سنوات السينما: «الفتوَّة»

سنوات السينما: «الفتوَّة»

الجمعة - 10 محرم 1442 هـ - 28 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [ 15249]
فريد شوقي في «الفتوَّة»

(1957)
(جيد)
حكاية صعود وهبوط
بطل شعبي
قبل عام واحد من هذا الفيلم، قام المخرج صلاح أبو سيف بتقديم فيلم رائع آخر هو «شباب امرأة». والعامل المشترك بين ذلك الفيلم و«الفتوَّة» مؤكد ليس لكون مخرجهما واحداً؛ بل لأنهما يسبران غور المنطقة الشعبية في القاهرة، ويتعاملان مع شخصياتهما بالثقافة والمعرفة ذاتيهما المشهودتين للمخرج في أفلامه الواقعية الأخرى.
كذلك هناك حقيقة أن كلا الفيلمين عن صعود وهبوط بطله، وينتهي على نحو متشابه. في «شباب امرأة» يصل شكري سرحان الجاد في طلب العلم إلى الحارة. تصطاده «المعلِّمة» تحية كاريوكا وتصنع منه شخصاً آخر ثم ترميه وقد نفد وقوده، باحثة عن سواه. المشهد النهائي وصول شاب آخر إلى الحارة ذاتها بأحلام جادة، تمهيداً لدخول شبكة العنكبوت ذاتها.
هنا في «الفتوَّة»، وبعدما شاهدنا صعود هريدي (فريد شوقي) من حمَّال صعيدي رضي بأن يعمل بدل الحمار في جر العربة أول وصوله إلى الحارة القاهرية طلباً للعمل، نراه يحارب من أجل العدالة الغائبة، وضد جشع تاجر السوق الأول أبو زيد (زكي رستم). بعد انتصاره على أبو زيد تحوَّل هريدي إلى طاغية آخر قبل أن يصفِّي كل منهما الآخر في معركة ختامية. المشهد الأخير لقادم جديد (محمود المليجي) يبدأ خطواته الأولى في الحارة بالسذاجة والبراءة اللتين دخل بهما هريدي تلك الحارة ذاتها.
بذلك، النهاية هي البداية في «الفتوَّة» و«شباب امرأة» حالما تُتاح الفرصة أمام الفرد المحروم للوصول إلى سدَّة النجاح. وقف هريدي مع المظلومين و«الغلابة» من عامَّة الناس في مطلع الفيلم، وتجسس على أبو زيد ليطيح به. لكن ما إن تمكَّن من السيطرة على حركة السوق التجارية حتى انقلب بتدرج سريع إلى أبو زيد آخر. والحال قد يتكرر مع القادم الجديد؛ لأن هناك - في مفهوم أفلام أبو سيف - تلك الرغبة الجامحة للبشر في الهيمنة والصعود على أكتاف الآخرين.
قصة «الفتوَّة» وضعها في الأساس فريد شوقي. وكتبها كسيناريو أخير، بعد مرورها على محمود صبحي والسيد بدير (عمل الأخير على سيناريو «شباب امرأة» أيضاً) كل من أبو سيف ونجيب محفوظ. وهي حافلة بمواقف الروائي المصري الكبير الواردة في رواياته الاجتماعية والواقعية، لدرجة أن الفيلم يبدو كما لو كان ينتمي إلى أعمال محفوظ الروائية بالمقدار ذاته الذي ينتمي فيه إلى أعمال أبو سيف.
الرائع في هذا العمل ذلك الرصد الحقيقي والواقعي للحياة الشعبية. على عكس مخرجين آخرين تعاملوا مع قصص الحارة، لا ينشغل أبو سيف بإيضاح الواضح ولا تثبيت البعد المقصود.
لقطاته مركَّزة ومشاهده محسوبة، ولا يوجد منها ما كان يمكن أن يُحذف لأنه إضافة لما سبق ذكره.
كذلك هناك قدرته المتميزة في إدارة ممثليه (يمكن الحديث مطوَّلاً عن كل ممثل ودوره). الشخصيات الصغيرة والكبيرة منسوجة بالاهتمام نفسه، وممتزجة في أداءات لا تعرف الاغتراب. يستطيع المرء بسهولة التعرف على أن واقعية أبو سيف لا تختلف عن واقعية الياباني ياسورجيرو أوزو في أفلامه (مثل «قصة طوكيو»، 1953) إلا من حيث أسلوب وثقافة الحياة التي يرصدها كل منهما للواقع.
هذا الناقد لم يجد قراءة مؤكدة حيال أن الفيلم يصِم الدكتاتوريات، كما ذهب بعض زملاء المهنة. هو يصِم فترة ما قبل ثورة 1952، من دون أن يدلي برأي في الحقبة التالية لها. يبحث في الإنسان الذي ينهار تحت ثقل طموحاته غير المشروعة.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة