دفاتر اليونيسكو عن الإسلام في القرن الحادي والعشرين

دفاتر اليونيسكو عن الإسلام في القرن الحادي والعشرين

حصيلة مؤتمر شارك فيه عشرات الباحثين العرب والفرنسيين
الخميس - 24 ذو الحجة 1441 هـ - 13 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [ 15234]

وصلت إليّ مؤخراً أعمال مؤتمر باريس عن التجديد الإسلامي في ثلاث لغات أساسية، العربية والفرنسية والإنجليزية. وهي صادرة عن مؤسسة كبيرة اسمها «الإسلام في القرن الحادي والعشرين». رئيسها حاليا الدكتور صادق بلوصيف؛ طبيب جراح مشهور، إحدى الشخصيات الجزائرية المعروفة والمحترمة في فرنسا، أما أمينها العام فهو ميشيل دو روزن إحدى الشخصيات الفرنسية المعروفة أيضاً والمهتمة بالقضايا العامة الكبرى. وهل هناك من قضية أكبر من الإسلام في هذا العصر؟ وهو الدينامو المحرك للعملية كلها. أما المفوضة العامة للمؤسسة فهي السيدة إيفا جانادان، صاحبة الكتاب المعروف «أصوات من أجل إسلام مستنير».

أوضح ميشيل دو روزين أهداف المؤسسة قائلاً ما معناه: «إننا لا نهدف إطلاقاً إلى النيل من الإيمان أو الاعتقاد الديني الإسلامي. فهذا يظل مشروعاً كلياً وخارج النقاش تماماً. ولكننا نهدف فقط إلى تفحص التراث الإسلامي بشكل نقدي على ضوء العلوم والمعارف الحديثة.

وذلك لأن القراءة التقليدية القديمة له أصبحت تسبب مشكلة حقيقية بعد ظهور حركات التطرف التي تتبناها بحذافيرها». مضيفاً: «ومن جهة أخرى ينبغي العلم بأن التراث الإسلامي كثيراً ما ينظر إليه الآخرون من زاوية الجهل والخوف والإشاعات لا من زاوية الثقة والمودة والاطلاع والمعرفة الحقة.

ولذا فنحن نهدف إلى تجديد هذا التراث والتعريف به على نطاق واسع لأن الإنسان عدو ما جهل». سوف نستعرض أفكار هذا الباحث الفرنسي لاحقا بتوسع أكثر. على أي حال لقد شارك في هذه الدفاتر عشرات الباحثين العرب والفرنسيين الذين حضروا ذلك المؤتمر العالمي الكبير الذي عقدته المؤسسة في القاعة الكبرى لليونيسكو العام الماضي. نذكر من بينهم الدكتور عبد الرحمن السالمي، رئيس تحرير مجلة «التفاهم» الرصينة المعروفة الصادرة في العاصمة العُمانية مسقط.

وقد دافع فيها عن الفهم الصحيح للإسلام فيما يخص قضايا أساسية كقضايا الحرية، والجهاد، والعنف، والمساواة بين الرجل والمرأة، إلخ... واتخذ موقفاً مشابهاً لموقف المفكر الباكستاني الشهير محمد إقبال في كتابه المعروف «تجديد الفكر الديني في الإسلام». وهنا يسجل الدكتور السالمي الملاحظة المهمة التالية قائلاً: «في ذلك الكتاب الكبير أقام الفيلسوف الباكستاني المجدد تفرقةً واضحة بين مبادئ الحرية التي قررها القرآن الكريم، والتفكير الديني التقليدي الذي شابه الجمود والانحطاط في شتى القضايا، والذي دعا إقبال إلى المطالبة بتجديد جذري فيه.

وبالتالي فالمشكلة لا تكمن في القرآن والإسلام ككل كما يتوهم البعض وإنما فقط في الفهم الخاطئ والضال الذي يتبعه المتشددون المتطرفون، وكذلك المحافظون المتحنطون». هذا ما فهمناه من مداخلة الدكتور عبد الرحمن السالمي الطويلة والمتوازنة والقوية الحجة والواسعة الاطلاع عموماً على كلا الطرفين الإسلامي والاستشراقي الغربي.

نلاحظ أن دفاتر مؤتمر باريس الصادرة عن مؤسسة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين» تشبه الكراسات الصغيرة المكثفة والأنيقة جداً. وقد قسمت أبوابها إلى أربعة محاور كما يقول لنا الأمين العام ميشيل دو روزن: «الإسلام وحرية الضمير والمعتقد. الإسلام والعنف. الإسلام والمساواة. الإسلام ووسائل الإعلام».

وقد نبه هذا الباحث الفرنسي بذكاء إلى الحقيقة التالية: وهي أن معظم المؤتمرات التي تُعقد عن الإسلام، وما أكثرها، لا تثير أي اهتمام. لماذا؟ لأنها عبارة عن أبحاث أكاديمية باردة ومعقدة صادرة عن أكاديميين وموجَّهة إلى أكاديميين آخرين هم وحدهم فقط الذين يفهمونها. وبالتالي فلا علاقة للجمهور العريض بها ولا تقدم ولا تؤخر. وليس لها أي تأثير على الجمهور العام. بل إنها مدعاة للملل والضجر في معظم الأحيان. كما أنها تتحاشى عموماً القضايا الحساسة والحارقة التي تشغل العالم حالياً.

ولهذا السبب، ولتحاشي كل هذه النواقص، دشنّا مؤسسة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين» بغية طرح القضايا الأساسية وإضاءتها بشكل حيوي وجذري. والهدف النهائي هو التوصل إلى إسلام عقلاني حديث يليق بعصرنا؛ أي إسلام مستنير ومنفتح يليق بالقرن الحادي والعشرين. من هنا عنوان المؤسسة الوليدة المرشحة لمستقبل باهر على ما أعتقد. فهي تلبّي حاجة تاريخية حقيقية.

لماذا؟ لأنها تدعو إلى إسلام متجدد: إسلام المحبة والسماحة والسلام والتفاعل الحضاري والتعايش الأخوي مع جميع الأقوام والشعوب. ويمكن أن نضيف من عندنا ما يلي: وهذا متوافق مع جوهر القرآن الكريم الذي يقول: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا». وهو الإسلام نفسه الذي دعا إليه ابن عربي قبل ثمانية قرون تقريباً في قصيدته الشهيرة عن دين الحب:

أدين بدين الحب أنّى توجهتْ

ركائبه فالحب ديني وإيماني

كما أنه الإسلام نفسه الذي كان يحلم به محمد إقبال أيضاً. فهو تلميذ نجيب لابن عربي في هذا الصدد.

لا نستطيع للأسف في هذه العجالة التحدث عن جميع المداخلات وإنما سنكتفي بإثارة بعضها. وسوف نتوقف قليلاً عند المداخلة المطولة التي قدمتها السيدة بريزة خياري، الجزائرية الأصل عضو مجلس الشيوخ الفرنسي، رئيسة معهد ثقافات الإسلام في فرنسا.

فقد حملت حملة قوية على المتطرفين الذين حوّلوا الإسلام إلى دين عقوبات بدنية وتخويفات إرهابية ليس إلا. هذا في حين أنه دين روحاني وأخلاقي عظيم بل أحد التراثات الدينية الكبرى للبشرية. إنه دين الرحمة والشفقة الكونية على العباد والكائنات وكل مخلوقات الله. ولكن الإخوان الدواعش أفقروه وشوّهوه وخانوه وغدروا به... ثم تحمل السيدة خياري أيضاً على اليمين الشعبوي المتطرف الفرنسي الذي ينتعش انتخابياً في كل مرة على ظهر الإسلام والمسلمين ومهاجمتهم. تطرف وتطرف مضاد يتغذى احدهما من الآخر على الساحة الفرنسية والعالمية. ينبغي أن نخرج من هذه الحلقة الجهنمية التي أغلقنا المتشددون الجهلة داخلها.

وتقول هذه المسؤولة الكبيرة التي كانت أيضاً نائبة لرئيس مجلس الشيوخ الفرنسي: «إن الثقافة تلعب دوراً كبيراً في محاربة التطرف والراديكالية الدينية. فلو كان هناك تعليم صحيح ومستنير للإسلام في كلتا الجهتين العربية والفرنسية لما انتعشت كل هذه الحركات الظلامية بمثل هذا الشكل». ثم استشهدت خياري بكلام للفيلسوف المغربي علي بن مخلوف الذي يقول فيه إن الفارابي كان أول من دعا إلى الدولة المدنية والحداثة الفكرية وذلك في كتابه الشهير عن «المدينة الفاضلة».

ومعلوم أن الفارابي هو أكثر فلاسفة الإسلام عقلانية، وليس ابن رشد على عكس ما نتوهم. وذلك لأن ابن رشد ظل فقيهاً متشدداً في أعماقه على الرغم من انفتاحه الكبير على فلسفة أرسطو. وعلى الرغم من أنه كان ينادي بالتوافق بين العقل والشرع، أو الفلسفة والدين، فإنه ظل يغلّب الاعتقاد اللاهوتي على العقلانية الفلسفية إذا ما أُجبر على الحسم. وذلك على عكس الفارابي الذي كان يغلّب العقل على النقل بشكل واضح.

وبالتالي فهو من هذه الناحية أكثر فلاسفة العرب عقلانية وأعظم فلاسفة الإسلام قاطبة. ثم تنبهنا الباحثة الجزائرية إلى النقطة المهمة التالية: وهي أنه لا ينبغي أن يتحول التراث إلى حجر عثرة أمام الحداثة والتحديث واللحاق بالعصر وركب الأمم المتطورة وإنما ينبغي أن يكون دافعاً إلى ذلك ومشجعاً عليه.

ولكنّ المشكلة هي أن القراءة التقليدية الظلامية للتراث الإسلامي أصبحت تمثل مشكلة وعقبة وحجر عثرة. لأنها هي القراءة المهيمنة على الجماهير حالياً. من هنا قوة التيار الراديكالي المتطرف وهيمنته على الشارع العربي. ولهذا السبب فنحن في أمسّ الحاجة إلى قراءة تنويرية وتجديدية للتراث العربي الإسلامي. فهي المخرج والخلاص.

ويمكن أن نتابع بهذا الصدد تفكير الفارابي ونمشي على خطاه. فهو كانط العرب أو أرسطو العرب أو المعلم الثاني. ولكن يمكن أن نضيف إليه تلميذه عبقري العباقرة ابن سينا. ويمكن أن نضيف أيضاً أبا العلاء المعري الذي ربما كان أكبر عبقرية شعرية وفلسفية في تاريخ العرب والإسلام. ويمكن... ويمكن... ذخائر العرب، أو ذخائر التراث، لا تُحصى ولا تعد...

للأسف الشديد لا أملك الوقت الكافي للتحدث عن مداخلة المفكر الأفريقي من أصل مالي الدكتور يوسف سانغاري. وهي متركزة على الموضوع التالي: حرية الضمير والاعتقاد في الإسلام. فهو يطرح الإشكالية بكل دقة وصراحة ووضوح على مدار تاريخنا القديم والمعاصر.

وبما أنه يتبع المنهج التاريخي الحديث في البحث فقد استطاع حل الإشكالية وإضاءتها بشكل غير مسبوق. لكن لا أعتقد أن الوعي العربي أو الإسلامي في وضعه الحالي قادر على تحمل تحليلاته والنتائج الحاسمة التي توصل إليها. فنحن لا نزال مغموسين وأكاد أقول انغماسيين! في الماضي الغابر والرؤية التقليدية الموروثة للأمور. وبالتالي لا نستطيع تقبل الرؤية الحديثة، أي الحقيقية عن أنفسنا وتراثنا لأنها قد تصدمنا كثيراً بل وتزلزل قناعاتنا ويقيننا المطلق.

بهذا المعنى أقول: سوف تحصل زلازل فكرية في العالم العربي، بل الإسلامي كله في السنوات القادمة وسوف تحررنا من تصورات قديمة، بالية، عفا عليها الزمن. فالتصورات التراثية الموروثة ضخمة، هائلة، تملأ علينا أقطار وعينا وتحظى بالقداسة والمعصومية الكاملة. علاوة على ذلك، فهي لا تزال راسخة في العقلية الجماعية رسوخ الجبال. وويلٌ لمن تسول له نفسه أن يفككها أو حتى يقترب منها مجرد اقتراب!


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة