بوتين يحذر الغرب من «تدخل غير مقبول» في بيلاروسيا

لوكاشينكو يستعد لـ«معركة طويلة» والاحتجاجات تتواصل لليوم العاشر

محتجون في مينسك أمس يطالبون بالإفراج عن معتقلين (أ.ب)
محتجون في مينسك أمس يطالبون بالإفراج عن معتقلين (أ.ب)
TT

بوتين يحذر الغرب من «تدخل غير مقبول» في بيلاروسيا

محتجون في مينسك أمس يطالبون بالإفراج عن معتقلين (أ.ب)
محتجون في مينسك أمس يطالبون بالإفراج عن معتقلين (أ.ب)

دخلت روسيا، أمس، بقوة على خط التطورات الجارية في بيلاروسيا الجارة، لمواجهة التصعيد الغربي ضد الرئيس ألكسندر لوكاشينكو. ووجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحذيراً قوي اللهجة خلال مكالمة هاتفية مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، شدد فيه على أن موسكو «لن تقبل بتدخل خارجي» في الوضع في بيلاروسيا.
وأفاد بيان أصدره الكرملين، بأن الزعيمين بحثا تطورات الموقف في بيلاروسيا، وأن بوتين شدد من جانبه على رفض «أي محاولات للتدخل في الشؤون الداخلية للجمهورية؛ مما يؤدي إلى مزيد من تصعيد الأزمة، وأعرب عن أمله في تطبيع سريع للوضع في البلد الجار». ولفت البيان إلى أن موسكو «تراقب بشكل حثيث الوضع في بيلاروسيا بعد الانتخابات الرئاسية».
ونقلت وكالة أنباء «تاس» الحكومية الروسية عن المتحدث باسم الحكومة الألمانية ستيفن سيبرت قوله، إن ميركل لفتت خلال المحادثة الهاتفية مع بوتين، إلى أن «على السلطات البيلاروسية التوقف عن استخدام القوة ضد المتظاهرين، وكذلك الإفراج الفوري عن السجناء السياسيين وبدء حوار مع المعارضة لإيجاد مخرج للأزمة».
وجاء دخول بوتين على الخط، بعد سلسلة تصريحات صدرت عن مسؤولين أوروبيين أعربوا فيها عن تضامن مع الاحتجاجات الضخمة التي تشهدها بيلاروسيا منذ عشرة أيام، ودعوا مينسك إلى وقف الاستخدام المفرط للقوة والإفراج عن السجناء.
وذهبت بلدان عدة إلى إعلان عدم اعترافها بشرعية الانتخابات الرئاسية التي أسفرت عن فوز لوكاشينكو بولاية رئاسية سادسة بأصوات نحو 80 في المائة من الناخبين؛ ما أثار موجة الاحتجاجات الواسعة وسط تشكيك بالنتائج المعلنة لعملية الاقتراع.
وبعد بريطانيا وفرنسا، أعلنت كندا والولايات المتحدة وبلدان غربية أخرى عن مواقف مماثلة، ولوّح الاتحاد الأوروبي بتشديد العقوبات والعزلة على نظام لوكاشينكو. وكانت أوروبا أكدت قبل الانتخابات أنها لن تقبل بعملية انتخابية غير نزيهة. وأصدر وزراء خارجية ألمانيا، وفرنسا، وبولندا بياناً مشتركاً أعربوا فيه عن قلقهم بشأن تطور الوضع في بيلاروسيا. ودعوا إلى إفساح المجال أمام مراقبين دوليين للإشراف على الاستحقاق، وهو طلب لم تلبه مينسك.
كما وصف الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، القيود المفروضة على حرية التعبير واعتقال المتظاهرين والنشطاء بأنها «غير مقبولة». ودعا إلى «الإفراج الفوري عن جميع النشطاء ذوي الدوافع السياسية والمدافعين عن حقوق الإنسان والمدونين والصحافيين»، مؤكداً أن سيادة البلاد واستقلالها لا يمكن تعزيزهما إلا من خلال انتخابات سلمية وحرة ونزيهة.
وفي تطور لاحق على المواقف الأوروبية، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعمه للاحتجاجات المتصاعدة. وقال إنه يجب على الاتحاد الأوروبي مواصلة دعمه الفعال للمشاركين في الأعمال السلمية في مينسك ومدن بيلاروسيا الأخرى.
وأثار هذا الموقف حفيظة موسكو، ووصفت الناطقة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا تصريحات ماكرون بأنها «مثال على النفاق». وقالت إن «الأفضل لو قام الرئيس الفرنسي بتوجيه الدعوة إلى دعم المحتجين في الاتحاد الأوروبي، وليس للمظاهرات السلمية في بيلاروسيا». وتساءلت «متى سيطلب (ماكرون) من الاتحاد الأوروبي مواصلة التعبئة والوقوف، إلى جانب مئات الآلاف من السترات الصفراء الذين يسعون في مظاهرات سلمية إلى مراعاة واحترام حقوقهم وحرياتهم وسيادتهم؟ متى سيتوقف الاتحاد الأوروبي عن انتظار طلبات رؤساء الدول الأعضاء ويبدأ في التحرك بشكل استباقي لدعم الاحتجاجات لديه؟... هذا هو النفاق بعينه».
وجاءت التعليقات الروسية الغاضبة، بعد تفاقم الموقف في بيلاروسيا ووصوله إلى مرحلة خطرة؛ إذ أسفر تواصل الاحتجاجات واتساع نطاقها لتشمل كل المدن البيلاروسية عن إصابة البلاد بشلل كامل، خصوصاً مع انضمام عمال كبريات المجمعات الصناعية الحكومية في البلاد إلى الاحتجاجات عبر تنظيم إضرابات غير مسبوقة في تاريخ بيلاروسيا. كما انضمت فرق من العاملين في المجال الإعلامي إلى المحتجين؛ ما أسفر عن انتقال عدد من القنوات التلفزيونية إلى بث برامج من الأرشيف بدلاً عن التغطيات المباشرة.
ومع إعلان موسكو استعدادها لدعم لوكاشينكو «للحفاظ على الأمن القومي البيلاروسي» بعد مكالمة هاتفية طلب خلالها الرئيس البيلاروسي الدعم من بوتين، ترددت معطيات عن إرسال فرق من وحدات النخبة الروسية المعروفة باسم «الحرس الروسي» إلى الحدود مع بيلاروسيا. كما أعلنت موسكو عن استعدادها للقيام بخطوات أخرى لمنع تدهور الوضع الأمني في الجمهورية الجارة.
في المقابل، سار لوكاشينكو، أمس، خطوات لتعزيز صمود معسكره في وجه الاحتجاجات، بعدما تعرض لانتكاسات واسعة خلال الأيام الماضية، كان أبرزها انتقال معظم العمال في المصانع الكبرى إلى جانب الاحتجاجات. وبدا أمس أن السلطات البيلاروسية بدأت إجراءات واسعة لمواجهة إضراب موظفي المؤسسات الإعلامية، أو انتقال أعداد منهم إلى صفوف المحتجين؛ إذ تم الإعلان عن إغلاق قناة تلفزيونية كبرى، بتهمة قيامها ببث صور لعمليات قمع المحتجين، والترويج لمعطيات غير مصرح بها. وحمل القرار - كما قال صحافيون - رسالة تحذير إلى مؤسسات إعلامية أخرى.
تزامن ذلك، مع تنشيط مسؤولين بيلاروس زياراتهم إلى المجمعات الصناعية لحشد تأييد فئات من العمل لم تعلن موقفا إلى جانب المعارضة.
فضلاً عن ذلك، قام لوكاشينكو أمس، بتكريم مفاجئ لمئات الضباط والمسؤولين الأمنيين والعسكريين، ووصفهم بأنهم «أدوا واجباتهم بشكل مثالي لخدمة الوطن».
وشكلت مراسم التكريم تحدياً مباشراً لاتهامات المعارضة، والاتهامات الغربية للأجهزة الأمنية بالقيام بانتهاكات واسعة واستخدام القوة بشكل مفرط؛ ما أسفر عن سقوط قتلى يبلغ عددهم - وفق الحصيلة الرسمية – ثلاثة، في حين تقول المعارضة، إن عدد القتلى تجاوز العشرات. وقال معارضون أمس، إن لوكاشينكو «يهيئ الوضع في البلاد لمواجهة طويلة ودموية بعدما اطمأن إلى دعم مطلق من جانب الكرملين».
في غضون ذلك، أعلنت زعيمة المعارضة سفيتلانا تيخانوفسكايا توافق عدد من الشخصيات المعارضة البارزة على إنشاء مجلس تنسيقي سياسي للإشراف على مفاوضات تؤدي إلى الانتقال السياسي السلمي للسلطة. وضم المجلس نحو 15 شخصية بارزة في بيلاروسيا، لكن غالبيتهم غادروا البلاد إما قبل أو أثناء المواجهات الجارية حالياً، بينهم الكاتبة سفيتلانا اليكسيفيتش الحائزة جائزة نوبل للآداب في عام 2016، والتي كانت لها خلال السنوات الماضية مواقف معلنة في معارضة سياسات لوكاشينكو، فضلاً عن ناشطين ومهنيين في مجالات عدة.
وقالت المعارضة أمس، إنه «في المستقبل القريب، سيقوم المجلس التنسيقي بإنشاء هيئة سياسية خاصة به ستتولى إدارة المفاوضات في إطار عملية النقل السلمي للسلطة».
وكانت تيخانوفسكايا التي تدير نشاطها حالياً من ليتوانيا التي لجأت إليها بعدما خسرت الانتخابات الرئاسية أمام لوكاشينكو وتعرضت لضغوط من الأجهزة الأمنية، توجهت خلال الحملة الانتخابية إلى المستشارة الألمانية لـ«الضغط على لوكاشينكو للقبول بإجراء انتخابات نزيهة».



مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم، العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

وأضافت اللجنة، في تقريرها السنوي، أن 2025 كان العام الثاني على التوالي الذي يشهد عدداً قياسياً مرتفعاً من القتلى الصحافيين، والثاني على التوالي أيضاً الذي تتحمل فيه إسرائيل مسؤولية مقتل ثلثيهم. واللجنة منظمة مستقلة، مقرها نيويورك، توثق الهجمات على الصحافيين، حسبما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت اللجنة إن نيران إسرائيل أودت بحياة 86 صحافياً في 2025، معظمهم من الفلسطينيين في قطاع غزة. وأضافت أن 31 آخرين من العاملين قُتلوا في هجوم على مركز إعلامي لجماعة الحوثيين في اليمن، فيما مثل ثاني أكثر الهجمات إزهاقاً للأرواح التي سجّلتها اللجنة على الإطلاق.

وكانت إسرائيل أيضاً مسؤولة عن 81 في المائة من 47 حالة قتل صنّفتها لجنة حماية الصحافيين على أنها استهداف متعمّد أو «قتل». وأضافت اللجنة أن الرقم الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك، بسبب قيود الوصول التي جعلت التحقق صعباً في غزة.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق. وسبق له القول إن قواته في غزة تستهدف المسلحين فقط، لكن العمل في مناطق القتال ينطوي على مخاطر كامنة. واعترفت إسرائيل باستهداف المركز الإعلامي باليمن، في سبتمبر (أيلول)، واصفة إياه في ذلك الوقت بأنه ذراع دعائية للحوثيين.


أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended