عد عكسي من 30 يوماً لإنهاء الاتفاق النووي وشد الخناق على إيران

مجلس الأمن يواجه خلافات حول الإجراء الأميركي... والقرار 2231 يحدد جداول زمنية

وزير الخارجية الأميركي يتوسط السفيرة لدى الأمم المتحدة والمبعوث الخاص بإيران خلال مؤتمر صحافي في نيويورك أول من أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي يتوسط السفيرة لدى الأمم المتحدة والمبعوث الخاص بإيران خلال مؤتمر صحافي في نيويورك أول من أمس (رويترز)
TT

عد عكسي من 30 يوماً لإنهاء الاتفاق النووي وشد الخناق على إيران

وزير الخارجية الأميركي يتوسط السفيرة لدى الأمم المتحدة والمبعوث الخاص بإيران خلال مؤتمر صحافي في نيويورك أول من أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي يتوسط السفيرة لدى الأمم المتحدة والمبعوث الخاص بإيران خلال مؤتمر صحافي في نيويورك أول من أمس (رويترز)

أحدث الاتفاق النووي مع إيران شقاقاً نادراً في مجلس الأمن، إذ باشرت الولايات المتحدة رسمياً تفعيل إعادة فرض العقوبات تلقائياً على النظام الإيراني عبر آلية «سناب باك» المحددة في القرار 2231، في خطوة اعتبرتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا «باطلة»، ورفضتها كل من روسيا والصين جملة وتفصيلاً، بذريعة أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب انسحبت من خطة العمل المشتركة الشاملة قبل أكثر من سنتين.
وتحدد المواد 10 و11 و12 من القرار 2231 جداول زمنية ملزمة لكل الدول الأعضاء، ولا سيما لرئيس مجلس الأمن الذي يتوجب عليه تقديم مشروع قرار جديد ينص على «طلب المحافظة على خطة العمل المشتركة الشاملة».
ويتوقع دبلوماسيون أن تمارس الولايات المتحدة حق النقض، الفيتو، ضد مشروع القرار هذا «مما سيعني الإجهاز على الاتفاق النووي». وأضاف أحدهم أنه «إذا لم تقدم أي دولة مشروع قرار كهذا في غضون عشرة أيام، يتوجب على رئيس مجلس الأمن أن يقوم بهذه المهمة في غضون عشرين يوماً تبدأ مع انتهاء الأيام العشرة الأولى. وإذا رفض رئيس مجلس الأمن القيام بهذه المهمة لسبب ما، تعاد كل العقوبات الدولية التي ألغيت بالقرار 2231».
ومن الواضح أن الخلافات دبت بين الولايات المتحدة من جهة وغالبية الدول الأعضاء الأخرى حول تفسير ما إذا كانت الولايات المتحدة في موقع قانوني يخولها القيام بهذه الخطوة، وما إذا كانت الرسالة التي قدمها بومبيو تعتبر إخطاراً من دولة مشاركة في الاتفاق النووي. وأضفت هذه الخلافات الكثير من الغموض حول ماهية الخطوة التالية.
وتوافق الدول الأوروبية على ما تتضمنه الاتهامات الأميركية لجهة تورط إيران في عمليات واسعة النطاق لتسليح شركائها ووكلائها في الشرق الأوسط، ولا سيما في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها، بالإضافة إلى استمرارها في تطوير صواريخ باليستية، فإن هذه الدول الأوروبية ترى أنه يمكن الاحتفاظ بالاتفاق النووي، على أن يجري التفاوض بصورة منفصلة على حل المسائل الأخرى العالقة مع طهران. ويخشى دبلوماسيون أن «يؤدي الخلاف الحالي عبر المحيط الأطلسي إلى زعزعة الثقة بين الحلفاء الغربيين، فإن الخوف الأكبر هو أن يؤدي هذا الخلاف إلى إضعاف قدرة مجلس الأمن، وهو المؤسسة الدولية الأكثر فاعلية لصون السلم والأمن الدوليين، على القيام بالمهمات المنوطة به بموجب ميثاق المنظمة الدولية»، علماً بأن الخلافات المتكررة بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من الجهة الأخرى «أفقدته فاعليته في أحيان عديدة».
وأكد دبلوماسيون أن مجلس الأمن سيناقش هذه التطورات «قبل مضي فترة الأيام العشرة الأولى» بعدما كان جرى الحديث عن طلب روسيا إجراء مشاورات غير ملزمة، ثم عن اعتراض من الولايات المتحدة على هذه الصيغة.
وقال دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط» إن الولايات المتحدة «تريد أن تتصرف مع إيران، بعد 30 يوماً من تقديم الإخطار، بغطاء من القرارات السابقة التي اتخذها مجلس الأمن وعطلها عام 2015 بالقرار 2231»، متوقعاً أن يؤدي ذلك إلى «رفع مستوى الضغوط الأميركية والدولية بصورة تلقائية على إيران».
ولاحظ مراقبون أن فترة الأيام الـ30 تنتهي مع بداية الاجتماعات الرفيعة المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (عبر الفيديو)، وقبل نحو شهر ونصف الشهر من الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.
وحضر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى نيويورك موفداً من الرئيس ترمب لتفعيل هذه الآلية، وهو سلم رسائل إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيس مجلس الأمن للشهر الحالي، المندوب الإندونيسي الدائم لدى المنظمة الدولية ديان تراينساه دجاني، ونظيره النيجري عبدو عباري، الذي تتولى بلاده رئاسة المجلس لشهر سبتمبر (أيلول) المقبل، أكد فيها أنه طبقاً للفقرة 11 من القرار 2231 «أحيط مجلس الأمن علماً (...) بأن إيران تخالف بشكل جوهري التزاماتها بموجب الاتفاق النووي لعام 2015»، مضيفاً أنه «بناء على هذا الإشعار، الذي تقدمه الولايات المتحدة باعتبارها من الأطراف المشاركة في خطة العمل المشتركة الشاملة، كما تفيد به الفقرة 10 من القرار (2231)، تنطلق العملية المنصوص عنها في الفقرتين 11 و12 من ذلك القرار بما يؤدي إلى إعادة فرض العقوبات التي ألغيت في الفقرة 7 (أ)». وذكر بالجهود المكثفة التي بذلتها الولايات المتحدة، وكذلك تلك التي قامت بها بريطانيا وفرنسا وألمانيا عبر تحريك آلية حل النزاعات، من أجل وقف الانتهاكات الإيرانية. وقال: «لم يبق لدى الولايات المتحدة أي خيار غير إبلاغ مجلس الأمن بأن إيران تنتهك التزاماتها بموجب الاتفاق».
وقد حمل بعنف على باريس ولندن وبرلين لامتناعها الأسبوع الماضي عن التصويت لمصلحة قرار أميركي بتمديد الحظر على تسليم إيران أسلحة تقليدية الذي ينتهي في أكتوبر (تشرين الأول). ولم توافق سوى اثنتين من الدول الـ15 الأعضاء في مجلس الأمن الدولي على هذا النص.
وقال بومبيو للصحافيين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك حيث قدم طلب تفعيل الآلية إنه «لا توجد دولة سوى الولايات المتحدة امتلكت الشجاعة والقناعة لتقديم مشروع قرار، لكنهم (الأوروبيين) بدلاً من ذلك اختاروا الانحياز إلى آيات الله» الإيرانيين.
وأرفق بومبيو رسائله بمطالعة قانونية تفند الآراء المعترضة على حق الولايات المتحدة في تفعيل آلية «سناب باك». وأشار إلى أن التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة في شأن القرار 2231 أظهر أن إيران «انتهكت مراراً حظر الأسلحة، ونشرت الأسلحة لشركائها ووكلائها عبر منطقة الشرق الأوسط»، رافضة في الوقت ذاته كل الدعوات إلى «عدم القيام بأي نشاط يتصل بالصواريخ الباليستية المصممة لتكون قادرة على إيصال أسلحة نووية».
وتؤكد الولايات المتحدة أن انسحابها من الاتفاق النووي لا يلغي حقها كمشارك أصلي وعضو دائم في مجلس الأمن يطالب بإعادة العقوبات. لكن هذه الحجة قوبلت بالرفض من الأعضاء الآخرين في المجلس، وبينهم حلفاء الولايات المتحدة مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، الذين وقفوا هذه المرة مع الصين وروسيا. ويتوقع مسؤولون أميركيون أن تصير العقوبات الشاملة على إيران نافذة بعد مضي 30 يوماً على البلاغ الأميركي.
وتعليقاً على الخطوة الأميركية، كتب القائمون بالأعمال لدى الأمم المتحدة الفرنسية آن غوغن والبريطاني جيمس روسكو، والألماني غونتر سوتر رسالة مشتركة أعلنوا فيها أن بلادهم لديها «اعتقاد راسخ بأن البلاغ (الأميركي) بموجب الفقرة 11 من القرار 2231 ليس له أثر قانوني، وبالتالي لا يمكنه تنفيذ الإجراء المتوخى بموجب الفقرة 11». وأضافوا أنه هذا «ينبع من ذلك أن أي قرارات وإجراءات تتخذ على أساس هذا الإجراء أو بناء على نتائجه المحتملة سيكون أيضاً باطلاً بالمعنى القانوني». ومع ذلك، عبروا عن «مخاوف جدية من التداعيات على الأمن الإقليمي بنتيجة انتهاء حظر الأسلحة التقليدية الذي تفرضه الأمم المتحدة، والذي أثير أيضاً من دول عدة من المنطقة وأعضاء آخرين في مجلس»، مؤكدين استعداد بلادهم «للعمل مع أعضاء المجلس والمشاركين في خطة العمل المشتركة الشاملة للبحث عن طريق إلى الأمام».
وجادل المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، بأنه «يمكن تفعيل آلية (سناب باك) من دولة مشاركة في خطة العمل المشتركة الشاملة، وليس من الولايات المتحدة التي انسحبت رسمياً من الخطة». واعتبر أن «هذا الوضع غير طبيعي، لأن دولة ما تخطط لتقديم اقتراح غير صالح وغير قانوني». وقال في رسالة: «نحن قلقون للغاية من محاولات الولايات المتحدة إطلاق آلية (سناب باك) استناداً إلى الفقرة 11 من القرار 2231»، معتبراً أن هذه المحاولات «غير مشروعة منذ انسحاب الولايات المتحدة رسمياً من خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2018». وأضاف أن بلاده «تندد بشدة» بالإجراء الأميركي. وقال قبل بلاغ بومبيو إن موسكو «لا تعتبر أن لدى (واشنطن) الحق القانوني (…) بالطبع سنتحدى ذلك».
وكذلك قال نظيره الصيني زانغ جون إن «الولايات المتحدة انتهكت باستمرار خطة العمل المشتركة الشاملة والقرار (2231)، من خلال إعادة فرض العقوبات غير القانونية». ورأى أن «المشاركين الآخرين في الخطة ملتزمون حل الخلافات من خلال آلية حل المنازعات ضمن إطار العمل اللجنة الخاصة، والفقرة 11 من القرار 2231 ينبغي ألا تستخدم إلا بعد استنفاد كل الجهود في اللجنة المشتركة».
وطلب من رئيس مجلس الأمن عدم توزيع الرسالة الأميركية باعتبارها بلاغاً وفقاً للفقرة 11 من القرار 2231.
ورغم التباينات عبر ضفتي الأطلسي، بدا واضحاً أن الأوروبيين يتفقون مع حلفائهم الأميركيين على ضرورة لجم الانتهاكات الإيرانية المتواصلة، معبرين عن اعتقادهم بأنه يمكن القيام بذلك من دون إلغاء الاتفاق النووي.

قرات «سناب باك» في القرار 2231

وتنص الفقرة 10 على الآتي: يشجع الاتحاد الروسي وألمانيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وإيران (المشاركون في خطة العمل) على حل أي مسائل تنشأ عن تنفيذ الالتزامات الواردة في خطة العمل بتطبيق الإجراءات المحددة في خطة العمل.
أما الفقرة 11 فتفيد أن مجلس الأمن يقرر، متصرفاً بموجب المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة، أنه في غضون 30 يوماً من تلقي إخطار من دولة مشاركة في خطة العمل تبلغ فيه بمسألة ترى أنها تشكل إخلالاً كبيراً بالالتزامات المنصوص عليها في خطة العمل، سيصوت على مشروع قرار بشأن استمرار سريان أحكام الإنهاء المبينة في الفقرة 7 (أ) من هذا القرار، ويقرر كذلك أنه، إذا لم يقدم أي عضو من أعضاء مجلس الأمن، في غضون 10 أيام من تاريخ الإخطار المذكور أعلاه، مشروع قرار من ذلك القبيل للتصويت عليه، فسيقدم رئيس مجلس الأمن عندئذ مشروع القرار ويطرحه للتصويت في غضون 30 يوماً من تاريخ الإخطار المذكور أعلاه، على أن يأخذ في الحسبان آراء الدول المعنية بالمسألة وأي رأي بشأن المسألة تبديه الهيئة الاستشارية المنصوص عليها في خطة العمل.
وتنص الفقرة 12 على أن مجلس الأمن يقرر، متصرفاً بموجب المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة، إذا لم يتخذ مجلس الأمن قرارا بمقتضى الفقرة 11 يقضي باستمرار سريان أحكام الإنهاء المنصوص عليها في الفقرة 7 أ، أنه اعتبارا من منتصف الليل بتوقيت غرينتش عقب اليوم الثلاثين من تاريخ إخطار مجلس الأمن المذكور في الفقرة 11، يسري مفعول جميع أحكام القرارات 1696 و1737 و1747 و1803 و1929 التي أُنهي العمل بها عملا بالفقرة 7 أ، بالطريقة نفسها التي كانت سارية بها قبل اتخاذ هذا القرار، وينتهي العمل بالتدابير الواردة في الفقرات 7 و8 و16 و20 من هذا القرار، ما لم يقرر مجلس الأمن خلاف ذلك.



خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
TT

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

أنعش تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» لإدارة قطاع غزة وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، الجمعة، آمال تحريك الجمود القائم بشأن ملف «إعادة الإعمار» بعد عراقيل إسرائيلية تسببت في عدم انعقاد «مؤتمر إعادة الإعمار» الذي كان مقرراً أن تستضيفه مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى الآن، وسط رؤى مختلفة بشأن «الإعمار الجزئي» أو «الكلي» للقطاع.

وأكد رئيس اللجنة الفلسطينية علي شعث، في تصريحات إعلامية، الجمعة، أن أهم خطوة بالتزامن مع تشكيل اللجنة تمثلت في «إنشاء صندوق مالي خاص ضمن البنك الدولي، خُصص رسمياً لتمويل إعمار قطاع غزة وإغاثة سكانه».

وأوضح أن أولى الخطوات العملية الملموسة في خطة إعادة التأهيل والإعمار ستكون توريد وتركيب 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع (كرفانات) بشكل عاجل وغير آجل إلى القطاع، مشيراً إلى أن «الإسكان مهم جداً بعد دمار أكثر من 85 في المائة من المنازل» في غزة.

وما زال «إعمار قطاع غزة» يكتنفه الغموض مع مساعٍ إسرائيلية إلى «إعمار جزئي» في مناطق سيطرتها، وهو ما يتناغم مع موقف أميركي يتبنى هذا الخط، في حين قال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية تميم خلاف، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، الشهر الماضي، إن مصر تهدف إلى «إطلاق مسار متكامل بشأن إعمار غزة».

وتسعى مصر لتفعيل أدوار اللجنة مع تمكينها من أداء عملها من داخل قطاع غزة. وتوقع وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن يتم الدفع بـ«لجنة إدارة غزة إلى داخل القطاع قريباً لإدارة الأمور الحياتية»، مشدداً، خلال مؤتمر صحافي أثناء استقباله نظيره البوسني إلمدين كوناكوفيتش، على «أهمية التزام إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة، ونشر القوة الدولية، والتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

في حين أكد علي شعث خلال لقائه وأعضاء لجنته برئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، السبت، أن «أولويات اللجنة ترتكز على تحسين الوضع الإنساني المعيشي لمواطني القطاع»، مشيراً إلى أن «اللقاء ناقش الخطوات اللازمة لتسلّم اللجنة كافة مهامها بالقطاع».

عضو المجلس الثوري لحركة «فتح»، أسامة القواسمي، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن تشكيل «لجنة إدارة غزة» خطوة إيجابية تمثل تطبيقاً عملياً للمرحلة الثانية، مشيراً إلى أن السلطة الفلسطينية كانت أولوياتها تتمثل في عدم استئناف الحرب مرة أخرى، وتثبيت المواطنين في القطاع، ثم الاتجاه لخطوات إعادة الإعمار.

وأوضح أن مهام اللجنة واضحة، وتتعلق بالترتيبات الداخلية، وتحقيق استتباب الأمن، وتجهيز البنية التحتية الملائمة لإعادة الإعمار، إلى جانب إغاثة الشعب الفلسطيني في غزة، مضيفاً: «هناك تفاؤل فلسطيني بأن تكون المرحلة الثانية أخف وطأة على أهالي القطاع من الفترات السابقة. والآمال منعقدة على ألا يكون هناك عوائق من جانب إسرائيل».

وأشار إلى أن سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي اتبعتها السلطة الفلسطينية، إلى جانب الدول العربية والأطراف الإقليمية، نحو الضغط على الولايات المتحدة الأميركية لدفع إسرائيل إلى «المرحلة الثانية»، ستكون حاضرة أيضاً بشأن تنفيذ باقي الاستحقاقات، ومنها إعادة الإعمار، مع الانفتاح على المجتمع الدولي للمساهمة في عملية التعافي المبكر، واستمرار تثبيت وقف إطلاق النار.

رئيس جهاز المخابرات العامة المصري اللواء حسن رشاد يستقبل رئيس «لجنة إدارة غزة» علي شعث في القاهرة السبت (مواقع إخبارية رسمية)

وكان رئيس «هيئة الاستعلامات المصرية» ضياء رشوان، أكد في تصريحات إعلامية الخميس، أن «لجنة إدارة غزة» ستتولى ملفَّي الخدمات والإعمار خلال المرحلة المقبلة.

وبدأت «لجنة التكنوقراط» الفلسطينية لإدارة غزة اجتماعها الأول في العاصمة المصرية يوم الجمعة، ومن المقرر أن تدير اللجنة مؤقتاً قطاع غزة تحت إشراف «مجلس السلام».

وأكد المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في قطاع غزة، عماد عمر، أن الأيام المقبلة سوف تحدد مدى قدرة اللجنة على تنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بتحسين الأوضاع على الأرض، في ظل استمرار إسرائيل في استهداف الفلسطينيين يومياً، مشيراً إلى أن بدء عمل اللجنة يعد «باكورة تفكيك أزمات الملف الإنساني مع تعنت إسرائيل في تطبيق البروتوكول الذي ينص عليه وقف إطلاق النار».

وينص «البروتوكول» الذي يعد ضمن متطلبات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، على «دخول 600 شاحنة يومياً من المساعدات الإغاثية والإنسانية، منها 50 شاحنة مخصصة للوقود، مع تخصيص 300 شاحنة من الإجمالي لمنطقة شمال غزة لضمان وصول الإغاثة لكافة الأنحاء».

وأضاف عمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الانخراط في أي خطوات إجرائية تستهدف التمهيد لإعادة الإعمار، يبقى رهن الدور الأميركي لدفع إسرائيل نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وبدء عمل باقي الهيئات المنوط بها إدارة القطاع، بما فيها «مجلس السلام» و«قوة الاستقرار»، مشيراً إلى أن مهمة «لجنة التكنوقراط» تتمثل في تقديم الخدمات، وتفكيك الأزمة الإنسانية، وإعادة تشغيل الصحة والتعليم، وإصلاح البنية التحتية، وضبط الأمن، وتأمين وصول المساعدات.

وأشار إلى أن الاختراق الآني بشأن إعادة الإعمار يمكن أن يتمثل في الضغط على إسرائيل لسماحها بدخول المعدات الثقيلة لإزالة الركام واستخراج جثامين الفلسطينيين، إلى جانب تهيئة البنية التحتية في الشوارع، وإيجاد حلول لأزمات الصرف الصحي.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتوقع عمل «لجنة إدارة غزة» من داخل القطاع قريباً (الخارجية المصرية)

وحذّر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات دعم المشاريع، خورخي موريرا دا سيلفا، الخميس، من أن إعادة إعمار غزة لا تحتمل التأجيل، وذلك عقب عودته من مهمته الثالثة إلى القطاع الفلسطيني الذي دمرته سنتان من الحرب، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي قدّرت الاحتياجات بأكثر من 52 مليار دولار.

وكان المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، أعلن الأربعاء الماضي إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المكوّنة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، وقال إنها «تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وتأسيس حكم تكنوقراط، والشروع في إعادة الإعمار».


إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

في العاشر من يناير (كانون الثاني) شاهد «كيارش» في طهران مسلحاً يرتدي رداء فضفاضاً، ثم رأى متظاهرين يسقطون بين الحشود، ويؤكد أنه لو التفت في الاتجاه الخاطئ لكان قد مات هو أيضاً. وقال الإيراني البالغ 44 عاماً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف من ألمانيا؛ حيث يعيش: «سمعت صوت طلقات... ورأيت بأم العين 3 أشخاص يسقطون أرضاً».

وأضاف الرجل بعدما شهد القمع العنيف لحركة الاحتجاج في بلده الأم، أن رجلاً بجانبه كان يصرخ ويده ملطخة بدماء رفيقته، غير مصدق أنها أصيبت. وأكد «كيارش» الذي لم يرغب في ذكر اسمه كاملاً، أن المشهد «صار كابوساً» يراوده كل ليلة، مؤكداً قناعته بأنه «لو كان مطلق النار أعسر لكنتُ ميتاً».

وشارك «كيارش» في الاحتجاجات بعد ساعات من مشاهدته عن قرب ألم العائلات في مقبرة «بهشت زهرا» (جنة الزهراء) الشاسعة في جنوب طهران؛ حيث تكدست أكياس الجثث مع توافد الآلاف لتسلم جثامين أحبائهم، ومنهم سيدة صرخت طالبة المساعدة في نقل جثمان ابنها.

وروى الموظف السابق في شركة لوجستية أن: «أكثر من 1500 جثة؛ بل ما قد يصل إلى ألفين، كانت في مستودع واحد». وتذكر أيضاً الهتافات التي تؤبِّن الموتى، وتُندِّد بالمرشد الإيراني علي خامنئي، صاحب الكلمة الفصل في السياسات العليا للبلاد.

لم تتدخل قوات الأمن في الدفن، ولكنها منعت توثيق المشاهد، وفق «كيارش». ولفت إلى نداءات التبرع بالدم لكثير من الجرحى الذين أصيب معظمهم في أقدامهم، في مدينة آمل شمال إيران؛ حيث تعيش عائلته.

«لم يتفرَّق الناس»

إيرانيون يسيرون في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

ومنذ الثامن من يناير، حجبت السلطات بشكل كامل الاتصال بالإنترنت، فباتت بعض مقاطع الفيديو التي تتسرب عبر منصات التواصل، أو شهادات من فرُّوا من إيران، الوسيلة الوحيدة لتبيان بعض مما يجري. وتحدثت منظمة «نتبلوكس»، يوم السبت، عن عودة «محدودة جداً» للإنترنت في إيران. أما الاتصالات الدولية فباتت ممكنة من يوم الثلاثاء، ولكن فقط للمكالمات الصادرة.

ومن خلال تعطيل انتشار صور الاحتجاجات، ومنع المتظاهرين من التنظيم، سمح التعتيم للسلطات بإخفاء مدى القمع الذي أودى بحياة آلاف، وفق ما أكدت منظمات غير حكومية وخبراء.

وقالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتخذ مقراً لها في النرويج، إنها تلقت: «روايات مروعة مباشرة عن قتل متظاهرين في أثناء محاولتهم الفرار، واستخدام أسلحة حربية، وإعدام متظاهرين جرحى في الشارع».

وروى «كاوه» (اسم مستعار) أن الأجواء في طهران كانت غير معتادة يوم الخميس الماضي. فمع حلول الظلام، خلت الشوارع المزدحمة عادة، وأُغلقت المحال، وسرعان ما قُطع الاتصال بالإنترنت. في ذلك المساء، وعلى غرار مدن إيرانية أخرى، نصب متظاهرون عوائق، وأضرموا النار في حاويات قمامة، حسبما قال الشاب البالغ 33 عاماً من بريطانيا، بعد مغادرته بلاده مؤخراً.

وتذكَّر أنه بعث رسالة نصية إلى زوجته يقول فيها: «لا يوجد إنترنت، أنا بخير، أحبك». ولكن الرسالة لم تصل. ولم يمنع الحجب تسريب مقاطع فيديو على وسائل التواصل، غالباً باستخدام إنترنت متصل بالأقمار الاصطناعية. وتظهر في بعضها سيارات شرطة ومساجد محترقة، ويُسمع في أخرى دوي انفجارات.

وأكد «كاوه» الذي شارك في مظاهرات طهران يوم التاسع من يناير، وقوع «إطلاق نار من بنادق هجومية ورشقات نارية»، وقال: «كنا نسمع سلسلة من الطلقات النارية كل 10 دقائق»، رغم أنه لم يشهد مباشرة إطلاق نار، ولكنه أضاف أن «الناس لم يتفرقوا. وعادة بعد إطلاق النار يتفرق الناس، ولكن هذه المرة بقوا في أماكنهم».

التعرف عليه من خلال وشومه»

إيرانيون يتظاهرون أمام السفارة الإيرانية في أثينا باليونان تضامناً مع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في بلادهم (أ.ب)

من جانبه، وصف فنان يبلغ 39 عاماً طلب عدم كشف هويته، طهران، في رسالة إلى صديق، بأنها «تبدو كمنطقة حرب». وبالمثل، روى مصور صحافي يُدعى محمد «خوفه من اندلاع حرب أهلية، نظراً للتحول العنيف للغاية الذي شهدته هذه المظاهرات السلمية في البداية».

وأكد صالح علوي زاده -وهو ممثل ومخرج إيراني يقيم في فرنسا- لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن شخصين من معارفه قُتلا خلال الاحتجاجات، قائلاً: «أُصيب ممثل مسرحي شاب برصاصة في رأسه. ولأن ملامح وجهه لم تعد قابلة للتمييز، اضطروا إلى التعرف عليه من خلال وشومه». وأضاف: «في البلاد، يعرف الجميع على الأقل شخصاً واحداً قُتل في هذه الاحتجاجات».

وتراجع زخم الاحتجاج في الأيام الماضية، ولم تقدم السلطات الإيرانية حصيلة رسمية للقتلى حتى الآن، وتُندد بـ«مخربين ومثيري شغب»، وتتهم إسرائيل والولايات المتحدة بدعمهم.

وتبثُّ وسائل الإعلام الرسمية باستمرار مشاهد مسيرات دعم للحكومة، ومراسم تشييع تكريماً لعناصر من قوات الأمن قُتلوا في الاحتجاجات. وتعرض لافتات في العاصمة صوراً لمركبات تعرضت للتخريب مع رسالة تقول: «هذه ليست احتجاجات»، و«يتضاءل أملنا».

ومنذ عودة الاتصالات الهاتفية، تمكَّن المغتربون الإيرانيون الذين عرفوا القلق لأيام من الحصول على أخبار من أقربائهم، عبر مكالمات قصيرة مكلفة مادياً، وقد تنطوي على مخاطر أمنية. ويكتفي الإيرانيون عموماً باستخدام كلمات بسيطة لطمأنة أحبائهم، خشية اعتراض السلطات الرسائل عبر خدمة «ستارلينك» أو الخطوط الأرضية، واستخدامها لاتهامهم بالتعامل مع دول أجنبية.

أعطى «كاوه» أصدقاءه المشتركين في خدمة «ستارلينك» قائمة بأرقام هواتف للاتصال بأصحابها، وقال لهم: «أخبروني إن كانت أمورهم على ما يرام أم لا فقط، من دون الخوض معهم في التفاصيل».

ورغم حملة القمع الشديدة، يرى إيرانيون أن اندلاع مزيد من الاحتجاجات مسألة وقت لا أكثر. ويؤكد «كاوه» أن الحراك الأخير «منح الأمل لكثيرين، ولكن مع كل فشل للاحتجاج يتضاءل أملنا أكثر فأكثر». ولكن «كيارش» يرى أمراً أكيداً ردده لنفسه في طريقه نحو المطار لمغادرة إيران، وهو: «لن يبقى شيء على ما كان عليه».


ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، إن الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران.

واتهم ترمب الزعيمَ الإيراني علي خامنئي بالمسؤولية عمّا وصفه بـ«التدمير الكامل لبلاده... وقتل شعبه واستخدام العنف بمستويات غير مسبوقة» في التعامل مع الاحتجاجات المستمرة في مناطق مختلفة من إيران منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وهاجم ترمب النظام الإيراني، وقال لموقع «بوليتيكو» الإخباري إن طهران «تعتمد على القمع والعنف» في الحكم، وإن إيران باتت أسوأ مكان للعيش في العالم؛ بسبب «سوء القيادة».

كان خامنئي وصف ترمب، في وقت سابق اليوم، بأنه «مجرم»؛ بسبب الخسائر والأضرار التي ألحقها بإيران، مؤكداً أن الولايات المتحدة دعمت ما وصفها بـ«الفتنة» في إيران بوصفها مقدمةً لعمل أكبر كانت تريد تنفيذه.

واندلعت الاحتجاجات في 28 ديسمبر على خلفية مصاعب اقتصادية، وتطورت إلى مظاهرات واسعة النطاق تطالب بإسقاط نظام الحُكم في إيران.

وهدَّد ترمب مراراً بالتدخل، وتوعَّد باتخاذ «إجراء قوي للغاية» إذا أعدمت إيران محتجين.

لكنه شكر قادة طهران، أمس (الجمعة)، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً إنهم تخلوا عن فكرة الإعدام الجماعي. وقالت إيران إنه لم تكن هناك «خطة لإعدام الناس شنقاً».

وقالت جماعات حقوقية إن حملة ​القمع العنيفة التي شنَّتها قوات الأمن الإيرانية ضد المحتجين أودت بحياة أكثر من 3 آلاف شخص.