على عكس ما كان يتوقع، يواجه فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق» جملة من التحديات الثقيلة يتمثل بعضها في مطالبته من جموع المتظاهرين السلميين، بالاستقالة من منصبه من جهة، وخطط استكمال مسيرة الحرب ضد قوات «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر من جهة أخرى.
وتتباين نظرة الليبيين إلى آلاف المتظاهرين الذين يحتشدون منذ أربعة أيام في ساحة الشهداء وسط طرابلس، كل حسب آيديولوجيته السياسية وانتماءاته الجهوية، فهناك من يرى أن هؤلاء الشباب يحتجون على «تفشي الفساد في البلاد، وتردي الوضع المعيشي»، في مقابل من ينظر إليهم على أنهم عبارة عن «فئة من ناكري الجميل، تم الدفع بهم لتنفيذ أجندات شخصية ضد رئيس المجلس الرئاسي». لكن ما بين هذا وذاك يتخوف كثيرون من أن إجبار السراج على الاستقالة من دون وضع صيغة ديمقراطية لتداول السلطة سيضع غرب ليبيا على شفا حرب أهلية، في ظل سيطرة الميليشيات على مقاليد الأمور بالكامل.
ومع تصاعد حدة المظاهرات السلمية غير المسبوقة، يتطلع كل طرف سياسي إليها بحسب ما يتمناه أو يرجوه. لكن ذلك لا يمنع المتوجسين من توقع دخول البلاد في «دائرة المجهول» عبر سيناريوهات عديدة قد تعيدها إلى السنوات الأولى من إسقاط نظام الرئيس معمر القذافي.
جانب من هذه المخاوف التي يبديها سكان غرب البلاد يتمثل في أن ترك السراج لمنصبه سيخلق فراغاً سياسياً (ولو مؤقتاً) قد يمكّن قوات «الجيش الوطني» من العودة السريعة إلى تخوم العاصمة، وبسط قبضتها عليها.
لكن المحلل السياسي الليبي عبد العظيم البشتي شدد على أن «الأمر يحتاج إلى صيغة ديمقراطية لتداول السلطة تتمثل في انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة»، مقللاً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» من «الوصول إلى هذه المرحلة قريباً في ظل انتشار السلاح وسيطرة الميليشيات في كل ليبيا غرباً وشرقاً».
ورغم وضوح هتاف المتظاهرين المُنصب على ضرورة محاسبة «الطغمة المتسببة في إفقار المواطنين»، فإن ذلك لم يمنع الموالين لرئيس المجلس الرئاسي من التساؤل: «أين كان هؤلاء حينما كانت العاصمة تتعرض للقصف اليومي؟».
غير أن البشتي رأى أن ظروف اتفاق الصخيرات المُوقع في نهاية عام 2015 بالمغرب هي التي أتت بالسراج إلى هذا المنصب. وقال: «تقابلنا عقب توليه رئاسة المجلس الرئاسي، وتبادلنا حديثاً شخصياً، تكشف لي حينها أنه لم يكن متمسكاً بمنصبه ويبدي استعداده للانسحاب، ولكنه كان يريد صيغة لا تترك فراغاً سياسياً».
وأضاف: «كنت حينها أخاف من القفز في الفراغ، وأرى ضرورة الوصول إلى صيغة ديمقراطية لتداول السلطة، حيث لا يمكن (للرئيس) أن يذهب هكذا إلى بيته من دون ترتيبات. لكن الآن بات واضحاً أن السراج قد تغير وبات متمسكاً بالسلطة».
ويتكون المجلس الرئاسي من السراج رئيساً، وخمسة نواب له وثلاثة أعضاء. وتنص المادة الرابعة من مسودة اتفاق الصخيرات على أن «استقالة رئيس مجلس الوزراء، أو وفاته، أو خلو منصبه لأي سبب تؤدي إلى استقالة الحكومة بأكملها. وفي هذه الحالة، تواصل الحكومة (المنتهية ولايتها) مهامها بتصريف أعمال لحين تشكيل حكومة جديدة على أن يلتئم الحوار السياسي الليبي في جلسة تعقد خصيصاً لهذا الغرض لاختيار بديل لها، ويتم اعتماد ذلك من مجلس النواب».
وأصحاب السيناريو الأسوأ يرون أنه في حال إجبار السراج على الاستقالة، فإن البلاد «ستذهب لا محالة إلى حرب عسكرية مناطقية عنيفة على السلطة بين تيارات سياسية كل منها سيستميت دفاعاً عن مكتسباته التي راكمها على مدار الأعوام التسعة الماضية»، مرجحين كفة فتحي علي باشاغا وزير الداخلية الذي ينتمي إلى مدينة مصراتة، لملء هذا الفراغ، على قاعدة أن القوة الضاربة في قوات السراج تكمن في مدينته، فضلاً على أن وراءه جهاز أمني يدين له بالولاء.
وسعياً من السراج إلى محاصرة سقف مطالب المحتجين، اجتمع مساء أول من أمس مع رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الجيلاني أرحومة، وعدد من أعضاء الهيئة، وتطرق اللقاء إلى مناقشة سبل إيجاد حلول دستورية «تنقل البلد إلى الدولة المدنية الديمقراطية من خلال إكمال المسار التأسيسي وإجراء انتخابات برلمانية ودستورية».
وقال السراج إن «ليبيا تمر بمرحلة خطيرة مصيرية تتطلب بأن يكون الجميع في مستوى المسؤولية الوطنية التاريخية... وأنا كنت سباقاً بالترحيب بمسودة الدستور وإلى أن أصبحت مشروعاً، يمثل فور إقراره من الشعب، أساساً لبناء الدولة المدنية المنشودة».
وأمام تعقيدات المشهد، قال السفير إبراهيم موسى جرادة إن «الحراك الشعبي المنتفض توّج أنين المعاناة ووصول الصبر إلى منتهاه، وبالتالي ليس أمامنا إلاّ التفكير في حل واقعي ولو جزئي». واقترح جرادة أن «يسمي رئيس المجلس الرئاسي رئيس وزراء، أو وزير أول حال وجود تكبيلات إجرائية في اتفاق الصخيرات المُلغم دوماً بالقيود، على أن يقدم نفسه وتشكيلاته المقترحة لمجلس النواب مجتمعاً لنيل الثقة فيه وفي حكومته، لكن في حال تعذر التئام مجلس النواب، يقدم لهم في هيئتيه في طبرق وطرابلس، وإذا لم يكن ذلك فليس من سبيل إلا تقديمها عبر أحد التجمعين البرلمانيين».
وذهب جرادة إلى أنه يمكن العمل أيضاً على تشكيل حكومتين جديدتين في غرب ليبيا وشرقها، أو الدعوة إلى مبادرة تجمع عمداء البلديات المنتخبين في مجلس أعلى للبلديات، واختيار هيئة تسييرية تنسيقية، وتعزز الحكم المحلي، وتكون رافداً للسلطات.
واستدرك جرادة بأن «هذا الحل ليس مثالياً فهو مقترح مبدئي، ولكنه رغم الصعوبات ممكن، لكسر حقبة وحلقة الجمود ولإعادة بعض النشاط لدور ومهام السلطة التشريعية»، لافتاً إلى أن «الحكومة الجديدة ستكون أقوى شرعياً داخلياً وخارجياً لاستنادها لثقة البرلمان، فضلاً عن أن ذلك من شأنه أن يكون رسالة للشعب بالجدية والاعتذار له، وطلب فرصة أخرى وأخيرة».
ليبيون يرسمون سيناريوهات... «ماذا لو استقال السراج؟»
متظاهر يرفع لافتة تطالب برحيل «المجلس الرئاسي» (تويتر)
ليبيون يرسمون سيناريوهات... «ماذا لو استقال السراج؟»
متظاهر يرفع لافتة تطالب برحيل «المجلس الرئاسي» (تويتر)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




