مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (2 - 3): اندلاع الحرب... ونهاية جهود الحل السلمي

الملك حسين طلب لقاء الرئيس جورج بوش لكن الأميركيين رفضوا

الرئيس العراقي السابق صدام حسين والأمير الأردني زيد بن شاكر... وعلى اليمين مضر بدران خلال استقبال رسمي
الرئيس العراقي السابق صدام حسين والأمير الأردني زيد بن شاكر... وعلى اليمين مضر بدران خلال استقبال رسمي
TT

مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (2 - 3): اندلاع الحرب... ونهاية جهود الحل السلمي

الرئيس العراقي السابق صدام حسين والأمير الأردني زيد بن شاكر... وعلى اليمين مضر بدران خلال استقبال رسمي
الرئيس العراقي السابق صدام حسين والأمير الأردني زيد بن شاكر... وعلى اليمين مضر بدران خلال استقبال رسمي

في هذه الحلقة الثانية من مذكرات رئيس الوزراء الأردني السابق مضر بدران التي تنشرها «الشرق الأوسط»، يروي تفاصيل عن استعدادات الأردن لمواجهة آثار الغزو العراقي للكويت على الأردن، ومنها إشراك الإسلاميين في الحكومة التي كان يرأسها ومحاولة تفادي الأزمة الاقتصادية نتيجة انقطاع إمدادات النفط العراقي.
كما يذكر بدران تفاصيل الزيارة الخطرة التي قام بها إلى بغداد في اليوم الثاني للحرب، ولقاءه مع طه ياسين رمضان وطارق عزيز، وما فوجئ به من نقص الاستعدادات في صفوف الجيش العراقي لمواجهة الحرب.

ظلَّ صدام متمسِّكاً بموقفه، من أنَّ الجندي العراقي، سيقبل الانسحاب من الكويت فقط إذا انسحبت إسرائيل من القدس والأراضي المحتلّة. طبعاً، كانت تلك فرصة لإسرائيل لتدمير العراق بسلاح أميركا.
لكن، الخلاصة التي اقتنعتُ بها مبكراً، بعد فشل مبادرات الملك الحسين، ومبادرة الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، أنَّ أميركا كانت تبلغ سفيرنا لديها، وأبلغني سفيرهم عندنا، أنَّ المُبادرات لن تمُرّ، وأن الأميركان وجيشهم صاروا على الأرض.
في تلك الفترة بدأنا نرصد تداعيات الموقف الدولي من العراق، وإنْ كانت الحرب قريبة أم بعيدة، وأخذنا احتياطاتنا. كان هناك بعض التفاؤل، لكن قطعاً هذا لا يكفي. ولتمتين جبهتنا الداخليّة أجريتُ تعديلاً وزارياً في 1 يناير (كانون الثاني) 1991، حيث أشركتُ نواب الحركة الإسلاميّة في حكومتي، وفي تلك الأثناء كانت تُقرع طبول الحرب، وكان لا بدّ من عمل جماعي، كما أنّني منذ تشكيل الحكومة كنتُ قد التزمتُ بتوجيهات الحسين بإشراك الإسلاميين في الحكومة، وأعتقد أنَّ الظَّرف كان مناسباً لدخولهم الحكومة، فقد كانت أوامر الحسين منذ تشكيل الحكومة بإدخال الإسلاميين، حتى إنه قال لي «يا أبو عماد إذا بدهم التربية والتعليم أعطيهم إيّاها»،
عندها عرفتُ أنه يريد ذلك لأمر ما. كان موقفي متشنِّجاً تجاه اختياراتهم للحقائب الوزارية، ورفضتُ أن أعطيهم وزارة التربية، وخضتُ معهم في مفاوضات لمدة ثلاثة أيام، وكل يوم يعودون لي بأسماء، وأقول «أنا أطلب منكم حقائب، أمّا الأسماء فهذا قراري وليس قراركم».
في أوَّل اجتماع لمجلس الوزراء بعد التعديل، وضعنا الأوراق على الطاولة، كان التطوُّر الأهمّ فوز رئيس الوزراء البريطاني جون ميجر بالانتخابات، خلفاً لمارغريت ثاتشر، التي كانت متشدِّدة جدّاً في موقفها ضدّ صدام، بخلاف موقف ميجر كليّاً. كان همّنا أن نحتاط معيشيّاً لأي طارئ عسكري، ولا نريد للمواطن أن يتأثَّر بنقص أي من السلع الأساسيّة. فحضَّرنا مخزوننا من السلع الأساسيّة، وكان همّي النفط وأنَّ الحرب ستقطع عنّا النفط العراقي، استعنتُ بالباخرة في ميناء العقبة، وخزّنّا فيها النفط الذي يكفينا لمدة 18 يوماً، وهي المدة التي تكفينا حتى نجد مصدراً بديلاً عن النفط العراقي، وكذلك تعاملنا مع كل السّلع الأساسيّة التي يجب أن تكون متوفِّرة، وكنّا مستعدين لمراقبة التجّار حتى نتجاوز أقلّ المشاكل، مثل الاحتكار أو التلاعب بالأسعار.
كما كنّا نعبّئ ضدّ أي خطر قادم من إسرائيل،... لكن ما كان يطمئننا حقّاً هو وصول معلومات من مصادر موثوقة، تفيد بأنَّ حركة الجيش الإسرائيلي عاديّة، وأنّها وضعت صواريخ مضادة للطائرات على جبال الضفة الغربيّة، وهو إجراء دفاعي وليس هجوميّاً، وقلنا إنَّ أي هجوم إسرائيلي على العقبة، يستهدف مخزوننا الغذائي، سنردّ عليه بضرب إيلات، ونعلم أنّ مستودعات النفط لديهم في إيلات. وقلتُ في مجلس الوزراء إنَّ أي هجوم علينا، سنردّ عليه، وقلنا إنَّ سريّة مورتر قد تدمِّر ميناء إيلات ومستودعاتها.
وعن مطالبهم بمناقشة الخطط العسكريّة، صُدمتُ أكثر، فكيف أسمح بذلك! لأنَّ الخطط العسكريّة لا تُناقَش في مجلس النواب، ولا يتم الاستعراض بها على التلفزيونات، فنكرِّر أزمة نكسة حرب 1967، وشرحتُ لهم خطّنا الإعلامي الذي نعمل به على جبهات متوازية، وأبلغتُهُم أنّ العراق لا يستعرض بقوّاته العسكريّة على التلفزيونات، وأنكَ تذهب لبغداد لا تجد أي مظهر عسكري، فلماذا أقوم أنا بهذا الدَّوْر!

نحو الحرب
على الرّغم من كل الجهود التي بُذلت لحلّ الأزمة سلمياً، فإنّ التجهيزات العسكريّة كانت تمثل إرهاصات واضحة بأنَّ الحرب قادمة، ومع ذلك كنّا نسعى لأن يكون الخيار السلمي هو خيار ربع الساعة الأخير، ولا نريد أن نفقد الأمل. زار بوش أوروبا، وكنّا نخطط للقاءٍ يجمع الراحل الحسين مع بوش في باريس، وفعلاً اتّصل الحسين مع البيت الأبيض، لكن أُلغي اللقاء من طرف الأميركيين.
الحسين كان يريد أن يطرح على بوش فكرة اللقاء مع صدام حسين. وبعد أن فشلت مساعينا، حاولنا أن ندعو للقاءٍ موازٍ يجمع وزير الخارجيّة الأميركي جيمس بيكر مع نظيره العراقي طارق عزيز، وأنّ هذا اللقاء قد يفضي، إنْ كان إيجابيّاً، للقاء بوش بصدام.
مع تطوُّر الأحداث، شعرنا أنّ لقاء بيكر - عزيز، لن يكون أكثر من لقاء لإبراء الذمّة؛ لأنّ أميركا صارت بموقفها أكثر تطرُّفاً، وجنوحاً نحو الحرب. كان اللقاء بين بيكر وعزيز، مقدَّراً له أن يجري في 3 يناير؛ تمهيداً للقاء قد يحدث بين بوش وصدام في 12 من الشهر نفسه، وكان لدينا انطباع أكيد بأنَّ اللقاء لو جرى لتراجعَت حدّة التصريحات السياسيّة عن الحرب، فلدى الجانب العراقي استعداد للحديث عن الخيار السلمي. بالمحصّلة، اللقاءان لم ينعقدا، واستبدل بهما لقاء في 9 يناير بين عزيز وبيكر، وكلّ ما أردنا رصده هو أنّ نتائج اللقاء ستكون دلالة جيدة في استقراء مستقبل الأزمة.
بدأت الأحداث بالتسارع، وكان الراحل الحسين عائداً للتوّ من جولته إلى بريطانيا وألمانيا ولوكسمبورغ، وظلّ يؤكد - رحمه الله - موقف الأردن من الخيار السلمي، وضرورة التعامل بالاهتمام ذاته مع قضايا الشرق الأوسط، وأنَّ ذلك سيكون له قيمته في الحلّ السياسي للأزمة العراقيّة مع الكويت.
كنّا مجتمعين في مجلس النواب، وكانت الساعة تشير إلى موعد الجلسة الثانية لدي كويار (خافيير بيريز دي كويار الأمين العام للأمم المتحدة وقتها) مع صدام بعد أن انتهت الجلسة الأولى من دون أي نتائج تدعو إلى التفاؤل، وكل ما نحتاج إليه من العراقيين، أن تأخذ القيادة العراقيّة موقفاً آخر يفوِّت الفرصة على أي عمل عسكري تخطِّط له الولايات المتحدة، وتلك الفرصة كانت تعني لنا السّماح للاتحاد السوفياتي ككتلة شرقيّة، بالعودة لمناوراته المناوئة للكتلة الغربيّة.
التطوُّر الخطير، كان موافقة الكونغرس الأميركي، على إعطاء جورج بوش صلاحيّة إعلان الحرب، وهو ما أكّد حسم الخيار العسكري ضدّ العراق، وقد هدَّد بتلك الصلاحيات باستعمال القوة، وكان يوم 15 من الشهر نفسه اليوم الفاصل بين الحرب والسّلم.
كان يوم 17 يناير 1991 يوماً حزيناً ومؤلماً وطويلاً وصعباً، فقد كان موعد إعلان فشل جهود الحلّ السلمي واندلعت الحرب. على الفور اجتمع الراحل الحسين مع لجنتَي الطوارئ في مجلس الأمة ومجلس الوزراء. لم أرَ الحسين حزيناً كما رأيتُه في تلك اللحظات، وتحدَّث بحديث بالغ الأهميّة، وكان صلباً في موقفه.
لقد كشف الراحل الحسين لنا جميعاً عن جهود قام بها رئيس الديوان الملكي الشريف زيد بن شاكر، حيث زار الرياض في محاولة أخيرة للحلّ؛ على أساس الحوار العراقي - السعودي المباشر. وأطلَعَنا على الموقف، وقال إن السعوديين قالوا لأبو شاكر أن يذهب للعراق ويطالبه بالانسحاب الفوري، وإذا رفض العراقيون التصريح بذلك، أن يصرِّح هو بموقفهم.
كان اللقاء صعباً، لكنّ الحسين - رحمه الله - شحنَنا بمعنويّات عالية، وتحدّث بخُلقٍ هاشمي رفيع، عن القِيَم والمبادئ العروبيّة، وظلَّ متفائلاً أنْ تخرج الأمّة من تلك الأزمة حرّة منتصرة. كما كشف الحسين عن حراكه السياسي الأخير، والرِّسالة التي وصلته من ميخائيل غورباتشوف، وتفيد بمحاولة الأخير طلب تأجيل الضربة يوماً أو يومين للاتِّصال ببغداد للانسحاب. ولكن الضربة الجويّة سبقت محاولة روسيا الأخيرة. كما قال إن (غورباتشوف) وجَّه نداء لمساندته بمهمّة سحب العراق من الكويت، وإنَّهُ أبلغه أنَّ العراق لن ينسحب وهو تحت القصف.
في ذلك الاجتماع قدَّمنا للراحل الحسين تقديراً لمعالجتنا لأزمة الوافدين المتوقَّعة، فالتقديرات كانت تشير إلى أنَّ 200 ألف وافد سيتوجّهون لتركيا، و200 ألف إلى إيران، و100 ألف لسوريا، و750 ألفاً إلى الأردن، وهو ما سيجعلنا أمام تحدٍّ خطيرٍ في مواجهة هذا العدد الضّخم.
أبلغنا الراحل الحسين ببدء الاعتراف بسقوط طائرات أميركيّة في سماء العراق، وقلتُ له إنَّ العراقيين قالوا إنهم يتوقعون أن 18 ألف طن من القنابل والصواريخ ستسقط عليهم، وتقديراتهم أنَّ ذلك سيكون بتنفيذ 2500 طلعة جويّة.
في اليوم الثاني لقصف بغداد، وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، بدأ الهجوم العراقي على إسرائيل، قصفت بغداد تل أبيب بـثمانية صواريخ، انفجَر منها سبعة. كانت التوقُّعات تشير إلى أنَّ أي ردّ إسرائيلي سيستخدم الأجواء الأردنيّة، وعندها سيقع المحظور؛ لأنّنا لن نسمح بذلك، وتعليماتنا تؤكِّد أنَّ ضرب العقبة سيقابله ضرب لإيلات.
الخوف بالنِّسبة لنا كان استهداف مصفاة البترول، والتي تعني لنا الحياة أو الموت، فجاء الاقتراح بإطفاء وحدات التكرير، وتفريغها، لتقليل أي خطر إنْ وقع الأسوأ، واقترحنا تخزين المحروقات بمحطّات الوقود.
وبالنِّسبة لأي اختراق إسرائيلي لمجالنا الجوّي، كانت التعليمات تفيد بضرب أي محاولة، وأبلغنا الأميركيين بذلك.

إلى بغداد تحت القصف
في اليوم الثاني للحرب على العراق قمتُ بزيارة سريّة لبغداد. رتَّبتُ جيداً للزيارة على الرّغم من أنَّ الملك الحسين وزيد بن شاكر أبديا انزعاجهما من الفكرة؛ لأنّهما اعتبرا الزيارة مخاطرة أمنيّة عالية، إضافة إلى كلفة الأمر السياسيّة في حال كشفها. وعلى الرّغم من ذلك أعددتُ جيداً للزيارة، حيث جهّزتُ مركبتين للمغادرة، وزوّدتهما بالوقود اللازم، كما حضّرت وقوداً إضافياً، حيث عبّأتُ جالونات بنزين ووضعتُها في صناديق المركبتين.
ذهبنا ونحن لا نعلم شيئاً عن الطريق، ولا نعلم بطبيعة ظروفها، ولا نعلم عن المدّة الزمنيّة التي ستستغرقها الرحلة. انطلقتُ صوب العراق ولم أخبر أحداً من أسرتي.
بدأنا السير على الطريق، وبالكاد ترى أحداً عليه، والمشكلة تكمن بسهولة استهداف المركبتين، لأنَّهُما تسيران بسرعة عالية ويمكن رصدهما، كان الهدف من الخروج بمركبتين هو إن تعطّلت إحداهما، تبقى الأخرى تعمل. وسرنا على الطريق الدولية بالسيارات المصفّحة، على سرعة 200 كم بالساعة، وكانت مجازفة خطيرة؛ لأنّ أي مشكلة على الطريق، قد يصعب تفاديها بوزن السيارة المصفّحة وهي على سرعتها؛ لأنّها تحتاج إلى مسافة طويلة لكي تتوقَّف. لم تغفُ عيناي لحظة على الطريق، فكان هدفي حفظ الطريق بشكل جيّد، حتى أضمن العودة متجنِّباً كلّ الأخطار.
كانت مغامرة خطيرة، فقد كنّا نرى الطائرات الحربيّة من بعيد، تتّجه نحو سماء بغداد تقصف وتعود لقواعدها، وكان كلّ همّي أن أعبّئ السائقين بالمعنويّات المرتفعة، وألا يخافا من أي خطر حولنا. كنّا نمرّ على دوريّات الجيش العراقي، وكانوا يطلبون منّا الخبز، وكنتُ أستغرب من الأمر، فكيف لم يحسب الجيش العراقي حساب جنوده بالطعام اللازم خلال ما يتعرَّضون له من حرب؟
تابعنا المسير بسرعة عالية إلى أن وصلنا بغداد، وتوقفنا عند سفارتنا، وإذ بها مغلقة، سألت عن الموظفين في السفارة، فأبلغني الحارس أنّهم خرجوا للغداء، واتَّصل بهم ليعودوا. سألتهم: «كيف تغلقون السفارة؟»، فأجابوا بأنَّهُم لم يتبلغوا بزيارتي لبغداد، كما أنّهم إنْ لم يخرجوا للغداء في تلك الساعة، فستغلق المطاعم والمحال، ويمكثون في عملهم من دون طعام، وأبلغوني أن لا طعام لديهم سوى البرغل، فالخبز والطحين مقطوعان في بغداد.
طلبتُ منهم الاتصال بطارق عزيز وطـه ياسين رمضان، ويبلغوهما أنّي موجود في بغداد وأريد لقاءهما.
تركتُ المركبتين، وجاءني (بك أب) عراقي، نقلني لمقرّ رمضان وعزيز، واستغربتُ من كل هذه الإجراءات الضعيفة لمواجهة حرب دوليّة لا يعرف العراقيّون أمدها، فقد كان طارق عزيز مقطوعاً من الوقود، وسألته «إذن، كيف سأعود لعمّان بهذه الحالة، فالمركبتان انتهى مخزونهما من الوقود!».
واستغربتُ كيف لهم أن يدخلوا حربهم تلك، من دون أي احتياط غذائي، أو في المحروقات أو الكهرباء، وقلتُ إننا في الأردن ولسنا هدفاً في الحرب، أنهينا الاستعدادات كلّها قبل أن تبدأ الحرب. نصحتُ بتأمين كل الاحتياطات اللوجيستيّة، ونصحتُ برسم خطة شاملة لتأمين بغداد، بكلّ مستلزماتها من الغذاء والدواء والمحروقات. وفعلاً فقد كسرتُ الحصار على بغداد بطُرُق عدة، وضمنتُ أن يستمرَّ تمويني لهم بكلّ متطلَّبات الحياة الأساسيّة، من غذاء ودواء، حتى إنّي كرَّرتُ لهم مرّات كثيرة نفطاً خاماً في مصفاة البترول عندنا، وأعدتُ إرساله لهم.
التقيتُ طـه ياسين رمضان لمدَّة أربع ساعات، وبحثتُ معه كلّ الأمور المشتركة، وأبلغني أنّ أمورهم جيِّدة، وما حصل أقلّ من توقُّعاتهم. أمورهم العسكريّة كانت منظّمة جدّاً، وانتقدتُ أمورهم التنظيميّة الإداريّة، فالمحال كانت مغلقة، ولم أجد سيارة شرطة في الشارع، لا ماء ولا كهرباء، ولا أفران، ولا محطة وقود، سوى محطة واحدة تعمل بطريقة يدويّة لأنَّ الكهرباء مقطوعة عن بغداد، لكن وعلى الرّغم من ذلك، كانت الناس عاديّة والانضباطيّة تامة، فعند حدوث القصف، تذهب الناس للملاجئ، ويبقى الجيش الشَّعبي للحراسات المدنيّة.
قيل لي إنَّ جزءاً من سكان بغداد غادروا باتِّجاه الشمال وإلى الحدود الإيرانيّة، وأبلغني رمضان أنّ الضّربات العسكريّة من قوى التحالف، لم تصب 80 في المائة من الأهداف، وأكّد لي قدرة العراق على إثبات سقوط عدد من طائرات التحالف، وأنَّ طيّاري تلك الطائرات، إمّا أحياء، أو في الأكفان.
خلال وجودي في بغداد وقعت غارتان، والمقاومات الأرضيّة مَنَعَت الطيران من الاقتراب، والعراقيّون كانوا يجرّون قوى التحالف لمعركة أرضيّة، وقيل لي إنَّ ضرب إسرائيل لم يكن مخطّطاً له في تلك اللحظة، ولكن بسبب كذب أميركا بإعلانها تدمير منصّات الصواريخ العراقيّة، فعل العراق ما فعل. وقال لي رمضان إنَّ أرقام المنصّات مأخوذة من الاتحاد السوفياتي، وإنَّ العراق بنى غيرها؛ لأنّهُ توقّع سرقة الأرقام من الروس، وتسريبها للولايات المتحدة.



إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended


انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.