي لقاء مع «الشرق الأوسط» بنى الشمري فرضيته على مجمل المواقف الرسمية التي صدرت عن رئيس الوزراء، والناطق الرسمي، وزعماء «الإطار التنسيقي»، وشرح قائلاً إن «هذه المواقف بمجملها كسرت مبدأ الحياد وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى الذي يتمسّك به العراق، إلى جانب كونها انخراطاً رسمياً عراقياً بالأزمة السورية».

نتنياهو غير مضمون

ولكن، بعيداً عن الانشغال الراهن بالأزمة السورية، ما زالت التهديدات الإسرائيلية بين أهم القضايا التي تشغل الرأي العام ببعدَيه السياسي والشعبي. وحتى مع الترحيب العراقي بقرار وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، ما زالت مخاوف البلاد من ضربة إسرائيلية محتملة قائمةً.

ولقد قال الناطق باسم الحكومة باسم العوادي، الأربعاء قبل الماضي، في تصريحات صحافية، إنه «مع عملية وقف إطلاق النار في لبنان، نحن أنهينا الجزء الأسهل، فالمعركة انتهت والحرب لم تنتهِ، فالأصعب أنك ستدخل بالمخططات غير المعلومة. ونحن (العراق) واقعون في المنطقة الحرام، لكن السياسة العقلانية المتوازنة استطاعت أن تجنبنا الضرر».

وأجاب، من ثم، عن طبيعة الرد العراقي إذا ما هاجمت إسرائيل أراضيه، بالقول: «إلى حد أيام قليلة كانت تأتي نتائج جيدة من المعادلات التي اشتغل عليها رئيس الوزراء، لكن رغم ذلك فلا أحد يضمن ما الذي يدور في بال حكومة نتنياهو، وما هو القادم مع الإدارة الأميركية الجديدة، وكيف سيتصرف نتنياهو».

وتابع العوادي، أن «الإسرائيليين عملوا على تفكيك الساحات، وتوجيه ضربات إلى اليمن وسوريا، لكن الطرف العراقي هو الوحيد الذي لم يستطيعوا الوصول إليه بفضل المعادلة... وقد يكونون وضعونا للحظات الأخيرة أو الأيام الأخيرة بنوع ما، وهذا وارد جداً، وتتعامل الحكومة العراقية مع ذلك».

شبح هجوم إسرائيلي

وحقاً، لا يزال شبح هجوم إسرائيلي واسع يخيم على بغداد، إذ تناقلت أوساط حزبية تحذيرات جدية من شنِّ ضربات جوية على العراق. وفي وقت سابق، قال مصدر مقرّب من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، لـ«الشرق الأوسط»، إنَّ «مخاوف الأحزاب الشيعية من جدية التهديد دفعتها إلى مطالبة رئيس الحكومة للقيام بما يلزم لمنع الهجمات». وأكَّد المصدر أنَّ «فصائل عراقية مسلّحة لجأت أخيراً إلى التحرك في أجواء من التكتم والسرية، وقد جرى بشكل مؤكد إبدال معظم المواقع العسكرية التابعة لها».

وفي سياق متصل، تتحدَّث مصادر صحافية عمَّا وصفتها بـ«التقديرات الحكومية» التي تشير إلى إمكانية تعرّض البلاد لـ«300 هجوم إسرائيلي». وفي مطلع الأسبوع الماضي، شدَّدت وزارة الخارجية العراقية، في رسالة إلى مجلس الأمن، على أهمية «تدخل المجتمع الدولي لوقف هذه السلوكيات العدوانية لإسرائيل».

كما أنَّه حيال التهديدات الجدية والخشية الحقيقية من عمل عسكري إسرائيل ضد البلاد، اهتدت بعض الشخصيات والأجواء المقرّبة من الحكومة والفصائل إلى «رمي الكرة» في الملعب الأميركي، مستندين بذلك إلى اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» المُوقَّعة منذ عام 2011، بين بغداد وواشنطن، وهو العام الذي خرجت فيه القوات الأميركية من العراق.

التهديدات الإسرائيلية من أهم القضايا التي تشغل الرأي العام العراقي

هادي العامري (رووداو)

العامري يلوم واشنطن

أيضاً، وجد هادي العامري، زعيم منظمة «بدر»، بنهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، الفرصة ليحمّل واشنطن مسؤولية حماية الأجواء العراقية، بعدما شنَّت إسرائيل هجوماً عسكرياً ضد إيران، مستخدمةً الأجواء العراقية في هجماتها. ويومذاك، حمّل العامري الجانب الأميركي «المسؤولية الكاملة» على انتهاك إسرائيل سيادة الأجواء العراقية في طريقها لضرب إيران. وقال، إن «الجانب الأميركي أثبت مجدّداً إصراره على الهيمنة على الأجواء العراقية، وعمله بالضد من مصالح العراق وشعبه وسيادته، بل سعيه لخدمة الكيان الصهيوني وإمداده بكل ما يحتاج إليه لممارسة أساليبه العدوانية، وتهديده للسلام والاستقرار في المنطقة».

وأضاف العامري: «لهذا باتت الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لإنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق بأشكاله كافة». وللعلم، فإن منظمة «بدر» - التي يقودها العامري - وردت ضمن لائحة المنظمات التي اتهمتها إسرائيل بشنِّ هجمات ضدها خلال الشكوى التي قدمتها إلى مجلس الأمن في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وبناءً على تصريحات العامري السالفة، وتصريحات أخرى لشخصيات مقرّبة من الفصائل المسلحة وقوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، تبلورت خلال الأسبوع الأخير، قناعة داخل أوساط هذه القوى مفادها، بأن واشنطن «ملزمة وبشكل مباشر بحماية الأجواء العراقية» من أي هجوم محتمل من إسرائيل أو غيرها، أخذاً في الاعتبار الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة و«سيطرتها على الأجواء العراقية».

وبالتوازي، سبق أن حمّل فادي الشمري، المستشار السياسي لرئيس الوزراء، الولايات المتحدة، أيضاً وفقاً لـ«اتفاقية الإطار الاستراتيجي والاتفاقية الأمنية»، مسؤولية «الردع، والرد على أي هجمات خارجية تمسّ الأمن الداخلي العراقي».

الرد الأميركي قاطع

في المقابل، تخلي واشنطن مسؤوليتها حيال هذا الأمر. ورداً على المزاعم العراقية المتعلقة بـ«الحماية الأميركية»، قالت ألينا رومانوسكي، السفيرة الأميركية في بغداد، صراحةً إن بلادها غير معنية بذلك. وأردفت رومانوسكي، خلال مقابلة تلفزيونية سابقة، أن التحالف الدولي دُعي إلى العراق لـ«محاربة (داعش) قبل 10 سنوات، وقد حققنا إنجازات على مستوى هزيمة هذا التنظيم، لكنه ما زال يمثل بعض التهديد، ودعوة الحكومة العراقية لنا تتعلق بهذا الجانب حصراً. أما اتفاقية الإطار الاستراتيجي فتلزمنا ببناء القدرات العسكرية العراقية، لكنها لا تتطرق لمسألة حماية الأجواء والدفاع بالنيابة». ونفت السفيرة أن تكون بلادها قد «فرضت سيطرتها على سماء العراق».

والاثنين قبل الماضي، قالت رومانوسكي، خلال لقاء «طاولة مستديرة» لعدد من وسائل الإعلام: «أود أن أكون واضحة جداً، ومنذ البداية، بأن الإسرائيليين وجّهوا تحذيرات ردع للميليشيات المدعومة إيرانياً والموجودة هنا في العراق، التي تعتدي على إسرائيل». وأضافت: «هذه الميليشيات هي التي بدأت الاعتداء على إسرائيل. ولأكون واضحة جداً في هذه النقطة، فإن الإسرائيليين حذّروا حكومة العراق بأن يوقف هذه الميليشيات عن اعتداءاتها المتكررة والمستمرة على إسرائيل... إن رسالتنا إلى حكومة العراق هي أن تسيطر على هذه الميليشيات المنفلتة، والتي لا تعتد بأوامر الحكومة وأوامر القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء. إن إسرائيل دولة لها سيادتها، وهي سترد على أي اعتداء من أي مكان ضدها».

جدعون ساعر (آ ف ب)

 

حقائق

قلق عراقي جدّي من التهديدات الإسرائيلية مع مطالبة واشنطن بالتدخّل

خلال الأسبوع قبل الماضي، بعث وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر رسالةً إلى مجلس الأمن تكلّم فيها عمّا أسماه بـ«حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وحمّل فيها الحكومة العراقية المسؤولية عن الهجمات التي تشنها الفصائل العراقية عليها، داعياً مجلس الأمن للتحرك والتأكد من أن الحكومة العراقية تفي بالتزاماتها. ساعر اتّهم بالتحديد «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» و«ألوية بدر» وحركة «النُّجباء» و«أنصار الله الأوفياء» و«كتائب سيد الشهداء»، بمهاجمة إسرائيل، ومعظم هذه الفصائل مشاركة في الحكومة العراقية الحالية ولها نفوذ كبير داخلها. هنا، تجدر الإشارة إلى أنه سبق لرئاسة الوزراء العراقية توجيه وزارة الخارجية لمتابعة ملف التهديدات الإسرائيلية في المحافل الأممية والدولية وأمام هيئات منظمة الأمم المتحدة، واتخاذ كل الخطوات اللازمة، وفق مبادئ القانون الدولي، لحفظ حقوق العراق وردع تهديدات إسرائيل العدوانية. كذلك طالبت رئاسة الوزراء بـ«دعوة جامعة الدول العربية إلى اتخاذ موقف حازم وموحّد ضد تهديدات سلطات الكيان المحتل، يتضمن إجراءات عملية تستند إلى وحدة المصير والدفاع المشترك». وهذا بجانب «مطالبة مجلس الأمن الدولي بالنظر في الشكاوى المقدمة من جمهورية العراق ضد سلطات الكيان المحتل، واتخاذ إجراءات رادعة تكفل تحقيق الاستقرار والسِّلم الإقليمي والدولي»، وباتخاذ الولايات المتحدة مع العراق، من خلال الحوارات الأمنية والعسكرية ضمن إطار القسم الثالث من «اتفاقية الإطار الاستراتيجي»، خطوات فعالة «لردع سلطات الكيان المحتل» مع دعوة «التحالف الدولي والدول الأعضاء فيه إلى كبح هذه التهديدات والحدّ من اتساع رقعة الحرب».