«عناق النيل واليانجتسي»... صلات أدبية وثقافية ونماذج نسائية

دراسات مقارنة ترصد المشترك بين رموز الأدبين المصري والصيني

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

«عناق النيل واليانجتسي»... صلات أدبية وثقافية ونماذج نسائية

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

يقدم الباحث المصري المتخصص في الأدب الصيني الدكتور حسانين فهمي حسين، من خلال كتابه «عناق النيل واليانجتسي» موجزاً لتاريخ التفاعلات الأدبية بين مصر والصين، راسماً لوحة بانورامية لأبحاث وترجمات الأدب الصيني في مصر، إلى جانب دراسة تأثير أعمال الكاتبين الصينيين الشهيرين «لو شون» و«لاو شه» في إبداعات بعض الكتاب المصريين، كما يستقصي، عبر كثير من الدراسات المقارنة لأعمال مختارة من لاو شه ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، صورة المرأة في أدب كل منهم، ويعقد مقارنة بين النماذج النسائية التي ظهرت في إبداعاتهم الروائية للوقوف على مكانتها، ورؤيتهم لمشكلاتها، وطرائقهم في تصوير معاناتها في المجتمع.
ويمثل الكتاب الذي صدر حديثاً في طبعة عربية عن دار صفصافة، إضافة مهمة في مجال الدراسات المقارنة بين الأدبين الصيني والعربي، ويكشف - حسب رأي الباحث الصيني شويه تشينغ قوه - في مقدمته للطبعة العربية، عن مدى انتشار وتأثير الأدب الصيني في مصر كمركز مهم للأدب والثقافة العربية، كما يرصد الصلات الأدبية والثقافية بين البلدين، ويركز علي دراسات الأدب الصيني الحديث والمعاصر وترجماته، بهدف دفع جمهور الباحثين المصريين والصينيين والعرب إلى الاهتمام بالموروث الثقافي، وتعميق جسور التواصل بين الأدب والثقافة المصرية والعربية عامة والأدب والثقافة الصينية.
ويعتبر الكتاب في أساسه دراسة بحثية، تقدم بها حسين إلى كلية الأدب المقارن والعالمي بجامعة اللغات ببكين عام 2008، وهي الأولى من نوعها في تناول التفاعلات الأدبية بين الأدبين الصيني والمصري والعربي عامة، وحصل بها على الدكتوراه، كأول باحث عربي يحصل على هذه الدرجة في الآداب من هذه الجامعة الصينية المرموقة.
قسّم المؤلف دراسته أربعة أبواب رئيسية، تكوّن كل منها من عدد من الفصول. أتبعها بملحق من جزأين، تناول الأول صورة مصر في الإبداع الأدبي الصيني الحديث والمعاصر، أما الثاني فقام من خلاله باستقصاء صورة الصين في الإبداع الأدبي المصري الحديث. ثم وضع في النهاية قائمة بأهم الأعمال الأدبية الصينية التي تم ترجمتها حتى نهاية عام 2018.
وخصص المؤلف الباب الثالث من الكتاب للحديث عن المشوار الإبداعي للكاتبين الكبيرين نجيب محفوظ والصيني لاو شه. ويرى حسين، أنهما يتشابهان في تقديم صورة واقعية ودقيقة عن الحياة في بكين والقاهرة كل على حدة، ومن أهم الأمثلة على إبداعات لاو شه رواياته «قال جاوتزه»، و«فلسفة العم جانغ»، و«الجمل شيانغ تسي»، و«مشوار حياتي»، و«أربعة أجيال تحت سقف واحد» و«تحت العلم الأحمر»، وسجّل فيها كل ما يتعلق ببكين من ثقافة المسكن والأزقة والأسواق المكتظة، أما محفوظ فقد برع في تصوير حياة سكان الحارة القاهرية ومرتادي المقاهي والجوامع والكنائس، وكانت أسماء بعض رواياته تفسح للمكان دور البطولة مثل «قصر الشوق»، و«السكرية»، و«خان الخليلي»، و«زقاق المدق»، و«أفراح القبة»، و«قشتمر».
وانطلاقاً من أعمال لاو شه ومحفوظ التي تتخذ المدينة مسرحاً لأحداثها، وجد الباحث أن كليهما قدم وصفاً دقيقاً للمدينة وثقافتها وحياة أهلها، ومثلما احتلت المقاهي القاهرية مساحة كبيرة في روايات محفوظ خاصة الثلاثية، كانت مقاهي بكين فضاء مكانياً حاضراً بقوة في إبداعات لاو شه، وهو ما عبرت عنه رائعته المسرحية «المقهى» 1957.
ورغم اهتمام لاو شه ومحفوظ بالكتابة عن المدينة وتصوير حياة الناس بها، فإنهما نجحا أيضاً في تقديم عدد من الشخصيات الريفية. ومنها شخصية «شيانغ تسي» بطل رواية لاو شه ذائعة الصيت «الجمل شيانغ تسي»، وقد نجح لاو شه في تصوير العالم النفسي لشخصية «شيانغ تسي» وأظهره في صورة شخصية سلبية منشغلاً بهمه الشخصي، وهو ما فعله محفوظ وهو يصور شخصية «محجوب عبد الدايم» في رواية «القاهرة الجديدة».
وذكر الباحث أن معالجة مشكلات المرأة وتصوير واقعها في المجتمع الصيني والمصري تعتبر من القضايا المهمة التي انشغل بها كل من لاو شه ومحفوظ في كتاباتهما، وذلك من أجل الكشف عن الظلم الذي تعرضت له أثناء فترات مهمة في التاريخ الصيني والمصري الحديث.
وأشار الباحث إلى أن محفوظ قدم في رواياته نماذج لنساء من الطبقة المتوسطة في المجتمع المصري مثل «نفيسة» في «بداية ونهاية»، و«نور» المرأة التي تسقط في البغاء في «اللص والكلاب»، والمرأة الريفية «زهرة» في «ميرامار»، أما لاو شه فقد أجاد الكتابة عن نساء بكين اللاتي ينتسبن للطبقتين الدنيا والمتوسطة، وعبر عن مشكلات المرأة والظلم الذي تعرضت له في ظل التغيرات السياسية والاجتماعية الكبيرة التي شهدتها بكين قبل تأسيس الصين الجديدة.
وقسم الباحث في الكتاب الشخصيات النسائية التي قدمها لاو شه إلى ثلاث فئات، الأولى «المرأة التقليدية»، وتميزت بالقدرة على تحمل مصاعب الحياة، وتمثلها شخصية «يون ميي» في رواية «أربعة أجيال تحت سقف واحد»، وتأتي في مقابلها شخصية «أمينة» الشهيرة في ثلاثية محفوظ، وتشبه شخصية «شياو فوتسي» المصير البائس ذاته، حسب ما يشير الباحث، لشخصية «نفيسة» في رواية «بداية ونهاية» لنجيب محفوظ، وهي خير نموذج للمرأة النمطية البائسة التي اضطرها الفقر إلى السقوط وبيع نفسها، وعندما واجهتهما الحياة بأصعب ما فيها من متاعب ومحن ومعاناة، لم تجد أي منهما أمامهما إلا الانتحار.
وقال المؤلف، إن شخصية «المرأة المثقفة» من الشخصيات المميزة في إبداع لاو شه، ومن الأمثلة عليها «لي جينغ» و«لونغ فينغ» في رواية «فلسفة العم جانغ»، فضلاً عن «وانغ لينغ شه» و«تان يو آه» في رواية «قال جاوتزه» وشخصية «أنا» في رواية «يويه يا إر». كما لا تخلو أعمال محفوظ من هذه النماذج للمرأة المثقفة، وتعد شخصية «سوسن حماد» في «السكرية» من أبرز الأمثلة عليها.
أيضاً تعد شخصية المرأة المتسلطة في روايات لاو شه من أبرز الشخصيات النسوية التي قدمها في أعماله، وأكثرها تميزاً من الناحية الفنية. وتتسم بلغتها الجريئة، ولسانها السليط، ومن أمثلتها «خونيو النمرة» في رواية «الجمل شيانغ تسي»، و«ليو تون دي» في رواية «ليو تون دي»، و«داتشه باو» في رواية «أربعة أجيال تحت سقف واحد»، وتأتي شخصية «خديجة» في الثلاثية المحفوظية قريبة من صفات المرأة المتسلطة.
وضمن الباب الأول الذي جاء بعنوان «موجز تاريخ التفاعلات الأدبية بين الأدبين المصري والصيني الحديث» ناقش المؤلف أحوال دراسات الأدب المصري في الصين وترجماته، وأهم الدراسات التي قدمها الباحثون الصينيون حول الأدب المصري، وخلال الباب الثاني سعى إلى إلقاء الضوء على رائد الأدب الصيني الحديث لوشون 1936 - 1886. ورصد في الفصل الأول منه آراء عدد من الأدباء والمثقفين والدبلوماسيين العرب حول لوشون وفكره وإبداعاته الأدبية. في حين تحدث في الفصل الثاني عن أهم الدراسات التي أعدها الباحثون المصريون والعرب حول لوشون وإبداعاته، مع الإشارة إلى المكانة الكبيرة التي يتمتع بها لدى جمهور الباحثين في الأدب الصيني في مصر والعالم العربي. وتناول الفصل الثالث، من وجهة نظر مقارنة، تأثير الكاتب الصيني لوشون في بعض إبداعات الكاتب المصري عبد الغفار مكاوي.
كما قدم الباحث دراسة مقارنة موجزة حول رواية لاو شه «الجمل شيانغ تسي» ورواية توفيق الحكيم «يوميات نائب في الأرياف»، وقال إن العملين يتفقان في اهتمامهما بتوجيه النقد الساخر للمجتمع والتعاطف مع فئة المهمشين، كما تتبع صورة العلاقة بين الغرب والشرق انطلاقاً من دراسة روايتي «عصفور من الشرق» للكاتب المصري توفيق الحكيم و«السيد ما وابنه» للصيني لاو شه.
وفي الباب الرابع، قدم المؤلف رصداً موجزاً لدراسات عدد من الباحثين المصريين وترجماتهم في مجال الأدب النسوي الصيني الحديث والمعاصر، وتعرض الفصل الأول من هذا الباب بشيء من التفصيل إلى الكاتبة الصينية المسلمة «هودا» 1945 وروايتها «جنازة إسلامية» والتي تُرجمت إلى العربية بعنوان «عاشق اليشم»، وتناول الباحث خلالها السمات الفنية والفكرية التي ميزتها، وكانت سبباً لأن تكون على رأس الأعمال الأدبية الصينية المعروفة في العالم العربي، وحصلت بها على جائزة ماو دون والتي توازي نوبل في الأدب الصيني، أما الفصل الثاني، فهو دراسة مقارنة بين رواية «الباب المفتوح» للمصرية لطيفة الزيات، ورواية «أنشودة الشباب» للصينية يانغ موه 1914 - 1995.
ويختم المؤلف كتابه بملحق من جزأين رئيسيين، يتناول الأول صورة مصر والمصريين في أعمال عدد من الكُتاب الصينيين، ويرصد حضارتها العريقة في أشعار «قوه مو روه»، و«شيو جه موه»، و«وانغ مينغ»، أما الجزء الثاني من الملحق فيحلل صورة الصين وشعبها لدى الكاتبين محمود البدوي وأنيس منصور.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.