«كبدة الفلاح»... مذاقه في «سر التوابل»

«كبدة الفلاح»... مذاقه في «سر التوابل»

البهارات مع الفلفل الأخضر تجعله الساندويتش الأشهر في مصر
الأحد - 5 محرم 1442 هـ - 23 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [ 15244]

هل يمكنك أن تعبر أمام محل للكبدة دون أن تجتذبك رائحتها، أو تشاغب حواسك مذاقاتها؟ ربما تتغاضى عن ذلك وتنصرف، لكنك إذا غامرت واقتربت لتلقى نظرة سترى كيف تتراقص شرائح الكبدة وسط لفيف من قطع الفلفل الأخضر، مع مزيج من التوابل في قلاية الزيت، مؤكد أنك ستغير وجهتك وتجرب رغيفاً، وإذا كنت جائعاً فلن تخرج إلا وأنت تشعر بالشبع.

جزء من هذه الحالة تعكسها الأجواء المحيطة بمطعم «كبدة الفلاح» صاحب التاريخ الطويلة، فأمام فروعه المتعددة في مدينتي الإسكندرية والقاهرة، يمكن لمس الشهرة الكبيرة لهذا الاسم من خلال الطوابير الممتدة، التي عادت ثانية مع تخفيف الإجراءات على المطاعم بسبب جائحة «كورونا». فما أن تُعد الساندويتشات وترص في الأطباق، تجاورها قرون الفلفل الأخضر وحبات الليمون، ويأتي بها أحد العاملين، حتى يكون ذلك إيذاناً ببدء المنافسة الحامية بين «الجائعين» من ذوي الشهية المفتوحة.

ارتبط اسم المطعم بالإسكندرية، بل إنه أحد علامات المدينة المميزة بوجوده في أحياء «محطة الرمل» و«العطارين» و«الجمرك»، فلا تكتمل زيارة المدينة دون التهام «أنصاص» الكبدة، والتمتع بمذاقها الشهي. وقبل سنوات قليلة، أخرجت إدارة المطعم ساندويتش الكبدة من نطاقه الجغرافي المعتاد إلى مدينة القاهرة، مفتتحة 3 فروع جديدة، لينتقل الساندويتش الإسكندراني بمذاقه المعروف إلى جمهور العاصمة الكبير، لتلبية رغباته في الاستمتاع بالكبدة ذات التتبيلة السرية.

عن تاريخ المطعم وما لحق به من تطوير، يقول عمرو سعد، صاحب فروع مطعم «كبدة الفلاح» بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «تشتهر مطاعم الفلاح في أحياء العطارين والجمرك ومحطة الرمل بالإسكندرية، وجميعها كانت في السابق عبارة عن عربة لبيع الكبدة بجوار محطة مصر (محطة القطارات الرئيسية في الإسكندرية)، بدأت منذ عام 1825، أسسها الجد الأكبر، ثم كان فرع العطارين هو أقدم الفروع، ومنه خرجت كل الفروع، وأشهرها فرع محطة الرمل، الذي اكتسب شهرته كونه يجاور سينما مترو الشهيرة ولتعامله مع المصيفين الزائرين للمدينة».

ومع مرور الزمن اكتسبت الفروع شهرتها، حتى ارتبطت طريقة تقديم الكبدة الإسكندراني بمطاعم «الفلاح»، والسبب في ذلك سر التتبيل أو الخلطة السرية التي تقدم بها، التي يقول عنها سعد: «يعود سر كبدة الفلاح إلى التوابل وطريقة التتبيل، فنحن نعمل بما يسمى (نسب التوابل)، وهي عبارة عن تركيبة من التوابل، تضم أنوعاً متعددة مثل الكمون والكزبرة والشطة وغيرها، تخلط مع بعضها البعض بنسب معينة، لا يعرفها غير أصحاب المطعم فقط، وقد حاول كثيرون على مدار عقود طويلة اكتشاف هذا السر، أو محاولة تجريب تركيبات متعددة، لكن دون جدوى».

لكن سعد لفت إلى أن من بين أسباب استمرارية المطعم وتزايد شهرته، يرجع إلى «لنوع معين من الكبدة المستوردة يأتي إليهم خصيصاً، وهي الكبدة الصغيرة (الأوزي)، وهي من أجود الأنواع، وأفضلها ملاءمة لطريقة التتبيل والتحضير عبر القلي في الزيت».

وعن طريقة التحضير يشرح سعد: «تقطّع الكبدة إلى شرائح صغيرة بسُمك واحد مللي ونصف، يضعها الشيف في مقلاة الزيت بطريقة الصدمة، وهو ما يناسب حجمها القليل والرفيع، وأي نوع آخر غير هذا النوع من الكبدة (الأوزي) وبهذا السُمك سيؤدي الزيت إلى تفتتها، وبالتالي الاعتماد على نوع آخر هو خسارة كبيرة لنا».

عملية تسوية الكبدة بدورها محسوبة وبدقة، فشرائح الكبدة المُتبلة مع بعض قطع الفلفل الأخضر داخل القلايات لا تترك طويلاً، فالنضج يكون حتى درجة معينة حتى لا تجف الكبدة أو (تنشف)، ولتحقيق ذلك يعتمد المطعم على وجود شيف متخصص، يجاوره مدير تشغيل، يتابع عملية التسوية، ومن خلفهما يوجد مدير جودة.

وهو التسلسل الذي لجأت إليه إدارة المطعم رغم أنها تقدم منتجاً شعبياً في المقام الأول، وذلك حتى يكون المذاق موحداً ويلبي رغبة الزبائن لتعود مجدداً لتجربة ساندويتش الكبدة بعد أن وثقوا فيه.

وهو ما يعلله صاحب الفروع بقوله: «مع توارثي إدارة فروع الفلاح ولإكمال مسيرة الجيل الأول الذين وضعوا اسم المطعم عالياً، حاولت أن يكون للتكنولوجيا دور في الإدارة، لمواكبة العصر الحالي، فقديماً كان المطعم يعتمد على شيفات تعرف بالخبرة مقدار التوابل، وكمية الكبدة داخل الساندويتش بعد أن تعودت أيديهم على ذلك، لكن مع تغير العصر والحاجة إلى توحيد جودة المُنتج، كان اللجوء إلى أنظمة إلكترونية، وإدارة جودة متخصصة، لمتابعة جميع الأمور، بداية من التتبيل مروراً بالتسوية، حتى كمية شرائح الكبدة التي تعبأ بها أرغفة الخبز».

ويتابع: «ما يهمنا هنا أن يأخذ زبون المطعم حقه كاملاً بالكمية نفسها والطعم والمذاق الجودة نفسها، حتى يعود لنا مجدداً، لأن أي تقصير في أي منها سيؤدي إلى انصراف الزبائن، وبالتالي كانت المحصلة أننا حولنا الكبدة ذلك المنتج الشعبي إلى منتج يخضع لضمان الجودة. فجميع المراحل مُخطط لها، ولها منهجية في تنفيذها».

وبخلاف الساندويتشات؛ تضم قائمة المطعم تقديم أطباق الكبدة الكبيرة والصغيرة، كما تضم ساندويتش السجق البلدي، ولكنه يقتصر على فرع العطارين بالإسكندرية، ويسري عليه معايير تقديم ساندويتش الكبدة نفسها.

أما الكبدة فهي متاحة في أفرع الإسكندرية الثلاث، وأخرى مثلها في القاهرة بأحياء المهندسين والدقي وفيصل، إلى جانب فرعين في دمنهور بمحافظة البحيرة (70 كيلومتراً جنوب شرقي الإسكندرية)، وفرعين بطريق شرم الشيخ، وحالياً يتم التخطيط لافتتاح فرعين جديدين بالقاهرة، إلى جانب أول الفروع خارج مصر في دبي.

ويذكر سعد أن افتتاح فروع القاهرة عمل على توسيع قاعدة زبائن المطعم، لتشمل السائحين العرب والأجانب، لا سيما فرع المهندسين الكائن بشارع جامعة الدول العربية الشهير، إلى جانب اجتذاب المشاهير من الفنانين والإعلاميين والوزراء والسياسيين ولاعبي كرة القدم، لافتاً إلى أنه في ظل الأزمة الحالية، رفع المطعم شعار «خليك في مكانك»، مع توفير خدمة توصيل الطعام للمنازل وبشكل يساعد على تطبيق المعايير الاحترازية كافة.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة